الموت واعظ بليغ ومعلم حكيم - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إعانة الفقيه بتيسير مسائل ابن قاسم وشروحه وحواشيه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 114 - عددالزوار : 38341 )           »          خصوصية الأمة المحمدية بيوم الجمعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          وصايا مع اقتراب شهر شعبان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          المرأةُ بين إنصاف الإسلام وإجحاف الغرب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          كل يوم ١٠٠٠ حسنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          العافية النعمة التي يغفل عنها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          احذر من الرغبة في أن تُعظَّم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الأثر المفقود (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          المفاخرة بالانشغال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          القلق المجهول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصور والغرائب والقصص > ملتقى القصة والعبرة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-01-2026, 04:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,135
الدولة : Egypt
افتراضي الموت واعظ بليغ ومعلم حكيم

الموت واعظ بليغ ومعلم حكيم

أ. د. حلمي عبدالحكيم الفقي


الموت مصيبة عظمى، وداهية كبرى، بل هو مصيبة المصائب، وداهية الدواهي، فقد نعته الحق جل جلاله بالمصيبة؛ قال تعالى: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ﴾ [المائدة: 106].

والمصيبة هي النازلة الكبرى، والكارثة العظمى، فالموت شدة خطيرة، وطامة عظيمة، لا يعرفها إلا من ذاقها، فإذا كان الموت مصيبة في حساب الخالق، فكيف يكون في حساب المخلوق؟!

والحقيقة أن الموت مدرسة هائلة، ومُعَلِّم عظيم، ومرشد كبير، والموت هو الواعظ الحكيم، والعبرة الخطيرة، والموعظة البليغة التي نراها بأعيننا ليلَ نهارَ، وصباحَ مساءَ، تهتف في جنبات الوجود، وتدوي في آفاق السماء، وتصدح في أصقاع الأرض، أن استيقظوا من سباتكم، وانتبهوا من غفلتكم، وأطيعوا ربكم، وانتهوا عن غيِّكم، ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].

وفي كل لحظة من ليل أو نهار نرى أناسًا يفارقون الحياة، ويدخلون القبر، ولا يعودون إلى هذه الحياة للأبد، وكأن الموت ينادي في البشرية كلها، ويسمع كلماته للوجود كله، إن لي فيكم عودة بعد عودة، وكرة بعد أخرى، حتى أحصد أرواحكم، وأنهي أعماركم، صغيركم وكبيركم، صحيحكم ومريضكم، ولن يبقى في هذا الوجود إلا ربُّ الوجود، فكل مَن عليها فانٍ، ولن يبقى إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام.

فلهذا كان الموت مدرسة لا نظير لها، وجامعة لا شبيه لها، تعلم المؤمن نفائس غاليات، وحكمًا رفيعات، ومنها:
أن الله هو المحيي المميت، وهو حي قيوم لا يموت، فهو وحده القائم بأمر الوجود، صغار المهام وكبارها، وهو وحده من يملك الإحياء والإماتة، فالإحياء فضل، والإماتة عدل، وفي كل لحظة من لحظات الحياة، إماتة لملايين الأحياء، وإحياء لملايين غيرها، تشهد في نفس اللحظة بدء مسيرة الحياة، ونشهد بأعيننا في كل لحظة رب الوجود وهو يميت شبابًا أقوياء، ويحيي شيوخًا عجائز إلى حين من الدهر، فهو وحده جَلَّ جلاله من يملك الإحياء والإماتة، فهذه حقيقة إيمانية لا يشك فيها مؤمن، فبهذا قضى الخالق تبارك وتعالى في الأزل، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾ [النجم: 44].

مدرسة الموت هي السيف القاتل للتسويف الفاضح، الذي أودى بالجماهير العريضة من البشرية الغافلة، والإنسانية اللاعبة إلى الأودية السحيقة في نار الجحيم، فمن وعى الدرس العظيم للواعظ الصامت الحكيم في مدرسة الموت العابرة للحدود، وللزمان وللمكان فعليه أن ينفض عن كاهله غبار الغفلة، وينزع من روحه جذور الكسل التي تنشب بمخالبها القوية في أقطار النفس البشرية، فتصدّها عن إصلاح نفسها، وتطهير قلبها، ومدرسة الموت تحض الإنسان العاقل على المسارعة بالتوبة إلى ربِّه، ومحاسبة نفسه، ومعاتبتها، ومعاقبتها على كسلها وفتورها، وتسويفها للتوبة، قبل أن يصرعها الموت الذي يهجم فجأة دون سابق إنذار، على الصغير والكبير، والصحيح والمريض، والوزير والغفير، والرئيس والمرؤوس، والغني والفقير، والحقير والخطير.

مدرسة الموت تبعث في السالكين إلى مرضاة رب العالمين، الطمعَ في رحمته، والخوفَ من عذابه، وتحطم فيهم اليأس، وتزرع في قلوبهم الأمل، فكم شاهدنا من صالح كانت خاتمته الفسق والفجور، وكم من فاجر فاسق تاب إلى ربِّه، وعاد إلى رشده، فكانت خاتمته على الصراط المستقيم، على درب المهتدين، وطريق المصلحين، فهذا أبو سفيان بن حرب، عاش جُلَّ عمره خَصْمًا عنيفًا، وقائدًا كبيرًا في محاربة الإسلام والمسلمين، وحارب الحق دهرًا طويلًا، وناصر الكفر عمرًا مديدًا، ثم كانت خاتمته على البر والتقوى، والجهاد في سبيل الله، ومقارعة أعداء الله، وهذا أبو طالب عمُّ النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قضى عمره كله مدافعًا عن الحق وأهله، وبذل في ذلك النفائس الغوالي، والأيام الخوالي، ثم كانت خاتمته على الكفر والعياذ بالله تعالى، فهذه واحدة من العظات البليغة التي تُعلِّمُها مدرسة الموت للناس كافة، وللمسلمين خاصة، لا تفقدوا الأمل في رحمة ربكم، ومغفرة خالقكم، الحنان المنَّان، الغفور الرحيم، البر التواب، وقد رأيتم رجلًا من بني إسرائيل قتل مائة نفس ثم تاب إلى ربِّه، فتاب الله عليه، لكن في الوقت نفسه احذروا أن يصرعكم الموت في لحظة لم تتوقعوها، ودقيقة لم تحسبوا حسابها، فبادروا بالتوبة إلى ربكم، وسارعوا بالعودة إلى رحابه، والاعتصام بجنابه، قبل أن يأتيكم الموت بغتةً وهو آتٍ لا محالة.

لكن لتعامل الناس مع الموت مشارب مختلفة، ومسالك متباينة، ففي الناس جماعات عريضة، وجماهير كبيرة تتعامل مع الموت ببرود وغفلة، وكأنهم ضمنوا الفوز بالجنان، ورضا الرحمن، ولم يقدموا للجنة ثمنًا، وكأنها سلعة رخيصة، مهرها الكسل، وثمنها الفشل في إصلاح النفس ودعوة الغير إلى المنهاج الحق المبين، فلم يعرفوا من الدين إلا أن الله غفور رحيم، وأن رحمة الله وسعت كل شيء، ((وأن الله عز وجل جعل الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه))؛ رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا حديث صحيح لا شك في ذلك، لكنه يبعث الأمل في نفوس المذنبين على التوبة والندم على ما فات، وإصلاح ما هو آتٍ بهمة راقية، وعزيمة عالية، والحديث يشعل العزيمة في القلوب الغافلة، ليكون باعثًا حثيثًا على إحسان العمل، والمسارعة إلى فعل الخيرات، وترك المنكرات، أما الكسالى والمهملون الذين يقعدون عن العمل، ويرجون منازل المجاهدين، زاعمين أن رحمة الله وسعت كل شيء، فهذا مسلك وبيل، وشر مستطير، وهذا ظن ساذج، ووهم ساقط، فمن أحسن الظن، لا بد أن يحسن العمل.

وأغبى الناس من يتعلم من مدرسة الموت المسارعة إلى التمتُّع بالملذَّات، واكتناز الطيبات، وتحصيل أكبر قدر من متاع الحياة، قبل أن يفاجئهم الموت، ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ [الجاثية: 24].

وما علم هؤلاء المساكين أنهم لو نهبوا الدنيا بكل ما فيها من مال وصحة وجاه، وسلطان، ما نفعهم من ذلك شيء، وأن هذه الحياة بكل ما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

وأخيرًا:
إن أذكياء الخلق، وفطناء البشر، يتخذون من مدرسة الموت حماسة تشعل عزائمهم، ووقودًا يلهب همتهم، فيبادرون إلى إصلاح قلوبهم، وتزكية نفوسهم، ويسارعون إلى عمل الصالحات، وهجر السيئات، ودعوة غيرهم إلى منهاج ربهم، والأخذ بيد الإنسانية إلى الهداية والرشاد، والتوفيق والسداد.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 49.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.32 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (3.34%)]