قطوف من سيرة ذي النورين - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حكم من تذكر أنه غير متوضئ في صلاة الجماعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          لا يصلي المريض قبل دخول الوقت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          الوقف المهجور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          نصيحة للشباب غير القادرين على الزواج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          الكذب في البيع والشراء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          معنى أن الدين يُسْرٌ ووَسَطِي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          معنى آية: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          xAI تطرح نموذج Grok Imagine Video 1.5 لإنشاء الفيديوهات ابداعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          واتساب يختبر ميزة الرسائل النصية ذاتية الاختفاء بعد قراءتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          نظام التشغيل iOS 27 يعمل على إصلاح ثلاثة مشكلات بتطبيق الرسائل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 03-02-2026, 10:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,606
الدولة : Egypt
افتراضي قطوف من سيرة ذي النورين

قطوف من سيرة ذي النورين

د. محمود بن أحمد الدوسري



الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ، فَبَيْنَ أَيْدِينَا قُطُوفٌ مِنْ سِيرَةِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ، وَالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ، وَالتَّوَاضُعِ وَالْكَرَمِ، كَانَ أَحَدَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، صَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَقَامَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ؛ إِنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثَالِثُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَخَامِسُ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ.

كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا شَرِيفًا عَظِيمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، عِصَامِيًّا تَاجِرًا، ذَا مَالٍ وَخَيْرٍ وَفِيرٍ، وَخُلُقٍ كَرِيمٍ، وَإِحْسَانٍ كَبِيرٍ، يَقْضِي الْحَاجَاتِ، حَتَّى عَلَا كَعْبُهُ، وَازْدَادَ حُبُّهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ.

وَلَمَّا ظَهَرَتْ تَبَاشِيرُ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ أَسْلَمَ لِلَّهِ طَائِعًا رَاغِبًا فِي السَّاعَاتِ الْأُولَى لِلدَّعْوَةِ عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي خِدْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعْوَتِهِ، وَنُصْرَةِ الْحَقِّ وَالْمُسْلِمِينَ، وَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ؛ كَانَ عُثْمَانُ أَوَّلَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهَا، مُضَحِّيًا بِمَصَالِحِهِ وَأَقَارِبِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، إِلَّا بَدْرًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِتَمْرِيضِ زَوْجِهِ رُقَيَّةَ، فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ بَدْرٍ، وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ مِنْهَا، وَأَجْرِهِ فِيهَا.

كَانَتْ خِلَافَتُهُ خَيْرًا وَرَحْمَةً عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ؛ فَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى أُمَّةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالْفُتُوحَاتِ مَا لَمْ يَفْتَحْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ [النُّورِ: 55]. فَاسْتَكْمَلَ الْمُسْلِمُونَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ فَتْحَ مِصْرَ وَالشَّامِ، وَفَتَحُوا قُبْرُصَ، وَإِفْرِيقِيَةَ، وَمَا وَرَاءَ الْعِرَاقِ مِنْ بِلَادِ فَارِسَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَخُرَاسَانَ وَبُخَارَى وَمَا جَاوَرَهَا[1].

وَمِنْ أَهَمِّ الْمُمَيِّزَاتِ الْعِظَامِ الَّتِي لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ:
1- مُصَاهَرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنَتَيْهِ: فَقَدْ زَوَّجَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُقَيَّةَ، فَلَمَّا مَاتَتْ زَوَّجَهُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ؛ وَلِهَذَا لُقِّبَ بِذِي النُّورَيْنِ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَحَدٌ مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَزَوَّجَ ابْنَتَيْ نَبِيٍّ غَيْرَهُ[2].

2- الْحَيَاءُ الَّذِي تَمَيَّزَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ: فَقَدْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي أَكْثَرَ مِنْ حَدِيثٍ؛ كَقَوْلِهِ: «‌أَشَدُّ ‌أُمَّتِي ‌حَيَاءً عُثْمَانُ»[3]، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ» صَحِيحٌ – رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ؛ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

3- كَثْرَةُ عِبَادَتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى: كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَانِتًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ – فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ [الزُّمَرِ: 9]: «ذَاكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ»[4]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ذَلِكَ؛ لِكَثْرَةِ صَلَاةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَقِرَاءَتِهِ، حَتَّى إِنَّهُ رُبَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ؛ كَمَا رَوَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ)[5]. وَكَانَ الْمُصْحَفُ لَا يَكَادُ يُفَارِقُ حِجْرَهُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّهُ مُبَارَكٌ جَاءَ بِهِ مُبَارَكٌ»[6]، وَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «‌لَوْ ‌طَهُرَتْ ‌قُلُوبُكُمْ مَا شَبِعْتُمْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»[7].

وَقَدْ وَصَفَهُ شَاعِرُ الْإِسْلَامِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ - حِينَ قُتِلَ:
ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ
يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا[8]




4- أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْقُرْآنِ: فَلَمَّا بَلَغَهُ اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الْقِرَاءَةِ، اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ الْقُرَّاءَ؛ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ حَتَّى لَا يَخْتَلِفَ النَّاسُ، فَجَمَعَهُ، وَكَتَبَ الْمُصْحَفَ بِالرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ عَلَى الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي دَرَسَهَا جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ سِنِي حَيَاتِهِ، وَوَزَّعَهُ فِي الْأَقَالِيمِ، حَتَّى يَنْقَطِعَ النِّزَاعُ[9]، فَكَانَتْ هَذِهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ الْعِظَامِ الَّتِي حَفِظَ اللَّهُ بِهَا كِتَابَهُ.

5- كَثْرَةُ كَرَمِهِ وَإِنْفَاقِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: وَمِنْ ذَلِكَ:
أ- اشْتَرَى بِئْرَ رُومَةَ: فَعِنْدَمَا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ أَنَّ الْمَاءَ الْعَذْبَ قَلِيلٌ، وَلَيْسَ بِالْمَدِينَةِ مَا يُسْتَعْذَبُ بِهِ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ» حَسَنٌ – رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَجَعَلَهَا لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَابْنِ السَّبِيلِ[10].

ب- أَوَّلُ مَنْ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ: لَمَّا ضَاقَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ بِالْمُصَلِّينَ؛ رَغَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بُقْعَةً بِجَانِبِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ؛ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ» حَسَنٌ - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ، ثُمَّ أُضِيفَتْ لِلْمَسْجِدِ[11].

ج- تَجْهِيزُ جَيْشِ الْعُسْرَةِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ؛ فَلَهُ الْجَنَّةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَجَهَّزَهُ عُثْمَانُ.

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَهَّزَ هَؤُلَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ – يَعْنِي: جَيْشَ الْعُسْرَةِ» قَالَ عُثْمَانُ: فَجَهَّزْتُهُمْ حَتَّى مَا يَفْقِدُونَ عِقَالًا[12]، وَلَا خِطَامًا[13]. حَسَنٌ – رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَلَمَّا جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ - حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ - فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ؛ فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» مَرَّتَيْنِ. حَسَنٌ – رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. بَشَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ بِالشَّهَادَةِ وَبِالْجَنَّةِ، عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ: وَأَخْبَرَهُ بِالْفِتْنَةِ الَّتِي سَتَكُونُ، وَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ فِيهَا، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ مِنْ آخِرِ كَلَامٍ كَلَّمَهُ أَنْ ضَرَبَ مَنْكِبَهُ، وَقَالَ: «يَا عُثْمَانُ! إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ قَمِيصًا[14]، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ؛ فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي» يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلَاثًا. صَحِيحٌ – رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَلَمَّا جَاءَ عُثْمَانُ قَالَ: «تَنَحَّيْ»، فَجَعَلَ يُسَارُّهُ، وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ وَحُصِرَ فِيهَا، قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا تُقَاتِلُ؟ قَالَ: لَا؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، وَإِنِّي صَابِرٌ نَفْسِي عَلَيْهِ. صَحِيحٌ – رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. فَكَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُقْتَلُ مَظْلُومًا، وَأَنَّهُ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَيْهِ، وَاسْتَحَلُّوا دَمَهُ هُمْ مِنَ الظَّلَمَةِ الْمُنَافِقِينَ الْبُغَاةِ.

وَقُبَيْلَ مَقْتَلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ اقْتِرَابَ أَجَلِهِ، فَاسْتَسْلَمَ لِأَمْرِ اللَّهِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ عُثْمَانَ أَصْبَحَ فَحَدَّثَ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ: «‌يَا ‌عُثْمَانُ، ‌أَفْطِرْ ‌عِنْدَنَا» فَأَصْبَحَ عُثْمَانُ صَائِمًا، فَقُتِلَ مِنْ يَوْمِهِ. صَحِيحٌ - رَوَاهُ الْحَاكِمُ.

وَيَتَسَوَّرُ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ دَارَهُ، وَتَتَوَزَّعُ سُيُوفُهُمْ دِمَاءَهُ الطَّاهِرَةَ، وَهُوَ يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ، فَكَانَتْ أَوَّلُ قَطْرَةٍ قَطَرَتْ مِنْ دَمِهِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 137]. فَمَا مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ سَوِيًّا[15].

وَقَدْ رَثَاهُ النَّاسُ رِثَاءً عَظِيمًا: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ[16]:
‌فَكَفَّ ‌يَدَيْهِ ‌ثُمَّ ‌أَغْلَقَ بَابَهُ
وَأَيْقَنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ
وَقَالَ لِأَهْلِ الدَّارِ: لَا تَقْتُلُوهُمُ
عَفَا اللَّهُ عَنْ كُلِّ امْرِئٍ لَمْ يُقَاتِلِ
فَكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّهَ صَبَّ عَلَيْهِمُ
الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَعْدَ التَّوَاصُلِ
وَكَيْفَ رَأَيْتَ الْخَيْرَ أَدْبَرَ بَعْدَهُ
عَنِ النَّاسِ إِدْبَارَ النَّعَامِ الْجَوَافِلِ


وَلَا زَالَتْ آثَارُ فِتْنَةِ الْخَوَارِجِ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَتْلِهِ سُنَّةً سَيِّئَةً لِلْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ إِلَى الْآنَ، وَلَا زَالَتْ أُمَّةُ الْإِسْلَامِ تَتَجَرَّعُ آثَارَهَا، وَتَكْتَوِي بِلَهِيبِهَا، حَمَى اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَكَتَبَ لَهُمُ الْعِزَّةَ وَالْغَلَبَةَ.

[1] انظر: سير أعلام النبلاء، (2/ 420).

[2] انظر: البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (6/ 77).

[3] صحيح – رواه أبو نعيم في (الحلية)، (1/ 56)؛ وابن أبي عاصم في (السنة)، (2/ 587).

[4] تفسير ابن كثير، (7/ 78).

[5] المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

[6] البيان والتبيين، للجاحظ (3/ 122).

[7] رواه أحمد في (الزهد)، (ص106)؛ وأبو نعيم في (الحلية)، (7/ 300).

[8] ديوان حسان، (ص216)؛ البيان والتبيين، (1/ 189).

[9] انظر: المرشد الوجيز إِلَى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبي شامة المقدسي (1/ 68).

[10] انظر: فتح الباري، لابن حجر (5/ 408).

[11] انظر: فتح الباري، لابن رجب (3/ 300).

[12] عِقَالًا: هو الحبل الَّذِي يشد به ذراع البهيمة، انظر: عمدة القاري، (10/ 93).

[13] خِطَامًا: الخطام: كل ما وضع في أنف البعير ونحوه؛ لينقاد به. انظر: تحفة الأحوذي، (4/ 84).

[14] قَمِيصًا: هي الخلافة.

[15] إسنادُه صحيحٌ – رواه عبد الله بن أحمد في (فضائل الصحابة)، (817)؛ وابن أبي عاصم في (الزهد)، (ص128).

[16] انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، (3/ 1050)؛ سير أعلام النبلاء، (2/ 487).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 84.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 82.45 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.05%)]