حقائق وعبر - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 40 - عددالزوار : 34274 )           »          الرائد الأول لحقوق الإنسان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          5 طرق فعالة للحفاظ على سلامة النباتات داخل المنزل.. معرض الربيع قرب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          3 خطوات احترافية لإخفاء ندبات البشرة بالمكياج بتغطية مثالية تدوم لساعات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          يوم الصحة العالمي.. 10أخطاء في أسلوب حياتك وراء شعورك الدائم بالإرهاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          نباتات تفوق الفلفل الحار بأضعاف فى شدة الحرارة والألم.. ما هي؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 55 )           »          طريقة عمل فتة مسخن الدجاج.. طبق لذيذ وسريع التحضير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 56 )           »          5 قطع ديكور أساسية لتصميم منطقة استرخاء فى غرفتك بسهولة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 53 )           »          تمارين وحيل فعالة لتحفيز نمو الشعر واستعادة طوله بشكل صحى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          وصفات طبيعية للعناية بالبشرة.. عشان تفضلى دايماً مشرقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 30-03-2026, 09:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,728
الدولة : Egypt
افتراضي حقائق وعبر

حقائق وعبر

رمضان صالح العجرمي
1- حقائق لمن يعتبر.

2- كيف نستعد للموت؟

الهدف من الخطبة:
التذكير بهذا المصير المحتوم، وترقيق القلوب للاستعداد والتأهب له بالعمل الصالح والتوبة والرجوع إلى الله تعالى.

مقدمة ومدخل للموضوع:
أيها المسلمون عباد الله، نقف هذه الوقفات مع آية من كتاب الله عز وجل، فيها الدروس والعبر، وفيها الحقائق لمن اعتبر، وفيها أسباب النجاة لمن يتذكر؛ قال الله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185]، فقد تضمنت هذه الآية الكريمة عدة حقائق، وهي:
الحقيقة الأولى: حقيقة الموت، وأن كل نفس ستموت ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185]، فليس لأحد من البشر خلود.

إنها الحقيقة الكبرى التي نحن في غفلة عنها، والتي قال الله تعالى عنها: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ق: 19 - 22]، كلام حق، لا نزاع فيه، ولا ريب ولا شك فيه؛ حتى الكافر، الملحد، يعلم هذه الحقيقة.

فكل حي سيفنى، وكل جديد سيبلى، وما هي إلا لحظة واحدة في مثل لمحة البصر تخرج فيها الروح إلى بارئها؛ فإذا العبد في عداد الأموات.

فالموت من جملة ما قدره الله تعالى على جميع خلقه؛ خلق الخلق، وقدر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، فلا بد من اليقين التام بأنه لا رادَّ لقضاء الله عز وجل وقدره؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة: 51]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك))؛ [رواه الترمذي، عن ابن عباس رضي الله عنهما].

الموت كتبه الله تعالى على جميع الخلائق، فكما أنه خلق الحياة فإنه خلق الممات؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 2].

الموت أمر كتبه الله على الخلق جميعًا: الغني والفقير، الصغير والكبير، الصحيح والمريض، الذكر والأنثى؛ فمن لم يمت اليوم مات غدًا، ومن لم يمت غدًا مات بعد غد؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [الأنبياء: 34، 35].

والجن يموتون؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت والجن والإنس يموتون))؛ [متفق عليه].

بل حتى الملائكة؛ قال تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ [القصص: 88]، فكلهم داخلون في عموم هذه الآية.

بل حتى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام سيموتون؛ ففي حديث الصور الطويل: ((فيقول الله وهو أعلم: فمن بقي؟ فيقول ملك الموت: بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا، فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما قد ترى، مت. ثم قال: أنا الجبار، ثم ينادي: لمن الملك اليوم؟ ثم يرد على نفسه: لله الواحد القهار))؛ [رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني، وضعفه الألباني].

مهما اتخذ الإنسان من الوسائل وفرَّ منه؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجمعة: 8]، وتأمل: كلنا يخاف من الموت، ويفر من أسبابه؛ لكن العجيب أن كل شيء نخافه نهرب منه إلى اتجاه آخر معاكس؛ إلا الموت فإننا نفر منه لنلاقيه!

ومهما بعدت به المسافات؛ قال تعالى: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 148].

ومهما تحصن من التحصينات؛ قال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء: 78]، بل إن أنفاسه معدودة عليه؛ قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ﴾ [مريم: 84]؛ ولذا فهو أعظم تحدِّي تحدَّى به الله تعالى الناس أجمعين، الملوك والأمراء والأغنياء والفقراء؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران: 168].

