|
|||||||
| رمضانيات ملف خاص بشهر رمضان المبارك / كيف نستعد / احكام / مسابقات |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
المقال الأول: منزلة اليقظة والاستعداد للمحاسبة: بداية الطريق د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر مقدمة: الحمد لله. يشكِّل الطريق إلى الله عز وجل الإطارَ المنهجي الذي يتحرَّك فيه المؤمنُ في رحلته إلى الله تعالى، فالسيرُ إلى الله ليس اندفاعًا عاطفيًّا، ولا التزامًا لحظيًّا، ولا طقوسًا متفرقة، بل هو طريق طويل له معالِمُ ومنازلُ، وتربية وانضباطٌ، وصعودٌ تدريجي في مدارج الإيمان. ومن أعظم هذه المنازل منزلةُ «اليقظة»؛ فهي المرآة التي ينظُر فيها العبد إلى حقيقة سَيْره، والميزان الذي يَقيس به إخلاصَه، والبُوصلة التي تُعيد تصحيح الاتجاه إذا انحرَف الطريق. السير إلى الله: رؤية منهجية تشبه السفر الحسي: يُشبه طريق الإيمان السفر الحسي من جهات كثيرة؛ لا وصولَ بلا معرفة الطريق، ولا ثباتَ بلا زادٍ، ولا نجاةَ بلا علامات، ولا تقدُّم بلا مراجعةٍ مستمرة، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [النحل: 9]. فكما أن للطريق الحسي طرقًا مستقيمة، وأخرى مُعْوَجَّةً، فكذلك طريق القلب فيه القصد، وفيه الجَور، وفيه الانحراف الذي لا يَنتبه له إلا مَن كان بصيرًا بمحاسبة نفسه. الفتور الإيماني: مشكلة عامة ليست حكرًا على رمضان: تظهر الشكوى في رمضان: لماذا نَضعُف بعد أيام من انتهائه؟ لكنَّ المشكلة أعمُّ وأوسعُ، فكثير من الملتزمين منذ سنوات - سواء كانوا طلابَ علمٍ، دعاةً، أو أصحابَ أعمال صالحة مستمرة - يواجهون الفتور نفسه: • نشاط في مرحلة، ثم انطفاء. • اندفاع، ثم ضعف الهِمَّة. • يقظة، ثم غفلة. • انضباط في بداية الطريق، ثم تراخٍ مع الزمن. هذه الدورات الإيمانية المتكررة ليست طارئة، بل هي نتيجة واضحة لغياب محاسبة النفس؛ فالسير بلا مراجعة يتحول تدريجيًّا إلى عادة بلا رُوحٍ، ثم إلى أداء بلا حضورٍ، ثم إلى فتورٍ لا يدري صاحبه كيف بدأ! وهكذا يصبح الفتور عارضًا مستمرًّا بعد مواسم الطاعة، وبعد المشاريع الكبرى، وبعد فترات القوة الإيمانية، والسبب في جذره: عدم سؤال النفس: «ماذا أردت بهذا؟». وعدم مراجعة أثر العمل في القلب، وعدم تقييم ما إذا أصبحت العبادة "عادة" لا "عبادة". أنواع النفس الثلاثة بين الصراع والطُّمأنينة: النفس الأمَّارة بالسوء: وهي التي تُطلق العبد في شهواته، وتَميل به إلى السهولة والراحة، وتُثقل عليه الطاعات، وتشجِّعه على المخالفات؛ قال تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [يوسف: 53]، هذه طبيعة قابلة للتهذيب بالمحاسبة والمجاهدة والإخلاص، وكثرة الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل. النفس اللوَّامة: وهي الواعظ الرباني الذي يوقظ العبد عند الغفلة، ويُحاسبه عند الذنب، ويعاتبه عند التقصير، وقد أقسَم الله بها: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة: 1، 2]، وهي علامة الإيمان؛ لأن القلوب الحية لا تتوقَّف عن معاتبة نفسها، ولا ترضى بالخطأ، ولا تنام على معصية! النفس المطمئنة: وهي أعلى درجات النفس، تلك التي استوت على اليقين، وهدَأَ اضطرابُها، وسكنت إلى ربها، واطمأنَّ قلبُها بذكره؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 27 - 30]. لكن يجب التحذير مِن فَهْم الاطمئنان على غير وجهه، فليس كلُّ سكون للنفس طُمأنينةً. قد تسكن النفس غرورًا، أو جهلًا، أو أمنًا من مكر الله، وهذا ليس من الطمأنينة في شيءٍ، بل هو غفلة مُهلكة تُوهم العبد أنه بخيرٍ، بينما هو يتراجع دون أن يَشعُرَ! الطُّمأنينة الحقة ليست شعورًا بالراحة، بل ثباتًا في طريق المجاهدة. طمأنينة المؤمن تعني سكون النفس إلى قدَر الله، وراحة القلب في طاعته، وثِقة العبد في وعد ربِّه، وثباته رغم الصعوبات، لا انطفاء الهمَّة ولا التراخي، فالنفس المطمئنة ثمرة سنوات من المجاهدة والمحاسبة، وليست حالة عاطفية عابرة. النفس: حقيقتها وسبب ضرورة مراقبتها: النفس إن تُرِكت كانت كالسيل الجارف، وإن قُيِّدت بالمجاهدة والمحاسبة، صارت مُطيعة مستقيمة إن شاء الله. ولهذا كانت محاسبتها ضرورةً لا يَكمُل السيْر بغيرها؛ لأن النفس بطبيعتها تبرِّر الأخطاء، وتنسى الذنوب، وتخفي العيوب، وتحب الثناء، وتَطلُب السهولة، وتَفِرُّ من المجاهدة، ولا يَضبِطُ هذه القوى إلا من كان واعيًا بها، متفقِّدًا لمداخلها، عارفًا بمكرها. نماذج من محاسبة السلف: عن أنس بن مالك قال: سمعت عمر بن الخطاب، وخرَجت معه حتى دخل حائطًا، فسمعته وهو يقول - وبيني وبينه جدارٌ، وهو في جوف الحائط -: «عمر بن الخطاب أمير المؤمنين! بخٍ بخٍ، والله لَتَتَّقِيَنَّ الله أو ليُعذبَّنَك»؛ «موطأ مالك - رواية يحيى - ت عبد الباقي» (2/ 992). عن إبراهيم التيمي رحمه الله: «مثَّلت نفسي في الجنة آكُل ثمارها، وأَشرُب من أنهارها، وأُعانق أبكارها، ثم مثَّلت نفسي في النار آكُل مِن زقُّومها، وأَشرُب من صديدها، وأُعالج سلاسلَها وأغلالها؛ فقلت لنفسي: أيْ نفسي، أيَّ شيءٍ تُريدين؟ قالت: أُريد أن أُرَدَّ إلى الدنيا فأعمَل صالحًا، قال: قلت: فأنت في الأمنية فاعملي»؛ «محاسبة النفس لابن أبي الدنيا» (10). هذه النماذج تكشف أن محاسبة النفس ليست خيارًا، بل واجب قلبي لحياة الإيمان. أركان محاسبة النفس الثلاثة: وزن النعمة بالجناية: يُقارن العبد بين عظيم نِعم الله وكثرة تقصيره، فيَنكسِر لله ويوقِن أن أعماله - مهما بلغت - لا تُقابل نعمة واحدة؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ، قالوا: ولا أنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: لا، ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بفَضْلٍ ورَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وقارِبُوا، ولا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ: إمَّا مُحْسِنًا، فَلَعَلَّهُ أنْ يَزْدادَ خَيْرًا، وإمَّا مُسِيئًا، فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعْتِبَ»؛ أخرجه البخاري (5673)، ومسلم (2816). معرفة ما لله عليك وما لك عنده: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بيْنَا أنَا رَدِيفُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليسَ بَيْنِي وبيْنَهُ إلَّا أخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقالَ: «يا مُعَاذُ بنَ جَبَلٍ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قالَ: «يا مُعَاذُ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قالَ: «يا مُعَاذُ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: «هلْ تَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ علَى عِبَادِهِ؟»، قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «حَقُّ اللَّهِ علَى عِبَادِهِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولَا يُشْرِكُوا به شيئًا»، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قالَ: «يا مُعَاذُ بنَ جَبَلٍ»، قُلتُ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، فَقالَ: «هلْ تَدْرِي ما حَقُّ العِبَادِ علَى اللَّهِ إذَا فَعَلُوهُ؟»، قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «حَقُّ العِبَادِ علَى اللَّهِ ألا يُعَذِّبَهُمْ»؛ أخرجه البخاري (5967)، ومسلم (30). لله على عبده الطاعة والإخلاص، وللعبد عند ربِّه الوعدُ بالمغفرة والقَبول، بهذا الميزان يتوازن القلب بين الخوف والرجاء، فلا يَقنَط ولا يأمَن. كل طاعة رضِيت بها فهي عليك، وكل معصية عيَّرت بها أخاك فهي إليك، معنى الطاعة التي "رضيت بها": العُجب، هو الإعجاب بالنفس لا الفرح بالطاعة، وهذا أخطرُ أمراض القلوب؛ لأنه يَهدِم العمل من داخله. معنى "التعيير": الاستعلاء، والعلاقة بينهما أن العُجب يولِّد احتقار الناس، ثم يولد التعيير، ثم يولد فسادًا في القلب أشدَّ من كثير من المعاصي التي يُعيَّر بها الناس! تحدِّيات المحاسبة في عصرنا: كثرة الملهيات، وتسارُع الحياة، وضغط العمل، ووجود الهواتف في اليد طول اليوم، كلها أسباب تجعل القلب مشغولًا دائمًا، وتقلِّل فرصَ الخَلوة والمراجعة، ولهذا أصبحت محاسبةُ النفس تشمل: ضبط الوقت، تهذيب النظر، مراقبة المحتوى، حفظ اللسان في الرسائل، مراجعة العلاقات، التفكير في النية قبل الأعمال، وهي كلها ساحات يتسرَّب منها الفتور دون انتباهٍ! المحاسبة: باب رجاء لا بابُ يأس: قد يظن البعضُ أن كثرة المحاسبة تُورث الحزن، لكن حقيقتها أنها باب رحمة، فالله لا يفتح باب التوبة إلا ليُقلِّب به القلوب إلى النور، ولا يوقظ النفس اللوَّامة إلا ليقرِّب العبد إليه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]. المحاسبة ليست هدمًا، بل بناءً، وليست جَلْدًا، بل شفاءً، وليست تثبيطًا، بل طريقًا إلى الاطمئنان الحقيقي. خاتمة: اليقظة إلى طبيعة السير في الطريق إلى الله، والوقوف مع محاسبة النفس - منزلةٌ أساسية في طريق السير إلى الله، وهي الفارق بين مَن يعيش إيمانه بوعي، ومَن يتركه يَذبُل ببُطء دون أن يَشعُر، والعبد الذي يقف مع نفسه اليوم وقفةَ صدقٍ، يَثبُت غدًا إن شاء الله على الصراط ثبات أهل اليقين. نسأل الله أن يَجعَلَنا من عباده المطمئنين، اللوَّامين لأنفسهم، المجاهدين في سبيل تزكية قلوبهم.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |