|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
حديث نفس عن الواردات محمد شفيق ليس أصعب على العبد من ذنب يعاوده مرة تِلْوَ الأخرى، فيتمكَّن منه تمكُّن النار من الهشيم، يدرج عليه ويشب، حتى يصير من عوائد أيامه وساعاته، يجرؤ على إتيانه خاليًا بينه وبين نفسه، لا يطالعه في ذلك أحد إلا من لا تخفى عليه خفايا الأمور، فيصير من المعذّرين الذين يئسوا من الفكاك من بلواهم المستشرية في جميع كيانهم، وهو في استسلامه لعادته، في هلاك وانجراف إلى خسران مبين، إي والله، إن الخسران أن يقف على بابك ميقات الأجل وحالك يائس من التغيير،فيأسره القدر بلا دليل براءة، وآثار جرمه قد أمكنت منه وتمكَّنت، لا ينفع حينها اعترافه، تحصيل حاصل، تكشفك وتسلط الأضواء عليك، فإن عين الله كانت قبل ذلك ترصد خفايا هتك ستره عليك. إن السؤال المحير الذي أذهل العقول: ما هذا الذي دفع الإنسان إلى أن يخضع لتمكُّن الذنب منه ويصير في قبضته منقادًا خاضعًا هينًا لا يرجو الفكاك منه قطعًا؟! أي وادٍ سحيق يستوعب هذه الحشود الهلكى من البشرية من شدة تمكُّن عاداتهم من رقابهم الخاضعة؟! ما حمل فريقًا كبيرًا من البشر على الوقوع في هذا المنزلق. إن العبد إذا انكشف أمام محكمة العدل الإلهية، دار مسلسل أحداث ذنبه لحظة انكشافه ومثوله، وانفرطت آماله في لحظة استسلام مخزية. لقد تذكر تلك اللحظة العابرة، لما زاره خاطر إتيان الذنب أول مرة، كان حينها صفحة بيضاء كالثلج، لم تكن إلا واردًا من واردات النفس، المستلهمة من مشاهدات الواقع، ومن وساوس الشيطان التي تستل مسامعه خلسة وعلى حين غرَّة. ظل ينصت لكل تلك الواردات، ويسترسل مع كل تلك المرئيات، فتنطبع كلها على قلبه شيئًا فشيئًا، وجد لها أُنْسًا ومُتْعةً في قرارات نفسه. توالت الأيام فتولَّدت في نفسه الحاجة إلى معاودة الوارد؛ لأن صدى الواردات أصبح يتردد ويلحُّ في الطلب، وصور شتى أصبحت تتزاحم وتتمثل في مشاهد خيالية تمسك بتلابيب تفكيره، أصبح مضطربًا على غير عادته، لم يعد له من اتِّزان ومن مروءةٍ تحفظ له وقاره ونُبْله وفطرته السليمة، ظهرت عليه سيمات الخطيئة الأولى، فقد انطفأ نور الهداية في قلبه، وحلَّ مكانه زيغ بصيرة وتَولُّد نفس خبيثة. دُفعات من قرارات مخطئة أصبحت جاهزة في قلبه،على وشك أن تُنَفَّذ إن باغتَتْه لحظة اختلاء أو استفراد، أصبح وحشًا ضاريًا يتربص ويتحيَّن الفرص، لكنه يحاول أن يظهر السمت الحسن، فبقايا تعاليم سابقة، ووخز من ضمير، وهول الفضيحة لا يطاوعانه أن يجاهر بذنبه، وأن يجرؤ على إتيانه،ظلَّ متخفيًا حين إتيانه جرمه المعهود، وأُسِر وظلَّ قيد الأسر ردحًا من الزمن، لا يستطيع كسر الأغلال التي أحكمت السيطرة عليه، وألزمته الخضوع لفاحشته. إن مثوله، وهو يحمل فوق كاهله لحظات إجرامه متراكمة كالطود العظيم، لهي أشدُّ وأرعب من مدافعة الذنب قبل المثول، وإن ربًّا كان لا يُعبأ بمعيته أجدر أن ينساك في موقفكهذا وقد رصدتك معاينة الخلق كلهم. لما كان جالسًا يومًا من أيام عمره، وحضره هذا التمثُّل وهذا الواقع المفترض لمثوله، قرر أن يجد لنفسه مخرجًا وانعتاقًا من معضلته هاته، وامتنع أن يسمح لنفسه أن تجره إلى حتفه. لحُسْن حظه أن تلك التعاليم التي تلقَّاها في صغره وفي فترة من فتراته الزاهية، ظلَّ لها موقع في قلبه على قلتها وإن كانت منغلقة على نفسها، متطرفة إلى أبعد عمق في صميمه، لكن لها وزن وصدًى يتردَّد من حين لآخر، والتذكر يؤرقه كلما تذكَّر، هذه المرة كانت جلسته أكثر إمعانًا مع نفسه، وأكثر نفاذًا إلى موقع ضعفه، جلس يتأمل في مرضه العضال، لم يكتفِ بأن ينصت لتوجيهات الضمير ومواعظه، عرف نفسه أنه ليس ذاك الذي يرقُّ قلبه فيقلب واقعه رأسًا على عقب، أدرك جيدًا أن تلك الجرعات من الندم لم تعد تجدي وحدها، ولم يعد لها من أثر إلا أن تزيده كآبةً وجلدًا لنفسه المقهورة، أراد فيما أراده في هاته اللحظة على وجه الخصوص أن يضع نفسه أمام أداة التشريح، بلا تخدير ولا مماهاة مع ضميره المؤنب؛ لأنه بلغ من النضج والاستشعار بالخطر أقصى مبلغ. لما استعرض تاريخ جرمه، سقطت على حافظته فكرة، فأمسك بشعرة من شراك قيده، علَّه ينكثه في هذه اللحظة المصيرية الفاصلة. قال بينه وبين نفسه، ألست كنت في وادٍ وأصبحت في وادٍ؟ أي مفترق طريق أرغمني على هذا المنقلب، عاد بفكره في تأنٍّ وإمعان، حتى لا يغيب عنه هذا الخاطر الرفيع في دقته، فالتقطه كما يُلتقَط الخيط؛ إذ يكاد ينفلت من عين إبرة في يد من ضعف لديه البصر. أمسكه، وضعه نصب عينيه، هو ذاك الذي أورده المهالك، إنه الوارد الذي كان يصغي إليه، ردده في قرارة نفسه غير ما مرة حتى يحفز ذاكرته التي أتعبها النسيان والغفلة، وضعه في باب أولوياته ثم أودعه في أقصى درجات الطوارئ، قرر يومها أن يرفع من درجة الاستشعار القلبي. حتمًا إن الواردات التي تتسلَّل إلى قرارات أنفسنا تصنع أفعالنا المستقبلية، فمتى تردَّد الخاطر في داخلك فإنه حتمًا سيقتلع قناعاتك في يوم من الأيام، وينشئ محلها قناعات أخرى فاسدة، وينتحي بك إلى شخص على النقيض تمامًا من شخصك الأصيل ذي الفطرة النقية. هو الآن يترنح في مكانه يريد أن يصفو من درنه، يريد أن يميط عنه ما علق به من شوائب الغفلة التي أغرقته بوابل من العادات بنات الواردات والخواطر. فكَّرَ وقدَّر، وأرسل بفكره واستبصر، فراح بمِعْوَل الندم يهدم كل ما تقرَّر وتجذر. لم يعد يقبل أن يكون مَنْفذًا لكل من وساوس اللحظات والدقائق والساعات، لكن وجد في ذلك جهدًا جهيدًا أن يبعد عن نفسه إلحاح العوائد، ضرب من واقع، محال دوامه؛ لأن النفس تنكث عهدها إذا نشأ لديها ما يذكرها من سموم الخواطر. خلص ألا يكتفي أن يغرق في بحر الندم ويصارع وابل الواردات والخواطر، ولكن عاد إلى أُمِّ البدايات لديه، تلك البدايات المشرقة، فانشغل بما صلح به أصله في مهد تكليفه. أيقن أن جملة من الأفعال الخيرة لديه، كان لا يتوانى عن فعلها، وعديد منها كانت طقسًا من طقوس حياته، هي الآن أصبحت في عداد الذكرى، قرر أن يستعيد عاداته الثمينة التي سرقت منه على حين غفلة، تلك انسلخ منها زمنًا طويلًا، فيحييها ويعيدها إلى رفوف حياته اليومية. زاد عليها وزينها بأن تحلى بجواهر الصالحين، أول مرة يتذوق من ذاك المعين، استعذب صفاء الروح وخلاءها من المدنسات، لقد حلت محلها إشراقات إيمانية، لا يلجأ إليها إلا كلما وقف على مشارف بحر الخيرين الصالحين، أنس بها أن توجد بين هواجس أيامه وانشغالاته اليومية، انقاد إليها، ومضى يعرج إلى الرضا، ويخفف مما علق من وطء مكر الليل والنهار، ومما تحصل من قناعات المشوبة، وكلما غابت عنه تلك الإشراقات، هرع إلى محراب الصالحين يلتمس عذوبته ليأنس بها مرة أخرى. نعم، إن مواجهة العدوِّ ليست أنجع بالمدافعة وحدها، وإن ضعفت الوسائل لا بُدَّ من أخذ البوادر ومباغتة العدوِّ، والإجهاز عليه بما أوتي الإنسان من طاقته الكامنة في دواخله، والتي ولدتها توالي إلحاحات النفس اللوَّامة، التي لا تبرح المرء إذا ما تمرَّد على عاداته الجارفة.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |