|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الدار الباقية بداية الجزاء ونهاية الابتلاء محمد بن سند الزهراني الحمدُ للهِ الحَكيمِ العدلِ، الذي خلقَ الخلقَ للابتلاء، وجعلَ مآلَهم إلى دارٍ يجزي فيها المُحسن بإحسانه، والمسيءَ بعدلِه، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، وعدَ المتقينَ جنةً عرضُها السماواتُ والأرضُ، وأعدَّ للكافرينَ نارًا تلظَّى، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمةَ، وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، صلّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. تبدأ رحلة الخلود بعد أن يُطوى عمر الدنيا، ويُنفخ في الصور، فينتقل الإنسان من دار الفناء إلى دار البقاء؛ حيث تستقرُّ الأرواح في مصيرها الذي لا تبديل له، هناك تُطوى صفحات العمل، وتُفتح أبواب الجزاء، عندها فقط يدرك الإنسان أن الله ما خلق الحياة عبثًا، ولا ترك الخلق سُدى، بل هي دار امتحانٍ يُوزَن فيها الإيمان باليقين، ويُقاس فيها الصدق بالصبر، ليتهيَّأ الإنسان لدار الجزاء التي لا تعبَ فيها ولا نقص. لقد قرَّر أهلُ السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وأن الله أعدَّهما منذ الأزل دارين ثابتتين لا تفنيان ولا تبيدان، فالجنة دار النعيم الأبدي للمؤمنين، والنار دار العدل والعقوبة للكافرين؛ قال الله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133]، وقال سبحانه في المقابل: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 24]، وصيغة الإعداد تدلُّ على الوجود الفعلي، لا على الوعد المستقبلي، فكلتاهما مخلوقتان باقِيَتان، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن: «الجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان». وليس الإيمان بخلود الجنة والنار مسألة فرعية كما يظن بعض الناس، بل هو من أصول الاعتقاد في اليوم الآخر؛ لأنه يقرِّر أن الحياة الآخرة دار جزاءٍ مطلقٍ لا رجوع بعدها إلى دار العمل. وقد خالف في ذلك بعض الفرق - كالجهمية والمعتزلة - فزعموا أن الجنة والنار تفنيان بعد حينٍ، أو أنهما لم تُخلقا بعد، فردَّ عليهم العلماء بأن هذا القول يتضمن نفيَ صفة الخلود التي نصَّ عليها القرآن الكريم في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ [النساء: 57]، وقوله سبحانه: ﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 108]؛ أي: غير مقطوعٍ ولا منتهٍ. إن الإيمان بخلود الدارين مبنيٌّ على كمال صفات الله تعالى؛ فالله الذي كتب البقاء لنفسه، كتب البقاء لما شاء من مخلوقاته، ولو جاز على الجنة والنار الفناء، لجاز على الوعد والوعيد الزوال، ولتعطَّل معنى العدل الإلهي والجزاء الأبدي، وهذا باطلٌ لا يليق بكمال الله وحكمته. أما الجنة فهي دار الكرامة والفضل، فيها يجتمع كمال النعيم الظاهر والباطن: نعيمُ الجسد بالأكل والشراب والراحة والخلود، ونعيمُ الروح بالقرب من الله والرضوان والنظر إلى وجهه الكريم. وهي دارٌ أُعِدَّت لأهل الإيمان الذين صبروا في الدنيا على الطاعة، وتركوا الشهوة لأجل وعدٍ لا ينقطع، وأما النار فهي دار العدل والجزاء، فيها يُعذَّب الكافر بقدر كفره، والمنافق بقدر نفاقه، والعاصي من المؤمنين بقدر ذنبه حتى يطهر من خطاياه، ثم يُخرجه الله برحمته وشفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، فتبقى النار بعد ذلك دارَ خلودٍ للكافرين وحدَهم؛ كما ورد في النصوص الصحيحة. ومن تأمَّل في خلق الجنة والنار، علم أن الله أراد أن يربِّي الإنسان على رؤية المآل قبل الوقوع، فالجنة والنار موجودتان الآن، تُرى آثارهما في الوحي، وتنعكس صورتهما في السلوك، فإذا قوي الإيمان بهما انكفَّ القلب عن الدنيا وشهواتها، واستقام السلوك على منهج الله رجاءً في الفوز، وخوفًا من الخسران. وفي هذا الإيمان معنى تربويٌّ عميق، وهو الارتباط بين التصور العقدي للمآل وبين السلوك العملي في الحياة، فحين يوقن المرء أن أمامَه دارًا باقية، تزهد نفسه في الزائل، ويصبح ميزانه في كل فعل: هل يقرِّبني هذا إلى الجنة أم يبعدني عنها؟ لذلك مَن عرف الجنة اشتاق إليها، ومن عرف النار خاف منها، ومن خاف منها ترك المعاصي. إن الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان باقيتان، ليس معلومة نظرية، بل هو محرك سلوكي يبني الوعي الإيماني، ويقوِّم الانحراف الأخلاقي، فالمؤمن الذي يرى الجنة بعين اليقين يعيش بعقلٍ أُخرويٍّ، يزن اللذة بثمنها، ويقيس الخطوة بعاقبتها؛ لأنه يدرك أن ما يُزرع هنا يُحصَد هناك، ومن هنا كانت الجنة نهاية الابتلاء، والنار خاتمة الغفلة، وبينهما يقوم ميزان العدالة الإلهية التي لا تَميل ولا تظلم. ولذلك كانت هذه الدار الباقية - الجنة والنار - هي آخر ما يتقرَّر به مصير الإنسان، فيها يُعطى المؤمن وعد الله حقًّا، فيُقال له: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ [الأعراف: 49]، ويُقال للكافر: ﴿ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾ [السجدة: 14]، هناك لا ظلم ولا هوى، وإنما عدل الله الذي لا يُضاهى. الدار الباقية ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية، عندها تنكشف المعاني وتستقيم الموازين، ويُدرك العبد أن كل تعبٍ في سبيل الله كان جسرًا إلى الخلود، وأن كل لحظةِ صدقٍ كانت لبنةً في بناء الجنة، فمن أراد تلك الدار فليعمَل لها، وليستحضر في قلبه أنها حاضرة الآن، تنتظر من يزرع لها عملًا، ويُعِد لها قلبًا صادقًا، ونيَّةً لا تلتفت إلى غير الله. اللهم إنَّا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |