مظاهر اليسر في الصوم (5) كفارة رمضان وفديته - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 41 - عددالزوار : 34302 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5245 - عددالزوار : 2617641 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4843 - عددالزوار : 1946245 )           »          الرائد الأول لحقوق الإنسان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 57 )           »          5 طرق فعالة للحفاظ على سلامة النباتات داخل المنزل.. معرض الربيع قرب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 65 )           »          3 خطوات احترافية لإخفاء ندبات البشرة بالمكياج بتغطية مثالية تدوم لساعات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 57 )           »          يوم الصحة العالمي.. 10أخطاء في أسلوب حياتك وراء شعورك الدائم بالإرهاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 62 )           »          نباتات تفوق الفلفل الحار بأضعاف فى شدة الحرارة والألم.. ما هي؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 68 )           »          طريقة عمل فتة مسخن الدجاج.. طبق لذيذ وسريع التحضير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 66 )           »          5 قطع ديكور أساسية لتصميم منطقة استرخاء فى غرفتك بسهولة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 60 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29-03-2026, 05:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,729
الدولة : Egypt
افتراضي مظاهر اليسر في الصوم (5) كفارة رمضان وفديته

مظاهر اليسر في الصوم (5)

كفارة رمضان وفديته

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْإِسْلَامَ دِينَ يُسْرٍ لَا عُسْرَ فِيهِ، وَجَعَلَ شَرِيعَتَهُ رَحْمَةً لِعِبَادِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِمْ. نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ أَفَاضَ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ نِعَمِهِ، وَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ فِيمَا شَرَعَ لَهُمْ، فَمَا يَضِيقُ أَمْرٌ عَلَى النَّاسِ إِلَّا كَانَ فِي الشَّرِيعَةِ سَعَةٌ مِنْهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ جَاءَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَقَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ ‌يُشَادَّ ‌الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ؛ فَإِنَّكُمْ فِي شَهْرِ التَّقْوَى، وَقَدْ عُلِّلَ الصِّيَامُ بِحُصُولِ التَّقْوَى؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 183]، وَأَنْتُمْ فِي شَهْرِ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى؛ ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 185].

أَيُّهَا النَّاسُ: فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الصِّيَامَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَجَعَلَهُ شَهْرًا وَاحِدًا فِي كُلِّ الْعَامِ، وَخَفَّفَ فِيهِ عَنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ. وَرَغْمَ أَنَّ الصَّوْمَ حَبْسٌ لِلنَّفْسِ عَنْ مُشْتَهَيَاتِهَا مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنِّسَاءِ؛ فَإِنَّ فِيهِ مِنْ مَظَاهِرِ الْيُسْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَحِمَ عِبَادَهُ، وَلَمْ يُرِدْ تَعْذِيبَهُمْ.

فَمِنْ مَظَاهِرِ الْيُسْرِ فِي الصَّوْمِ: بَدَائِلُ الصَّوْمِ، وَالْكَفَّارَاتُ فِيهِ: فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ مُزْمِنٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَطْعَمَ بَدَلَ الصِّيَامِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 184]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ؛ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَهُ الْكِبَرُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَصُومَ رَمَضَانَ، فَعَلَيْهِ ‌لِكُلِّ ‌يَوْمٍ ‌مَدٌّ ‌مِنْ ‌قَمْحٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيَامَ فَقَدْ ‌أَطْعَمَ ‌أَنَسٌ بَعْدَمَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ، كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأَفْطَرَ».

وَطَرِيقَةُ الْإِطْعَامِ: إِمَّا أَنْ يُمَلِّكَهُمْ طَعَامًا؛ كَمَنْ يُعْطِيهِمْ قَمْحًا أَوْ أُرْزًا أَوْ نَحْوَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَيُغَدِّيَهُمْ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: «وَإِذَا جَمَعَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ وَعَشَّاهُمْ خُبْزًا أَوْ أُدْمًا مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ... وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي الدَّلِيلِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِطْعَامٍ لَمْ يُوجِبِ التَّمْلِيكَ، وَهَذَا إِطْعَامٌ حَقِيقَةً». وَيَكُونُ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَلِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ طَعَامٌ يُفَضِّلُونَهُ، قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَأَمَّا عِنْدَنَا هَاهُنَا فَلْيُكَفِّرْ بِمُدِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ، مُدٌّ مُدٌّ، وَأَمَّا أَهْلُ الْبُلْدَانِ فَإِنَّ لَهُمْ ‌عَيْشًا ‌غَيْرَ ‌عَيْشِنَا، فَأَرَى أَنْ يُكَفِّرُوا بِالْوَسَطِ مِنْ عَيْشِهِمْ».

وَوَقْتُ الْإِطْعَامِ عَلَى الْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ بِيَوْمِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ الْإِطْعَامَ إِلَى آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ، أَوْ بَعْدَ اِنْتِهَاءِ الشَّهْرِ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ.

وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَالِمًا مُتَعَمِّدًا، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ مُغَلَّظَةٌ؛ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: مَا لَكَ، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا،قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ،قَالَ: لَا، فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا،قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ، قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ، فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ ‌لَابَتَيْهَا -يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

فَمِنْ سَمَاحَةِ الْإِسْلَامِ، وَالْيُسْرِ فِي الصِّيَامِ: أَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي هَذَا الْإِثْمِ الْعَظِيمِ خُفِّفَ إِثْمُهُ الْعَظِيمُ بِهَذِهِ الْكَفَّارَةِ الْمُغَلَّظَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يَبْعُدَ عَمَّا يُثِيرُهُ؛ لِئَلَّا يَفْسُدَ صِيَامُهُ، وَيَقَعَ فِي إِثْمِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الْكَرِيمِ، وَلَهُ فِي اللَّيْلِ مُتَّسَعٌ. وَإِنْ أَحَسَّ بِغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ. وَلَوْ لَزِمَ الْمَسْجِدَ لِلتَّعَبُّدِ ذَهَبَ مَا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يُزَيِّنُ لِلْعَبْدِ ارْتِكَابَ الْإِثْمِ؛ فَإِذَا دَحَرَهُ الْعَبْدُ بِالْعِبَادَةِ ضَعُفَ وَخَنَسَ وَعَجَزَ عَنْ تَزْيِينِ الْإِثْمِ، وَانْتَصَرَ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ، وَيَا لَهَا مِنْ لَذَّةٍ مَا أَعْظَمَهَا، فِي كَبْحِ جِمَاحِ النَّفْسِ، وَقَمْعِ الشَّهْوَةِ، وَدَحْرِ الشَّيْطَانِ. وَلَذَّةُ الِانْتِصَارِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ أَعْظَمُ مِنْ لَذَّةِ الشَّهْوَةِ لَوْ قَارَفَهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سَمَاحَةِ الْإِسْلَامِ، وَالْيُسْرِ فِي الصِّيَامِ: أَنَّ الرَّجُلَ جَاءَ فَزِعًا يَقُولُ: هَلَكْتُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: احْتَرَقْتُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي إِثْمٍ عَظِيمٍ. ثُمَّ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ مُخَفِّفَةً لِذَلِكَ، وَمُؤَدِّبَةً لِمَنْ وَقَعَ فِي هَذَا الذَّنْبِ.

وَمِنْ مَظَاهِرِ الْيُسْرِ فِيهِ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ كَانَتْ بِالتَّدَرُّجِ وَالتَّرْتِيبِ؛ فَأَوَّلُهَا عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ؛ وَلِذَا لَمْ يُخْبِرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الرَّجُلَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ؛ وَلِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [الْبَقَرَةِ: 286]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التَّغَابُنِ: 16].

