السعادة في البيوت العامرة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         نصائح وضوابط إصلاحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 76 - عددالزوار : 56959 )           »          موارد البؤس والتسخط! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          منهاج المسلم في مواجهة الابتلاءات والمحن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          لن يضيعنا! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          المأسور من أسره هواه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 20 )           »          ذكر يقوي بدنك فلا تحتاج إلى خادم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          أين أنا في القرآن؟ {فيه ذكركم} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          فضل العفو والصفح من القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5177 - عددالزوار : 2487014 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 28-01-2026, 06:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,897
الدولة : Egypt
افتراضي السعادة في البيوت العامرة

السعادة في البيوت العامرة

د. عبدالرزاق السيد

الحمد لله الذي جعل لنا من بيوتنا سكنًا، وجعل السكينة سبب سعادة البيوت والأُسَر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان من نطفة، وجعل له السمع والبصر، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُ الله ورسوله، خير البشر، جعل الله طاعته واتِّباع نهجه سبيلًا إلى جنات ونهر، في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه، السادة الغرر، كلما أشرقت شمسٌ أو بزغ القمر.


أهمية الحديث عن البيوت العامرة:
أيها المسلمون، البيت هو نواة المجتمع، ومرآة لتوازن الأسرة واستقرارها، فهو المكان الذي تتشكل فيه شخصيات الأبناء، وتترسخ فيه قيم التعاون والمحبة والاحترام، وعمران البيوت لا يتحقق بمجرد وجود السقف والجدران، بل يتحقق من خلال سلوك أفرادها القيم الروحية والأخلاق الكريمة والعلاقات الاجتماعية النبيلة.

فالبيوت السعيدة العامرة هي التي تؤسس لبيئة ينمو فيها الحب والتفاهم والرحمة، ويغرس فيها قيم الإخلاص والمسؤولية، فيكون البيت جنة مخضرَّة الظلال، يجد فيها المرء سكنه وسكينته، في ظلال أسرة مرحومة، وبيت عامر بالإيمان والفضيلة.


حديث القرآن والسُّنَّة عن البيوت العامرة:
أيها المسلمون، لقد تحدَّث القرآن والسنة عن البيوت، وأنها نعمة من نعم الله على العباد امتَنَّ الله تعالى بها على العباد، فقال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴾ [النحل: 80]، وهذا حديث القرآن عن البناء الحسي للبيوت، وأنه نعمة من نِعَم الله تفَضَّل به على العباد. وأما حديث القرآن عن البيوت العامرة بالسكينة والرحمة والبركة، فقد قال الله عن بيت نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ [هود: 73]، وتحدَّث القرآن عن البيت الذي تشَبَّع أهله بالإسلام حتى أصبح وصفًا لهم، فقد قال الله عن بيت لوط عليه السلام: ﴿ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الذاريات: 36]، وحينما وصف الله بيت نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ذكر أنه عامر بالآيات والحكمة والسكينة والخير والرحمة، فقال الله تعالى ممتنًّا على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله لهن: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ [الأحزاب: 34].


والسنة النبوية تحدثنا عن البيوت العامرة بالصلاة والذكر والقرآن؛ فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاةِ صَلاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ))؛ (متفق عليه). وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا))؛ متفق عليه. وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قَضَى أحَدُكُمُ الصَّلاةَ في مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِن صَلاتِهِ، فإنَّ اللَّهَ جاعِلٌ في بَيْتِهِ مِن صَلاتِهِ خَيْرًا))؛ مسلم.


فالصلاة تنزل السكينة في البيوت وتنيرها بعد أن تنير قلوب أصحابها والمحافظين عليها.



سعادة البيوت العامرة:
أيها المسلمون،البيوت نعمةٌ على العباد حينما تكون سكنًا وسكينةً وراحةً واطمئنانًا واستقرارًا، قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ﴾ [النحل: 80]، فهي دوحات وارفة الظل، مستمرة العطاء، يانعة الثمر، وروضات غنَّاء فائحة العطر، يرتاح أهلها فيها ويتمتعون ويهنؤون، ولا يكون ذلك إلا بخلق المعروف بين أفراد البيوت والأسرة جميعًا من زوج وزوجة وأبناء وبنات، وفي التنزيل العزيز: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]، وفي الأمر بينكم يكون بالمعروف، فيأمر بعضُكم بعضًا بما عرف من سماحة وطيب نفس، قال الله تعالى: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق: 6]، والمعاشرة بالمعروف كلمة جامعة حكيمة محكمة تدل على ما ينبغي أن تتمتَّع به البيوت من حُسْن الخلق، القائم على المعروف حتى تعم السعادة والسكينة البيت كله فيكون عامرًا بالخير والبركة والصلاح.


ويكون البيت عامرًا بالسعادة جميلًا، حينما تتصافى فيه القلوب، وتتغافل عن العيوب، وعَمِلَتْ بما يُرضي علَّامَ الغيوب، فكَمْ هو جميلٌ وعظيمٌ من أجل أن تكون بيوتُنا عامرةً بالحب والسكينة أن يتبادَل فيها أفراد الأسرة المشاعر الصادقة خصوصًا الزوجينِ! مشاعر يُدرِكانِ معها أن لكل واحد منهما مكانةً في قلب صاحبه، مشاعر صادقة تَنبُع من قلبٍ لا يتصنَّعُها، ومن نفسٍ تتلذَّذ بإبدائها، والاعتزازِ بها، من غير أن تتكلَّفَها، فالمشاعر الصادقة هي متعة الحياة، تستقبل بالغبطة والارتياح، لا يستثقل التعبير الصادق بالودِّ والمحبة، فإنَّ لذلك في النفس تأثيرًا عجيبًا، وقَبولًا عميقًا، وسِحْرًا حلالًا، والسحرُ الحلالُ سحرُ القلوب بِطِيبِ الكلامِ، وأبلغُ الكلامِ الوجهُ الحسنُ المبتسمُ، والعاقلُ الموفقُ من جعل سلاحَه مع العقل طيب اللسان، فارفع كلماتِكَ، ولا ترفع صوتَكَ؛ لأن الصوت الهادئ أقوى من الصراخ، والتهذيب في الكلام يَهزِم الوقاحةَ، فاستعينوا على حل المشكلات بالصمت في بعض الأحيان؛ لأن الحزم قد وُلِد أبكم في بعض الأحيان، فأسلوبُك هو ميزانك، وهو مكانتك، وهو فنُّ تعامُلِكَ في بيتك ومع أسرتك وحتى مع الآخرين، فكلما ارتقى الأسلوب، ارتفعت المكانة، فالجميع يحب الثناءَ فلا تَبخَلْ به، واحذَرْ من النفاق، ولا تنتظرِ السعادةَ حتى تبتسم، ولكِنِ ابتسِمْ حتى تجلب السعادة لبيتك وأسرتك، ففي حديث عائشة وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم جميعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خيرُكُم خيرُكم لِأهْلِهِ، وَأَنَا خيرُكم لِأَهْلِي))؛ صحيح الجامع.


فإذا كان البيت هو المكان الوحيد الذي يبتعد فيه الإنسان عن مخالطة الناس، وفيه يجد الراحة والاستجمام، ونيل الهدوء والاطمئنان، وتجديد نشاط الأبدان، والاستمتاع بالجلوس مع الزوجة والأولاد، ويجد في ذلك السعادة الغامرة وطيب المقام، فلا بد أن يكون في البيت صوت القرآن تلاوةً وسماعًا؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقابِرَ؛ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الذي تُقْرَأُ فيه سُورَةُ البَقَرَةِ))؛ مسلم. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((البيت الذي يُقرأ فيه القرآن يكثُر خيره، ويوسَّع على أهله، ويحضره الملائكة، ويهجره الشياطين، وإن البيت الذي لا يُقرأ فيه يضيَّق على أهله، ويقل خيرُه، ويهجره الملائكة، ويحضره الشياطين))؛ رواه الدارمي وهو موقوف على أبي هريرة. والبيت السعيد تظهر سعادته وأُنْسه في ذكر الله، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ))، فإذا كان بيتك من البيوت التي يُذْكَر فيها الله، ويُتْلَى فيها كلامه، وتُسْمَع فها مقاطع القرآن، والموعظة والبرامج الدينية، وتُقام فيه الصلاة، فبيتُك عند الله بيتٌ حيٌّ، وهي بيوت حيَّة كالقبلة، لا تخلو من مصلى جهتها، ومُنيرة على أهلها تغشاه السكينة والبركة، وهي التي قال الله فيها: ﴿ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [يونس: 87] ﴿ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾، هكذا يريد الله لبيوتنا أن تكون مستقيمة على الهدى كالقبلة، عامرة بالإيمان والصلاة والقرآن، فهي البيوت السعيدة حقيقة، الواسعة على أهلها، الطيبة جنَّاتها، المرضي عنها عند الله، ففي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ في بُيُوتِكُمْ، فإنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ في بَيْتِهِ إلَّا المَكْتُوبَةَ)).


أيها الأحِبَّة، إذا أردنا السعادة في بيوتنا وأن تكون عامرةً بالمحبة بين أفرادها: لا نغفل الجانب المادي للبيت، فهو عنصر مكمل لاستقرار الأسرة، فالبيت المرتب، والنظيف، والمريح يعكس اهتمام الأسرة بالمعيشة الكريمة، ويتيح الفرصة لتنمية العلاقات الأسرية وتفريغ الطاقات الإيجابية في العمل والتعليم. كما أن الاهتمام بالبناء والبيئة المنزلية يعكس حكمة الإسلام في تحقيق التوازن بين الروح والمادة في حياة الإنسان.


عندما تهدم البيوت العامرة:
أيها المسلمون، إن البيت الذي لا يغرس فيه الإيمان، ولا يستقيم على نهج القرآن، ولا يقوم على ذكر وتسبيح وأذان، ولا يعرف أهله صلاةً ولا صيامًا، ولا خلقًا ولا احترامًا، يتمرَّد على القيم والمبادئ لعيش أهله في تيه من الضياع والحرمان، سرعان ما يصيبها الخراب والهدم للعمران (المعنوي)، ويكون أهله في عداد الموتى، كما حدَّثنا النبي العدنان، فعنأبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ))؛ البخاري ومسلم.


إنَّ البيوت لا تهدم حين تتساقط جدرانها، ولا حين تتصدَّع أسقفها، وإنما تنهار حين تنطفئ أنوار المودَّة في أركانها، وتذبل زهور الرحمة في ساحاتها، ويجف نبع الاحترام بين ساكنيها، كلمة قاسية قد تكون مِعْوَلًا يهدم صرحًا كاملًا، ولحظة كبرياء قد تشعل فتيل الخراب، وظلم صامت قد يقوِّض أركان السعادة في البيت، لا بل في الأسرة كلها؛ حيث تُستبدل لغة القلوب بلغة الخصام، ويعلو صوت الجدال على صوت المودة، فتغيب الضحكات التي كانت تملأ الأركان، ويحلّ محلها الصراخ والعتاب الجارح، بيت فخم، وحياة مترفة، ومظاهر اجتماعية برَّاقة، بينما في الداخل فراغ عاطفي، وجفاء وجداني، فجوهر السعادة والسكينة في البيوت ليس في المظاهر، بل في حفظ المشاعر من التبعثُر، والأحلام من الانكسار، والنفوس من الضياع، فإن وجدت فيه المودة والرحمة، كان جنة على الأرض، وإن فقدهما، صار خرابًا مهما ازدانت جدرانه بالرخام وحتى بالذهب والفضة.

أين الراحة والسعادة وأين السكن، وأين الاستقرار في البيت، إذا كان ربُّ البيت ثقيل الطبع، ضيِّق الأفق، سيئ العِشْرة، يغلبه حُمْق، ويعميه تعجُّل، بطيء الرضا، سريع الغضب، كثير المَنِّ، سيئ الظَّنِّ، ومَنْ ساءت أخلاقُه سَهُلَ فِراقُه، ومَنْ حَسُنَتْ خِصالُه طاب وِصالُه، المعانِدُ متكبرٌ متجبرٌ، لا يُحسِن معالجةَ الأمور، ولا يُحسِن النظرَ في المشكلات، لا يعترفُ بالخطأ، ويرى الرجوع إلى الحق ضعفًا، وما علم أن حُسْن العِشْرة بالرفق واللين والتحمُّل والصبر والبُعْد عن الظنون والأوهام حتى يبقى بيته بعيدًا عن الخراب والدمار.

ضاعت سكينة البيوت عندما زاحمنا في عتمة غرف النوم، حيث كان يسكن الدفء والحوار، تلمع الآن شاشات باردة تخطف الأنظار، وتسرب السكينة من البيوت؛ إنها شاشات أجهزة الجوَّال، لم تعد الخيانة اليوم هي التي تُفتِّت البيوت، والعدو الوحيد للأسرة، بل برز عدوٌّ أكثر دهاءً؛ إنها منصات التواصل الاجتماعي، التي حوَّلت جدران البيوت إلى قاعات عرض مفتوحة، يصبح فيها «اللايك» بديلًا عن نظرة الرضا، والتعليق العام بديلًا عن كلمة الحب الهمسة، فتصبح الزوجة أسيرة لمسة على شاشة الجوال لعالم الإعجابات والمتابعين، فأصبحت البيوت مفتوحة على ضيوف من غير الأهل والأصحاب، بل يصور كل شيء في البيت حتى سرير النوم الذي ينام عليه الزوج والزوجة، ولم يسلم تصوير شرب الماء والأكل، حتى لو كان بيضًا وطماطم، مصحوبًا بعبارات مثل: "نهارنا أبيض بأكلة بسيطة"، وفي كل يوم تصوير، في مشهد يختزل مأساة جيل يعيش فوق حافة الهاوية، تسقط فيها البيوت وتُهدَم.

هذه ليست خيالات بل حقائق كلنا نعرفها، تنذر بخراب أكبر لبيوتنا وسعادتنا، بل خراب يصيب مفهوم الأسرة ذاتها، إنها فراغات تملأ بيوتنا بضوضاء العالم، تاركة إيانا نبحث في صمت عن بعضنا البعض، في وقت أصبحت فيه الشاشات الصغيرة سكاكين حادة تقطع أواصر البيوت، وتذبح شدة الخلافات نعمة الاستقرار العائلي الذي يقوم على المودة والرحمة التي قال عنها: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21].
خطوات عملية لتعزيز إعمار بيوتنا بالسعادة:
أيها المسلمون، إن إعمار البيوت بالسعادة لا يقتصر على المعرفة النظرية بالقيم الأسرية، بل يحتاج إلى ترجمتها إلى سلوكيات عملية يومية تنعكس على استقرار البيوت، ومن هذا المنطلق، تعد الخطوات العملية عنصرًا أساسيًّا في تحويل المبادئ إلى واقع ملموس داخل البيت، بما يضمن بيئة أسرية متماسكة ومزدهرة، وتركز هذه الخطوات على:

أولًا: الحب: الحب هو من أعظم ما تُبنى عليه البيوت، وقد عبَّر عنه سبحانه بالمودة، فقال جل ذكره: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ((عَائِشَةُ))؛ البخاري ومسلم.



ثانيًا: الرفق: الرفق ما كان في شيء إلا زانه، فهو زينة القلوب، وهو زينة البيوت، وهو زينة الأخلاق، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا عائشةُ، ارْفُقِي؛ فإنَّ اللهَ إذا أرادَ بأهلِ بيتٍ خيرًا أدخلَ عليهِمُ الرِّفقَ)؛ صحيح الترغيب.



ثالثًا: التواصل الفَعَّال: المبني على الحوار المفتوح والمستمر داخل البيت، ويعد من أهم أدوات تعزيز القيم الأسرية في البيوت؛ إذ يتيح لكل منهما التعبير عن مشاعره واحتياجاته بوضوح، ويقلل من سوء التفاهم والخلافات، كما يُعزِّز القدرة على حل المشكلات بشكل بنَّاء ودون تصعيدها.


رابعًا: ترسيخ ثقافة الاحترام: الاحترام المتبادَل داخل البيت هو الذي يوجد أجواء الأُلْفة والتقدير، وهو من أهم ركائز استقرار البيوت، الاحترام يدلُّ على حُسْن التربية، وصِدْق التديُّن، احترم ولو لم تُحِبَّ، واكْسَبْ أهلَكَ ولو خسرتَ الموقفَ. ومن الاحترام كتمان السرِّ، وسترُ العيوبِ، ونَشرُ ما يَسُرُّ من ثناء، وحسنُ الإصغاء، والدعوةُ بأحبِّ الأسماءِ، والشكرُ على الإنجاز، والسكوتُ عمَّا يسوء، والنصحُ بلُطْف، والدعاءُ في ظهر الغيب، وإظهارُ الفرح بما يَسُرُّ، والحزنُ بما يَضُرُّ، والجامعُ لذلك كلِّه أن يُعامل كل فردٍ من أفراد الأسرة بما يحِبُّ أن يُعاملَ به.


خامسًا: الحذر من التأثير السلبي للأجهزة الإلكترونية على البيوت:في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، أصبح من الضروري أن تتكيَّف البيوت والأُسَر مع متطلبات العصر الرقمي، دون أن تفقد قيمها الأساسية، فتتطلَّب وَعْيًا ومسؤولية، من خلال تحقيق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا، وحماية البيوت والأُسَر والأطفال من آثارها السلبية.

ويمكن للوالدَين في البيت أن يجعلا من التكنولوجيا أداة إيجابية، من خلال وضع حدود واضحة، وتعزيز التواصل الأسري، والحرص على أن يكونا قدوةً حسنةً في استخدام الأجهزة الذكية، حتى تحافظ البيوت والأُسَر على تماسُكها، وتساعد الأبناء والبنات على النمو في بيئة صحية ومتوازنة وخالية من الاستعباد الرقمي.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 84.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 82.61 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.04%)]