|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
اليتيم د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأُصلِّي وأسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فأوصيكم - أيها المسلمون - بتقوى الله حقَّ التقوى، ظاهرًا وباطنًا، علنًا وسرًّا؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. عباد الله: يعيش معظمنا في ظل أسرة تسعَد بوالدين كريمين لهما أبناء وبنات، وهذا من نعمة الله على الإنسان: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: 80]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، وقد يحصل فراقٌ بين الوالدين، فيتزعزع كيان الأسرة قليلًا بتنقُّل الأبناء بين بيت الأب أو الأم على ما تقتضيه مصلحة الأبناء، والمُحزن أن يفقد الابن أباه ولما يبلغ الحُلُم بعدُ، فينشأ يتيمًا فريدًا، وهنا تأتي الوصاية الربانية برعاية الأيتام والعناية بهم في الدرجة الأولى بعد الوالدين والأقارب؛ فقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: 36]، فهنا وجب دفع المضارِّ عنهم، وجلب المصالح لهم، بل جاء التحذير من التعرض لليتيم معنويًّا وحسيًّا؛ وأما المعنوي فقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]، فلزم بذلك مراعاة مشاعر اليتيم، وملاطفته، والعطف عليه، وتعامل من حوله معه باللين والحنان، وتجنب إلحاق الأذى به، سواء بالأقوال أو الأفعال، ويمتد الأمر إلى أكثر من ذلك، يمتد إلى خدمته وقضاء حوائجه، ونصحه، وإرشاده، وتربيته على القيم والأخلاق الحميدة؛ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220]؛ أي: تعاملونهم كما تعاملون الإخوان، وهذا أعلى درجات الإحسان والمعروف، ولا مانع في مخالطة مال اليتيم مع كافله، ففي ذلك مندوحة؛ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220]، وضيَّق عليكم بالمنع من مخالطتهم أموالكم، وأهلككم بما سبق من أكلكم أموال اليتامى، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 220]، وإذا كان أحبَّ البيوت إلى الله بيتٌ فيه يتيم مكرَّم؛ كما قال ذلك حبيبنا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الطبراني، فالزجر كل الزجر والردع كل الردع، لبيتٍ يُهان فيه اليتيم ولا يكرم: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر: 17]، ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: 1، 2]، فلا يُحسِن إليه، ويقهره ويظلمه، ويدفعه دفعًا عنيفًا. أيها المؤمنون: من حقنا على الأيتام حفظُ مالهم وعدم التعدي عليه، بل يستحسن ادخاره وتنميته، وإن من أكبر الكبائر أكل مال اليتيم ظلمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]، بل من السبع الموبقات التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتنابها: أكل مال اليتيم، ومن شدة الحرص على صيانة مال اليتيم؛ نهى الله عز وجل عن الاقتراب من ماله فضلًا عن التصرف فيه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: 34]، مات رجل يُقال له: رفاعة، مات وترك ولدًا صغيرًا، يُقال له: ثابت، فوليَه عمه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ابن أخي يتيم في حِجري، فما يحل لي من ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزل قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]، والرشد هو أن يبلغ اليتيم سنًّا يعرف مصالحه فيدبر ماله، ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾ [النساء: 6] بالإنفاق في غير الحاجة الضرورية، ﴿وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: 6]، بالمبادرة والمسارعة إلى الأكل منه قبل أن يُنقل إلى اليتيم بعد رشده، ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: 6]، والإشهاد على دفع أموالهم إليهم تأكيدٌ قرآنيٌّ على عدم التعدي على أموالهم، وإذا جازت الوصاية على مال اليتيم، والتصرف فيه بما يحقق المصلحة والخير له، فالضابط في ذلك: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: 34]، والتي هي أحسن: ما فيه صلاحه وحفظه، وتنميته وتثميره، وتحصيل الربح له، فيشمل كلَّ وجه من الوجوه التي فيها نفع لليتيم وزيادة في ماله، وفي أسوأ الأحوال: أن يأكل وليُّ اليتيم بالمعروف إن افتقر، ولا يأكل منه إن استغنى؛ على حد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6]، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "أُنزلت في ولي اليتيم الذي يقيم عليه ويصلح في ماله، إن كان فقيرًا أكل منه بالمعروف"؛ [أخرجه البخاري ومسلم]، ثم إن أفضل النفقات التي تُنفق بعد الوالدين والأقربين النفقةُ على اليتيم: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 215]. أيها المؤمنون: ومن عظيم شأن العناية باليتيم يقُص لنا القرآن قصة موسى والخضر عليهما السلام: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77]، فكان تبرير الخضر عليه السلام لإقامة الجدار: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82]. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من آيات وحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات من كل ذنب وخطيئة، استغفروه؛ إنه غفور رحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، أمر بالإحسان إلى الأيتام، والصلاة والسلام على سيد الأنام، عاش يتيم الأبوين، فآواه الله تعالى وهداه وأغناه، وضمَّه إلى عمه أبي طالب، فأحسَنَ تربيته وكفاه المؤنة، فكان صلى الله عليه وسلم نورًا يشع للعالمين بشيرًا ونذيرًا، بشَّر صلى الله عليه وسلم بما أُنزل عليه من وحي القرآن الأبرارَ؛ حيث قال الله عز وجل عنهم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6]، ثم ذكر من صفات الأبرار: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]، ومن أراد اقتحام عقبة جهنمَ، فعليه ﴿إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: 14، 15]، فيحصد أجر صِلَة الرحم وإطعام اليتيم، وبشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم كافلَ اليتيم؛ فقال: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، يشير إلى السبابة والوسطى وفرَّج بينهما))؛ [أخرجه البخاري]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من ضمَّ يتيمًا بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يستغني عنه، وجبت له الجنة ألبتةَ))؛ [أخرجه الإمام أحمد رحمه الله].وجعل الله الحنوَّ على اليتيم دواءً لقسوة القلب؛ كما روى أحمد أيضًا، عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن رجلًا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال: امسح رأس اليتيم، وأطعِم المسكين)). وفي المقابل - أيها المؤمنون - حذَّر رسولنا صلى الله عليه وسلم تحذيرًا بليغًا، وزجر زجرًا أكيدًا من فرَّط في حق اليتيم؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((إني أحرِّج عليكم حقَّ الضعيفين: اليتيم والمرأة))، وأحرِّج هنا بمعنى التأثيم، حيث لا قوة ولا ملجأ لليتيم إلا إلى الله سبحانه تعالى. أيها المؤمنون: رعاية اليتيم حياة له وجنَّة لك، فاللهَ اللهَ في كفالته أو المساهمة في احتضانه ورعايته، وهذه دُورُ الأيتام، لا أقول: تنتظر من يمد لها الأيدي الحانية، بل أقول: فلنتسابق إليها بيد كريمة نحوز بها مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وتفتخر بلادنا بوجود جمعيات متخصصة لرعاية الأيتام؛ من ذلكم جمعية الوداد الخيرية لرعاية الأيتام، تحتضن الطفل اليتيم بعد ولادته، فترعاه صحيًّا ونفسيًّا، وعقليًّا وتربويًّا، حتى يجدوا له حاضنةً أو مرضعةً وكافلًا مؤهلين تأهيلًا ماديًّا ومعنويًّا وعمليًّا، فجزى الله خيرًا كلَّ من يسعى في الخير أيًّا كان سهمه.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |