قضايا المراهقين: إدمان الهواتف الذكية ووسائل التواصل - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         في ظلال أحد.. الهزيمة التي ربت أمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          حديثك يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          من أشراط الساعة الكبرى: ظهور المسيح الدجال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          تحريم إرادة الإنسان بعمله الدنيا وزينتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          ما معنى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          في ظلال «التقوى».. إعجاز الصيغة وعمق الدلالة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          من أسرار النظم القرآني في آيات الصيام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          باب في هيئة الصلاة وإتمام ركوعها وسجودها والخضوع فيها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          اسم الله (السلام) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5355 - عددالزوار : 2751264 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى الشباب المسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الشباب المسلم ملتقى يهتم بقضايا الشباب اليومية ومشاكلهم الحياتية والاجتماعية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 26-01-2026, 07:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,579
الدولة : Egypt
افتراضي قضايا المراهقين: إدمان الهواتف الذكية ووسائل التواصل

قضايا المراهقين: إدمان الهواتف الذكية ووسائل التواصل


أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِثْلَمَا يَصْنَعُ السِّحْرُ فِي الْمَسْحُورِينَ تَصْنَعُ الْهَوَاتِفُ الذَّكِيَّةُ فِي الْمُرَاهِقِينَ، فَيَنْزِعُهُمْ مِنْ عَالَمِهِمُ الْوَاقِعِيِّ، وَيُحْيِيهِمْ فِي عَالَمٍ آخَرَ مَوْهُومٍ خَيَالِيٍّ؛ حَيْثُ يُتِيحُ لَهُمُ الْوُلُوجَ إِلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ بِمَا فِيهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَيَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَهَا فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ الْخَطِيرَةِ؛ مَرْحَلَةِ الْمُرَاهَقَةِ، تِلْكَ الَّتِي تَتَفَجَّرُ فِيهَا فِي جَسَدِ الْمُرَاهِقِ مُسْتَجِدَّاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَهُرْمُونَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَيَتَجَاذَبُ نَفْسَهُ فِيهَا طُوفَانُ الْأَفْكَارِ وَالتَّطَلُّعَاتِ.
لِذَلِكَ كَانَ لِزَامًا عَلَيْنَا -مَعَاشِرَ الْآبَاءِ وَالْمُرَبِّينَ- أَنْ نُحَذِّرَ مُرَاهِقِينَا مِنْ إِدْمَانِ تِلْكَ الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ الَّتِي تَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أَبْوَابًا كَثِيرَةً وَثَغَرَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، تَأْسِرُ الْوِجْدَانَ، وَتُزَلْزِلُ الْكِيَانَ، وَتَمْلِكُ عَلَى الْمُرَاهِقِ نَفْسَهُ وَرُوحَهُ، وَهُنَا نُدْرِكُ أَنَّ الْهَوَاتِفَ الذَّكِيَّةَ وَمَا تُدْخِلُ الْمُرَاهِقَ عَلَيْهِ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لَخَطِيرَةٌ جِدُّ خَطِيرَةٍ، وَتَظْهَرُ خُطُورَتُهَا فَمَا يَأْتِي:
أَنَّهَا تُضَيِّعُ الْأَوْقَاتَ الثَّمِينَةَ: فَفَتْرَةُ الْمُرَاهَقَةِ هِيَ مَبْدَأُ الشَّبَابِ، وَمَوْئِلُ الْآمَالِ، وَمَنْشَأُ الطُّمُوحَاتِ، وَمُنْطَلَقُ الْعُظَمَاءِ، وَفَتْرَةُ التَّعَلُّمِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَفُرْصَةُ التَّأْهِيلِ وَالتَّدْرِيبِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا آتَى اللَّهُ -تَعَالَى- عَبْدًا الْعِلْمَ قَطُّ إِلَّا شَابًّا، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الشَّبَابِ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ -تَعَالَى-: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}[الْأَنْبِيَاءِ:60]، وَتَلَا قَوْلَهُ -سُبْحَانَهُ-: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ}[الْكَهْفِ:13]، وَقَوْلَهُ -تَعَالَى-: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}[مَرْيَمَ:12].
وَالْوَقْتُ هُوَ ثَرْوَةُ الْعَبْدِ وَرَأْسُ مَالِ حَيَاتِهِ، وَضَيَاعُهُ غَبْنٌ، وَقَدِيمًا قَالُوا: ضَيَاعُ الْوَقْتِ مِنَ الْمَقْتِ، بَلْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَالْخَبَرُ الْمُؤْسِفُ أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ بَعْضُ الِاسْتِطْلَاعَاتِ حَيْثُ تَقُولُ: إِنَّ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ طُلَّابِ الْجَامِعَاتِ يَقْضُونَ سِتَّ سَاعَاتٍ فَأَكْثَرَ يَوْمِيًّا عَلَى الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ!
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تُقَرِّبُ طُرُقَ الشَّرِّ وَمَجَالَاتِهِ: فَهِيَ تُحَطِّمُ الْحَوَاجِزَ بَيْنَ الْمُرَاهِقِينَ وَالْمُرَاهِقَاتِ، وَتُذَلِّلُ سُبُلَ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْفِتْيَانِ وَالْفَتَيَاتِ، وَتُسَهِّلُ النَّظَرَاتِ الْخَائِنَاتِ وَتَبَادُلَ الْكَلِمَاتِ، وَمَا أَضْيَعَ الْفَضِيلَةَ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ لِعَلِيٍّ: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).
وَتِلْكَ -وَاللَّهِ- خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ الثَّابِتَةُ وَسِهَامُهُ الْحَارِقَةُ، وَقَدْ حَذَّرَنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}[النُّورِ:21]؛ وَقَدْ جَمَعَ الشَّاعِرُ بَعْضَ تِلْكَ الْخُطُوَاتِ فَقَالَ:
نَظْرَةٌ فَابْتِسَامَةٌ فَسَلَامٌ ** فَكَلَامٌ فَمَوْعِدٌ فَلِقَاءُ
مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ لِإِدْمَانِ الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ وَمَا تَحْوِيهِ مِنْ وَسَائِلَ وَتَطْبِيقَاتٍ آثَارًا مَقِيتَةً، وَعَوَاقِبَ وَخِيمَةً خَاصَّةً عَلَى الْمُرَاهِقِينَ؛ فَهِيَ تَشْغَلُهُمْ بِتَوَافُهِ الْأُمُورِ، وَتَقْطَعُهُمْ عَنْ مَعَالِيهَا، وَهِيَ لِطُمُوحَاتِهِمْ مُحَطِّمَةٌ، وَلِمُسْتَقْبَلِهِمْ عَاصِفَةٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تُعِيقُ الْمُرَاهِقَ عَنْ تَفَوُّقِهِ الدِّرَاسِيِّ: فَلَا يُصْبِحُ تَفَوُّقُهُ الدِّرَاسِيُّ أَوَّلَ أَوْلَوِيَّاتِهِ، بَلْ تَشُدُّهُ تِلْكَ الْمَوَاقِعُ فَيَظَلُّ مُنْكَبًّا عَلَيْهَا، فَيُقَصِّرُ فِي مُتَابَعَةِ دُرُوسِهِ حَتَّى يَتَرَدَّى مُسْتَوَاهُ الدِّرَاسِيُّ، وَتَكُونُ الْأَوْلَوِيَّةُ عِنْدَهُ لِلتَّغْرِيدَةِ وَالتَّعْلِيقِ وَالْمُتَابَعَاتِ وَالْإِعْجَابَاتِ وَمُلَاحَقَةِ الْمَشَاهِيرِ!
وَمِنْهَا: تَدَهْوُرُ حَالَتِهِ الصِّحِّيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ؛ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ أَسِيرًا لِهَاتِفِهِ، وَقَعِيدًا أَمَامَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، مِمَّا يَمْنَعُهُ عَنِ الْحَرَكَةِ، فَضْلًا عَنْ مُمَارَسَةِ الرِّيَاضَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَذَلِكَ الْجُلُوسُ عَلَى الْهَوَاتِفِ يُنَافِي مَا نَصَحَ بِهِ الْفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ قَالَ: عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمُ السِّبَاحَةَ وَالرِّمَايَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تُلْهِيهِ عَنِ الْقِرَاءَةِ النَّافِعَةِ، كَقِرَاءَةِ وِرْدِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَةِ الْعُلُومِ الْمُثْمِرَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْهَوَاتِفَ السَّاحِرَةَ تَأْخُذُ الْمُرَاهِقَ أَخْذًا فَتَنْزِعُهُ عَنْ قُرْآنِهِ وَتُلْحِقُهُ بِالْهَاجِرِينَ الَّذِينَ يَشُكُوهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِرَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}[الْفُرْقَانِ:30].
وَمِنْهَا: تَشْكِيكُ الْمُرَاهِقِ فِي دِينِهِ: فَأَعْدَاؤُنَا يَسْتَغِلُّونَ تِلْكَ الْمَوَاقِعَ فِي التَّبْشِيرِ وَالتَّنْصِيرِ، وَيَسْتَهْدِفُونَ مَنْ هُمْ فِي مَرْحَلَةِ الْمُرَاهَقَةِ خَاصَّةً بِسُمُومِهِمْ وَشُبُهَاتِهِمْ؛ لِأَنَّهَا سِنُّ الْفُضُولِ وَالْاسْتِكْشَافِ، وَالْانْفِتَاحِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى لَوْ أَضَرَّ بِدِينِهِمْ! وَحِينَهَا لَا غَرَابَةَ أَنْ نَرَى الْمُلْحِدِينَ وَاللَّادِينِيِّينَ وَالرُّبُوبِيِّينَ.. وَأَمْثَالَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُعْتَوِهِينَ!
وَمَا عَلِمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَضِبَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمَّا أَتَاهُ بِشَيْءٍ يَقْرَؤُهُ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ لَهُ: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» (حَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ)، وَهُوَ الْفَارُوقُ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهُوَ مَنْ يَفِرُّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ فَرَقًا، فَمَا بَالُكَ بِمُرَاهِقٍ مِسْكِينٍ كَلِيلٍ يَتَعَرَّضُ لِفِتَنٍ لَا قِبَلَ لَهُ بِهَا عَلَى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ!
وَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكْفِ مِنْ مَخَاطِرِهَا الْمَشْؤُومَةِ وَآثَارِهَا السَّيِّئَةِ إِلَّا أَنَّهَا تَسَبَّبَتْ فِي تَضْيِيعِهِمْ لِصَلَاتِهِمْ وَتَأْخِيرِهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا، وَيَا لَهُ مِنْ جُرْمٍ عَظِيمٍ؛ {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}[مَرْيَمَ:59]؛ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ)؛ أَيْ: أَخَّرُوهَا عَنْ وَقْتِهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَيْسَ هَذَا إِلَّا طَرَفًا يَسِيرًا مِنْ أَضْرَارِهَا وَسَلْبِيَّاتِهَا، وَإِلَّا فَإِنَّ إِدْمَانَ تِلْكَ الْهَوَاتِفِ وَالْمَوَاقِعِ هُوَ أَسَاسُ الْجَرَائِمِ وَالْمَخَازِي وَالْمُوبِقَاتِ وَالْفَضَائِحِ فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي نَحْيَاهُ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُجَنِّبَ أَوْلَادَنَا وَمُرَاهِقِينَا شُرُورَهَا.

مَعَاشِرَ الْآبَاءِ: مَعْرِفَتُنَا بِخُطُورَةِ الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ عَلَى مُرَاهِقِينَا وَعَوَاقِبِهَا، يُحَتِّمُ عَلَيْنَا أَنْ نُدْرِكَ كَيْفَ نَحْمِيهِمْ مِنْ شُرُورِهَا، وَنُجَنِّبُهُمْ وَيْلَاتِهَا، وَنَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِدْمَانِهَا، وَنُعِينُهُمْ عَلَى أَنْ يَقْطُفُوا مَنَافِعَهَا، وَيَتَحَاشَوْا مَفَاسِدَهَا، وَالْعَاقِلُ مَنِ احْتَاطَ لِذَلِكَ بِأُمُورٍ؛ مِنْهَا:
أَوَّلًا: تَحْدِيدُ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِلْهَاتِفِ لَا يَتَعَدَّاهُ: فَنِصْفُ سَاعَةٍ أَوْ سَاعَةٌ مِنَ التَّرْوِيحِ وَالتَّرْفِيهِ فِي الْمَوَاقِعِ الْمَأْمُونَةِ يُفِيدُ وَلَا يَضُرُّ، وَيَبْنِي وَلَا يَهْدِمُ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْإِشْرَافِ الْأَبَوِيِّ؛ فَـ «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
ثَانِيًا: إِشْغَالُ الْمُرَاهِقِ بِمَا يَنْفَعُهُ: يَنْصَحُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَائِلًا: نَفْسُكَ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ، شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ: إِنِّي لَأَبْغَضُ الرَّجُلَ فَارِغًا لَا فِي عَمَلِ دُنْيَا وَلَا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ، بَلْ يُؤَكِّدُ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ أَنَّكَ لَا تَرْبَحُ عَلَى نَفْسِكَ بِشَيْءٍ، أَجَلَّ مِنْ أَنْ تَشْغَلَهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهَا، وَإِنَّ أَوْلَى مَا شَغَلْنَا بِهِ أَوْلَادَنَا هُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ:
فَكَابِدْ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ النَّفْسُ عُذْرَهَا *** وَكُنْ فِي اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ طَلَّاعَ أَنْجُدِ
وَلَا يَذْهَبَنَّ الْعُمْرُ مِنْكَ سَبْهَـــــلَلًا *** وَلَا تُغْبَنَنْ فِي النِّعْمَتَيْنِ بَلِ اجْهَــــدِ
ثَالِثًا: تَنْمِيَةُ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ فِي قَلْبِ الْمُرَاهِقِ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ وَأَنْجَعِ مَا يَحْفَظُ عَلَى الْمُرَاهِقِ دِينَهُ وَقَلْبَهُ، فَلْنُعَلِّمْهُ أَنَّ نَظَرَ اللَّهِ إِلَيْهِ دَائِمٌ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}[الْمُجَادَلَةِ:7].
