ظلم النفس والصدق مع الله تعالى - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         بعد تحديث iOS 26.. ميزة ذكية لحل مشكلة استنزاف البطارية في هاتفك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          جوجل تضيف ميزة Gemini وتتحدى بها ChatGPT (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          هاتف iPhone 17 Pro البرتقالى الجديد أهم تغيير فى طرازات آيفون الحديثة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          جوجل تُطلق جيلًا جديدًا من متصفح كروم يعتمد على الذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          ميزات جديدة على تطبيق الرسام فى نظام ويندوز 11 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          جوجل تطرح ميزة Ask Gemini تغير طريقة تعاملنا مع اجتماعات Google Meet (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          مايكروسوفت تطلق إصدارا جديدا من Xbox يوحد تجربة الألعاب على الأجهزة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          بطارية آيفون Air الجديدة تكشف عن اختراق تقنى ثورى يتجاوز التصميم النحيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          OpenAI تطلق أوضاعًا جديدة لتحسين سرعة التفكير فى ChatGPT (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          أشهى الوصفات للإفطار فى رمضان جدول أكل رمضان ثلاثون يوما تابعونا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 16 - عددالزوار : 976 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17-02-2026, 03:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,037
الدولة : Egypt
افتراضي ظلم النفس والصدق مع الله تعالى

ظلم النفس والصدق مع الله تعالى

الشيخ عبدالله محمد الطوالة

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102]..

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1]..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70]..

أما بعد: فإن أحسن الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..

معاشر المؤمنين الكرام: كُلَّ مَن يَنظُرُ بِعَينِ الحَقِيقَةِ يَعلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا حَولَهُ مِنَ المَخلُوقَاتِ قَد وُجِدَ لِعِلَّةٍ وَهدف، وأغعظم ذلك علة وجود الانسان، فنحن لَم نُخلق عَبَثًا، ولن نترك سُدى، بَل إن لَنا غَايَة عَظِيمَةٌ، بَيّنَهَا لَنا الخَالِقُ جل وعلا بقَولِهِ: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ ﴾ [الذاريات:56]..

وقد جُبل الانسانُ على الخطأ والتقصير والغفلة.. ففي الحديث الحسن: "كلُّ ابنِ آدمَ خطاءٌ، وخير الخطائين التوابون".. فالتوبة باب أملٍ ممنوح، وطريق رجعةٍ مفتوح، وبريق نجاةٍ يلوح، ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الحجر:49].. فمِن رَحمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ أَنْ فَتَحَ لَهُم بَابَ التَّوبَةِ وَالإِنَابَةِ، وَالرُّجُوعِ والأوبة، فَمَهْمَا كَانَ العَبدُ مُفَرِّطًا فِي جَنبِ اللَّهِ، مُسرِفًا عَلَى نَفسِهِ فِي مَعصِيَةِ اللَّهِ، فطريق العَودَةِ مفتوح، قَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم ﴾ [الزمر:53]..

وربنا الرحمن الرحيم، العفو الكريم، قد وَعَدَ عِبَادَهُ بِقَبُولِ تَوبَتِهِم إِذَا هُم تَابُوا وَأَنَابُوا، قَالَ جَلّ وعلا: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم ﴾ [التوبة:104].. وقال تعالى: ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعدِ ظُلمِهِ وَأَصلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المائدة:39]..

ولم يشتَرَطَ سُبحَانَهُ لِقَبُولِ التَّوبَةِ إلا أَن يُصلِحَ العَبدُ عَمَلَهُ ويستقيم على شرع ربه، وقد أكد الله هذا المعنى في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهتَدَى ﴾ [طه:82].. وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيما ﴾ [النساء:17].. وقال تعالى: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾ [الفرقان:71]..

وشروط التوبة معروفة: الإقلاع عن الذنب، والندمٌ على فعله فيما مضى، والعزم المؤكد على ألا يعود إليه، وإرجاع الحقوق لأهلها..

والقرآن الكريم يبين بكل وضوحٍ أن ارتكاب الذنوب ظلمٌ للنفس.. قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق:1].. كما أن التقصير في أداء الفرائض والواجبات ظلمٌ للنفس كذلك: قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد ﴾ [فصلت:46].. والله تعالى قد أمر عباده المؤمنين بحماية أنفسهم من كل ذلك، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ [التحريم:6].. وأخبر سبحانه أنه لا يظلم أحداً من عباده، وإنما هم الذين يظلمون أنفسهم: ﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون ﴾ [يونس:44]..

فالمجترؤن على الذنوب والمعاصي، والمقصرون في أداء الفرائض والواجبات، إنما يظلمون أنفسهم..

كما أن من صور ظلم النفس: حرمناها من أسباب الهداية، وتفويتها فرص الخير، ومواسم الرحمة.. وتركها غافلةً سادرة، فلا تفيق إلا بعد فوات الأوان: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون:101]..

والخلاصة يا عباد الله: أنه ما من إنسانٍ إلا وهو ظالمٌ لنفسه، إما وقوعاً في الخطأ، أو تقصيراً فيما يلزمه من الفرائض والواجبات، أو كلا الأمرين.. فواجبٌ عليه أن ينقذَ نفسهُ ويخلصها من ذلكم الظلمِ، وذلك بالمبادرة بالتوبة النصوح، كما فعل أبَوْنا آدمَ وأمنا حواء عليهما السلام، حين خالفا أمر الله تعالى بالأكل من الشجرة التي نُهيا عنها، فبادَرا بالإقرار والتوبة النصوح قائلين: ﴿ قالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف:23]، فتاب الله عليهما وغفر لهما، وكذلك كليم الله موسى، عليه الصلاة والسلام، لما أدرك ظلمهُ لنفسه بادر وابتهل إلى الله تعالى معتذراً مستغفراً مقراً بظلمه لنفسه، ﴿ قال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [القصص:16]، وهكذا كل من يتسبب في ظلم نفسه، بأي نوعٍ من الظلم، فعليه أن يبادر بالإنابة إلى ربه، والإقرار بذنبه، وطلب العفو والمغفرة، وسيجد أن الله غفورٌ رحيم: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ ﴾ [آل عمران:135].. وهذا ما أرشد إليه المصطفى أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، لما قال: علِّمْني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: "قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفرُ الذنوبَ إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم"؛ حديث متفق عليه..

ولنتأمل يا عباد الله قوله تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء:110]..

(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) أَيْ: من يعمل عَمَلًا يسيء به إلى نفسه فيظلهما.. ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما جنى وأساء، ويندم على ما مضى، وَيْعَزْمَ عزيمةً مؤكدةً عَلَى الِاسْتِقَامَةِ؛ فليبشر بالقبول والمغفرة، فاللَّهُ عظيم المغفرة، واسعُ الرحمة.. في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى لِذَلِكَ الذَّنْبِ؛ إِلَّا غَفَرَ لَهُ"، وفي صحيح البخاري، مَن قال: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، في يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ حُطَّتْ خَطاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ.. فهلمَّ يا عباد اللهِ لنتوب: فربنا العظيمُ الرحيمُ جلَّ جَلاله يَنزِلُ في كُلِ ليلةٍ إلى سماءِهِ الدُّنيا نزولاً يليقُ بجلاله وكماله، فينادي: «هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مُستغفر فأغفر له؟.. وجاء في البخاري ومسلم: أن الله تبارك وتعالى: "يبسُطُ يدَهُ بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهارِ، ويبسُطُ يدَهُ بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مغْرِبِها".. وفي الحديث القدسي الصحيح، قال الله تعالى: يا ابنَ آدمَ إنك ما دعوْتَنِي ورجوتني غفرتُ لك على ما كان فيك ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ لو بلغت ذنوبُك عنانَ السماءِ ثم استغفرتني غفرتُ لك ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ إنك لو أتيتني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثم لقيتَني لا تُشركُ بى شيئًا؛ لأتيتُك بقُرابِها مغفرةً.. وصحَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ"..

ثم اعلموا أنّ الجميعُ مُطالبون بالتوبة، المذنبون وغير المذنبين، والجميع مطالب بالتوبة بشكلٍ دائمٍ ومتجدِّد، وفي كلٍّ وقتٍ وحين.. تأمَّل قولَ الحقِّ جلَّ وعلا: ﴿ وَتُوبُوا إِلى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤمِنُونَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ ﴾ [النور:31]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً ﴾ [التحريم:8].. وفي الحديث الصحيح، قال عليه الصلاةُ والسلام: "يا أيها الناسُ توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوبُ إلى الله في اليوم مائةَ مرة"، فإذا كان هذا حالُ سيدِ البشر، ومن غُفر له ما تقدمَ من ذنبه وما تأخر، فما الذي ينبغي أن يكونَ عليه حالُ المقصرينَ أمثالُنا..

