|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الوحي والهوى د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فمن السنن الكبرى التي بيَّنها القرآن أن الإنسان في حركته وسلوكه لا يخرج عن طريقين اثنين لا ثالث لهما: طريق يقوده الوحي، وطريق يدفعه الهوى. فالنفس لا تقف محايدة، والقلب لا يبقى فارغًا، بل يتجه دائمًا إلى مصدر يستمدُّ منه حُكمه وقراره وموقفه. وانطلاقًا من هذه الحقيقة، جاءت النصوص القرآنية تفرِّق تفرقةً واضحةً بين اتباع الوحي، وبين الانقياد للهوى، وتعرِض آثارَ كل طريق على العبد، وسُننه في نفسه، وفي دنياه وآخرته. معنى الهوى وخطره: الهوى في اللغة: ميل النفس وشهوتها. وعند أهل العلم: الميل عن الحق بعد معرفته، أو تقديم رغبات النفس على هداية الوحي. ولذلك قال بعض السلف: «اتباع الهوى أصل كل بَلِيَّة، وتركه أصل كل هداية». والقرآن لا يذكر الهوى إلا في سياق الذم والتحذير، بخلاف كثير من الألفاظ التي تأتي خيرًا أو شرًّا؛ مما يدل على أن الهوى أصلٌ للانحراف ما لم يُضبط بنور الوحي. التمييز القرآني بين الوحي والهوى: جاء القرآن في مواضعَ كثيرة يضع الإنسان أمام مفترق الطرق: طريق الوحي، أو طريق الهوى، ويبيِّن نتيجة كل منهما. الاستجابة للوحي أو اتباع الهوى: قال الله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 50]. فالاستجابة للنبي صلى الله عليه وسلم هي استجابة للوحي، وترك الاستجابة علامة على الانقياد للهوى. الغفلة عن الذكر باب إلى اتباع الهوى: قال تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]. الغفلة عن ذكر الله طريقٌ مُظلم، لا يقود إلا إلى اتباع الهوى، ومن اجتمع عليه الأمران، كان أمره ضياعًا وتفريطًا. خطاب داود عليه السلام بين الحُكم بالحق وترك الهوى: قال سبحانه: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ص: 26]. الحكم بالحق لا يقوم إلا على نور الوحي، وأما الهوى فمآلُه الضلال والانحراف. تحذير الأنبياء من المَيل إلى أهواء المخالفين: قال تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [المائدة: 48]. فالحق ما جاء به الوحي، وكل ما عداه أهواء متفرقة. الاستقامة على الأمر الإلهي دون التفات للهوى: قال عز وجل: ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [الشورى: 15]. فالاستقامة لا تكون إلا على الوحي، وأما الهوى فهو مناقضٌ لطريق الاستقامة. اتباع الهوى بغير هدًى من الله: قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾ [القصص: 50]. فالهداية من الله هي الوحي، ومن تركها لم يبقَ له إلا ضلال الهوى. الهوى سبب ضياع الأمم السابقة: قال تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [مريم: 59]. فذِكر ضياع الصلاة مقترنًا باتباع الشهوات يدل على أن الهوى كان سببًا لتحريف الأمم، وانحرافها عن منهج الله. فالإيمان الحقيقي هو انقياد القلب للوحي حتى يخضع الهوى له. النتيجة الجوهرية – ثنائية الهدى والهوى: يتبيَّن من مجموع النصوص أن حركة الإنسان لا تخرج عن هذين الأصلين: وحي من الله يهدي ويزكِّي ويهدي للتي هي أقوم، أو هوًى يُظلم به القلب، ويقوده إلى الانحراف وإن رآه حسنًا. وليست المسألة «أوامر مقابل رغبات» فقط، بل هي منظومة كاملة من الانقياد: انقياد للوحي يثمر نورًا وعدلًا واستقامة، أو انقياد للهوى يثمر اضطرابًا وضلالًا واندفاعًا بلا بصيرة. وهذه الثنائية هي معيار صلاح الإنسان وفساده منذ خلق الله الخلق. كيف يحفظ المؤمن نفسه من الهوى؟ إن كان الهوى خطرًا قديمًا متجددًا، فوسائل النجاة منه ثابتة راسخة، دلَّت عليها نصوص الكتاب والسنة؛ ومنها: • تعظيم النصوص، والرجوع إلى الوحي عند كل نازلة، فلا شيء يكسِر سطوة الهوى مثل الالتجاء إلى النص. • كثرة الذِّكر وتليين القلب؛ لأن الغفلة والهوى يتآخيان، والذكر والهدى يتلازمان. • صحبة الصالحين وأهل الوَرع؛ فالنفس تضعُف وحدها، وتَقوى بجلساء الخير. • الدعاء بتثبيت القلب؛ أخرج الترمذي (3522) بلفظه، وأحمد (26679) عن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة: يا أمَّ المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: ((يا مقلب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك، قالت: فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟! قال: يا أم سلمة، إنه ليس آدميٌّ إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ))، فتلا معاذ: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ [آل عمران: 8]. • محاسبة النفس ومراقبتها؛ فالنفس سريعة المَيل، ولا تستقيم إلا بالمراجعة. • تدبُّر العاقبة وتذكُّر مآلات الهوى، فالقرآن لم يذكر الهوى إلا مقرونًا بضلال أو عقوبة أو فساد، وتذكير النفس بالمآل يقوِّي إرادتها على مجاهدة ميولها. الخاتمة: إن الوحيَ لا يطلب من الإنسان إلغاء ميوله، بل يطلب منه ضبطها وتهذيبها وإخضاعها لمراد الله، حتى يصبح هواه نفسه طاعةً إذا انقاد للهدى. وقد قال بعض السلف: «العبد لا يصلح حتى يكون هواه تبعًا للهدى». فالمعركة الكبرى ليست مع الآخرين، بل مع الهوى، الذي إن تُرِك بلا ضبط، قاد صاحبه إلى الهلكة، وإن قُيِّد بنور الوحي، قاد قلبه إلى السلامة والرشاد. نسأل الله تعالى أن يجعل قلوبنا معلَّقة بوحيِهِ، وأن يجنِّبنا سُبل الأهواء، وأن يهديَنا صراطه المستقيم.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |