إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         دليلك الشامل لاستعدادات أول رمضان فى بيتك.. لو مش عارفة تبدأى منين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          طريقة عمل بان كيك بالبرتقال.. مفيد فى لانش بوكس المدرسة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          5 لمسات ذكية فى ديكور بيتك لاستقبال رمضان من غير تكاليف كبيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          أخطاء تجميلية لها عواقب كارثية على البشرة.. احذريها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          5 أطعمة تزيد نضارة وحيوية البشرة.. مهمة لجمالك فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          ما تحولش رمضان لعبء نفسى.. إزاى تدرب أطفالك على الصوم من غير إجبار؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          أبيات وقصائد عن حافظات القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          من مائدة السيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 13 - عددالزوار : 9022 )           »          تخريج حديث: المستحاضة بالوضوء لكل صلاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 1096 )           »          حديث: امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 09-02-2026, 08:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,989
الدولة : Egypt
افتراضي إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا

إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا

إبراهيم الدميجي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام والبركة على خير المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد؛ فإن هناك آفة للإخلاص شبيهة بالرياء وليست منه، وهي إرادة الإنسان بعمله الدنيا[1]، فالرياء لطلب الجاه. أما إرادة الدنيا فالعمل خالص لله ولكن بلا إرادة ثواب الآخرة، بل استعجل صاحبه ثواب الدنيا، وقد يدخل فيه الرياء من باب العموم والخصوص فيكون الرياء أخص، بأنه لا إخلاص فيه أصلاً لا وجه الله ولا الدار الآخرة. وهذا أعم بكونه يشمل كل ما لم تُرَدْ به الآخرة. قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء: 18، 19]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 15، 16] أي من أراد بأعماله بالصالحة الحياة الدنيا دون الآخرة.


وقد قال الإمام المجدد رحمه الله في معنى الآية ما ملخصه: «ذكر عن السلف[2] من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه:
النوع الأول: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله، من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصًا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همّة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عباس.


النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، فهو الذي ذكره مجاهد في الآية أنها نزلت فيه: وهو أن يعمل أعمالاً صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة.


النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحة يقصد بها مالاً، مثل أن يحج لمال يأخذه، لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضًا هذا النوع في تفسير هذه الآية، وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكتبهم أو رياسة، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد[3] كما هو واقع كثيرًا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم؛ لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل. والنوع الأول أعقل من هؤلاء؛ لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو النار.


النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصًا لله وحده لكنه على عمل يكفره كفرًا يخرجه من الإسلام؛ كاليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة[4]، ومثل كثير من الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية»[5].


قال الشيخ العثيمين رحمه الله في القول المفيد: «فإن قيل: هل يدخل في الوعيد من يتعلمون في الكليات أو غيرها يريدون شهادة أو مرتبة بعلمهم؟


فالجواب: أنهم يدخلون في ذلك إذا لم يريدوا غرضًا شرعيًا. فنقول لهم:
أولاً: لا تقصدوا بذلك المرتبة الدنيوية، بل اتخذوا هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات. والناس لا يستطيعون الوصول لمنفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة، وبذلك تكون النية سليمة.


ثانيًا: أن من أراد العلم لذاته قد لا يجده إلا في الكليات، فيدخلها لهذا الغرض، وأما بالنسبة للمرتبة فإنها لا تهمه.


ثالثًا: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين؛ حسنى الدنيا وحسنى الآخرة فلا شيء عليه، إلا أن الله يقول: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق: 2، 3]، فرغبه في التقوى بذكر المخرج من كل ضيق والرزق من حيث لا يحتسب. فإن قيل: من أراد بعمله الدنيا كيف يقال إنه مخلص؟ أجيب: إنه أخلص العبادة ولم يرد بها الخلق إطلاقًا، فلم يقصد مراءاة الناس، بل قصد أمرًا ماديًا، فإخلاصه ليس كاملًا لأن فيه شركًا، ولكن ليس كشرك الرياء، يريد أن يمدح بالتقرب إلى الله، بل أراد شيئًا دنيئًا غيره»[6].


وقال الشيخ صالح آل الشيخ في التمهيد: «الأعمال التي يعملها العبد ويستحضر فيها ثواب الدنيا على قسمين:
الأول: أن يكون العمل الذي عمله، واستحضـر فيه ثواب الدنيا وأراده، ولم يرد ثواب الآخرة، لم يرغب الشـرع فيه بذكر ثواب الدنيا، مثل الصلاة والصيام ونحو ذلك من الأعمال والطاعات، فهذا لا يجوز له أن يريد به الدنيا، ولو أراد به الدنيا فإنه مشرك ذلك الشرك.


الثاني: أعمال رتب الشارع عليها ثوابًا في الدنيا، ورغب فيها بذكر ثواب لها في الدنيا مثل صلة الرحم، وبر الوالدين ونحو ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من سره[7] أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه»[8].


فهذا النوع إذا استحضـر في عمله حين يعمل ذلك العمل ذلك الثواب الدنيوي وأخلص لله في العمل، ولم يستحضـر الثواب الأخروي؛ فإنه داخل في الوعيد[9]، فهو من أنواع هذا الشرك. وإن استحضـر الثواب الدنيوي والثواب الأخروي معًا، أي له رغبة فيما عند الله في الآخرة، ويطمع في الجنة ويهرب من النار، واستحضـر ثواب هذا العمل في الدنيا فإنه لا بأس بذلك؛ لأن الشرع ما رغّب فيه بذكر الثواب في الدنيا إلا لأجل الحضّ عليه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سلبه»[10]، فمن قتل حربيًّا في الجهاد لكي يحصل على السلب ولكن قصده من الجهاد الرغبة فيما عند الله جل وعلا، مخلصًا لوجه الله، لكن أتى هذا من زيادة الترغيب له، ولم يقتصر على هذا الغرض الدنيوي بل قلبه معلق أيضًا بالآخرة، فهذا النوع لا بأس به، ولا يدخل في النوع الأول مما ذكره السلف في هذه الآية.


النوع الثاني: أن يعمل العمل الصالح لأجل المال، مثل أن يدرس ويتعلم العلم الشرعي لأجل الوظيفة فقط، وليس في همه رفع الجهالة عن نفسه، ومعرفة العبد بأمر ربه ونهيه والرغبة في الآخرة، فهذا داخل في ذلك، أو حفظ القرآن ليكون إمامًا في المسجد ويكون له الرزق الذي يأتي من بيت المال، فغرضه من هذا العمل إنما هو المال، فهذا لم يعمل العمل صالحًا إنما عمل العمل الذي في ظاهره أنه صالح، ولكن في باطنه قد أراد به الدنيا.


النوع الثالث: أهل الرياء، الذين يعملون لأجل الرياء.


النوع الرابع: الذين يعملون العمل ومعهم ناقض من نواقض الإسلام.


وهنا إشكال أورده بعض أهل العلم في الآية: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 16]، فهي في الكفار الأصليين أو من قام به مكفّر، فكيف تكون هذه الأنواع المذكورة لمسلمين من ضمنها؟


والجواب: أن السلف أدخلوا أصنافًا من المسلمين في هذه الآية، وهي من آيات الوعيد، فمن أراد الدنيا بكل عمل وليس معه الإيمان والإسلام المصحح لأصل أعماله فهو مخلد في النار، أما من كان معه أصل الإيمان وأصل الإسلام الذي يصح به عمله فهذا قد يحبط العمل، بل يحبط عمله الذي أشرك فيه وأراد به الدنيا، وما عداه لا يحبط»[11].


ويرى بعض أهل العلم أن إرادة ثواب الدنيا فقط بالعمل الصالح الذي رتب عليه الشارع ثوابًا دنيويًا جائزة، وأنه لا يؤاخذ بذلك لكنه يحرم من ثواب الآخرة، بحجة أن الشارع هو من أباح له تلك الإرادة بالتوجيه لثوابها الدنيوي.


قلت: وفي هذا نظر، من أمور:
الأول: عمومات أدلة النهي عن إرادة الدنيا وزينتها بأعمال الآخرة.


الثاني: الأمور التي أذن الشرع بميل القلب فيها لثواب الدنيا إنما هي من جهة التبعية والمشاركة الأقل لإرادة الآخرة وليست من جهة التمحيض والاستقلال، بدليل أن كل عمل رتب الشرع عليه ثوابًا دنيويًا فقد رتب عليه أجورًا أخروية كذلك، وهي أعظم، فإرادة الآخرة هي المحرك الأصلي، أما الدنيا فهي مرغّب تابع.


الثالث: بما أن إخلاص العمل لله تعالى حتم في كل عبادة ولم يستثن من ذلك شيء، فكذلك إخلاص إرادة الآخرة إلا ما استثني على سبيل التشريك الأقل والتبعية من باب الحض والحث.


رابعًا: الإذن المستثنى مما أصله المنع مقدر بأدنى قدر ممكن، وهو هنا في التشريك الأدنى والتبعية فيقدر بقدرها ولا يتجاوزها من جهتين:
الأولى: أن تكون الإرادة تابعة للآخرة بحيث تكون إرادة الآخرة هي الغالبة.


الثانية: ألا يتجاوز الأمور التي ذكرها الشرع إلى أمور أخرى، فلا قياس هنا.


خامسًا: أن هذا القول أخذ بالاحتياط، والاحتياط المعتبر محمود، خاصة في مسائل التوحيد وأصول الدين.


قال ابن القيم رحمه الله: «فإن إرادة الدنيا قادحة في إرادة الآخرة، ولا يصح للعبد مقام الإرادة حتى يفرد طلبه وإرادته ومطلوبه، فلا ينقسم المطلوب ولا الطلب»[12].


قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أُعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفّع»[13].


قال شيخ الإسلام: «فسمّاه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم، وعبد القطيفة، وعبد الخميصة، وذكر فيه ما هو دعاء وخبر، وهو قوله: «وإذا شيك فلا انتقش»، وهذه حال من أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عَبَدَ المال. وقد وصف ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة: 58]. فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقًا برئاسة أو صورة، أو نحو ذلك من أهواء النفس، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده، وهكذا أيضًا طالب المال، فإن ذلك يستعبده ويسترقه.


وهذه الأمور نوعان:
الأول: ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه، فيكون الحال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، من غير أن تستعبده فيكون هلوعًا.


الثاني: ما لا يحتاج إليه العبد، فهذه ينبغي ألا يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدًا لها، وربما صار مستعبدًا معتمدًا على غير الله فيها، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من شعب العبادة لغير الله[14]، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار...»، فهو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله، فإن الله إذا أعطاها إياه رضي، وإن منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، فهذا الذي استكمل الإيمان»[15].


وقد عقد الغزالي رحمه الله فصولاً في ذم الجاه والرياء، ألخص مهماتها:
قال في بيان فضيلة الخمول: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره»[16]، وقال: «ألا أدلكم على أهل الجنة؛ كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره»[17]. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب[18]، تعرفون في أهل السماء، وتخفون في أهل الأرض.


وقال الثوري: وجدت قلبي يصلح بمكة والمدينة مع قوم غرباء، أصحاب قوت وعناء.


وقال الفضيل: إن قدرت على ألا تُعرف فافعل، وما عليك ألا تعرف، وما عليك ألا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس إذا كنت محمودًا عند الله تعالى.


أما المحمود من الجاه والشهرة وانتشار الصيت فهو ما شهره الله تعالى لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة منه.


وقال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله مَن أحب الشهرة.


وقال أيوب السختياني: والله ما صدق الله عبد إلا سرّه ألا يشعر بمكانه.


وكان خالد بن معدان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة.


وعن أبي العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام.


ورأى طلحة قومًا يمشون معه نحوًا من عشرة، فقال: ذباب طمع وفراش نار.


وقال سليم بن حنظلة: بينا نحن حول أبيّ بن كعب نمشـي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال: إن هذه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.


وعن الحسن قال: خرج ابن مسعود يومًا من منزله فأتبعه ناس فالتفت إليهم فقال: علام تتبعوني؟! فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان.


وقال الحسن: إن خفق النعال حول الرجل قلما تلبث عليه قلوب الحمقى. وخرج يومًا فأتبعه قوم، فقال: هل لكم من حاجة؟ وإلا فما عسى أن يبقي هذا من قلب المؤمن؟


وصحب رجل ابن محيريز في سفر، فلما فارقه قال: أوصني، فقال: إن استطعت أن تَعرف ولا تُعرف، وتمشي ولا يُمشى إليك، وتسأل ولا تُسأل فافعل.


