|
|||||||
| ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
كيفَ نُجيدُ العربيّة ؟ الأستاذ بشير العبيدي سألَني عدد من القراء قائلين : ها قد أحببنا العربيّةَ، فكيف لنا أن نجيدَ اللّسانَ الفصيح ؟ فنظرتُ في أقوال العظماء والفهماء، فلم أجدْ في معرض الجواب عن هذا السؤال أجودَ مما جادت به قريحة الأديب الفذّ عثمان بن بحر الجاحظ حين قال : (أعون الأسباب على تعلم اللغة فرط الحاجة إليها- كتاب البيان والتبيين). بقي أن نعرفَ: ما هو "فرط الحاجة" المقود في كلام أبي عمرو الجاحظ؟ ولماذا علينا أن نجيد اللّغة أصلا؟ أما فرط الحاجة فيتتمثّل بالأساس في احتياج كلّ إنسان إلى التّفكير والتّواصل عبر آليات التّفكيك والتّركيب. ولن يجيد إنسانٌ لغةً من اللغات ما حتى تدفعه الحاجة إلى التفكير العميق في الأشياء والعلاقات من حوله. وقلّما نبغ إنسان من دون أن يكون لنبوغه علّة غائرة هي الحاجة إلى التفكير والتّعبير الإبداعيّ عن الذّات والموضوع. وليس التّفكير موهبة تظهر لدى البعض دون البعض الآخر من النّاس، بل التّفكير هو فطرة بشريّة يتميّز بها عن الحيوان ويستوي في أصالتها كلّ الناس، ويتفاضلون فيها فيما بعد بحسب جهودهم في امتلاك ناصية اللغة التي هي ترجمان الفكر. ومن لا لغة له، لا فكر له. وإجادة اللغة لها أثر مباشر وحينيّ على رقيّ المجتمعات وتقدّمها، إِذْ لم تتأسس حضارة أبدًا إلا وكانت رافعتها الرّئيسة هي اللّغة. كما أنّ الفصاحة لها أعظم الأثر في التّأثير والإبلاغ الإقناع، فالفصيح صاحب قدرة وسلطة معنوية على النّاس قديمًا وحديثًا، حتى أنّ موسى النبيّ عليه السلام طلب أن يستعين بأخيه هارون لأنّه أفصح منه لسانًا ! من هنا، من رام إجادة العربيّة ليغدوَ فصيحًا نطقًا وكتابةً، فعليه أن يتوسّل إلى مرامه بجملةٍ من الأسباب، من بينها : أولا : المصالحة. ومقتضاه تصالح الإنسان مع لسانه الأمّ، أيْ: لغته التي هي حاضنة لوجوده الشخصي والاجتماعي والثّقافي. ومن شروط التّصالح التخلّي عن الفكرة الخاطئة التي يتناقلها النّاس في باب تعريف معنى اللّغة، وذلك بقولهم أن (اللّغة هي أداة تواصل). بينما اللّغة ليست في حقيقتها أداة تواصل، وإن كان التّواصل من مشمولاتها الظاهرة، بل اللغة هي ترجمان التفكير ووطن الإنسان الاعتباري، وحدود السيادة في حريّة الضمير. فمن عرف حقا أنه لا أمل في إجادة التّفكير وممارسة حرّية الّضمير إلا بإجادة لغته الأمّ، عرف خطورة هذه المسألة اللغوية على وجوده، وانصرف انتباهه إلى الذّود عن لسان قومه والاعتزاز به قولًا وفعلاً، وتفضيله على ما سواه من الألسن. فكانت اللّغة بهذا المعنى للفكر كما هو علم الحساب بالنسبة للرّياضيات، ولهذا السّبب نرى المنبتّين عن أصولهم غالبا ما يسرع إليهم الانبتات اللغوي والتشرّد اللّساني، فلا يَهُمُّ أحدهم بأي لغة خاطبك، بل إن فيهم من يعتزّ بلغات الأجانب ويحتقر لغته ويزدريها. ثانيا : المطالعة. وإنّما يلين اللّسان باستدامة القراءة لأمّهات كتب الأدب والشّعر العربيّ، ومن بينها ذكرًا لا حصرًا، كتب أبي حيّان التّوحيدي، وكتب ابن قتيبة الدّينوري، وكتب أبي عمرو الجاحظ، وإبداعات ابن المقفع، والهمداني، وابن حزم الأندلسي، وابن عبد ربه الأندلسي، وعبد الرحمن بن خلدون، وابن جنّي، وشعر الأقدمين وأدب وشعر المحدثين على طبقاتهم ومدارسهم وصولا إلى أعمدة اللّسان من المتأخّرين وومن الأحياء، وعدد كل أولئك لا يدخل تحت حصر. على أن تكون القراءة شبه يوميّة، ولا تقلّ عن ثلاثين صفحة في كلّ مرة، مع كتابة أمتع العبارات وأبلغها وأفصحها في كرّاس شخصيّ، ومراجعته باستمرار. ثالثا : الممارسة. وأقصد بالممارسة ما يسمّيه العلماء (مدّة التعرّض اللغوي). وكلّ لغة كبرى من لغات البشر، لها مستويات ثلاثة، كأنّما هي عتبات للولوج إلى عالم اللغة الفسيح : المستوى الأوّل هو المستوى اللّهجي المحكي بشكل يوميّ، وهي لهجات تختلف اختلافًا ظاهرًا باختلاف كلّ مدينة وقرية وبلد. والمستوى اللّغوي القياسيّ وشكلها يتمثل في اللّغة الخاضعة لقانون القواعد النّحوية المشتركة... أي اللّغة التّعليميّة والإعلاميّة والقياسيّة، واللّغة الأدبيّة البليغة الفصيحة الراقية تلك التي يجيدها أهل اللغة وجهابذتها. على أنّ الحدود بين هذه المستويات اللّغويّة ليست حدودًا صارمة، فكثير من النّاس تتحجّر لغتهم وتتقلّص على لهجة محليّة دون غيرها، وكثير من النّاس يتعلمون الانتقال السلس من اللّهجة إلى اللّسان الفصيح بسلاسة عجيبة ماتعة. والمقصود بإجادة الفصيح من الكلام ما كان من الدّرجةِ الثّانية والثّالثة نظرا لخضوع الدّرجتين لقانون اللّغة المشترك. وأساس التّعرّض اللّغوي المنصوح به في هذا الزّمان يتجسّد في المتابعة اليوميّة للبرامج والمحتويات الشبكيّة المرئية والمسموعة بالعربيّة الفصيحة، واجتناب البرامج التي تبثّ باللّهجات المحكيّة، لا سيما تلك اللّهجات الرديئة الفاسدة التي تخلط الكلام العربيّ بالألفاظ الأجنبيّة بلا موجب، والتي تعبّرُ عن عقدة مرضيّة لمروّجيها تجاه لغات الأجانب، كما قد تعبّرُ عن إرادة مقصودة للتّشويه الثّقافي والقيميّ، مما يؤثّر سلبًا على الحسّ الفطريّ بالانتماء الإنسانيّ، ويعطّل الإبداع ويعرقل التّنمية الشّاملة. رابعا : المذاكرة. والمقصود بالمذاكرة حفظ واسترجاع أفصح الكلام وأساسه في العربيّة قمّة البلاغة المتمثّلة في كلام الوحي القرآنيّ، وصحيح الحديث الشريف من جوامع الكلم، وأقوال الأنبياء والحكماء والعلماء والفهماء والعظماء، تلاوةً، وتمرينًا، ونشيدًا وغناءً. وكلّما تردّد هذا الكلام نطقًا وجرى على الألسن، كلّما سهل على اللّسان الجريان بمقتضى الفصاحة ومخارج الحروف الصّحيحة، بشكل وسط، دون تقعّر أو ابتذال. ومخارج الحروف في العربية متميّزة عن بقيّة لغات الدّنيا، ولذلك تحتاج لتكرار الكلمات بالصوت والصّبر على التّرديد، والتّخلص ما أمكن من اللّكنات المحليّة وترك اللّحن في نطق الحروف، وميزان العربيّة في مخارج الحروف ونظام الصّوت هو بما يوافق نطق أحرف القرآن بقراءة من القراءات المعتمدة عند المسلمين، ولا عبرة بغير النطق القرآني. خامسا : المكاتبة. وهي محاولة الإبداع باللّسان العربيّ الفصيح، من خلال كتابة الأفكار والخواطر بأجود عبارةٍ وأدق وصفٍ ممكنٍ. ولا يمكن أن يكون إنسان مطابقًا في أسلوبه وطريقته لأي شخص آخر. ذلك أن رغم محدوديّة الأحرف والكلمات في أية لغة، فإن المعاني والتعبير عنها غير محدود البتة. ولذلك يمكن لكل إنسان أن يبدع سيجد مكانه حتما. ثمّ أنه بدخول البشريّة إلى مرحلة مجتمعات المعرفة، ومع إتاحة الفرصة لجميع النّاس بالكتابة في الشبكات العامة، ومع وجود نسبة أمّية مرتفعة جداً في أوطان العرب، انتشرت كتابة اللهجات الرديئة في جميع أنسجة التواصل الاجتماعي، وصارت الرّداءة تهدّد وتزاحم العربيّة السّليمة التي تتطلّب العلم بقواعدها والمراس لإجادتها. ومع ولع النّاس بالرّديء الذي لا يستوجب التفكير والتّعب في التّصحيح، صار الجهد مضاعفًا على طالبيّ الفصيح، إذ عليهم امتلاك القدرة على التمييز ومعرفة ما يصحّ وما لا يصحّ في اللّسان الفصيح. وإني أهيب بالعقلاء ترك الكتابة والقراءة باللّهجات العاميّة والكلام السّوقيّ، فذلك من أعظم مفاسد زماننا. أما من خطف لقمة من الفصيح ولقمة من الرّكيك، غلب الرّكيك في النهاية حتما، فالطبع - على ما علمنا- يغلب التطبع !
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |