|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الحشر: جمع الخلائق للعرض والحساب محمد بن سند الزهراني الحمد لله الذي لا يَخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، يبدئ الخلق ثم يُعيده، وهو على كل شيء قدير، يجمع الخلائق ليوم لا ريبَ فيه، يوفَّى فيه كلُّ عاملٍ جزاءَه، ويُقضَى فيه بين العباد بالحق، لا ظلم اليوم؛ إن الله سريع الحساب، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. من الحقائق الكبرى التي دل عليها الوحي، وتواترت بها نصوصُ القرآن والسنة - أن الله سبحانه وتعالى يَحشر الخلائق جميعًا يوم القيامة، فيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، للعرض عليه والفصل بينهم؛ قال تعالى: ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 47]، وقال: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ [مريم: 85، 86]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ [المعارج: 43]. فالحشر عام شامل لكل مكلَّف، لا يتخلف عنه أحد، حتى البهائم والوحوش تُحشر؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ [التكوير: 5]؛ ليشهد الكون عدل الله المطلق وحكمته البالغة. وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة تفاصيلَ هذا المشهد العظيم، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم مَحشورون حُفاةً عُراةً غُرلًا»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 104]. مشهد جليلٌ يقف فيه الناس جميعًا بغير زينةٍ ولا لباسٍ ولا مالٍ، كما وُلدوا أول مرة، لا يحملون معهم إلا أعمالهم، ولا ينفع أحدًا جاه ولا نسبٌ، إنما الموقف بين يدي الملك العادل الذي لا تخفى عليه خافية. وفي صحيح مسلم عن المقداد رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان يوم القيامة أُدنيت الشمس من العباد، حتى تكون منهم كمقدار ميلٍ…»؛ الحديث. يصف فيه النبي صلى الله عليه وسلم شدةَ الكرب والحر يوم الحشر، حتى يَغمُر العرق الناس على قدر أعمالهم، فمنهم مَن يبلغ كعبيه، ومنهم من يبلغ عُنقه، والناس في فزعٍ وكربٍ، ينتظرون بدء الحساب، يطوفون بالأنبياء يَطلُبون الشفاعة، فيعتذر الجميع، حتى يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالشفاعة العظمى، فيبدأ الحساب، وتُشرق الرحمة بعد طول الانتظار. وقد أجمع أهلُ السُّنة والجماعة على أن الحشر يكون بالأجساد والأرواح معًا، لا بمعنًى روحي مجازي كما زعمت الفلاسفة، ولا بالتمثيل الرمزي كما ادَّعى المتأثرون بالمناهج الباطلة، بل هو جمع حقيقي، تعاد فيه الأبدان التي فَنِيت، وتُرَدُّ إليها الأرواح، ليقف الجميع على أرض جديدة خلَقها الله لذلك اليوم؛ كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ [هود: 103]. وقد أثار الملحدون شبهةً في إمكان جمع الخلائق على كثرتهم في مكان واحدٍ، وزعموا أن ذلك مما يُحيله العقل، فردَّ الله عليهم بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [إبراهيم: 48]. فالمكان الذي يُحشرون فيه ليس هذه الأرض، بل أرض أخرى بيضاءُ نقية؛ كما في الحديث الصحيح: «يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاءَ عفراءَ، كقُرصة نَقيٍّ ليس فيها علمٌ لأحد»؛ (رواه البخاري ومسلم). فزال الإشكال وبطَل الاعتراض؛ إذ قدرة الله تعالى لا يَحُدُّها عقلٌ، ولا تخضع لقياس، وما خُلقت السماوات والأرض إلا ببعض أمره، فكيف يَعجِز عن جمع خلقه في أرض يبدِّلها متى شاء؟ ومن كمال عدل الله ورحمته أن الحشر يعم حتى الحيوانات؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لتُؤَدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجلْحاء من القَرناء»، ثم يقول الله لها: «كوني ترابًا»، فحينئذ يقول الكافر: ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾[النبأ: 40]، مشهد يملأ القلب خشيةً من عدل الله، ويغمره يقينًا برحمته التي وسِعت كلَّ شيء. وهكذا يتجلَّى الإيمان بالحشر في حياة المؤمن نورًا يبدِّد غفلته، ويُذكِّره بالمصير الذي لا مَهرب منه، فكل من أيقَن أنه سيُحشر بين يدي ربه، ويسأل عن عمره وعمله وماله، لن يظلم أحدًا، ولن يغترَّ بقوته ولا بمكانته؛ لأن الموقف بين يدي الجبار لا يقف فيه إلا الصدقُ والضعفُ والرجاءُ. إن الحشر ليس حدثًا أُخرويًّا نؤمن به إيمانًا نظريًّا، بل هو إيمان عميقٌ يضبط الحياة على صراط الله المستقيم، ويَغرِس في القلب رقابةَ الله ومَهابته، ويَمنَح الإنسان طُمأنينة العدل الإلهي الذي يَرُدُّ لكل ذي حقٍّ حقَّه، ويُسكن في النفس يقينًا بأن الآخرة دار الفصل والجزاء. اللهم اجعَلنا يوم الحشر من الآمنين، ويوم العرض من المكرَمين، وظَلِّلنا في ظلك يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّك، وامنُن علينا برحمتك ورضوانك، وقرِّبنا مِن زُمرة نبيك الكريم صلى الله عليه وسلم، واجعلنا ممن يقال لهم: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴾ [الحجر: 46]. وصلى الله وسلَّم وبارَك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |