الاختلاف لا يفسد للود قضية: مقالة لرصد أدب الحوار في زمن السوشال ميديا - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         سلسلة فقه الصيام------تابعونا فى ؤمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 21 - عددالزوار : 23 )           »          حفلات التخرّج بين الفرح المشروع والابتذال المرفوض! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          أندرويد يضيف تحذيرا جديدا ضد المكالمات المزيفة.. تفاصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          5 تطبيقات لتنظيف هواتف أندرويد وتوفير مساحة التخزين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          جوجل تتيح للمواقع الإلكترونية استبعاد نفسها من نتائج البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          منصة X تطلق ميزة فيديوهات رد بأسلوب TikTok على iOS (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          ميتا تختبر ميزة جديدة لتحويل الريلز إلى حلقات متتابعة على إنستجرام وفيسبوك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          تطبيق صور جوجل يتيح لك الآن جدولة تصدير الصور ومقاطع الفيديو الجديدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          ما سر الخط الصغير أسفل أيقونة البطارية فى شاشة قفل الآيفون؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          طرح نظام التشغيل macOS 26.5.1 مع إصلاح مهم لمستخدمي المؤسسات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > ملتقى الحوارات والنقاشات العامة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 12-03-2026, 10:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,220
الدولة : Egypt
افتراضي الاختلاف لا يفسد للود قضية: مقالة لرصد أدب الحوار في زمن السوشال ميديا

الاختلاف لا يفسد للود قضية

مقالة لرصد أدب الحوار في زمن السوشال ميديا

محمد بن سالم بن علي جابر


في زمنٍ صارت فيه الكلمة تعبر القارات في ثوانٍ، وغدت فيه منصات التواصل الاجتماعي منابرَ مشرعة لكل صوت، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في التهاون بأدب الاختلاف، والتوسع في التجريح الشخصي بدل مناقشة الفكرة بالحجة والبرهان. لم يعد الخلاف في الرأي عند بعضهم حالةً صحية تُغني العقول، بل تحول في كثير من الأحيان إلى شرارة قطيعةٍ وبابِ عداوة، حتى كأن الودّ لا يقوم إلا على التطابق التام في الرؤى والمواقف.​

ومع أن الاختلاف قدرٌ جارٍ في حياة البشر، فإن المتأمل في هدي الوحي وسيرة العلماء والحكماء يدرك أن هذا الاختلاف لا يناقض الودّ ولا يقطع جسور الاحترام، بل قد يكون في كثير من الأحيان بابًا للتكامل إذا أحسن الناس إدارته بأدبٍ وإنصاف. يقول الله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ [هود:118]، ليقرر حقيقة أن تنوّع العقول والاتجاهات داخل في سننه سبحانه، لحكمةِ التنوّع وثراءِ التجربة الإنسانية.

فجاء الإسلام بمنظومةٍ متكاملة تضبط الكلام وتُهذّب الحوار، وتربط كل لفظٍ يخرج من الفم بمسؤولية العبد بين يدي ربه. قال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق:18]؛ ليشعر الإنسان أن كلماته ليست رخيصة ولا سائبة، بل محفوظة في سجلٍّ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.

وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)؛ فالكلمة عند المؤمن إمّا أن تكون خيرًا نافعًا، وإلا فالصمت أكرم له من لغوٍ يؤذيه أو يؤذي غيره. لو استقرّ هذا الميزان النبوي في نفوس روّاد المنصات الرقمية، لانطفأت نار كثير من المهاترات، ولسقطت من حساباتهم آلاف التعليقات التي لا تزيد الأمة إلا تشتتًا وخصامًا.

وقد عبّر العلماء عن هذا المعنى بعباراتٍ من ذهب؛ فيُنقل عن الإمام الشافعي قوله: (ما ناظرتُ أحدًا إلا أحببت أن يُوفَّق ويُسَدَّد ويكون عليه رعايةٌ من الله وحفظ)؛ وقوله أيضًا: (ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟)، وهي روحٌ ترى في المخالف شريكًا في طلب الحق، لا خصمًا يجب تحطيمه أو إسقاطه.

منابر رقمية بين نعمة التعبير ومحنة التهجّم
لا خلاف أن منصات التواصل اليوم فتحت آفاقًا واسعة للتعبير، ومكّنت كل فرد من أن يكون صاحب منبر وصوت، غير أن الخلل ظهر حين نُسيت ضوابط الشرع وأخلاق المروءة، فتجرأ بعضهم على الأعراض والنيات تحت ستار (حرية الرأي) أو راية (الغيرة على الحق).

الفرق شاسع بين أن تُعبّر عن رأيك، وأن تتخذ من هذه المنصات سلاحًا للطعن والسخرية وإسقاط الآخرين. من حقك أن تكتب، ومن حق غيرك أن يخالفك، لكن ليس لأحدٍ حقٌّ في إهانة الآخر أو ازدرائه أو الانتقاص من شخصه وكرامته. وللأسف، تحوّل كثير من النقاشات في الفضاء الرقمي إلى ساحات استقطاب حاد؛ فريق لا يرى في مخالفه إلا (خصمًا) يجب إسقاطه، وفريق لا يحسن من لغة الحوار إلا التهكم والتصنيف والتخوين، فضاع المقصد الأسمى للحوار: الوصول إلى الحق، أو إلى صيغة تعايشٍ آمنة تحفظ للجميع كرامتهم وحقوقهم.

ومن أبجديات التعامل الإنساني الراقي أن لكل إنسان حقًّا أصيلًا في الاحترام، لا يزول بخطأ رأيه، ولا يسقط لمجرّد مخالفته لما نراه صوابًا. رأيك قد يُصيب وقد يخطئ، أما كرامتك فليست مجالًا للأخذ والرد، ولا يجوز أن تُجعل ميدانًا لتجارب الألفاظ الجارحة أو تصفية الحسابات.​

وفي المقابل، فإن حرية التعبير لا تعني العصمة من النقد، ولا تمنح صاحب الرأي حصانةً من المراجعة والمساءلة الفكرية. من حق الآخرين أن يعارضوا رأيك، وأن يقدّموا ما عندهم من حججٍ وأدلّة، لكن الواجب أن يتم ذلك بلسانٍ مهذَّب، وحجةٍ منصفة، بعيدًا عن الكذب والتشويه واللمز.​

هنا يتمايز نقد الفكرة عن الطعن في صاحبها؛ فالأول دليل وعيٍ ومسؤولية، والثاني سقوط أخلاقي لا يليق بأهل المروءات وأرباب الرسالة. وقد روى التاريخ عن أئمّة الفقه أنهم كانوا أشد الناس اختلافًا في المسائل العلمية، وأعمقهم مودة واحترامًا لبعضهم في الواقع، حتى قال الإمام مالك لأبي جعفر المنصور لما أراد أن يحمل الناس على (الموطأ): (لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، ولكل قومٍ علم)، في موقفٍ بديع لاحترام اجتهاد الآخرين وحقهم في الاختيار.

نحو ثقافة حوار ناضج في عالمنا الرقمي
إذا أردنا إصلاح مناخ الحوار على منصات التواصل في مجتمعاتنا، فعلينا أن نعيد الاعتبار لجملةٍ من القيم العملية:
أن ندرك أن المخالف ليس عدوًا بالضرورة، بل قد يكون شريكًا في الهمّ والوطن، يختلف معنا في الوسائل لا في المقاصد.​

أن نُربّي أنفسنا على فن الإنصات؛ فليس الغرض من الحوار أن نرفع أصواتنا، بل أن نرفع مستوى فهمنا للحقائق.​

أن نُمسك ألسنتنا وأقلامنا عن التعميمات الجائرة والأوصاف المهينة؛ فالكلمة قد تهدم من الجسور ما لا تهدمه السيوف.​

أن نستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) عند كل تعليق أو مشاركة: هل هي من الخير الذي يُرضي الله، أم أن الصمت عنها أسلم للقلب والدين؟

بهذه الروح يمكن أن تتحول السوشال ميديا من ساحة اشتباك إلى مدرسةٍ لتربية النفوس على سعة الصدر، وحسن إدارة الخلاف، وتقدير التنوّع في الآراء والاختيارات.

خاتمة: نختلف… لكننا لا نتباغض
سيظلّ الاختلاف ما بقيت البشرية، فهذا قدر الله في خلقه، ولكن الذي ينبغي أن يزول هو سوءَ الخلق في إدارة هذا الاختلاف. لا يُطلب من الناس أن يكونوا نسخةً واحدة في الفكر والرؤية، ولكن يُطلب منهم أن يجمعوا إلى خلافهم قدرًا من المودّة، وأن يضمّنوا حواراتهم حدًّا أدنى من الاحترام الذي لا يسقط عن أحد.​

فلنرفع شعارًا عمليًّا في فضائنا الرقمي: (نختلف ولا نتقاطع، نتحاور ولا نتشاتم، ننقد ولا نهين)، ولنجعل من حضورنا على الشاشات شاهدًا على رقّة قلوبنا، وسموّ أخلاقنا، لا دليلًا على سقوطها. فإذا نجحنا في ترسيخ أدب الخلاف في منصاتنا، أصبح اختلافنا مصدر قوّةٍ لا نقطة ضعف، وجسرًا نعبر به إلى مستقبلٍ أكثر وعيًا وعدلًا وإنصافًا لأوطاننا وأجيالنا.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 64.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 62.97 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.65%)]