|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
حاجة القلب إلى السكينة د. سعد الله المحمدي في الوقت الذي يزدادُ فيه القلق والهمُّ، ويسيطرُ فيه الخوف واليأس على قلوب الناس مِنْ كثرة ما يشاهدون مِنْ أخبار النزاعات والحروب في العالم، والزيادة في أسعار السلع، وما يقرؤونه من سيطرة الذكاء الاصطناعي والروبوتات على كثير من وظائف المستقبل، وانخفاض القوة الشرائية، وزيادة الديون، وغير ذلك من مظاهر الاضطراب، تشتدُّ الحاجة إلى تعزيز السكينة والاستقرار النفسي ونشر الطمأنينة بين الناس. فالسكينةُ إحدى الحاجات الفطرية للإنسان، وهي المحرِّك الجوهري للقيام بواجبات الدين وعمارة الدنيا؛ إذ لا يستطيع الإنسان ممارسة أي نشاط ديني أو دنيوي بمعزلٍ عن السكينة والراحة والصفاء والهدوء والسلام الداخلي. والسكينةُ منزلة مِنْ منازل العبودية لله تعالى، فيها اليقينُ والتَّعلُّق بالله تعالى، فإذا أنس العبدُ بالله تعالى فتح عليه مِنَ الخيرات والبركات ما يطمئنُّ به قلبه عند المخاوف والأزمات، وهي قرينة الإيمان وعلامة السعادة، وَجُنديٌّ من جنود الله، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: 4]، يقول العلامة ابن القيم في كتابه مدارج السالكين (2 /405 تحقيق عماد صابر): "وأصل السكينة هي الطمأنينةُ والوقارُ والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده، عِنْدَ اضطرابه مِنْ شِدَّة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرِدُ عليه، ويُوجب له زيادة الإيمان وقوَّة اليقين والثَّبات". وإذا كانت السكينة بهذه المنزلة العظيمة فإن السُّنَّة النَّبوية جاءت بتطبيقات عمليَّة لترسيخها في حياة المسلم، فقد حثَّ النبي صلى الله عليه بلزوم السكنية والتأني عند القدوم إلى الصلاة، ونهي عن الضجيج والاستعجال، فقال: ((إذَا أتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعلَيْكُم بالسَّكِينَةِ، فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فَاتَكُمْ فأتِمُّوا))؛ أخرجه البخاري: 635، كما أمر بلزوم السكينة وعدم المزاحمة عند أداء مناسك الحج فقال: ((أيُّها النَّاسُ، علَيْكُم بالسَّكِينَةِ؛ فإنَّ البِرَّ ليسَ بالإيضاعِ))؛ أخرجه (البخاري:1671). والسكينة حلية المؤمن ودرعٌ تحصَّن به الأنبياء والصالحون أمام الفتن والمصاعب، فهي التي ثبَّتت قلب إبراهيم حين أُلقي في النار: ﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ [الأنبياء: 70]، وهي التي ربطت جأش موسى عليه السلام عند مواجهة أعتى قوة في وقتها، ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 62]، وهي التي لازمت يوسف عليه السلام عند إلقائه في الجُبِّ مِنْ قبل إخوانه ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [يوسف: 15]، وهي التي نزلت على نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار عند الهجرة ومحاصرة المشركين لهما؛ ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾ [التوبة: 40]. وإذا دخلت السكينة قلب العبد تولَّى عنه الهلع والتَّردد والشكُّ، وحلَّ فيه الانشراح والوئام والسلام، وهي لا تُفرض بالقوة، ولا علاقة لها بالماديات، بل تنزل حين يكون الإنسان مؤمنًا بربِّه، واثقًا بنصرته، متوكِّلًا عليه، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أدركوها في موقف الابتلاء خلال غزوة الخندق، وأهل الكهف عثروا عليها في الغار، ويونس عليه السلام أحسَّ بها في قاع البحر. شمعة أخيرة: السكينة مصدرها الإيمان واليقين والتقوى، ومنبعها الخوف والخشية والإنابة، وقوامها الصلاة والقناعة والرضا بقضاء الله، وإذا نزلت في قلب العبد جعلت منه في الناس رجلًا، وفي الرجال بطلًا، وبين الأبطال قِصَّة وحِكْمةً ومثلًا.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |