من أخبار الشباب (15) شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         مراعاة أوامر الله -تعالى- ونواهيه وحدوده (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 620 )           »          غزة في ذاكرة التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 17 - عددالزوار : 23987 )           »          (رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          الحركات الصهيونية المسيحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          مغبة الغش على الفرد والمجتمع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          من ضبط النفس إلى صناعة الحضارة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          تفسير قوله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب. (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          تعلم NotebookLM.. حول ملفاتك إلى «دليل دراسي» للمذاكرة أو العمل فى ثوانٍ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 51 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 25-01-2026, 04:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,742
الدولة : Egypt
افتراضي من أخبار الشباب (15) شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى

من أخبار الشباب (15)

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَجَعَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَئِمَّةً مُجَدِّدِينَ. نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ جَاءَ بِالنُّورِ الْمُبِينِ، وَدَلَّ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَمَنْ تَبِعَهُ هُدِيَ وَفَازَ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ ضَلَّ وَخَسِرَ وَخَابَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ؛ فَإِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ * وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 6-9].

أَيُّهَا النَّاسُ: مَرْحَلَةُ الشَّبَابِ هِيَ مَرْحَلَةُ الْعِلْمِ وَالتَّحْصِيلِ، وَالْحِفْظِ وَالتَّقْعِيدِ. وَفِي شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ نَوَابِغُ، إِنِ اسْتَثْمَرُوا نُبُوغَهُمْ بَرَزُوا فِي مَعَارِفِهِمْ، وَفَاقُوا أَقْرَانَهُمْ، وَانْتَفَعَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ. وَإِنْ قَصُرَتْ هِمَمُهُمْ عَنْ نُبُوغِهِمْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ، وَكَانَ نُبُوغُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَلَمْ تَنْتَفِعِ الْأُمَّةُ بِهِمْ.

وَثَمَّةَ شَخْصِيَّةٌ فِي التَّارِيخِ الْبَشَرِيِّ، ظَهَرَتْ عَبْقَرِيَّتُهُ فِي طُفُولَتِهِ، فَاسْتَثْمَرَهَا مُنْذُ صِغَرِهِ، وَطَبَّقَ الْآفَاقَ ذِكْرُهُ، وَامْتَلَأَتْ بِالْأَحْدَاثِ الْمُثِيرَةِ حَيَاتُهُ، وَمَا فَارَقَ الدُّنْيَا إِلَّا وَقَدْ مَلَأَهَا ضَجِيجًا بِسِيرَتِهِ، وَخَلَّفَ إِرْثًا ضَخْمًا مِنْ تَآلِيفِهِ؛ غَرَفَ مِنْ بَحْرِهِ الْعُلَمَاءُ عَبْرَ الْقُرُونِ، وَمَا خَرَجَ فِي الْأُمَّةِ بَعْدَهُ مِثْلُهُ؛ ذَلِكُمْ هُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ تَيْمِيَّةَ، أُنْمُوذَجٌ لِنَابِغَةٍ قَضَى حَيَاتَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ مُتَعِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، حَلَالِهَا وَحَرَامِهَا، حَتَّى إِنَّهُ مَا تَزَوَّجَ وَلَا تَسَرَّى، لَا عُزُوفًا عَنْ ذَلِكَ، وَلَا قَصْدًا لَهُ؛ وَلَكِنْ شَغَلَهُ عَنْ ذَلِكَ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ. وُلِدَ بِحَرَّانَ مِنَ الشَّامِ، وَحِينَ بَلَغَ سِتَّ سَنَوَاتٍ غَزَاهُمُ التَّتَرُ فَهَاجَرُوا هَرَبًا مِنْ ظُلْمِهِمْ وَسُيُوفِهِمْ إِلَى دِمَشْقَ، فَتَعَلَّمَ فِيهَا وَهُوَ طِفْلٌ، وَشَبَّ فِيهَا عَلَى الْعِلْمِ.

حَفِظَ الْقُرْآنَ وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فَفَاقَ أَقْرَانَهُ، وَاشْتُهِرَ حِفْظُهُ وَضَبْطُهُ، وَجَاءَ إِلَى دِمَشْقَ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ حَلَبَ، وَقَصَدَ كُتَّابًا لِلصِّبْيَانِ، وَمَرَّ بِخَيَّاطٍ فَسَأَلَهُ: سَمِعْتُ عَنْ صَبِيٍّ سَرِيعِ الْحِفْظِ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فَهَلْ تَعْرِفُهُ؟ فَقَالَ الْخَيَّاطُ: اجْلِسْ، الْآنَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْكُتَّابِ وَأُرِيكَ إِيَّاهُ، فَمَرَّ الصَّبِيُّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَاخْتَبَرَهُ ذَلِكَ الْعَالِمُ فِي سُرْعَةِ الْحِفْظِ، فَرَآهُ فَوْقَ مَا وُصِفَ لَهُ فَقَالَ: «إِنْ عَاشَ هَذَا الصَّبِيُّ لَيَكُونَنَّ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ». فَكَانَ كَمَا تَوَقَّعَ هَذَا الْعَالِمُ الْحَلَبِيُّ.

وَتَوَافَرَ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ مَعَ شِدَّةِ ذَكَائِهِ، وَقُوَّةِ حِفْظِهِ؛ جِدُّهُ وَاجْتِهَادُهُ، فَهُوَ جَادٌّ فِي الْعِلْمِ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَلَا يَتَلَفَّتُ إِلَى اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ كَعَادَةِ الصِّبْيَانِ؛ كَأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلْمَ وَالْحِفْظَ لُعْبَتَهُ وَلَهْوَهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّرْمَرِيُّ: «وَمِنْ عَجَائِبِ مَا وَقَعَ فِي الْحِفْظِ فِي أَهْلِ زَمَانِنَا... ابْنُ تَيْمِيَّةَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِالْكِتَابِ، فَيُطَالِعُهُ مَرَّةً فَيَنْتَقِشُ فِي ذِهْنِهِ، فَيُذَاكِرُ بِهِ، وَيَنْقُلُهُ فِي مُصَنَّفَاتِهِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ. وَمِنْ أَعْجَبِ مَا سَمِعْتُهُ عَنْهُ: مَا حَدَّثَنِي بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَبِيًّا فِي بِدَايَةِ أَمْرِهِ؛ أَرَادَ وَالِدُهُ أَنْ يَخْرُجَ بِأَوْلَادِهِ يَوْمًا إِلَى الْبُسْتَانِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَحْمَدُ تَخْرُجُ مَعَ ‌إِخْوَتِكَ ‌تَسْتَرِيحُ، فَاعْتَلَّ عَلَيْهِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ وَالِدُهُ، فَامْتَنَعَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، فَقَالَ: أَشْتَهِي أَنْ تُعْفِيَنِي مِنَ الْخُرُوجِ، فَتَرَكَهُ وَخَرَجَ بِإِخْوَتِهِ، فَظَلُّوا يَوْمَهُمْ فِي الْبُسْتَانِ، وَرَجَعُوا آخِرَ النَّهَارِ، فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ، أَوْحَشْتَ إِخْوَتَكَ الْيَوْمَ، وَتَكَدَّرَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ غَيْبَتِكَ عَنْهُمْ، فَمَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، إِنَّنِي الْيَوْمَ حَفِظْتُ هَذَا الْكِتَابَ، لِكِتَابٍ مَعَهُ. فَقَالَ: حَفِظْتَهُ؟ كَالْمُنْكِرِ الْمُتَعَجِّبِ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَعْرِضْهُ عَلَيَّ، فَاسْتَعْرَضَهُ؛ فَإِذَا بِهِ قَدْ حَفِظَهُ جَمِيعَهُ، فَأَخَذَهُ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، لَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِمَا قَدْ فَعَلْتَ؛ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الْعَيْنِ».

وَهُنَا يُخْضَعُ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا آثَرَ الْعِلْمَ عَلَى اللَّهْوِ، وَحَفِظَ كِتَابًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى خَافَ أَبُوهُ عَلَيْهِ الْعَيْنَ. وَيَشْتَدُّ عَجَبُنَا حِينَ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي حَفِظَهُ هُوَ «رَوْضَةُ النَّاظِرِ» لِابْنِ قُدَامَةَ، وَهُوَ كِتَابٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، الَّذِي هُوَ أَعْسَرُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي حَفِظَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي يَوْمٍ يُدَرَّسُ الْآنَ فِي كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ فِي أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ، وَلَا يَحْفَظُهُ الطُّلَّابُ. وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

لَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ مَعَ الْجِدِّ فِي الطَّلَبِ وَالْعِلْمِ: قُوَّةَ الْحِفْظِ؛ فَيَحْفَظُ الْكِتَابَ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَقُوَّةَ الِاسْتِحْضَارِ، بِحَيْثُ يَسْتَحْضِرُ مَا حَفِظَ كَأَنَّهُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَقُوَّةَ الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّحْلِيلِ، وَقُوَّةَ الْجَدَلِ وَالْمُنَاظَرَةِ، وَسُرْعَةَ التَّأْلِيفِ وَالْكِتَابَةِ، مَعَ مَوْسُوعِيَّةٍ نَادِرَةٍ فِي شَتَّى الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَزُهْدٍ فِي الدُّنْيَا وَمَنَاصِبِهَا وَمَرَاتِبِهَا وَزِينَتِهَا. وَلَقَدْ كَانَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ بَيْتِ عِلْمٍ وَفَضْلٍ، فَأَبُوهُ وَجَدُّهُ عَالِمَانِ، وَعَمُّ جَدِّهِ عَالِمٌ، وَعَمَّتُهُ عَالِمَةٌ، لَكِنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ فَاقَهُمْ جَمِيعًا عِلْمًا وَصِيتًا وَنَفْعًا لِلْأُمَّةِ.

كَبِرَ الصَّبِيُّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَعِلْمُهُ أَكْبَرُ مِنْ سِنِّهِ فِي جَمِيعِ مَرَاحِلِ طُفُولَتِهِ وَشَبَابِهِ، وَشُهْرَتُهُ تَتَّسِعُ بِاتِّسَاعِ عِلْمِهِ وَنُبُوغِهِ، حَتَّى إِنَّهُ بَدَأَ بِالتَّأْلِيفِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ عَامًا، وَأَكْثَرُ مُؤَلَّفَاتِهِ مِنْ حِفْظِهِ، وَإِذَا رُوجِعَتْ أَحَادِيثُهَا وَنُقُولُهَا وَجَدُوهَا صَحِيحَةً مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَاكِرَةٍ خَارِقَةٍ، وَضَبْطٍ عَجِيبٍ. وَأُجْلِسَ لِلتَّدْرِيسِ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَيَحْضُرُ دُرُوسَهُ أَكَابِرُ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ مِنْ مُخْتَلِفِ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ، فَيَعْجَبُونَ مِنْ غَزَارَةِ عِلْمِهِ، وَيُسَلِّمُونَ لَهُ بِالْإِمَامَةِ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ.

وَأَمْضَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ عُمْرَهُ كُلَّهُ فِي التَّأْلِيفِ وَالتَّدْرِيسِ وَالْمُنَاظَرَاتِ؛ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ، وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، حَتَّى كَانَتْ مُؤَلَّفَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ كِتَابٍ، وَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ بَلَغُوا هَذَا الْمَبْلَغَ فِي التَّأْلِيفِ، لَكِنَّهُ فَاقَهُمْ فِي الْإِجَادَةِ وَالتَّحْقِيقِ؛ فَكَانَ إِذَا تَكَلَّمَ أَوْ كَتَبَ كَأَنَّهُ سَيْلٌ يَتَدَفَّقُ وَلَا يَتَوَقَّفُ. وَقَدْ كَتَبَ الْعَقِيدَةَ الْوَاسِطِيَّةَ فِي قَعْدَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَمْلَى الْعَقِيدَةَ الْحَمَوِيَّةَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ، وَهُمَا الْآنَ تُدَرَّسَانِ فِي سَنَوَاتٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سُرْعَتِهِ فِي الْكِتَابَةِ، وَاسْتِحْضَارِهِ لِلْمَعْلُومَاتِ.

عَاشَ سَبْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً فِي الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَالْجِهَادِ وَالْعِبَادَةِ، وَنَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْأُمَّةَ، فَعَلَى شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ وَنَابِغَتِهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْعِبْرَةَ مِنْ سِيرَتِهِ الَّتِي انْتَشَرَتْ بِالذِّكْرِ الْحَسَنِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَإِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا خَلَّفَهُ مِنْ عِلْمٍ غَزِيرٍ، وَتَحْقِيقٍ دَقِيقٍ. رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَمَعَنَا بِهِ فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كَانَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ نَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ اسْتَوْعَبُوا عُلُومَ الشَّرِيعَةِ بِشَتَّى فُرُوعِهَا، وَنَظَرُوا فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ، كَالْفَلْسَفَةِ وَالْمَنْطِقِ وَعِلْمِ الْكَلَامِ؛ فَطَوَّعُوهَا لِلشَّرِيعَةِ، وَلَمْ يُخْضِعُوا الشَّرِيعَةَ لَهَا. وَعَامَّةُ مَنْ خَاضَ الْعُلُومَ الْعَقْلِيَّةَ مِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ، تَاهُوا فِي مَهَامِهِهَا، وَغَرِقُوا فِي لُجَجِهَا، فَانْحَرَفُوا عَنِ الشَّرِيعَةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ عَارَضَهَا وَخَرَجَ مِنْهَا -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- وَمِنْهُمْ مَنْ لَوَّثَهَا بِبِدَعِهِ الْكَلَامِيَّةِ.

وَكَانَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِالْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ؛ يُنَاظِرُ كِبَارَ الْفَلَاسِفَةِ السَّابِقِينَ فِي مَنَامِهِ، ثُمَّ يُنَاظِرُ أَتْبَاعَ مَدَارِسِهِمْ فِي يَقَظَتِهِ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَقَدْ كُنْتُ فِي أَوَائِلِ مَعْرِفَتِي بِأَقْوَالِهِمْ بَعْدَ بُلُوغِي بِقَرِيبٍ، وَعِنْدِي مِنَ الرَّغْبَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَتَحْقِيقِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا أَوْجَبَ أَنِّي كُنْتُ أَرَى فِي مَنَامِي ابْنَ سِينَاءَ وَأَنَا أُنَاظِرُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَقُولُ لَهُ: أَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ عُقَلَاءُ الْعَالَمِ، وَأَذْكِيَاءُ الْخَلْقِ، وَتَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ أَضْعَفُ النَّاسِ عَقْلًا». وَلَمَّا رَأَى كَثِيرًا مِنَ الطُّلَّابِ مُنْبَهِرِينَ بِفَلْسَفَةِ أَرِسْطُو وَمَنْطِقِهِ؛ أَلَّفَ فِي نَقْضِهِ كِتَابًا فِي جَلْسَةٍ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلَمَّا كُنْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ اجْتَمَعَ بِي مَنْ رَأَيْتُهُ يُعَظِّمُ الْمُتَفَلْسِفَةَ بِالتَّهْوِيلِ وَالتَّقْلِيدِ، فَذَكَرْتُ لَهُ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ التَّجْهِيلِ وَالتَّضْلِيلِ. وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنِّي كَتَبْتُ ‌فِي ‌قَعْدَةٍ ‌بَيْنَ ‌الظُّهْرِ ‌وَالْعَصْرِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَنْطِقِ مَا عَلَّقْتُهُ تِلْكَ السَّاعَةَ. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هِمَّتِي...».

وَنَقْضُهُ لِلْمَنْطِقِ الَّذِي كَتَبَهُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِنْ أَهَمِّ الْمَرَاجِعِ لِطَلَبَةِ الدِّرَاسَاتِ الْعُلْيَا فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ. وَأَقَرَّ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ الْمُعَاصِرِينَ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي نَقَضَ الْمَنْطِقَ الْأَرُسْطِيَّ، وَأَصَّلَ لِقَوَاعِدِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ، وَقَالَ كَلِمَتَهُ الْعَجِيبَةَ فِي وَصْفِهِ: «إِنِّي كُنْتُ دَائِمًا أَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْطِقَ الْيُونَانِيَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الذَّكِيُّ، ‌وَلَا ‌يَنْتَفِعُ ‌بِهِ ‌الْبَلِيدُ».

وَلَا عَجَبَ أَنْ يَعْتَنِيَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ فَلَاسِفَةِ الْغَرْبِ وَنُظَّارِهِمْ وَمِنَ الْمُسْتَشْرِقِينَ بِدِرَاسَةِ تُرَاثِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْمَجَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِيهِ تَأْسِيسًا لِلْحَقَائِقِ بِأَحْسَنِ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ وَأَخْصَرِهَا.

هَذَا نَزْرٌ يَسِيرٌ مِنْ سِيرَةِ الْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الَّذِي قَضَى صِبَاهُ وَشَبَابَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، حَتَّى بَلَغَ مَرْتَبَةَ الْإِمَامِ الْمُجْتَهِدِ، وَمَا أَجْدَرَهَا مِنْ سِيرَةٍ لَوْ قَرَأَهَا شَبَابُ الْمُسْلِمِينَ فَانْتَفَعُوا بِهَا.

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 78.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 76.91 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.19%)]