لماذا يُحرقون المصحف؟! - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         دليلك الشامل لاستعدادات أول رمضان فى بيتك.. لو مش عارفة تبدأى منين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          طريقة عمل بان كيك بالبرتقال.. مفيد فى لانش بوكس المدرسة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          5 لمسات ذكية فى ديكور بيتك لاستقبال رمضان من غير تكاليف كبيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          أخطاء تجميلية لها عواقب كارثية على البشرة.. احذريها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          5 أطعمة تزيد نضارة وحيوية البشرة.. مهمة لجمالك فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          ما تحولش رمضان لعبء نفسى.. إزاى تدرب أطفالك على الصوم من غير إجبار؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          أبيات وقصائد عن حافظات القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          من مائدة السيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 13 - عددالزوار : 9022 )           »          تخريج حديث: المستحاضة بالوضوء لكل صلاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 1096 )           »          حديث: امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 09-02-2026, 05:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,989
الدولة : Egypt
افتراضي لماذا يُحرقون المصحف؟!

لماذا يُحرقون المصحف؟!

أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
الخطبة الأولى:
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57].

في هذه الآية الكريمة يذكر الله سبحانه وتعالى أعظمَ نعمةٍ أنعم بها على عباده المؤمنين؛ وهي نزول القرآن الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنزل فيه من الوعظ والتذكير، والهدى والشفاء، وفيه من البيان والتبيين لكلِّ ما يحتاجه الناس في هذه الحياة، وفيه ما يدلهم على الخير والحق، ويُجنبهم الشر والباطل.

أيها المؤمنون: ووصف القرآن الكريم بالشفاء والرحمة؛ قال سبحانه: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82].

فالقرآن الكريم شفاء لما في الصدور، ورحمة للمؤمنين، لا يزيد الظالمين – أي الكافرين به – إلا خسارًا؛ فهم يعيشون في خسارةٍ، كلما كفروا وأعرضوا عنه.

أما المؤمنون، فالقرآن سببٌ لهدايتهم، ورِفعتهم، وعزتهم، وهو سبب لاستخلافهم في الأرض، وهو سبب للتمكين، وهو سبب للفلاح، والرِّفعة، والسعادة، والعزة في الدنيا والآخرة؛ كما قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 41، 42].

ولأنه كلام ربنا سبحانه؛ فقد جعل الله فيه الصوابَ كله، والحقَّ كله، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فليس فيه خَلَلٌ ولا نقص.

من قرأه بتدبرٍ، أعطاه الله سبحانه وتعالى ثمرته من العلم والمعرفة، والإيمان واليقين والهدى.

ومن قرأه بتدبرٍ وتأمُّل، منحه الله سبحانه وتعالى آثارَه العظيمة على جسده بالشفاء، وعلى صدره ونفسه بالانشراح، وعلى أحواله كلها بالهدوء والسَّكينة.

وقد أنزل الله هذا الكتابَ العظيم عزًّا وشرفًا للمؤمنين به من العرب، ثم آمن به من باقي الأمم؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف: 44]، فهو شرفٌ لك يا محمد، فقد أنزل القرآن بلُغتك، ونزله على قلبك؛ فشرَّفك الله بالقرآن، وسيشرِّف الله من عمل بهذا الكتاب، من أمِّتك، فترتفع به الأمة المسلمة ويجتمع شملها، ويوحِّد صفها.

وبالفعل لقد شرف الله العرب بالقرآن وببعثة خاتم الأنبياء، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيهم؛ فقد كان العرب قبائلَ متناحرةً، متقاتلة، لا يعرفون حضارة، ولا يعرفون دولة، ولا يعرفون اجتماعًا، همُّهم الأكبر كيف يُغير أحدهم على متاع صاحبه فيأخذه؟ شعارهم العام: الظلم؛ كما قال شاعرهم:
ومن لم يذُد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لم يظلمِ الناس يُظلمِ




فلما آمنوا بالقرآن فرفعهم الله به، وأعزهم الله به، ووحَّد صفهم، وأخرج منهم أمةً هي خير أمة أُخرجت للناس، وقد جعل الله القرآنَ بلسان عربي مبين من أجل أن يسهُلَ على الناس قراءته وحفظه؛ كما قال: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17].

وقد أدرك أعداؤنا منذ نزول القرآن وإلى اليوم أهميته ومكانته، وأنه سبب لعزِّ المسلمين، ورفعة مكانتهم، وتوحيد صفوفهم، وسببٌ لنهضتهم إذا اعتصموا به، فسعَوا في محاربته من أول ما نزل؛ فقد رفضوه وكذبوه، وقالوا عنه: سحر، وكهانة، وشعر، وغير ذلك من الأوصاف المنفِّرة عن القرآن، وعن نبي القرآن، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشعارهم؛ كما قال الله عنهم: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [الصف: 8].

وما زال يحمل هذا الشعارَ كلُّ من يكفر بالإسلام والقرآن؛ من عربٍ وعجم، ومن يهود ونصارى، ومن بوذيين ومجوس، ومن سائر دول وملل الكفر؛ شعارهم: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ [الصف: 8].

سبحان الله! كيف يمكن لشخص أن يطفئ نور الله العظيم بمجرد أن ينفخ فيه بفمه؟ فهذا أمر مستحيل.

ولكنهم ما زالوا مستمرين في هذه العملية، وكل يوم تسمعون كلامًا وفعلًا وتصرفاتٍ تصدر منهم حول القرآن؛ فمرةً يُحرقون المصحف، ومرة ينجسونه بالأذى، ومرة يصنعون قرآنًا مزيفًا وينشرونه بين الناس، وأخرى يفسرون القرآن بتفاسيرَ باطلة من أجل أن يُحرِّفوا معانيه، ويصرفوا الناس عما فيه من الهدى والحق، ولهم في ذلك مشاريعُ كبيرة مستمرة في حرف الناس، وإشغالهم، وإبعادهم عن القرآن، وأحكام القرآن، ولغة القرآن، وهديِ القرآن، وأخلاق القرآن.

فكم من القنوات الفضائية التي أنشؤوها لكي تشغل الناس عن القرآن، وتفتن الناس عن القرآن! كل ذلك استكمالًا لشعارهم الأول: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [الصف: 8]، وجهود هؤلاء المجرمين من أعداء الإسلام لن تتوقف، لا اليوم ولا غدًا؛ إنهم مستمرون في عملهم ومحاربتهم للقرآن، ولكن الله سبحانه وتعالى قد طمأن المؤمنين بأنه سيحفظ لهم كتابهم؛ كما قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].

فمهما فعلوا، فلن تتحقق أهدافهم في ذلك؛ فإن ما يفعلونه هو مجرد أذية، يؤذون بها مشاعر المسلمين في مقدساتهم، وما يُعظِّمونه من أمور دينهم؛ كما قال: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ﴾ [آل عمران: 111]، فهذا الهدف سيتحقق لهم؛ وهو إدخال الأذية على المؤمنين في تدنيس مقدساتهم، والاستهزاء بشعائرهم الدينية.

وهذا الأذى يحصل للمسلمين بين الحين والآخر من قِبل أعداء الإسلام، والعجب أن تدنيس المصحف أو إحراقه قد يأتي أحيانًا من بعض المرتدين من المسلمين؛ أناسٍ يبحثون عن لُعاعة من الدنيا، ويريدون اللجوء إلى دول الكفر، فيُبررون موقفهم بهذه الأفعال حتى ينكر عليهم المسلمون، ويهددوهم بالقتل والمحاكمة، فيرفعوا عقيرتهم ويقولوا: نحن لا نستطيع العيش في بلاد المسلمين؛ لأن أرواحنا ونفوسنا مهدَّدة بالقتل، فيحصلوا على اللجوء ليعيشوا في بلاد الكفر أذنابًا للكافرين، مدنَّسة عقولهم، وفاسدة أخلاقهم.

كما أن السحرة الذين يتعاملون بالسِّحر، يعمدون أيضًا إلى الطلب ممن يتعلم السحر أن يدنس المصحف حتى يثبت لديهم كفره ورِدته؛ كما قال: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾ [البقرة: 102].

فتعلُّم السحر كفرٌ، وأعظم وسيلةٍ لإثبات الكفر عند الساحر التعدي على المصحف، أو تنجيس المصحف، أو تمزيق المصحف، أو رمي المصحف في مكان القاذورات.

وهكذا يتخذون من هذه الوسائل والتصرفات أساليبَ حتى يصلوا إلى مُبتغاهم الحقير من تعلُّم السحر.

والقرآن لن يبطُل وينتهي بفعلهم هذا، فالله قد حفِظه ووعد بأنه سيتم نوره، والقرآن من نور الله، وسيبقى محفوظًا إلى أن تقوم الساعة.

أيها المؤمنون عباد الله: لقد بلغ من الذُّعر والخوف عند أعداء الإسلام أنهم يخافون من بقاء القرآن عاملًا مؤثرًا في صفوف المسلمين، ولو قرأتم تصريحاتِ المنصِّرين والقادة العسكريين من الصليبيين الذين غزَوا بلاد المسلمين، لَوجدتم أنهم أجمعوا على شيء واحد؛ قالوا: ما دام القرآن باقيًا بين المسلمين، فلن يكون لأعمالنا وأنشطتنا بين المسلمين أثر؛ لأننا كلما أحدثنا شيئًا في الناس، عادوا إلى القرآن وتمسكوا بالقرآن، فردَّهم القرآن إلى الله سبحانه وتعالى وإلى دينه.

كما أن هذا العمل الدنيء الذي يحصل بين الحين والآخر من أعداء الإسلام، ليس شرًّا محضًا؛ كما قال الله: ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [النور: 11]، فهناك غفلة كبيرة عند المسلمين اليوم عن كتاب ربهم، وغفلة عن دينهم؛ فأحيانًا تأتي مثل هذه التصرفات السيئة من الأعداء فتُوقظ مشاعر المسلمين، وتجعلهم يعودون إلى دينهم، وتجعلهم يدافعون عن مقدساتهم، وتجعلهم يشعرون أنهم مستهدفون، فيشعرون أن دينهم وكتابهم، وعقائدهم، وقِيمهم وأخلاقهم في خطر، فيؤدي ذلك إلى اليقظة من الغفلة وحياة القلوب مرة أخرى؛ فـ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [النور: 11]، هذا فيما يتعلق بالمسلمين.

أما بالكفار؛ فعندهم غفلة وجهل عن البحث عن الحق ومعرفة الهدى، فما إن تحصل حادثة من هذه الحوادث، وتنتشر في وسائل الإعلام إلا وأعطت فرصةً لأولئك الغافلين من الكفار لكي يبحثوا ويقرؤوا عن الإسلام، والقرآن، فيتعرفوا على ما يحتويه هذا الكتاب الذي أُحرق، وخرج الناس هنا وهناك مستنكرين لذلك العمل، فإذا بالكافر الملحد البعيد عن الله، الغافل عن شرع الله وهديِه، يقرأ ويتصفح المواقع، ويقرأ الأخبار، فيبحث عن القرآن، ويبحث عن الإسلام، فيدُله ذلك البحث إلى الإسلام، وكم عدد الذين يُسلمون بسبب مثل هذه الحوادث المسيئة للقرآن والإسلام؟

الجواب: كثير جدًّا لأن المجتمع الغربي مجتمع مغفَّل، مشغول بدنياه، مشغول بالعمل والإنتاج، فليس عنده فرصة للبحث والقراءة والاطلاع، ولكن تأتي مثل هذه الحوادث فتدفعه إلى الفضول، فيقرأ، فيطلع، فيتعرف على الإسلام، ويتعرف على القرآن، فيؤمن؛ وهذا من معاني قول الله تعالى: ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ﴾ [النور: 11].

فأحيانًا الأذية لا تكون شرًّا محضًا، بل تكون وسيلة لبعث الحياة في القلوب، وعودة الناس إلى دين الله، وهذا ما يريده الله سبحانه وتعالى من مثل هذه الحوادث السيئة التي تحدث بين الحين والآخر.

كما أن هذه الحوادث ابتلاء واختبار لنا نحن المسلمين، لكي يُعلم ما موقفنا من حماية هذا الكتاب، وما واجبنا نحو الإسلام، وهل انتماؤنا له إيجابي أم هو مجرد انتماء سلبي؟

فأنت - أيها المسلم - يجب أن يكون انتماؤك للإسلام إيجابيًّا، يجب أن يكون لك موقف من أعداء الإسلام الذين دنَّسوا كتابك، الذين أحرقوا قرآنك؛ يجب أن تعلن البراءة منهم، وأن تشعر أن هؤلاء أعداء ألدَّاء للإسلام وللمسلمين، فيكون موقفك من ذلك هو البراءة؛ كما قال: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [المجادلة: 22]، فلا تحبهم، ولا تنصرهم، ولا تتشبه بهم، بل يكون بينك وبينهم العداوة والبغضاء الظاهرة: ﴿ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ [الممتحنة: 4]، فهذا الذي يجب أن يكون في قلوب المؤمنين حينما تأتيهم مثل هذه الحوادث، فتُحرك فيهم الولاء والبراء؛ الولاء للإسلام وأهله، والبراء من الكفر وأهله.

كما أن هذه الحوادث فيها ابتلاء واختبار لنا؛ كما قال الله: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد: 4]، فلو شاء الله لانتصر من الكفار بكلمة واحدة، بشيء واحد، يقول للشيء: كن فيكون، ممكن أن يخسف بهم البر أو يغرقهم في البحر، كما أهلك فرعون، وأهلك قوم عاد، لكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبتلي عباده المؤمنين بعباده الكافرين؛ حتى تتمايز الصفوف، وترتفع درجات المؤمنين، ويَمحق الكافرين.

أيها المؤمنون: لذلك يجب على المسلم أن ينتبه لهذه الأمور، وأن يتخذ من هذه الحوادث فرصةً للدعوة، والبلاغ، والولاء والبراء، والدفاع عن القرآن، والاستشعار بأنه من أمة القرآن.

كما أننا نستفيد من هذا الحدث أن نعود إلى القرآن فنتعلمه، ونعمل به، ونترك هجره، وننشره بين الناس، وندافع عنه؛ هذا هو الواجب الشرعي في مثل هذه الأحداث.

أما مجرد الخروج في المظاهرات والاحتجاجات السطحية كما تفعلها بعض الدول والأنظمة اليوم، فهي من باب الشجب والندب فقط، إذا لم يصحبها عملٌ صحيح لخدمة الإسلام.

فالأمل في الله تعالى، ثم في الشعوب المسلمة، الأمل في أبناء القرآن، وأهل القرآن الذين سيعودون إلى كتاب ربهم، فيتخذونه مصدرَ عزِّهم وقوتهم ونصرتهم؛ فيحفظونه، وينشرونه، ويدافعون عنه.

فإن أحرقوا نسخةً من الورق، فمعنا ملايين النسخ المحفوظة في قلوب أبناء المؤمنين من الحفَّاظ.

هذا الذي يجب أن يستشعره المسلم وهو يتابع حادثة إحراق المصحف، أو إهانة المصحف، هنا وهناك.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
أيها المؤمنون عباد الله، كما سمعنا أن الله سبحانه وتعالى قد حفِظ كتابه، وأنه أراد أن يبتلي عباده المؤمنين بهذه التصرفات التي تحدث من أعدائهم لينظر موقفهم منها، لينظر هل تتحرك مشاعرهم دفاعًا عن هذا الكتاب العظيم، الذي فيه رفعتهم وعزتهم؟ ولينظر كيف يتعامل المسلم مع عدوه الذي يُهين مقدساته؟


كما يجب أن نُنبه لموضوع الولاء والبراء، فموضوع الولاء والبراء من أهم قضايا الإسلام، أمة الإسلام أمة متميزة: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 71]، كما أن: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 67]، والكفار والكافرات بعضهم أولياء بعض، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض؛ فيجب أن يعتصم الناس بكتاب الله؛ كما قال: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103].

وحبل الله هو كتابه العظيم الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فعلى الأمة أن تعتصم بحبل الله، وتجتمع على كتاب الله، وهديِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بغير هذه الوسائل لن يكون للأمة مكان في هذا العالم، لن يكون لهم عزة ولا مكانة، إلا بعودتهم إلى كتاب ربهم، وسُنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

وما أشبه الليلة بالبارحة! حينما ترك العرب والمسلمون الاعتصام بكتاب الله، وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عادوا إلى حالتهم الأولى كما كانوا في الجزيرة قبل البعثة؛ مجموعة قبائل متناحرة، اليوم مجموعة دويلات متناحرة، فقط تغير الاسم، أولئك كانوا قبائل متناحرة فيما بينهم، ربما يتحاربون عشرات السنين من أجل أن الناقة الفلانية سبقت الناقة الفلانية، واليوم يتحاربون عشرات السنين من أجل حدود مصطنعة بين دويلات، وكلهم مسلمون، وكلهم كتابهم القرآن، ورسولهم محمد صلى الله عليه وسلم.

إذًا؛ لا عزة ولا مجد ولا مكانة للعرب والمسلمين إلا أن يعودوا إلى كتاب ربهم، وأن يوحِّدوا صفوفهم، وأن يعملوا به كما عمِل به محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن يُجمَع الناس على العقيدة الصحيحة؛ كما قال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10]، وأن يُترَك كل ما يؤدي إلى الفرقة والاختلاف.

أيها المؤمنون، أبْشِروا؛ فإن الله معزٌّ دينه وناصرٌ أولياءه، ولا خوف من أن يُطفأ نوره؛ فنور الله قد أتمَّه الله، وسيستمر في التمام، وإن ضعُف هنا وقلَّ هنا، لكنه لن ينطفئ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يبشِّر أمته كما في الحديث الصحيح: ((والله لَيتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون))؛ [رواه البخاري]، وفي لفظ آخر: ((لَيبلُغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيتَ مدرٍ ولا وبر، إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِّ عزيزٍ أو بذل ذليل، عزًّا يُعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر))؛ [رواه أحمد].

فينبغي أن يطمئن المسلم، فالمستقبل لهذا الدين، فقد وعد الله أن يستمر هذا الإسلام وأن ينتصر، وهذا الذي جعل بعض الغربيين يصابون بالجنون؛ حتى إنهم يشيرون في دراساتهم إلى أن سنة ألفين وخمسين ستكون أوروبا ذات أغلبية مسلمة.

فالإسلام ينتشر في صفوفهم مع ضعف المسلمين، وفرقتهم وتخلفهم، وفقرهم واقتتالهم في بلدانهم، فكيف لو اجتمعوا وتقدمت بلدانهم، وذهب ما فيها من الفقر والحاجة والتخلف؟! سيتحول الناس جميعًا إلى الإسلام؛ لذلك ما تشاهدونه وترَونه وتسمعونه من أحداثٍ في إحراق المصحف، أو إهانته، أو تدنيس المساجد، أو منع الحجاب، أو تدمير الأسرة، أو إصدار قوانين تحدُّ من الشعائر الدينية في بلاد المسلمين، إنما هو خوف وذعر مما يشاهدونه من نتائج هذه الدراسات، وأن المستقبل للإسلام، وأن الله سينصر دينه، وسينتشر، ولن يبقى بيتُ حجرٍ ولا مدرٍ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، إلا وأدخل الله فيه الإسلام.

عباد الله: يجب علينا أن نقوم بواجبنا حتى ننقذ أنفسنا، ونقوم بما أمرنا الله سبحانه وتعالى به، ونؤدي المسؤولية التي علينا، أما الإسلام فهو منصور بنا أو بغيرنا؛ كما قال: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38].

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعزَّ الإسلام والمسلمين.

وصلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة والسلام عليه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 83.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 81.78 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.06%)]