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر:53]..

أقول ما تسمعون...

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى
أما بعد: فاتقوا عباد الله، وكونوا مع الصادقين..
معاشر المؤمنين الكرام: من أراد النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، فعليه أن يصدق مع الله جل وعلا، فهو القائل سبحانه: ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [محمد:21].. يقول الامام ابن القيم رحمه الله: "من صدق الله في جميع أموره صنع الله له فوق ما يصنع لغيره"..

فيا عباد الله: لئن كانت التوبة هي بداية الطريق إلى الله، فإن الصدق مع الله هو الذي يثبتنا على هذا الطريق..

وعلى عظيم منزلة الصدق مع الله تعالى، فإنه يحتاج لبذلٍ وجهد.. قال تعالى: ﴿ ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين ﴾ [العنكبوت:2].. وقال تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [23]..

وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: (غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ يَعْنِي: أَصْحَابَهُ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ، يَعْنِي: المُشْرِكِينَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْد بن مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب:23]..

وفي الحديث الصحيح أن رجُلاً مِن الأعرابِ جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فآمَن به واتَّبَعه، فقال: أُهاجِرُ معك، فأوصى به بعضَ أصحابِه، فلمَّا كانت غزوةُ خَيْبَرَ، غَنِم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شيئًا فقسَمه، وقسَم للأعرابيِّ، فأعطى أصحابَهُ ما قسَمه له، وكان يرعى ظَهْرَهم، فلمَّا جاء دفَعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قِسْمٌ قسَمه لك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأخَذه فجاء به إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا يا رسولَ اللهِ؟ قال: قِسْمٌ قسَمْتُهُ لك، قال: ما على هذا اتَّبَعْتُك، ولكنِ اتَّبَعْتُك على أن أُرمَى هاهنا بسَهْمٍ وأشار إلى حَلْقِهِ، فأموتَ، فأدخُلَ الجنَّةَ، فقال: إن تصدُقِ اللهَ يصدُقْكَ، ثم نهَض إلى قتالِ العدوِّ، فأُتِي به إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو مقتولٌ، فقال: أهو هو؟ قالوا: نَعم، قال: صدَق اللهَ فصدَقه، فكفَّنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في جُبَّتِهِ، ثم قدَّمه فصلَّى عليه، وكان مِن دعائِهِ له: اللهمَّ هذا عبدُك خرَجَ مهاجِرًا في سبيلِك، قُتِل شهيدًا، وأنا عليه شهيدٌ"..

فلعظيم منزلة الصدق مع الله تعالى، أمر الله سبحانه عباده أن يصدقوا معه في أقوالهم وأفعالهم، وفي أمورهم كلها، فقال سبحانه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ [الزمر:18].. وكان المصطفى الله صلى الله عليه وسلم دائمًا ما يحث المسلمين على الصدق في أقوالهم وأفعالهم فيقول:" عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا " متفق عليه.. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحدٍ يشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صِدقًا من قلبه، إلا حرمه الله على النار"..

فما أحوجنا معاشر المسلمين إلى أن نصدق مع الله، وأن نصدق مع أنفسنا، وأن نثبت على منهج الصدق؛ لنفوز بالمغفرة والرضوان، وبالسعادة والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون ﴾ [النحل:97].. ولنفوز بإذن الله بجزاء الصادقين.. ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ [المائدة:119].. وقال سبحانه: ﴿ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ﴾ [الأحزاب:24]..

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الزمر:33]..

ألا فاتقوا الله عباد الله، وكونوا صادقين مع ربكم، صادقين مع أنفسكم، صادقين في توبتكم، صادقين في عزائمكم.. ولا تظلموا أنفسكم بالتسويف، ولا تخدعوها بالأماني، فإن الطريق إلى الله لا يثبّت فيه إلا الصادقون.. جعلني الله وإياكم منهم..

ويا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان..




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 61.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 60.19 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.70%)]