وَنَحْكِي لَهُمْ مِنْ قِصَصِ الْمُتَّقِينَ كَمِثْلِ مَا حَكَاهُ الْأَعْرَابِيُّ، يَقُولُ: خَرَجْتُ فِي بَعْضِ لَيَالِي الظُّلَمِ، فَإِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ كَأَنَّهَا عَلَمٌ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَقَالَتْ: وَيْلَكَ أَمَا كَانَ لَكَ زَاجِرٌ مِنْ عَقْلٍ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَكَ نَاهٍ مِنْ دِينٍ! فَقُلْتُ: إِنَّهُ -وَاللَّهِ- مَا يَرَانَا إِلَّا الْكَوَاكِبُ، قَالَتْ: فَأَيْنَ مُكَوْكِبُهَا.
وَإِذَا خَلَوْتَ بِرِيبَةٍ فِي ظُلْمَــــــةٍ ** وَالنَّفْسُ دَاعِيَةٌ إِلَى الطُّغْيَانِ
فَاسْتَحْيِ مِنْ نَظَرِ الْإِلَهِ وَقُلْ لَهَا ** إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الظَّلَامَ يَرَانِي
رَابِعًا: تَعْلِيمُهُ أَنَّ الْخَيْرَ فِي مُخَالَفَةِ النَّفْسِ، وَعَدَمِ الرُّكُونِ إِلَى اللَّذَّاتِ وَالْمُشْتَهَيَاتِ: يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: مُخَالَفَةُ الْهَوَى تُقِيمُ الْعَبْدَ فِي مَقَامِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ؛ فَيَقْضِي لَهُ مِنَ الْحَوَائِجِ أَضْعَافَ أَضْعَافِ مَا فَاتَهُ مِنْ هَوَاهُ.
فَمَنْ هَجَرَ اللَّذَّاتِ نَالَ الْمُـــــــــــنَى *** وَمَنْ أَكَبَّ عَلَى اللَّذَّاتِ عَضَّ عَلَى الْيَدِ
وَفِي قَمْعِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ اعْتِزَازُهَا *** وَفِي نَيْلِهَا مَا تَشْتَهِي ذُلُّ سَرْمَــــــــــدِ
وَلَا تَشْتَغِلْ إِلَّا بِمَا يُكْسِبُ الْعُـــــلَا *** وَلَا تُرْضِ النَّفْسَ النَّفِيسَةَ بِالــــــــــرَّدِي
خَامِسًا: إِيقَاظُ الطُّمُوحِ دَاخِلَهُ: يَا بُنَيَّ، لَسْتَ أَقَلَّ مِمَّنْ سَبَقَكَ مِنَ النَّابِهِينَ وَالنَّابِغِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ، فَلِمَ لَا تَكُونُ مِثْلَهُمْ؟ لِمَ لَا تُزَاحِمُهُمْ عَلَى مَرَاتِبِ الْفَلَاحِ وَتُسَابِقُهُمْ عَلَى سُلَّمِ النَّجَاحِ... أَخْبِرْهُ: لَقَدْ عَلَّمَنَا نَبِيُّنَا الطُّمُوحَ فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِطَلَبِ الْجَنَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ أَمَرَنَا بِالتَّطَلُّعِ إِلَى الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى مِنْهَا، فَقَالَ: فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
سَادِسًا: دَلَالَتُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَعَالَى وَإِعَانَتُهُ عَلَيْهِ: وَكَفَى أَنْ نُعَلِّمَهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمَعَالِيَ، وَيُبْغِضُ التَّوَافِهَ؛ فَعَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَهَا(صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).
فَانْتَبِهُوا -مَعَاشِرَ الْآبَاءِ وَالْمُرَبِّينَ- لِمَا يُرَادُ بِأَوْلَادِكُمْ، وَاحْتَاطُوا أَنْ يُدْمِنُوا عَلَى الْهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ، كُونُوا عَوْنًا لَهُمْ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِ الْفَلَاحِ وَالصَّلَاحِ وَالنَّجَاحِ، وَلَا تَغْفُلُوا عَنْهُمُ الْيَوْمَ فَتَبْكُوا عَلَيْهِمْ غَدًا وَتَنْدَمُوا، وَلَاتَ حِينَ مَنْدَمٍ؛ بَارَكَ اللَّهُ لَكُمْ فِي أَوْلَادِكُمْ وَأَقَرَّ أَعْيُنَكُمْ بِصَلَاحِ حَالِهِمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
منقول




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 82.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 80.81 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.08%)]