وقال الثوري: كانوا[19] يكرهون الشهرة من الثياب الجيدة والثياب الرديئة[20]، إذ الأبصار تمتد إليهما جميعًا.


فهذه الآثار والأخبار تعرفك مذمة الشهرة وفضيلة الخمول، وإنما المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب، وحب الجاه هو منشأ كل فساد.


فإن قلت: فأي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلم؟ وكيف فاتتهم فضيلة الخمول؟
فاعلم أن المذموم هو طلب الشهرة، فأما وجودها من غير تكلف من العبد فليس بمذموم. نعم فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء، وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه جماعة من الغرقى، فالأولى به ألا يعرفه أحد منهم، فإنهم يتعلقون به فيضعف معهم فيهلك معهم، وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى حتى يكون سببًا لنجاتهم فيثاب على ذلك.


وقد ذم الله تعالى حب الجاه فقال: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83]، فجمع بين إرادة الفساد والعلو، وبين أن الدار الآخرة للخالي من الإرادتين جميعًا. وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 15، 16]، وهذا أيضًا متناول بعمومه لحب الجاه؛ فإنه أعظم لذة من لذات الحياة الدنيا وأكثر زينة من زينتها. وقال صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأسرع إفسادًا من حب الشرف والمال في دين الرجل المسلم»[21].


واعلم أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا. ومعنى المال: ملك الأعيان المنتفع بها. ومعنى الجاه: ملك القلوب[22] المطلوب تعظيمها وطاعتها. وكما أن الغني هو الذي يملك الدراهم والدنانير، أي يقدر عليهما ليتوصل بهما إلى الأغراض والمقاصد وقضاء الشهوات وسائر حظوظ النفس، فكذلك ذو الجاه هو الذي يملك قلوب الناس، أي يقدر على استغلال قلوب الناس ليستعمل بواسطتها أربابها في أغراضه ومآربه، وكما أن الأموال تكتسب بأنواع الحرف والصناعات، فكذلك تكتسب قلوب الخلق بأنواع من المعاملات، ولا تصير القلوب مسخرة إلا بالمعارف والاعتقادات.


فكل من اعتقد القلب فيه وصفًا من أوصاف الكمال انقاد له وتسخر له بحسب قوّة اعتقاد القلب، وبحسب درجة ذلك الكمال عنده، ولا يشترط أن يكون الوصف كمالاً في نفسه، بل يكفي أن يكون كمالاً عنده وفي اعتقاده وقد يعتقد ما ليس كمالاً كمالاً، ويذعن قلبه للموصوف به انقيادًا ضروريًّا بحسب اعتقاده، فإن انقياد القلب حال القلب، وأحوال القلب تابعة لاعتقادات القلوب وعلومها وتخيلاتها.


وكما أن محب المال يطلب ملك الأرقاء والعبيد، فطالب الجاه يطلب أن يسترق الأحرار ويستعبدهم[23] وملك رقابهم بملك قلوبهم، بل الرق الذي يطلبه صاحب الجاه أعظم؛ لأن المالك يملك العبد قهرًا والعبد متأب بطبعه، ولو خُلّي ورأيه انسلّ عن الطاعة، وصاحب الجاه يطلب الطاعة طوعًا، وينبغي أن تكون له الأحرار عبيدًا بالطبع والطوع! مع الفرح بالعبودية والطاعة له! فما يطلبه فوق ما يطلبه مالك الرق بكثير.


فإذًا: معنى الجاه هو: قيام المنزلة في قلوب الناس، أي اعتقاد القلوب لنعت من نعوت الكمال فيه، فبقدر ما يعتقدون من كماله تذعن له قلوبهم، وبقدر إذعان القلوب تكون قدرته على القلوب، وبقدر قدرته على القلوب يكون فرحه وحبه للجاه. فهذا هو معنى الجاه وحقيقته، وله ثمرات كالمدح والإطراء، فإن المعتقد للكمال لا يسكت عن ذكر ما يعتقده فيثني عليه، وكالخدمة والإعانة، فإنه لا يبخل ببذل نفسه في طاعته بقدر اعتقاده فيكون سخرة له مثل العبد في أغراضه، وكالإيثار وترك المنازعة والتعظيم والتوقير بالمفاتحة والسلام وتسليم الصدر في المحافل والتقديم في جميع المقاصد، فهذه آثار تصدر عن قيام الجاه في القلب، ومعنى قيام الجاه في القلب: اشتمال القلوب على اعتقاد صفات الكمال في الشخص، إما بعلم أو عبادة أو حسن خلق أو نسب أو ولاية أو جمال أو قوة بدن، أو شيء مما يعتقده الناس كمالاً، فإن هذه الأوصاف كلها تعظم محله في القلب فتكون سببًا لقيام الجاه.