وَمِنْ سَمَاحَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ لَمْ يُعَنِّفِ الرَّجُلَ أَوْ يُغْلِظِ الْقَوْلَ عَلَيْهِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا رَأَى فِيهِ مِنَ اسْتِعْظَامِ الذَّنْبِ، حَتَّى قَالَ: هَلَكْتُ. وَسَعَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْلِيصِ ذِمَّتِهِ وَإِبْرَائِهَا بِمَا أَعْطَاهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ مَلَّكَهُ إِيَّاهُ لِيُطْعِمَهُ أَوْلَادَهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَفْقَرُ بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ.

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ بِمَا عَلَّمَنَا.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 223].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ فِي أَوَائِلِ هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ، وَسَيَمْضِي كَمَا مَضَى مَا قَبْلَهُ مِنْ رَمَضَانَاتٍ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الطَّائِعِ فِيهِ وَالْعَاصِي. وَمَا بَيْنَ الْمُقْبِلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُعْرِضِ عَنْهُ. وَمَا بَيْنَ مَنْ صَامَ فَحَفِظَ صِيَامَهُ، وَمَنْ صَامَ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَدَنَّسَ صِيَامَهُ بِالْمُحَرَّمَاتِ. وَمَا بَيْنَ مَنْ حَفِظَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ عَنِ الْإِثْمِ، وَمَنْ أَطْلَقَهَا فِي أَنْوَاعِ الْإِثْمِ. شَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا، وَعِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْحِسَابُ.

وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِيُسْرِ الصِّيَامِ، وَيُسْرِ الْقِيَامِ، وَيُسْرِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ فَحَرِيٌّ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ يَقْضِيَ رَمَضَانَ مُتَقَلِّبًا فِي أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ، يَنْتَقِلُ مِنْ عِبَادَةٍ إِلَى أُخْرَى، فَإِذَا فَتَرَ عَزْمُهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ تَوَجَّهَ لِلصَّلَاةِ، وَإِذَا تَعِبَ مِنَ الصَّلَاةِ اشْتَغَلَ لِسَانُهُ بِالذِّكْرِ وَلَوْ كَانَ عَلَى جَنْبِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ، مَعَ سَعْيِهِ فِي بِرِّ وَالِدَيْهِ، وَصِلَةِ أَرْحَامِهِ، وَإِحْسَانِهِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ وَجِيرَانِهِ، وَتَعَاهُدِ الْفُقَرَاءِ بِالْإِطْعَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ. هَذَا الَّذِي يَرْبَحُ فِي رَمَضَانَ، فَلَا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ خَيْرَهُ، وَخُذُوا حَظَّكُمْ مِنْ بِرِّهِ؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ عَظِيمٌ، مِنْ رَبٍّ غَنِيٍّ كَرِيمٍ؛ «الصَّوْمُ لِي ‌وَأَنَا ‌أَجْزِي ‌بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي»، فَمَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا يَجْزِي عَلَيْهِ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَمْ يُخْبِرْ بِمِقْدَارِ جَزَائِهِ؛ كَانَ جَزَاؤُهُ عَظِيمًا يَلِيقُ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَزِيلِ عَطَائِهِ، وَصِدْقِ وَعْدِهِ؛ ﴿ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ [النِّسَاءِ: 122]. فَجِدُّوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى- وَاجْتَهِدُوا، وَأَرُوا اللَّهَ تَعَالَى مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، وَاحْذَرُوا مُبْطِلَاتِ الصِّيَامِ، وَجَانِبُوا أَسْبَابَ الْفِتَنِ وَالشَّهَوَاتِ؛ مِمَّا يُعْرَضُ فِي الشَّاشَاتِ وَالْجَوَّالَاتِ؛ فَإِنَّهَا تَسْرِقُ حَسَنَاتِ الصَّائِمِينَ كَمَا تَسْرِقُ أَوْقَاتَهُمْ، وَتُكْسِبُهُمْ أَوْزَارًا لَا يَظُنُّونَ أَنَّهَا تَبْلُغُ مَا بَلَغَتْ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ ‌وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 58.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 56.42 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.88%)]