|
|||||||
| رمضانيات ملف خاص بشهر رمضان المبارك / كيف نستعد / احكام / مسابقات |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
سلامة القلب السيد مراد سلامة الحمد لله الذي وفَّق العاملين لطاعته، فوجدوا سعيهم مشكورًا، وحقَّق آمال الآملين برحمة، فمنحهم عطاءً موفورًا، وبسط بِساطَ كرمه للتائبين، فأصبَح وِزرَهم مغفورًا، وأَسبَل مِن نعمه على الطالبين وابلًا غزيرًا، سبحانه فتح الباب للطالبين، وأظهَر غناه للراغبين، وأطلق للسؤال ألسنةَ القاصدين، وقال في كتابه المبين: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، الذي سبَّح نفسه بما أولاه من ودِّه، فقال جل وعلا: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾ [الإسراء: 1]. يا سيدي يا رسول الله: أنت الذي تَستوجب التَّفضيلا ![]() فصلُّوا عليه بكرةً وأصيلَا ![]() مُلئت بنبوَّته الوجود فأظهَرا ![]() بحسامه الدين الصحيح فأسفَرا ![]() ومَن لم يُصلِّ عليه كان بخيلًا ![]() فصلُّوا عليه وسلموا تسليمَا ![]() وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نَهْجه وتمسَّك بسُنته، واقتدى بهديه، واتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين؛ أما بعد: فإن أمة الإسلام أمةُ صفاء ونقاء في العقيدة والعبادات والمعاملات، وقد نهى النبي عما يوغر الصدور ويبعث على الفُرقة والشحناء؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ»، قَالَ مَالِكٌ: «لَا أَحْسِبُ التَّدَابُرَ إِلَّا الْإِعْرَاضَ عَنْ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ فَتُدْبِرَ عَنْهُ بِوَجْهِكَ»[1]. وقال حاثًّا على المحبة والألفة: الجوهرة الأولى: سلامة الصدر علامة من علامات الإيمان: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذْا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[2]. الجوهرة الثانية: سلامة الصدر سبب لنيل شرف الأفضلية: عندما سُئل النبي: أيُّ الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرِفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد[3]. الجوهرة الثالثة: سلامة الصدر صفة من صفات أهل الجنة: سلامة الصدر نعمةٌ من النعم التي تُوهَب لأهل الجنة حينما يدخلونها: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾ [الحجر: 47]، وسلامة الصدر راحة في الدنيا وغنيمة في الآخرة، وهي من أسباب دخول الجنة. الجوهرة الرابعة: سلامة الصدر موجبة لدخول الجنة: سلامة الصدر من أسباب دخول الجنة، فعن أنس بن مالك قال: كنا جلوسًا مع الرسول، فقال: يَطلُع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تَنطِفُ لِحيته من وضوئه، قد تعلَّق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد، قال النبي مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث، قال النبي مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي تبِعه عبدالله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيتُ أبي، فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلتَ، فقال: نعم، قال أنس: وكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعارَّ وتقلَّب على فراشه، ذكر الله عز وجل، وكبَّر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث ليال، وكدتُ أن أحتقر عمله، قلت: يا عبدالله، إني لم يكن بيني وبين أبي غضب، ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مِرار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملُك، فأَقتدي به، فلم أرك تعمل كثيرَ عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله، فقال: ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أَحسُد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبدالله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نُطيق)؛ [رواه الإمام أحمد][4]. الجوهرة الخامسة: سلامة الصدر سبب لعظم الأجر: عن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشير وكان من أصحاب علي: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا ويؤجرون كثيرًا، قلت: ولِم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم [5]. الجوهرة السادسة: سلامة الصدر سبب لحسن الخاتمة: عن زيد بن أسلم قال: دُخل على أبي دجانة رضي الله عنه وهو مريض، وكان وجهه يتهلَّل، فقيل له: ما لوجهك يتهلَّل؟ فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين، أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا[6]. وقال قاسم الجُوعي رحمه الله تعالى: أصل الدين الورع، وأفضل العبادة مكابدة الليل، وأقصرُ طرق الجنة سلامة الصدر. أمثلة من حياة الصالحين: هذا سيد ولد آدم أجمعين عليه صلوات رب العالمين، يذهب إلى الطائف عارضًا نفسه على وُجهائها وأهلها، فلم يُجبه منهم أحد، فانطلق مهمومًا، وإذا هو بسحابة قد أظلَّته فيها جبريل، ومعه ملك الجبال، فناداه ملك الجبال: "إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك لتأمُرني بأمرك، فما شئت، إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين - جبلين بمكة - فقال صاحب الصدر السليم صَلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يُخرج الله مِن أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا"[7]، فأي صبرٍ وسلامة صدر هذا؟! ثم تأمل حاله صَلى الله عليه وسلم حين ضربه قومه فأدْمَوه - (أسالوا دمه) - فمسح الدم وهو يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"[8]. واستحضِر معي حالة المشركين معه صلى الله عليه وسلم في مكة، وقد آذَوه وسَعوا في قتله، حتى خرج من بين أظهرهم، وكان الأمر كما أخبر الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30]، فلما مكَّن الله له ودخل مكة فاتحًا، ما انتقم ولا آذى، بل قال لقومه: "لا تثريب عليكم اليوم"[9]. والأمثلة من حياته صَلى الله عليه وسلم كثيرة، ننصح بقراءة سيرته. نبي الله يوسف عليه السلام: كانت قصته مع إخوته أنموذجًا رائعًا لسلامة الصدر، فبعد أن أَلقوه في الجُب، وفرَّقوا بينه وبين أبيه، ودخوله السجن، إلى غير ذلك مما هو معروف - مكَّن الله له، وجعله على خزائن مصر، فلما تردَّدوا عليه وعرفوه، قالوا: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 91]، فما كان منه إلا أن قَال: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92]، ما حمل غلًّا! ثم لما جاء أبوه مع إخوته، ﴿ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100]. فلم يقل: أخرجني من الجب؛ لكيلا يُخجلهم، (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ)، ولم يقل: رفع عنكم الجوع والحاجة حفظًا للأدب معهم، (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)، فأضاف ما جرى إلى السبب، ولم يُضفه إلى المباشر (إخوته). • ثم تأمل معي موقف الصِّدِّيق - رضي الله عنه - مع مِسطح بن أثاثة، إذ كان الصديق ينفق على مسطح، فلما كانت حادثة الإفك، كان مسطح ممن خاضوا فيها، فأقسَم الصديق ألا ينفق على مسطح، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22]. فما كان من الصديق إلا أن أعاد النفقة على مِسطح. • وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه في أَوْج انتصاراته - وهو قائد الجيش - يأتيه خبر عزل الفاروق له، فما تكلَّم بما يدل على سخطه، ولا ترك ساحات القتال، بل ظل مجاهدًا بوصفه جنديًّا من جند المسلمين بعد أن كان قائدهم. • أما عُلبة بن زيد، فإنه لَما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى النفقة ولم يجد ما يُنفقه، بكى وقال: "اللهم إنه ليس عندي ما أَتصدَّق به، اللهم إني أتصدَّق على كل مسلم بكل مَظلمة أصابني فيها من مالٍ أو جسدٍ، أو عرضٍ، ثم أصبَح مع الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أين المتصدق بعِرضه البارحة؟"، فقام عُلبة رَضي الله عنه، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: "أبشِر، فوالذي نفسُ محمد بيده، لقد كُتبت في الزكاة المتقبَّلة"[10]. وانظُر إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يُضرَب ويُعذَّب على يد المعتصم، وحين أخذوه لمعالجته بعد وفاة المعتصم، وأحسَّ بألمٍ في جسده، قال: "اللهم اغفِر للمعتصم". [1]أخرجه البخاري، 6076 في الأدب، ومسلم، البر والصلة: 23. [2] أخرجه مسلم (54)، وأحمد (9085). [3] أخرجه: ابن ماجه (4216)، وصحَّحه الألباني في «صحيح السنن». [4] "مصنف عبد الرزاق" (20559)، ومن طريقه أخرجه البزار (1981 - كشف الأستار)، والبيهقي في "الشعب" (6605)، وابن عبد البر 6/ 121 - 122، والبغوي (3535)، وأخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (863). [5] «الزهد لهناد بن السري» (2/ 600). [6] «الصمت وآداب اللسان» (ص95). [7] أخرجه مسلم: (كتاب الجهاد والسير - باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين - ح (111)، 3/ 1420 - 1421)، وأخرجه البخاري: (كتاب بدء الخلق - باب إذا قال أحدكم "آمين" والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غُفر له ما تقدم من ذنبه - ح (3231)، (6/ 360 فتح). [8] أخرجه البخاري (3477) و (6929). [9] المصنف في الدلائل 5/ 57، 58)، و البيهقي في دلائل النبوة (5/58). [10] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (6/262، رقم 8084)، ضعيف: في سنده عبد المجيد بن أبي عبس، قال أبو حاتم: لين، وأبوه لم أجد له ترجمة.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |