شعبان والتهيئة لرمضان - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         نصائح وضوابط إصلاحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 76 - عددالزوار : 56959 )           »          موارد البؤس والتسخط! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          لن يضيعنا! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          المأسور من أسره هواه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 20 )           »          ذكر يقوي بدنك فلا تحتاج إلى خادم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          أين أنا في القرآن؟ {فيه ذكركم} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          فضل العفو والصفح من القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5177 - عددالزوار : 2487012 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 04-02-2026, 12:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,897
الدولة : Egypt
افتراضي شعبان والتهيئة لرمضان

شعبان والتهيئة لرمضان

الشيخ عبدالله محمد الطوالة

الحمدُ للهِ الذي كان بعباده خبيرًا بصيرًا، و﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ [الفرقان:1]، و﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا ﴾ [الفرقان:61]، ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء:43].

وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، ولا ربَّ لنا سواهُ، ولا نعبدُ إلا إيَّاهُ، ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء:44].

والصلاةُ والسلامُ على من بعثهُ اللهُ تباركَ وتعالى هاديًا ومبشِّرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسِراجًا منيرًا، فبلَّغَ الرسالةَ، وأدى الأمانةَ، ونصحَ الأُمَّةَ، وجاهدَ في الله جهــادًا كبيرًا.. صـلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ وأنعـمَ عليـه، وعلى آله الأطهارِ، وصحابتهِ الأبْرارِ، والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ ما تعاقبَ الليلُ والنّهار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ: فأوصيكم عبادَ اللهِ ونفسي بتقوى اللهِ والعملَ بطاعته، والمجانبةَ لسخطهِ ومعصيتهِ، واعلموا يا عبادَ اللهِ أن تقوى اللهِ هي خيرُ ما تزودتم، وأحسنُ ما عمِلتُم، وأجملُ ما أظهَرتُم، وأكرَمُ ما أسررتُم، وهي وصيةُ اللهِ لكم ولمن كان قبلكم: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء:131].

معاشر المؤمنين الكرام: لقد خصَّ الله عزَّ وجلَّ شهر شعبان بفضيلة رفْع الأعمال فيه؛ ولذلك فقدْ كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام فيه، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسولَ الله، لم أرَك تصوم شهرًا مِن الشهور ما تصومُ مِن شعبان؟! قال: (ذلك شهرٌ يغفُل الناس عنه بين رجَب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفَع عمِلي وأنا صائِم)؛ حسنه الألباني.. وفي الصحيحين تقول أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم استكملَ صِيامَ شهر قطُّ إلاَّ رَمَضان، وَما رَأَيْتُهُ في شَهْرٍ أكْثَرَ مِنه صِيَامًا في شَعْبَان"، وفي صحيح مسلم، "أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبانَ إلاَّ قليلًا".

فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن لشعبان فضيلةٌ خاصة؛ حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم أغلبه.. ويقول الامام ابنُ رجب رحمه الله في "قوله صلى الله عليه وسلم "شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عنه"، في ذلك دليلٌ على استحباب عمارةٍ أوقاتِ غفْلةِ الناس عن الطاعة، وأنَّ ذلك محبوبٌ عندَ الله تعالى..

ففي الأوقات التي يغفُل الناس فيها عن العِبادة، ويتناسَوْن الطاعة، في مِثْل هذه الأزمان تزدادُ مكانةُ العبادة، ويعلو شأنُها، ويتضاعف أجرُها؛ وذلك لأنَّ الطاعاتِ وقتَ غفلة الناس تكونُ أكثرُ إخلاصًا وأبعدُ عن الرِّياء والسمعة، كما أنَّ الطاعاتِ وقتَ غفلةِ الناسِ عنها شاقَّةٌ على النفوس، وأفضلُ الأعمال أشقُّها على النفوس، في الحديث الصحيح، يقول عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها: "أَجْرُكِ على قَدْرِ نَصَبِك".

وعليه فإن عِمارة أوقاتِ الغفلةِ لها فضلٌ وثوابٌ عظيم، في الحديث الحسن، قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فقال: لا إله إلاَّ الله وَحْدَه لا شَريكَ له، له المُلْكُ وله الحمْد، يُحْيِي ويُمِيت وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِه الخَيْرُ وهو على كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتبَ الله له ألفَ ألْف حسنَةٍ، ومَحَا عنْه ألْفَ ألْف سيِّئةٍ، ورَفَعَ له ألْفَ ألْف درَجَة"؛ وبَنَى له بَيْتًا في الجنةِ".. وهذا الأجرُ العظيمُ لأجل أنَّ السوقَ مظنةُ الغفلةِ والانغماسِ في الدنيا، وهكذا قيامُ الليل، فهو وقتُ نومٍ وغفلةٍ، في الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: "أقربُ ما يكون العبدُ من الرَّبِّ في جوفِ اللَّيلِ، فإن استطعتَ أن تكون ممن يذكر اللهَ في تلك الساعةِ فكُنْ".

ولنفس المعنى قال صلى الله عليه وسلم في حال الغرباء في آخر الزمان: "إنَّ مِن ورائِكم أيامَ الصَّبرِ، لِلمُتَمَسِّكِ فيهنَّ يومئذٍ بما أنتم عليه أجرُ خمسينَ منكم، قالوا، يا نبيَّ اللهِ أو منهم؟ قال، بل منْكم".. وعلل ذلك بقوله: "إنَّكم تجدون على الخير أعوانًا، ولا يَجِدُون".. والحديث صححه الألباني.. وفي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "بَدَأَ الإسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كما بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ".

كما أن في تعظيم شعبان تعظيمٌ لرمضان، حيث أن شعبان كالمقدِّمة لرمضان، وقد ذكر بعضُ أهل العلم أنَّ أفضلَ صيامِ التطوُّعِ ما كان قريبًا من رمضان قبلَه أو بعدَه؛ لأنَّه بمنزلة السُّنن الرواتب مع الفرائض قبلَها وبعدَها، فصوم شعبان كالقَبليَّة لرمضان، وصيام الستِّ من شوال كالبَعديَّة لرمضان، فإذا كانت السنن الرواتب أفضلُ من صلاة التطوُّع المطلَق لقربها من الفرائض، فكذلك يكون صيامُ ما قبل رمضان وما بعده أفضل من الصيام المطلَق الذي لا يتَّصل بالفرض..

وأما عن الاعمال التي ينبغي الحرص عليها في شعبان، فيقول الإمام ابن رجبٍ رحمه الله: يشرعُ في شعبان ما يُشرَعُ في رمضان، مِن الصِّيامِ والقيامِ وقراءة القرآن، وسائرِ أنواعِ الإحسان؛ ليحصلَ التأهُّبُ لتلقِّي رمضان، وترتاضُ النفوسُ بذلك على طاعة الرحمن.. ولذلك كان يُقال: شهرُ شعبانَ شهرُ القرَّاء، لكثرة ما كانوا يقرأون القرآنَ في شعبان.. وكان يُقال أيضًا: شهرُ رجبٍ شهرُ البذر، وشهرُ شعبانَ شهرُ السَقي، وشهرُ رمضانَ شهر الحصاد..

كما أن في ذلك توطينٌ للنفس وتهيئتها لصيام رمضان، فإذا دخلَ رمضان كانتْ النفسُ مستعدَّةً لصيامه بقوَّةٍ ونشاط.. فيكون صيامُ ما تيسرَ من شعبانٍ كالتمرين على صِيام رمضان، وليجدِ المسلمُ بصيام شعبانَ حلاوةَ الصيام ولذَّته، فيدخلَ في رمضان بقوَّةٍ ونشاط..

ولو نظرتَ إلى واقع الصحابةِ والتابعين رضي الله عنهم لرأيتَهم يستعدون لشعبان كما يستعدونَ لرمضان؛ فعن لؤلؤة، مولاة عمّار قالت: "كان عمارُ رضي الله عنه يتهيَّأ لصوم شعبان كما يتهيَّأ لصومِ رمضانَ".

إذن فقد كان السلف رضوان الله عليهم يهتمون بشهر شعبان اهتمامًا كبيرًا؛ فكانوا يُقبلون على كتاب اللهِ يتلونه ويتدارسونه، ويتسابقون إلى الخيْرات، وعمل الصالحات، وكأنهم يُهيِّئون نفوسهم لرمضان الخير، حتى إذا دخلَ عليهم رمضان دَخَلَ عليهم وقلوبُهم عامرةٌ بالإيمان، وألسنتُهم رطبةٌ بذِكْر الرحمن، وجوارحُهم عفيفةٌ عن الحرام، طاهرةٌ من اللغو والآثام، فيشعرون بلذَّة القيامِ وحلاوةِ الصيام، ولا يَملُّونَ من الأعمال الصالحة طوالَ رمضان؛ لأنَّ قلوبَهم خالطتها بشاشةُ الإيمان، وتغلغَلت فيها أنوارُ الهدى والقرآن.

ومما يجدرُ الاهتمامُ به من الأعمال: تجديد التوبة.. فالتوبة وظيفة العمر، التّوبةُ يا عباد الله: من أعظمِ العباداتِ وأحبِّها إلى الله تعالى، مَن اتّصفَ بها تحقَّق فلاحُه، وعظمت أرباحُه، تأمل: ﴿ فَأَمَّا مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾ [القصص:67]..

ولأهمية التوبة أمر الله بها جميع المؤمنين بلا استثناء، فقال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور:31].. ويكفي التّوبةِ شرَفًا وفضلًا، فرحُ الرّبِّ بها فرَحًا شديدًا، لا تطيق العبارات له وصفًا، ففي صحيح مسلم: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للهُ أشدُّ فَرَحًا بتوبةِ عبدِه من أحدِكم إذا استيقظ على بعيره قد أضله بأرضِ فلاة».

كما أنَّ من أعظم العباداتِ وأحبها إلى الله جلّ وعلا: صحبة القرآنِ والاكثارِ من قراءته وتدبره.. فالقرآن الكريم كتابُ النورِ والهداية، يهدي الأفرادَ والأمم لما يُصلحها في كل شأنٍ من شؤون حياتها ومعادها.. قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء:9].. وقال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة:15].. ولنتأمل ما يقوله الإمامُ ابن القيم عن هذا الكتاب العظيم: (ليس شيءٌ أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معانيه).. فصلاحُ العبدِ وفلاحُه في الدنيا والآخرة، لن يكون إلا بالقرآن العظيم: ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الزخرف:43]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُون ﴾ [الأنبياء:10].

ومن أهم العبادات التي ينبغي للمسلم أن يهتم بها: صيامُ ما تيسرَ من شعبان، خصوصًا ما كان له فضلٌ عامٌ كصيام الاثنينِ والخميسِ والأيام البيض، ففي فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ المتفق عليه: "كُلُّ عملِ ابن آدمَ يُضاعفُ، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سُبعمائةِ ضعفٍ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إلا الصوم، فإنهُ لي وأنا أجزي بهِ".. وفي صحيح البخاري ومسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "مَن صامَ يَوْمًا في سَبيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا"..

ومن العبادات التي ينبغي للمؤمن أن يتعود عليها قبل رمضان، المسارعةُ في الخيرات، من الصدقة، وصلةِ الرحم، ومساعدة المحتاجين، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة:148]، وَيقَولُ سبحانهُ وبحمده: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ * في جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ [الواقعة:10].

ومن أهم الأعمال التي ينبغي للمسلم أن يتعود عليها، حفظ الوقت وحسن توظيفه، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان:62]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [مريم:39].. ويقول الامام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "ينبغي للإنسان أن يعرفَ شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيّعَ منهُ لحظةً في غير قُربة، وأن يُقدمَ الأفضلَ فالأفضل منَ صالح القول والعمل".

ومن أهم الاعمال: محاسبةُ النفسِ وتذكيرها، فعَلَى المُؤمِنِ النَّاصِحِ لِنَفسِهِ، أَن يُحَاسِبَ نفسهُ، وَأنّ يَسعَى لِتَصحِيحِ أَوضَاعِهَا، فالله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر:18].. فهذه الآية العظيمة دليلٌ على وجوب محاسبة النفس ومراجعتها، وتذكيرها بيوم القيامة، وبأهمية الاستعداد للوقوف بين يدي ملك الملوك جلَّ جلاله، ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَة ﴾ [الحاقة:18].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ يَا قَومِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ القَرَارِ * مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجزَى إِلاَّ مِثلَهَا وَمَن عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ يُرزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَاب ﴾ [غافر:40].

أقول ما تسمعون...

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى.

أما بعد: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ﴾ [التغابن:16]..

معاشر المؤمنين الكرام: ومن أهم العبادات التي ينبغي للمسلم أن يهتم بها عمومًا، وقبيل رمضان خصوصًا، تنقية القلوب وتصفيتها، والمسارعة إلى الصلح والتسامح مع من كان في خصومة معهم، وليتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبدٍ لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا".. وتعلمون أنّ في هذا الشهر ليلةٌ عظيمة، هي ليلة النصف من شعبان، عظَّم النبي صلى الله عليه وسلم شأنها بقوله: (يَطَّلِع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلةَ النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلاَّ لمشركٍ أو مشاحن)، والحديث حسنه الألباني..

فالمشرك لا يطّلِعُ الله عليه، ولا يغفرُ له، وكذلك مَن كانت بينهُ وبين غيره شحناءٌ وعَدَاوة، فإنّ الله لا يغفرُ لهما حتى يَصْطَلِحا.. فهذه فُرصةٌ عظيمةٌ لكلِّ مسلِمٍ يُريد رِضا الله سبحانه وتعالى، ويُريدُ دخولَ الجنة أن يُصلِحَ ما بيْنهُ وبيْن خُصومِهِ..

وللأسف فكثيرٌ من الناس يستصغرُ مثل هذه الأمور؛ ولا يعي خطورتها، وأنها قد تكون سببًا في عدم قَبول صلاتهم، وسائرِ أعمالهم، وألا يطّلِع ربُّ العِزَّةِ والجلال إليهم، ومما يزيد الأسف شدةً، أنّ بعضَ الذين يَعْمُرُونَ المساجدَ ويحافظون على الصف الأول، تجدُ فيهم من يكونُ بينه وبين إخوانهِ المصلين خلافٌ ومشاحنة؛ وإني لأُذَكِّرُهم بهذا الحديث العظيم، عسى أن يقولوا سمعنا وأطعنا..

فالمؤمنُ الحريصُ على نيل مغفرةِ الربِّ جلّ وعلا، يهتمُ ويحرصُ على صحَّة توحيدهِ وتنقيتهِ من شوائبِ الرياءِ والسمعة، ويحرصُ كذلك على سَلامة صدْرهِ مِن الأحقادِ والضَّغائِن؛ فالله جلَ وعلا بكرمهِ ورحمتهِ يطّلِعُ على خلقه في تلك الليلةِ العظيمةِ فيغفرُ لِمَن صحَّ توحيدُهُ، وسلِمَ صدرُهُ مِن الغِلِّ والحِقْدِ لإخوانه المسلمين.. نسألُ اللهَ ألا يحرمنا وإياكم كريم فضله.. ﴿ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيم ﴾ [الحشر:10]..

أمَّا تخصيصُ ليلة النِّصفِ من شعبان بقيامٍ أو ذكرٍ أو دعاءٍ معين، أو عبادةٍ معينةٍ فليس من هَديِ النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعْلهُ أحدٌ من الصحابة رضي الله عنهم، وما ثبتَ عن أحدٍ منهم أنَّهُ خَصّ هذه الليلةَ بصلاة أو بغيرِها من العبادات، ووالله لو كان خيرًا ما سُبقوا إليه.. قال سماحة الشيخ ابن باز: "الاحتفالُ بليلةِ النِّصْف من شعبانَ بالصلاة، أو غيرها، وتخصيصُ يومِها بالصيام بدعةٌ منكرةٌ عندَ أكثرِ أهل العِلم، وليس لها أصلٌ في الشَّرْع المطهَّر".

فَرَحِمَ اللهُ امرأً جَعَلَ لِنَفسِهِ خِطَامًا وَزِمَامًا، فَقَادَهَا بِخِطَامِهَا إِلى طَاعَةِ اللهِ، وَجرها بِزِمَامِهَا عَن مَعصِيَةِ اللهِ، قَبلَ أَن يَقُولَ: ﴿ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ ﴾ [الزمر:56]، أو يقول: ﴿ يَا لَيتَني قَدَّمتُ لِحَيَاتي ﴾ [الفجر:24]، و﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلهِكُم أَموَالُكُم وَلا أَولادُكُم عَن ذِكرِ اللهِ وَمَن يَفعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقنَاكُم مِن قَبلِ أَن يَأتيَ أَحَدَكُمُ المَوتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَولا أَخَّرتَني إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بما تَعمَلُونَ ﴾ [المنافقون:9].

ويا بن آدم عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان..




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 83.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 81.77 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.06%)]