الحقيقة الثانية: كل منا سيجد جزاء أعماله يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 30]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 6 - 8]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ليروا جزاء أعمالهم"؛ والمعنى: أنهم يرجعون عن الموقف فرقًا لينزلوا منازلهم من الجنة والنار.

ليس معهم ما كان يميزهم على الناس في الدنيا؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [الأنعام: 94].

ولا يظلم من أعماله شيئًا؛ قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47].

الحقيقة الثالثة: أن الفوز الحقيقي هو دخول الجنة والنجاة من النار؛ فقد قال ربنا جل جلاله: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185].

ففي هذه ينبه ربنا سبحانه وتعالى عباده إلى أن الفوز الحقيقي؛ هو أن يبعدوا عن النار، وأن يدخلوا الجنة، هذا هو الفوز العظيم، وهذا هو الذي يسعى إليه الأخيار من العباد الفطناء، الذين عرفوا حقيقة هذه الحياة.

فإن أعظم هدف ينشده المكلف في هذه الدنيا: هو أن يغادرها يوم أن يغادرها وقد كتب الله تعالى له رضوانه، وأدخله جنته، وأنجاه من النار؛ فهذا هو الهدف الأكبر الذي ينبغي أن يسعى إليه المؤمن.

وتأمل قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 185]؛ يعني: أبعد عنها، وأنجي منها ﴿ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ﴾ [آل عمران: 185]؛ لأنه في الآخرة إما جنة، وإما نار، لا ثالث لهما؛ قال تعالى: ﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ [الشورى: 7].

وتأمل أيضًا: هذا الوصف؛ وصف الإبعاد عن النار: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 185]، فهو أمر ليس باليسير؛ فدلالة هذه اللفظة تبين أن الأمر يحتاج إلى معالجة، وإلى صبر ومصابرة، فكأنما هذا الإنسان حين يبعد عن النار ليس في لحظة واحدة، وإنما هي بالزحزحة التي تقتضي شيئًا فشيئًا، وهذا لعظم الأمر وثقله، وأنه ليس بالشيء اليسير.

فإن أغلى أمنية للمؤمنين الصالحين، وغاية ما يأمله الصالحون، ويشتاق إليه المشتاقون: أن تعتق رقابهم من النار، فكل بلاء دون النار عافية؛ قال تعالى: ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [الحشر: 20].

الحقيقة الرابعة: أن هذه الدنيا متاع غرور زائل، وليست دار بقاء، من عاش فيها مات؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النساء: 77]، وقال تعالى: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38]، وقال تعالى: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20].

وعن المستورد بن شداد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بمَ يرجع))؛ [رواه مسلم].

وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء))؛ [رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرأوا إن شئتم: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران: 185]))؛ [متفق عليه].

نسأل الله العظيم أن يحسن لنا الخواتيم، وأن يجعلنا ممن إذا ذكر تذكَّر، وإذا أذنب استغفر.

الخطبة الثانية
كيف نستعد للموت؟


أيها المسلمون عباد الله، فأما الموعظة لي وللحاضرين: فهي كيف نستعد للموت؟ نحن الآن نعزي ونصلي ونشيع، وغدًا سنكون في عداد الأموات؛ فماذا قدمنا؟! وهل استعددنا للموت؟

واعلم -رحمك الله- أن الاستعداد للموت يكون بثلاثة أمور:
أولًا: الإكثار من ذكره وعدم الغفلة عنه: فهو أمر مهم جدًّا به صلاح القلوب، واسمع إلى هذه الوصية الموجزة: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: ((أكثروا من ذكر هاذم اللذات))؛ [رواه الترمذي، وابن ماجه، وصححه الألباني]؛ كلام مختصر وجيز قد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة.

وفي رواية: ((أكثروا من ذكر هادم اللذات، فما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسَّعه، ولا سَعة إلا ضيَّقها))؛ [صحيح الجامع].

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي المؤمنين أكيس؟ قال: ((أكثرهم ذكرًا للموت، وأشدهم استعدادًا له؛ أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا، وكرامة الآخرة))؛ [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني].

وكان عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة!

واعلم رحمك الله أن الإكثار من ذكر الموت: لا ينقص الأجل الذي كتبه الله، ولا يقطع عن العمل الذي يحتاج إليه الإنسان في دنياه، وإنما يبعث على الاستعداد لما بعد الموت من أهوال.

واعلم رحمك الله أن الإكثار من ذكر الموت له صور عديدة؛ فمنها:
زيارة القبور.

مشاهدة المحتضرين وهم يعانون سكرات الموت، وتلقينهم الشهادة.

تغسيل الأموات، أو زيارة مغاسل الأموات ورؤية الموتى حين يغسلون.

تشييع الجنائز، والصلاة عليها وحضور دفنها.

تلاوة القرآن؛ ولا سيَّما الآيات التي تُذكِّر بالموت وسكراته.

الاتِّعاظ بالشيب والمرض؛ فإنهما من رسل ملك الموت إلى العباد.

الإكثار من سماع الخطب والمواعظ عن الموت والقبر والدار الآخرة.

كتابة الوصية وهو أمر مهم جدًّا.

ثانيًا: المسارعة بالتوبة والإكثار منها:
فإن أنفاس العمر معدودة محدودة؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: 34].

والموت يأتي بغتةً وحينئذٍ لا تنفع التوبة؛ قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴾ [القيامة: 26 - 29].

واعلم رحمك الله أن التوبة لها وقت لا تقبل فيه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء: 17، 18].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر))؛ [رواه أحمد، والترمذي]؛ أي: ما لم تصل الروح للحلقوم، فعندها لا تنفع التوبة، وتكون الحسرة والندامة على التفريط والتضييع؛ فكيف سيلاقي العبد ربه بهذه الذنوب والمعاصي وقد فتح له بابًا للتوبة عرضه ما بين المغرب إلى المشرق؟!

وآكد أنواع التوبة: رد المظالم إلى أهلها؛ ولذلك جاء الإرشاد النبوي بالتحلل من هذه المظالم قبل الممات؛ كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عرضه أو من شيء، فليتحلله منه اليوم قبل ألَّا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)).

والتحلل من هذه المظالم يكون بردِّها إلى أهلها، فأما الحقوق العينية: فإنها ترد بعينها، فإن عجز عن إرجاعها لعدم معرفته بصاحب هذه الحقوق فليتصَدَّق بها عنه. وأما الحقوق المعنوية من الغيبة والشتم: فإن كان يعلمها فإنه يستسمحه ويتحلل منه، وإلا فإنه يدعو له، ويستغفر له، ويذكر محاسنه.

ثالثًا: الإكثار من الأعمال الصالحة:
فإن الله تعالى جعل دار الدنيا مضمارًا للتنافس بين العباد في الإكثار من الأعمال الصالحة، وجعل الليل والنهار خِزانتين يودع فيهما العبد أعماله، وعلى قدر سعيه وجده واجتهاده يكون الجزاء العظيم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 30]، وقال تعالى: ﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 15]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46].

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث الصحابة، والأمة كلها على المبادرة بالأعمال الصالحة: ((بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا))؛ [رواه مسلم].

فإن العمل الصالح هو رفيق العبد إذا انتقل إلى الدار الآخرة:
فأما عند الموت فلن ينتفع إلا بأعماله الصالحة.

وحينما يوضع على الأكتاف ويحمل إلى قبره؛ فإنه ينتفع بأعماله الصالحة؛ في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله))؛ [متفق عليه].

وأما في القبر فجليسه وأنيسه هو عمله الصالح؛ فيأتيه في صورة رجل جميل المنظر طيب الرائحة ويبشره: ((أنا عملك الصالح)).

وأما عند الأمر بالنفخ في الصور فيقوم الناس من قبورهم، فترى العجب العجاب؛ فإنه يبعث على ما مات عليه من الأعمال الصالحة.

وحينما ينصب الصراط على ظهري جهنم؛ فالمرور عليه بقدر ما معك من أعمال صالحة؛ قال أبو سعيد الخُدْري رضي الله عنه: ((بلغني أن الجسر أدقُّ من الشعرة، وأحدُّ من السيف))؛ [رواه مسلم]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم، قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مدحضة مزلة))، ثم بيَّن تفاوت الناس على الصراط بقدر أعمالهم: ((فمنهم من يمرُّ كلمح البصر، ومنهم كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كالفرس الجواد، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا)).

وفي الختام: اعلم يا عبدالله، أن ملايين الموتى يتمنون مثل الدقيقة التي تمرُّ من حياتك ليستثمروها في طاعة الله تعالى وذكره والتوبة إليه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بقبر فقال: ((من صاحب هذا القبر؟)) فقالوا: فلان، فقال: ((ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم))، وفي رواية قال: ((ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون يزيدها هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم))؛ [رواه الطبراني، وصححه الألباني].

فالحياة فرصة، فلا ينبغي أن تضيع دقائق عمرك؛ لئلا تتحسر في آخرتك؛ فإن المضيع سوف يندم أشد الندم على التضييع والتفريط، وحينها يتمنى المرء أن يرجع ولو للحظات يفعل فيها الخيرات؛ كما قال الله تعالى عن أحوال النادمين: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 99، 100]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 10، 11].

نسأل الله العظيم أن يحسن لنا الخواتيم، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 93.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 91.84 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.84%)]