واعلم أن السبب الذي يقتضي كون الذهب والفضة وسائر أنواع الأموال محبوبًا هو بعينه يقتضـي كون الجاه محبوبًا، بل يقتضي أن يكون أحب من المال، فأنت تعلم أن الدراهم والدنانير لا غرض في أعيانهما، إذ لا تصلح لمطعم ولا مشـرب ولا ملبس ولا منكح، وإنما هي والحصباء بمثابة واحدة، ولكنهما محبوبان لأنهما وسيلة إلى جميع المحاب، وذريعة إلى قضاء الشهوات، فكذلك الجاه، بل حب الجاه مترجح على حب المال من ثلاثة أوجه:
الأول: أن التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه، فالعالم أو الزاهد الذي تقرّر له جاه في القلوب لو قصد اكتساب المال تيسـر له، فإن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب، ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال، أما الرجل الخسيس إذا وجد كنزًا ولم يكن له جاه يحفظ ماله، وأراد أن يتوصل بالمال إلى الجاه لم يتيسر له ذلك.


الثاني: أن المال معرض للبلوى والتلف، أما خزائن القلوب فمحروسة بأنفسها.


الثالث: أن ملك القلوب يسري وينمي ويتزايد من غير تعب، بخلاف المال.


وفي الطباع أمر عجيب وراء هذا وهو حب جمع الأموال وكنز الكنوز وادخار الذخائر واستكثار الخزائن وراء جمع الحاجات، حتى لو كان للعبد واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، وكذلك يحب الإنسان اتساع الجاه وانتشار الصيت إلى أقاصي البلاد التي يعلم قطعًا أنه لا يطؤها ولا يشاهد أصحابها، ليعظموه أو ليبروه بمال أو ليعينوه على غرض من أغراضه، ومع اليأس من ذلك فإنه يلتذ به غاية الالتذاذ وحب ذلك ثابت في الطبع، ويكاد يظن أن ذلك جهل، فإنه حب لما لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة[24].


وهذا الحب الذي لا تنفك عنه القلوب له سببان: أحدهما جلي تدركه الكافّة، والآخر خفي وهو أعظم السببين، ولكنه أدقهما وأخفاهما وأبعدهما عن أفهام الأذكياء فضلاً عن الأغبياء، وذلك لاستمداده من عرق خفي في النفس وطبيعة مستكنة في الطبع لا يكاد يقف عليها إلا الغواصون.


فأما السبب الأول: فهو دفع ألم الخوف؛ لأن الشفيق بسوء ظنّ مولع، والإنسان وإن كان مكفيًّا في الحال فإنه طويل الأمل، ويخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره، فإذا خطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه، ولا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة، عن طريق الاستعانة بجاهه الذي في قلوب الناس لأخذ أموالهم.


وأما السبب الثاني: وهو الأقوى؛ لأن الروح أمر رباني، وصفه تعالى بقوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85]، وللقلب ميل إلى صفات بهيمية كالأكل والوقاع، وإلى صفات سبعية كالقتل والضرب والإيذاء، وإلى صفات شيطانية كالمكر والخديعة والإغواء، وإلى صفات ربوبية كالكبر والعز والتجبر وطلب الاستعلاء، والإنسان بطبعه محب لأن يكون هو المنفرد بالكمال، ولذلك قال بعض المشايخ: ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: 24]، ولكنه لا يجد له مجالاً، وهو كما قال[25]، فإن العبودية قهر على النفس والربوبية محبوبة بالطبع، ولكن لما عجزت النفس عن درك منتهى الكمال لم تسقط شهوتها للكمال، فتحب أن تستولي على كل الأشياء الموجودة معها، ومطلوب القلوب الكمال، والكمال بالعلم والقدرة.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 151.01 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 149.29 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.14%)]