حياة محمد صلى الله عليه وسلم من الناحية العسكرية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         أهمية إحياء فهم السلف في فهم مقاصد الشريعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          تنزيه الله عن الولد والشريك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          تكلم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          الاستعاذة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          لا تتلفَّت.. فأنت المقصود (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          استجمع قواك واخرج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          يبدو جلياً ما نعانيه يومياً.. (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          لماذا التشكيك في مكان المسجد الأقصى ومكانته عند المسلمين؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 161 )           »          الحكمـة ضالـة المؤمن ***متجددة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 145 - عددالزوار : 95665 )           »          اسم الله (المسعر) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 17-01-2026, 04:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,315
الدولة : Egypt
افتراضي حياة محمد صلى الله عليه وسلم من الناحية العسكرية

حياة محمد صلى الله عليه وسلم من الناحية العسكرية


قائم مقام محمد مجدي الزارع


بحث الباحثون من علماء التاريخ القديم في تاريخ الحضارة الإنسانية ومنشئها وتطوراتها، فكشفوا عما بلغته تلك الحضارة في العلم والصناعة والزراعة والتجارة وفي كل نواحي النشاط الإنساني الأخرى.
على أنَّ أحداً من علماء الحرب لم يفكر في بحث تاريخ الفن العسكري وتطورات مبادئ الحرب، وهل تمشى هذا الفن مع الحضارة القديمة وسايرها وازدهر معها كسائر الفنون؟ وهل استمدَّت الحضارة العسكرية قوتها ومصدرها من الدين؟ وأي الأديان كان المصدر الأصلي لها؟ أهو دين موسى؟ أم عيسى؟ أم محمد؟ عليهم جميعاً أفضل صلوات الله وسلامه.
ذلك ما أردتُ أن أبحثه في هذا المقال، وأردت أن أستوحي تاريخ الحضارة العسكرية القديمة من تاريخ الحضارتين الغربية والشرقية، ولكل منهما قوة فنها وعلمها وعظمتها ووسائلها في اختيار طريقها إلى المجد، ولقد ظلَّت الإمبراطوريتان اللتان تمثلان الحضارتين المذكورتين تقتتلان سبعة قرون متوالية فتبهران العالم بسمو حضارتهما حتى نضهت الأمَّة العربية وعلى رأسها سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم.
نهضت هذه الأمة فتغلَّبت على حضارة الإمبراطوريتين وحملت الإمبراطورية الإسلامية عبئ النهوض بالحضارة في العالم أجمع بعد أن دبَّ الفساد في كيان الحضارتين الرومانيَّة والفارسية، وفي ظلِّ الحضارة الإسلامية انتشرت كل مقوِّمات الحضارة وازدهرت في سائر الفنون، وهنا برزت الحضارة العسكريَّة وبرز القواد العبقريون كما برزت المبادئ الحربيَّة وسمت أسماء القواد فاقترنت أسماؤهم على التاريخ بأسماء إسكندر الأكبر، ويوليوس قيصر، وهانيبال، ونابليون وغيرهم.
ولم يطل بحثي كثيراً عن أي الأديان كان مصدر الحضارة، فقد ثبت أنَّ كل الحضارات ازدهرت في ظل الإمبراطوريَّة الإسلامية فلم يكن هناك بد من أن أقصر بحثي على تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم منشئ هذه الإمبراطورية فأحلِّل تاريخه وتعاليمه لكي أصل إلى الغاية المقصودة وهي تاريخ الفن العسكري وتطوراته.
ولقد أغناني حضرة صاحب المعالي العالم العلامة والباحث المدقق الدكتور محمد حسين هيكل باشا عن قراءة عشرات من الكتب العربية والأجنبيَّة التي يستدعيها البحث فهداني كتابه القيم (حياة محمد) إلى كثير من التفاصيل التي تتطلبها دراسة الموضوع من جميع نواحيه، فلمعاليه وافر الثناء وجزيل الشكر، وإني لأرجو معاليه في أن يأذن لي بأن أقتطف من كتابه بعض النبذ التي تمَّت إلى حياة محمد صلى الله عليه وسلم الحربية بصلة.
أصل الحروب وأسبابها:

كانت في شبه جزيرة العرب عدة طرق للقوافل يَستخدمها العرب لنقل مَصْنوعاتهم ومَتَاجرهم فتوفِّر لهم أسباب الرخاء والرفاهية، وحياة العرب ولو أنها لا تخضع لنظام ولا قانون إلا أنهم كانوا لا يَصبرون على ما دون الحرية كاملة للفرد والمجموع، ولا يرضَون بما دون المساواة وكانوا يدفعون بقوتهم كلَّ ضَيْم يُراد بهم فليس أيسر عندهم من القتال، وكانوا يطمئنون إلى العيش في حمى مبادئ القصاص ودفع العدوان بالعدوان، ومن هنا نشأت مبادئ تتلخَّص في الدفاع عن النفس والمال والمحافظة على نوع الحياة التي اختارها الشعب لحياته وعيشه، وكانوا يَرون في الدفاع عن طرق القوافل والمحافظة عليها دفاعاً عن حياتهم وأَمْنهم فأنت ترى أنَّ المبادئ الرئيسية لأسباب الحرب ثابتة لم تتغير إلا أنَّ حالات الحرب نفسها قابلة للتغيير المستمر تبعاً للاختراعات الحديثة، وأنَّ الحرب كانت ولا تزال جهاداً للحياة وتنافساً بين الأمم والدول لتصادم المصالح الدولية أو المطامع القومية أو التوسع الاستعماري.
الدعاية:

ولعل سلاح الدعاية الذي يعتبر من أهم مبادئ الحرب الحديثة لم يغفل أمره في الحروب القديمة فقد استخدمه آل قريش كسلاح من سلاح النضال في محاربة النبي صلى الله عليه وسلم بالهجوم والتهكم تارةً، وبالسخرية وترويج الإشاعات تارةً أخرى.
الروح المعنوية:

ولم يَغِبْ عن بالِ محمد صلى الله عليه وسلم القائد الملْهَم ضرورة بثِّ الروح المعنويَّة في جنوده، فلقد قال لقومه بعد أن وصلت إليه المعلومات عن العدو (هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها، إذاً فلابدَّ لنا من التصدي أمام قوم يزيدون علينا في العدد ثلاثة أضعاف، فعليكم أن تشحذوا عزائمكم، وأن توطِّنوا على الشدة أفئدتكم ونفوسكم وأن تَنتظروا موقعة حامية الوطيس لا يكون النصرُ فيها إلا لمن مَلأ الإيمانُ بالنصر قلبَه.
وهكذا سَرَتْ من نفس محمد صلى الله عليه وسلم القويَّة إلى نفوس هؤلاء المؤمنين برسالته قوة ضاعفت عزيمتهم حتى لقد قيل: إنَّ الرجل كان يُناضل ويُقاتل بما يعدل عشرة رجال.
لقد كان النصر في القرن التاسع عشر بيد القائد الذي يمكنه أن يغمر الميدان بالرجال، ثم تغيَّرت الحال وأصبح النصر في أوائل القرن العشرين بيد القائد الذي يمكنه أن يغمر الميدان بالنيران، ثم تطورت الأحوال أخيراً وأصبح النصر حليف الجيوش ذات الروح المعنويَّة، هذه الروح التي تساعدها على أن تقفَ وتصمد أمام العدو، وفي الجيوش الحديثة نرى الروح المعنويَّة قد أصبحت أقوى الأسلحة التي تدرَّعُ بها الأمم الحية الناهضة، فمن عجب أن نرى النبي صلى الله عليه وسلم عاملاً على بثِّ هذه الروح بين جنوده بما وهبه الله من قوَّة الإيمان والعقيدة.
حب القائد والثقة المتبادلة بينه وبين جنوده:

لقد ضرب أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في حبِّ قائدهم، وكانت الثقة مُتبادلة بينهم وبينه، كما أنَّه عليه الصلاة والسلام ضرب المثل الأعلى في الحدب على جنوده والبرِّ بهم، والأخذ بالمشورة الحسنة إذا قدَّمها له أحد أتباعه، فهم يعلمون أنَّ قريشاً في موقعة بدر الكبرى تفوقهم عدداً، ومع ذلك اعتزموا الوقوف في وجهها وقتالها، ومع أنهم كانوا يخشَون الهزيمة فإنَّهم فكَّروا في حماية قائدهم حتى لا يظفرَ به عدوه، حيث قالوا له: (يا نبي الله: نبني لك عريشاً تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإذا لم ننتصر عليه جلست على ركائبك ولحقت بمن وراءنا من قومنا حتى لا تقع في يد عدونا).
فليسمع القارئ الكريم ما قاله فيلد مارشال لورد ويفل في محاضرة نشرت بالمجلة الإنجليزية في فبراير سنة 1936م قال: (يجب أن يكون القائد عفيفاً وقوراً قنوعاً، يتحمَّل المشاق من الأعماق، مُتوسط العمر فصيحاً رب عائلة وينتمي إلى بيت ذي شهرة، ومؤدباً ودوداً، سهل الاقتراب منه، رزين الطبع).
وكل هذه الصفات بلا استثناء تتوفَّر في محمدٍ عليه الصلاة والسلام.
الاستطلاع والحصول على معلومات عن العدو قبل وضع الخطط:

بدأت حروب النبي عليه الصلاة والسلام بسبب غارات كان يَشُنُّها القرشيون على القوافل التي تخرج من المدينة، ولما اشتدَّت هذه الغارات فكَّر النبي صلى الله عليه وسلم في الانتقام من قريش لأنهم بادأوه بالعداوة والحرب، وقبل أن يضع لذلك الخطط اهتمَّ باختيار القوَّاد فكاوا حمزة، وعبيد بن الحارث وسعد بن أبي وقاص، ثم بعث عبد الله بن جحش رضي الله عنهم على رأس السرية التي كان يَقودها، ودفع إليه كتاباً وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين من مسيره، فنفَّذ عبد الله الأمر وبعد يومين فتح الكتاب فإذا فيه: (إذا نظرت في كتابي هذا فامضِ حتى تنزل (نخلة) - بين مكة والطائف - فترصد بها قريشاً وائت لنا بأخبارهم).
ولما عادت الطليعة التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم لاستقاء الأخبار وعَرَفَ منها أنَّ قريشاً على مَسافة قريبة وأنَّهم لا يعرفون عددهم سألهم محمد صلى الله عليه وسلم كم ينحرون كلَّ يوم؟ فأجابوا يوماً تسعاً ويوماً عشراً فاستنبط النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أنَّهم بين التسعمائة والألف، وهكذا استفادَ من آثار العدو ومخلفاته في الحصول على المعلومات اللازمة لوضع الخطط.
في الحروب الحديثة تخرج الأطواف لجمع المعلومات عن العدو مما تركه العدو من آثار ومُخلَّفات من مُهمات الأسرى وملبوساتهم وما عليها من الشارات والعلامات فيستدلُّ منها على توزيعات جنود العدو، وهذا ما حدث في عهد النبي عليه الصلاة والسلام قال المارشال فوش: (الحقيقة الواقعة التي تنطوي عليها المفاجأة هي ظهور العدو بغتة بجنود كثيرة العدد دون سابق علم بقرب ظهورها بهذه الدرجة وذلك بسبب عدم الحصول على معلومات كافية عن العدو) أليس ذلك مُطابقاً لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في كل حروبه لاستطلاع قوات العدو واستقاء الأخبار عنها؟.
التكتم:

حاولت قريش أن تمنعَ النبي صلى الله عليه وسلم من الهجرة إلى المدينة وصمَّمت على قتله فاختاروا فتى قوياً من كل قبيلة أعطوه سيفاً بتاراً فيضربوه جميعاً ضربة رجل واحد حتى يتفرَّق دمُه بين القبائل، واتصل هذا النبأ بمحمد صلى الله عليه وسلم فأحاط نفسه بكتمان حتى لم يجعل لأحد إلى سِرِّه سبيلاً حتى أبو بكر رضي الله عنه لم يعرفْ من الأمر إلا قليلاً واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خُطَّة أحبطت مُؤامرتهم بفضل ما أحاطها من التكتم، يروى عن فردريك الأكبر أنَّه قال: (لو داخلني الظن بأن ردائي يعلم بخططي لحرقته) فأنت ترى أن تكتُّم الخطط والتصميمات والاستعدادات للمعركة أمور كانت ولا تزال ضرورية لضمان النجاح، و لتضليل جواسيس العدو تذاع بين الجنود أوامر لا أصل لها من الحقيقة.
التضليل والتمويه:

سلكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هجرته طرقاً غير مألوفة وخرج إلى سفره في موعد غير مألوف، وأراد أن يُمَوِّه على عدوه فأمر علياً بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يَلبس بردة خضراء، وأن ينام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليظنَّ فتية قريش أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال نائماً في فراشه وقد عُني النبي صلى الله عليه وسلم بإتمام هذه الخدعة فتكتم فنجحت أيما نجاح وتمكن من الهجرة إلى المدينة سالماً.
السلامة:

واختبأ النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه في غار ثور وأمسك أبو بكر أنفاسه وبقي لا حراك به عندما سمع أحد فتيان قريش يسأل أحد الرعاة عنه وعن صاحبه، وكان محمد صلى الله عليه وسلم وقتئذ يُوالي الصلاة بكل هدوء وسكون مما يدل على ثقته العظمى في الله تعالى، وفي نفسه، فالاختباء والتمويه الطبيعي الذي وجد على باب غار ثور والصمت والحرص والحذر كل ذلك من الوسائل الحديثة لخداع العدو والمكر به، وعندما عادت الرسل التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم قبيل موقعة أحد وأخبرت بأنَّ قريشاً اقتربوا من أبواب المدينة وكان ذلك ليلاً اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الحال إجراءات وقاية جنوده أثناء الليل حتى لا يَستطيع العدو مُفاجأتهم ليلاً، وفي موقعة أحدٍ رأى النبي صلى الله عليه وسلم بثاقبِ فكره أنَّ ثغرة في الجبل قد يحاول العدو أن يفاجئه بالوثوب عليه منها فأمر خمسين من الرماة من رجاله أن يحموا هذه الثغرة وأن يراقبوا العدو منها عن كثب.
قال فردريك (من المغتفر أن تقر ولكن ليس من المغتفر أن تباغت)، ولقد كان أول ما يُعنى به نابليون ويعيره اهتمامه الأكبر هو سلامة قواته وحمايتها واتخاذ الاحتياطات اللازمة ضد مُباغتتها، وهذا ما كان يُلاحظه النبي عليه الصلاة والسلام في حروبه بل إنه كان يعنى أيضاً بسلامة الروح المعنوية في جنوده حتى لا تتزعزع وتفقد ثقتها في القائد.
العمليات الليلية:

لقد كان للعمليات الليلية أهميتها في حروب النبي عليه الصلاة والسلام فقد اتصل به بعد غزوة أحد أنَّ طليحة وسلمة ابني خويلد وكانا على رأس بني أسد يحرِّضان قومهما على مُهاجمة المدينة والسير إلى محمد في عُقر داره، فما لبث أن علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حتى أرسل إليهم سريَّةً من رجاله وأمرهم بالسير ليلاً والاختفاء نهاراً وسلوك طريق غير مطروقة حتى لا يطلع أحدٌ على خبرهم فيفاجئوا العدو بالإغارة عليه على غرَّة منه.
ونحن نرى أنَّ معظم العمليات في الحروب تجري ليلاً حيث يمكن الحصول على ميزتي التكتُّم والمفاجأة وقد استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في حروبه قبل أن تُعرف آلات الرصد للمحافظة على الاتجاه وقبل أن يُبتكر الدخان الذي يُستعمل الآن لإخفاء الحركات قصد المفاجأة.
التحصين للدفاع:

ولما أراد اليهود أن يؤلِّبوا سائر العرب على المسلمين ويحرِّضوهم على الأخذ بثأرهم من محمد صلى الله عليه وسلم اتفق اليهود وقريش وعلى رأسهم أبو سفيان حتى صاروا عشرة آلاف رجل ساروا جميعاً قاصدين المدينة، واتصل نبأ هذا السير بمحمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه في المدينة فقرَّ قرارُهم على التحصن (بيثرب) فحفروا خَندقاً عميقاً حول المدينة اشترك النبي صلى الله عليه وسلم نفسه في حفره، الأمر الذي ضاعف جُهد المسلمين في الحفر حتى تمَّ ذلك في ستة أيام، كما حُصِّنت جدران المنازل التي تواجه اتجاه العدو والتي بينها وبين الخندق نحو فرسخين، وجيء بالنساء والأطفال إلى هذه المنازل التي حُصِّنت ووضعت الأحجار إلى جانب الخندق من ناحية المدينة لتكون سلاحاً تُرمى به عند الحاجة إليه، فدهشت قريش لهذه الخطة، وكان الخندق مُفاجأة عظيمة لها إذ لم تكن تتوقَّع هذا النوع من أساليب الدفاع، وحاولت عبثاً اجتيازه فلم تتمكن.
وفي الحروب الحديثة يلعب الموقع الدفاعي دوراً تزداد أهميته بالنسبة للقوة العظيمة التي أودعتها التسليحات الحديثة في الدفاع، فالنبي صلى الله عليه وسلم باتخاذه ذلك الموقع الدفاعي إنما كان يدعو العدو لمهاجمة موقع أحسن النبي صلى الله عليه وسلم اختياره، وبعد إنهاك قوَّة العدو وتوقيف اقتحامه يتحوَّل القائد من الدفاع إلى الهجوم، وأخيراً يتغلَّب عليه بهجمة مُضادة قوية.
المبادأة، المباغتة، الوقاية:

عندما كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام بالمدينة اتصل به أنَّ جماعة من أهل نجد يستعدون لمهاجمته وكانت خطته أن يأخذ عدوه على غرَّة، وألا يدع له الفرصة للاستعداد، لذلك خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع رجاله حتى نزل أرض العدو مُهاجماً مساكنهم (ذات الرقاع)، فلما رأوه مُفاجئاً تفرَّقوا تاركين وراءهم نساؤهم ومَتَاعهم، ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم أدراجه إلى المدينة، ولكنهم خافوا رجعة العدو عليهم فتناوبوا الحراسة ليل نهار فكان جماعة منهم يَسهرون لمراقبة العدو في حين يصلي الآخرون مع محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخيراً جاءت الغزوة الكبرى والموقعة العظمى وهي أكبر موقعة في تاريخ الإسلام، وهي فتح مكة، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ألا يترك الفرصة لقريش حتى يتجهَّزوا للقائه بعد أن عَلِموا بعزمه على فتح مكة فعمل على أن يُفاجئ العدو حتى يسلم من غير أن تُراق الدماء، وهذا ما حدث في الحرب الحالية، ذلك بأن تضع عدوك أمام أمر واقع لا يستطيع فيه إلا التسليم، فعمل النبي صلى الله عليه وسلم سراً على التجهز، فجهَّز جيشه بما لم يسبق أن جُهِّز به جيش من قبل عَدَداً وعُدَداً، وكلهم ممتلئ النفس ثقة بالنصر، ثم تحرَّكوا بقيادة محمد صلى الله عليه وسلم وكل تفكيرهم ألا يهراق قطرة دم واحدة..
كان المبدأ الذي قرَّره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتأهَّب وأن يكون على حذر وأن يفاجئ العدو، وأن يعدَّ عُدَّتَه ويحتاط لكل دقيقة وجليلة واستخدم الحيلة في تنفيذ فكرته، فأمر بأن يحبس أبو سفيان بمضيق الوادي من مدخل الجبل إلى مكة حتى تمرَّ به جنود المسلمين فيراها أبو سفيان ويرى عَددها وعُددها وعندئذ يطلق سراحه ليتقدَّم الجيش ويذهب مُسرعاً إلى قريش فيحدث قومه عن قوَّة جيوش محمد، وفعلاً مرَّت القبائل بأبي سفيان فراعه قوتها وكثرتها ثم انطلق إلى قومه يصيح فيهم بأعلى صوته: (هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به) فكان ذلك سبباً لعدم مقاومة قريش لطلائع جنود النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن محمداً صلى الله عليه وسلم ظلَّ متخذاً حِذْرَه فقد أمر بأن يفرَّق الجيش إلى أربع فِرَق وأمرها جميعاً ألا تسفك دماً إلا إذا أُكرهت على ذلك إكراهاً، وجعل جيشاً للجناح الأيسر على أن يدخل مكة من شمالها، وجيشاً للجناح الأيمن على أن يدخلها من جنوبها، وثالثاً ليدخلها من الغرب، ورابعاً ليدخلها من الشرق، فدخلت الجيوش مكة فلم تلق مقاومة إلا قليلاً وبذلك تم فتح مكة فكان أول عمل للنبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن أصدرَ عفواً عاماً عن قريش وعن أهل مكة جميعاً.
قال الجنرال أستون جاكسون (هناك مبدأ هام من مَبادئ الحرب يُعتبر أساس وعماد جميع الوسائل الاستراتيجية التي تؤثر تأثيراً تاماً ومُباشراً على الروح المعنوية وهو: (اخدع – ضَلِّل – باغت عدوَّك) وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يتَّخذ أسباب النصر في حروبه وغزواته، وفضلاً عن ذلك فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحشد أعظم قوة من قواته ضد غرض واحد، وهذا ما يعبَّر عنه في الحروب الحديثة بمبدأ (ادخار القوى) أي: اجتناب التوزيع بلا مُبَرِّر.
حسن القيادة، الشورى، الاعتزاز بالنفس والثقة بالنصر:

عندما عادت الرسل التي أرسلها النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبيل موقعة (أحد) أخذ عليه الصلاة والسلام في استشارة كبار المسلمين في المدينة عن الطريقة التي يلقون بها عدوهم فقرَّ قرارُهم على أن يتَّخذوا خطَّة الدفاع عن المدينة غير أنَّ فتياناً ذوي حميَّة من القوم قالوا إنَّ الدفاع قد يَعتبره العدوُّ جُبناً عن لقائهم، وأحبوا الخروج إلى العدو ومُلاقاته خارج البلدة، ولقد هزَّ حديث الشجاعة والاستشهاد قلوب الجميع في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام فلم يبقَ وقتئذ أمام الجمع الماثل في حضرته إلا صورة الظفر بهذا العدو، والانتصار عليه، فلما ظهرت الكثرة واضحة في جانب الذين يقولون بالخروج إلى العدو ومُلاقاته لم يكن لمحمد صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزل على رأيهم وقد كانت الشورى أساس نظامه، ثم دخل بيته ولم يلبث إلا قليلاً حتى عاد لابساً دِرْعَه مُتقلِّداً سيفه، ثم سار والمسلمون خلفه حتى بلغوا جبل (أُحُد).
وأخيراً:

نحن لا ننكر أنَّ أساليب الحرب في تطور مُطَّرد وكلما استجدَّ سلاحٌ حديث تبدَّلت أساليب القتال وطرقه، وأنَّ النجاح مضمون للجيش الذي يُبادر إلى تتبع خُطى التطوُّر الفني قبل حلوله ومُداومة البحث والتفكير والابتكار والمبادأة.
نحن نؤمن بذلك كله ونُسلِّم به، ولكننا نود أن يعلم الناس أنَّ مبادئ الحرب المعروفة لرجال الحرب الآن هي نفس المبادئ التي استُخدمت في حروب النبي عليه الصلاة والسلام رغم تباعد الأجيال وطول الزمان، مما يدلُّ على أنَّ أساليب القتال ومبادئ الحرب يَرجع تاريخها إلى أول عصور الحضارة القديمة، وأنَّ هذه الأساليب والمبادئ بدأت مع الحضارة الإنسانية وازدهرت معها كباقي الفنون، غير أنَّ الأساليب تطوَّرت بسبب الاختراعات الحديثة وتجارب الحروب المتوالية فازدادت على مرِّ الزمان نهوضاً وازدهاراً.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المصدر: (مجلة منبر الإسلام - السنة الخامسة، رمضان 1367 - المجلد 5).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 90.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 89.10 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.90%)]