|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
بين شرف الثبات وصدق الانتماء .. غُربة المسلم في زمن الفتن
أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الغُربة قدرٌ يلازم الإسلام في بعض أطواره، فقال: «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»؛ وهم - كما وصفهم - قِلّة في العدد، عظيمون في الأثر.. أناس صالحون في أناس سوء كثير! ، وليست هذه الغُربة دعوة إلى الانسحاب من الواقع، ولا استقالة يائسة من الحياة، بل هي ثبات على المنهج حين ينحرف الناس عنه، وإصلاحٌ حين يعمّ الفساد، وصبرٌ على طريق طويل لا يقطعه إلا من عرف وجهته، وتزوّد بزاده من الإيمان واليقين. إنها غُربة الثابت لا غُربة الهارب، وغُربة صاحب الرسالة لا غُربة المعتزل. نظرة مختلفة ليست غُربة المسلم في زمن الفتن شعورًا نفسيا عابرًا، ولا حالة وجدانية طارئة؛ بل هي مقام إيماني قدّره الله لعباده الصادقين؛ ليميز به الخبيث من الطيب، ويُظهر به أهل الاستقامة شهودًا على الحق في زمن اختلطت فيه الموازين، وارتفعت فيه رايات الباطل. فغُربة المؤمن اليوم ليست اغترابًا عن أوطانٍ أو حدود، وإنما غُربة عن مناهج وأفكار وقيم تزاحم ما جاء به الوحي، وتعرض نفسها بديلاً عن هدي السماء.الغُربة ومصدرالفتن لا شك أن أصل الفتن كلّها يعود إلى عداوة الشيطان لبني آدم، قال -تعالى-:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّاُ} (فاطر: ٦)، فهو لا يزال يلبّس على الناس دينهم، ويزيّن لهم الشبهات والشهوات، حتى يستوحش المؤمن من التمسك بالسنة بين أهل البدعة، ومن الطهارة بين أهل المجون، ومن العدل بين أهل الأهواء.وتتجلى معاناة الغُربة في هذا العصر في صور متعددة؛ منها صعوبة التمسك بعقيدة التوحيد الخالص في بيئات اختلط فيها الحق بالخرافة، والثبات على الأخلاق الإسلامية في زمن انتشرت فيه الشهوات والشبهات، وتحوّل الانحراف - لدى البعض- إلى مادة منافسة وتباهي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. الثبات في الغُربة في ضوء الكتاب والسنة وقد دلّ القرآن والسنة على معالم الطريق الآمن في زمن الفتن، ومن أبرزها:1- الاعتصام بالوحيين: وذلك كما قال -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} (آل عمران: 103)؛ فكلما اشتدت الفتن، تعيّن الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، علمًا وعملاً، وتحكيمًا لهما في النوازل والمتغيرات، إذ لا نجاة خارج هذا الإطار. 2- صحبة أهل الحق: وذلك مصداقًا لقوله -تعالى- في سورة الكهف: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.. كما أثنى الله - سبحانه وتعالى- على القائمين بواجب الأمر بالمعروف والناهين عن المنكر بقوله -سبحانه-: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ} (هود: 116)، وهم الغرباء الذين يُحيون السنن إذا أُميتت، ويجددون للدين حضوره في القلوب؛ فالمسلم في زمن الغُربة أحوج ما يكون إلى صحبة صالحة تشدّ من أزره، وتثبّت يقينه، وتذكّره إذا غفل. 3- لزوم الصبر وترك اليأس: فمن أخطر فتن الغُربة القنوط، وذلك حين يرى المسلم استعلاء أهل الباطل، وضعف أهل الحق؛ والردّ على ذلك إنما يكون باليقين بموعود الله الذي لا يتخلّف: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (الأعراف: 128)، وقد بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم - بانتشار هذا الدين: «حتى لا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين»؛ فالمؤمن يعمل ولا ييأس، ويثبت ولا ينخدع بزينة الدنيا العاجلة الفانية. 4- دفع الشبهات بالعلم الشرعي: فجهل كثير من الناس جعلهم فريسة لأفكار منحرفة تتزيّا بلباس الإصلاح، ولا دواء لذلك إلا بالعلم بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم -. 5- مجاهدة النفس وترك الشهوات: ويتبع ذلك أيضا غضّ البصر، وحفظ الجوارح، مع تعظيم مراقبة الله، وكثرة الدعاء: «اللهم يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك». 6- الحكمة في الدعوة والإنكار: وذلك بمراعاة المصالح والمفاسد، حتى لا تتحول الحماسة غير المنضبطة إلى فتنة أعظم وفساد أوسع، وعلى المسلم في ذلك مراعاة قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. سُبل النجاة دلّت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة - وواقع الحال - على أن النجاة في أشد أزمنة الفتن لا تكاد تخرج عن حالين: إما داعٍ إلى الله يقوم بالحق، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويتحمل الأذى في سبيل الله؛ وإما معتزلٍ اعتكف على عبادة ربه حين تعمّ الفتنة، ويعجز عن التغيير دون أن ينجرف مع الباطل.غير إن الأصل في المسلم أن يبقى في ميدان المجتمع والإصلاح ما دام قادرًا على قول كلمة الحق، أو تعليم جاهل، أو تثبيت متردد؛ فالغُربة هنا ليست حرمانًا، بل شرف رسالة، وليست ضعفًا؛ بل وسام اصطفاء، ومن سار في هذا الطريق كان في رفقة: {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وحَسُنَ أولئك رفيقًا}. أبناؤنا في الغُربة تربية الأبناء في بلاد الغُربة مسؤولية عظيمة وأمانة ثقيلة، إذ يزداد فيها خطر الذوبان وضياع الهوية، وقد شدّد الإسلام على لزوم رعاية الأولاد وغرس معاني الإيمان والالتزام فيهم حتى لا تنقطع صلتهم بدينهم وأمتهم، ولعل من أهم وسائل ذلك ربطهم بالمسجد لتربية قلوبهم على حبّ العبادة، ومتابعة أداء الفرائض الدينية بالسؤال والتوجيه المستمر، والمحافظة على اللغة العربية بوصفها لغة القرآن وهويتهم الثقافية والدينية. فالوالدان في الغُربة مطالبان بأن يكونا قدوةً حسنة لأولادهما في العبادة والخلق واللغة، وذلك حفاظاً على دينهم وقيمهم من الذوبان والانحراف.الخلاصة فإنه ينبغي ألا تكون غُربة المسلم في هذا الزمن عجزًا عن التكيّف؛ بل وعيًا راشدًا يرفض الذوبان ويحافظ على هويته الإسلامية الناصعة، ويبحث عن معايير السماء ورضا ربّ العالمين وسط هذا الزحام والضجيج؛ فالغريب -بمفهومه الإيجابي- لا يعيش قطيعة مع مجتمعه؛ بل يتفاعل معه ويحمل همّ إصلاحه، وينظر إلى الناس بعين الرحمة لا الاستعلاء، وعين الغيرة لا الإدانة، إذ يدرك أن الغُربة ليست اعتزالًا للواقع؛ بل ارتقاء فوقه بمنطق الإيمان، ورؤية تبصر نور الفطرة في الإنسان مهما غطّاه غبار الشهوات والشبهات، وبذلك تكون غُربة المسلم صفاء في القلب، وثقة مطلقة بالوعد الإلهي، تدفعه ليكون شعلة وعي وإصلاح في بيئة تائهة، وصوتَ طمأنينة في زمن القلق والتوتر.اعداد: ذياب أبو سارة
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |