التمكين وريادة الأعمال .. الشباب والمستقبل الاقتصادي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         فيسبوك يستخدم الصور الموجودة فى هاتفك لتدريب الذكاء الاصطناعي **** ai (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          احذر التطبيقات المزيفة.. كيف تكتشفها قبل أن تخترق هاتفك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          حيل بسيطة لتسريع جهاز الكمبيوتر دون الحاجة إلى دفع تكاليف التحديثات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          مستخدمو آيفون لن يحتاجوا إلى كمبيوتر لاستعادة أجهزتهم مع تحديث iOS 26 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          وداعًا للشاشة الزرقاء.. مايكروسوفت تُوقف خطأ ويندوز الشهير بعد 40 عامًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          واتساب يتيح تعيين نغمات إشعارات لجهات الاتصال.. خطوات التفعيل بأندرويد وآيفون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          ميزة الترجمة الفورية فى تطبيق Gemini Live متاحة الآن لجميع المستخدمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          للطلاب.. كيف تستخدم ChatGPT باحترافية لإنجاز مهام دراستك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          واتساب يستخدم الذكاء الاصطناعي لتلخيص رسائلك: كيف يعمل وماذا يعني ذلك لخصوصيتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          جوجل تضيف خيار نقل شريط العنوان إلى أسفل الشاشة فى متصفح Chrome على أندرويد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى التنمية البشرية وعلم النفس
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى التنمية البشرية وعلم النفس ملتقى يختص بالتنمية البشرية والمهارات العقلية وإدارة الأعمال وتطوير الذات

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 01-01-2026, 04:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,117
الدولة : Egypt
افتراضي التمكين وريادة الأعمال .. الشباب والمستقبل الاقتصادي




التمكين وريادة الأعمال .. الشباب والمستقبل الاقتصادي


  • تؤكد الرؤية الاقتصادية الإسلامية أن تمكين الشباب اقتصاديا لا يقتصر على توفير فرص العمل فحسب بل يشمل بناء شخصية اقتصادية متكاملة تقوم على القيم الشرعية
  • الكسب الحلال يعزز المسؤولية ويغرس قيم الالتزام والاجتهاد ويعود بالنفع على الفرد والمجتمع معًا
  • الإسلام يرفع من شأن العمل والكسب الحلال ويقرنه بالعبادة ما يجعل السعي المشروع من أهم وسائل تحقيق الاستقلالية والاعتماد على النفس لدى الشباب
  • على الشباب ألا ينساقوا وراء إغراء الاستهلاك وضغط المقارنة بالآخرين وضبابية الرؤية تجاه المستقبل المهني
  • توجيه المال الحلال في مشروعات مفيدة وتطبيق قواعد الإنفاق والادخار والاستثمار وفق الشريعة يحقق النمو المالي المستدام ويعزز التكافل الاجتماعي
  • التقلبات الاقتصادية العالمية تتطلب من الشباب المرونة والابتكار وتطبيق رؤية اقتصادية إسلامية متوازنة
  • المبادرة والابتكار في مشاريع مفيدة تتيح للشباب فرصًا لتحقيق الاستقلال المالي والاجتماعي وتعد وسيلة لتنمية المجتمع بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية
  • يؤدي الركود الاقتصادي وضعف التنمية الاجتماعية إلى فقدان المجتمع لكفاءاته المتميزة إذ يفتقر الشباب الموهوبون إلى الفرص المناسبة لتطبيق معارفهم ومهاراتهم
  • الاقتصاد في المنظور الإسلامي ليس أرقامًا وأرباحًا فقط بل هو جزء من منظومة قيمية تسعى إلى تحقيق العدل والتكافل وحفظ كرامة الإنسان
يواجه العالم المعاصر تحديات اقتصادية متسارعة، تتجلى في ارتفاع نسب البطالة، وتقلّص فرص العمل التقليدية، وتنامي الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، وهو ما ينعكس بآثارٍ سلبية مباشرة على فئة الشباب بوصفها الشريحة الأوسع والأكثر حيوية في المجتمعات، وفي واقعنا المعاصر تبرز إشكالية التوفيق بين متطلبات الواقع الاقتصادي الحديث، والالتزام بالضوابط الشرعية في الكسب والعمل، ومن هنا تبرز أهمية دراسة موقع الشباب في الرؤية الاقتصادية الإسلامية، وبيان مفهوم العمل الحلال وأهميته، وتسليط الضوء على ريادة الأعمال باعتبارها خيارًا استراتيجيًا وشرعيًا لبناء المستقبل الاقتصادي للشباب.
أولاً: مفهوم العمل والكسب في الإسلام
أعلى الإسلامُ من شأنِ العملِ والكسبِ الحلال، ورتَّب عليهما الثوابَ والأجرَ، ويعدُّ الكسب الحلال من أعظم نعم الله على الإنسان، وهو الطريق الأمثل للعيش الكريم والبركة في المال؛ فقد أمر الله عباده بالحرص على الكسب المشروع، ونهى عن أكل الحرام، فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} (النساء: 29)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أكل أحد طعامًا قطّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده».،وسئل رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أيُّ الكسبِ أطيبُ؟ قالَ: «عملُ الرجلِ بيدِه وكلُ بيعٍ مبرورٍ»، وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يأخذ أحدُكم أحبُلَهُ فيأتي الجبلَ، فيجيءَ بحُزمةٍ من حطبٍ على ظهرٍ، فيبيعَها فيستغنيَ بثمنِها، خيرُ له من أن يسألَ الناسَ أعطَوه أو منعُوه»، ومرَّ رجلٌ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فرأى أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من جَلَدِهِ ونشاطِه ما رأوا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كانَ هذا في سبيلِ اللهِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إن كانَ خرجَ يسعى على ولدِه صغارًا فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كانَ خرجَ يسعى على أبوينِ شيخينِ كبيرينِ فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كانَ خرجَ يسعى على نفسِه يعُفّها فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كانَ خرجَ يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ»، وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»، فأمر - صلى الله عليه وسلم - بالحرص على ما ينفع، والمكاسب والأعمال لا تحصى، يجمعها كل عمل مباح، وكل كسب مباح؛ ينفع الناس، وينفع المسلمين، وينفع العباد.
ثانيًا: ضوابط الكسب الحلال
تتمحور ضوابط الكسب الحلال في الإسلام حول أن يكون العمل والمال مشروعين، بعيدين عن التحريم والضرر بالآخرين، وتتضمن اجتناب الربا والغش والاحتكار والتطفيف، والبعد عن المحرمات كالخمر والمخدرات، مع التأكيد على الإتقان وإخلاص النية، وتجنب الخلوة المحرمة والتخلي عن الفرائض، ويتطلب الكسب الحلال التفقه في الدين لضمان عدم الوقوع في الحرام، مع التركيز على المنافسة الشريفة والتعاون، وهذه بعض الضوابط الأساسية للكسب الحلال:
  • مشروعية مصدر المال: يجب أن يكون مصدر المال من الأعمال المباحة، بعيدًا عن الربا، والسرقة، والغش، والمقامرة، وكل ما حرمه الشرع- قال -تعالى-: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} (المائدة: 88)، هذه الآية تجمع بين الحلال والطيّب، أي أن المال ليس مجرد شرعيته وحدها، بل يجب أن يكون طيبًا في مصدره ووسيلته، خاليًا من الغش والظلم والحرام.
  • النية الطيّبة في الكسب: ينبغي أن يكون الكسب لطلب الرزق الحلال ونفع الأسرة والمجتمع، لا للترف أو الاستغلال، قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: « إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى«
  • العدل والصدق في التعامل: الالتزام بالحق والعدل في البيع والشراء، وعدم التلاعب أو الغش، أو إخفاء عيب في السلعة، قال -صلى الله عليه وسلم -: «من غش فليس منا».
  • الابتعاد عن أكل أموال الناس بالباطل: الكسب الحلال يبتعد عن الظلم والحرام، ويحرص على عدم التعدي على حقوق الآخرين، بما في ذلك الرشوة والاستغلال أو الغش المالي، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (النساء: 29).
  • الاستثمار فيما ينفع ولا يضر: يجب أن يوجَّه المال الحلال في مسارات شرعية ومفيدة، تنعكس على الفرد والمجتمع بالنفع، كالتجارة المشروعة، والزراعة، والخدمات، ونشر العلم، كما يحرم شرعاً استثمار المال فيما يضر، سواء كان ضرراً مباشراً للفرد (كالميسِر والقمار) أو للمجتمع: (كالرّبا، والتجارة بالمحرّمات كالخمور والمخدرات، أو الغش والاحتكار).
ثالثًا: الشباب في الرؤية الاقتصادية الإسلامية
يعد الشباب عماد الأمَّة ومستقبلها، وركيزة أساسية في تحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية، وقد جاء الإسلام ليؤكد أهمية تمكين الشباب اقتصاديًا، وحثهم على العمل الصالح والكسب الحلال، وتنمية قدراتهم ومواهبهم بما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، ويحقق التوازن بين الطموح الشخصي والمصلحة العامة.
قيمة العمل في حياة الشباب
يُعدّ العمل من أهم مقومات بناء شخصية الشباب في الرؤية الاقتصادية الإسلامية؛ فهو يمنحهم استقلاليتهم ويكسبهم الاعتماد على النفس، ويزيد من كرامتهم وبركة رزقهم، وقد شدّد القرآن الكريم على أهمية الاجتهاد في طلب الرزق مع الالتزام بضوابط الشرع، فقال -تعالى-: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك: 15)، فالعمل يغرس في الشباب قيم المسؤولية والصبر والاجتهاد، ويُنمّي قدراتهم على مواجهة التحديات الاقتصادية، ويعزز دورهم في خدمة أسرهم ومجتمعهم، كما يمتد أثر العمل الحلال إلى النفع العام، موافقًا لما أراده الله ورسوله من تنمية الإنسان وعمارة الأرض.
تشجيع المبادرة وريادة الأعمال
تشجع الرؤية الاقتصادية الإسلامية الشباب على المبادرة واستثمار قدراتهم في مشاريع نافعة؛ إذ إن المبادرة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي فعل إيجابي يعكس روح الاجتهاد والمسؤولية، ويعزز الاعتماد على النفس، وقد حث الإسلام على العمل والإتقان؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».
إدارة الموارد والمسؤولية المالية
يربّي الإسلام الشباب على حسن إدارة المال وتنميته بما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، مع الالتزام بمبادئ الشريعة في الإنفاق، والادخار، والاستثمار؛ وقد جاء التشريع الإسلامي ليؤكد أهمية التوازن بين المنفعة الفردية والمصلحة العامة، فقال -تعالى-: {خُذْ مِن أَمْوَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة: 103)؛ فإن توجيه المال في سبيل الله يحقق البركة ويطهر النفس، كما يعزز التكافل الاجتماعي، ومن يتقن إدارة ماله ويستثمره في مشاريع نافعة، يضمن نموا ماليا مستدامًا واستقرارًا أسريًا ومجتمعيًا؛ بما يحقق الهدف الأسمى للرؤية الاقتصادية الإسلامية.
الشباب قوة فاعلة في التنمية الاقتصادية
يرى الإسلام أنَّ الشباب يمثل القوة الفاعلة في التنمية الاقتصادية؛ فهم قادرون على ابتكار الحلول، وتحمّل المخاطر، والمساهمة في المشاريع الإنتاجية والخدمية، ويحثّ الإسلام على مشاركة الشباب كعنصر فاعل في نهضة الأمة واستقرارها.
خامسًا: التحديات الاقتصادية التي تواجه الشباب
يعّد الشباب المسلم اليوم عماد الأمة ومستقبلها، وهم أكثر الفئات تفاعلاً مع حركة الأسواق والاقتصاد العالمي، ومع ذلك، يواجهون تحديات اقتصادية متعددة قد تعيق تنميتهم وتحقيقهم لمستقبل مستقر وناجح، إذا لم تكن لديهم رؤية صالحة مبنية على الشريعة الإسلاميَّة. 1- البطالة وقلة الفرص: تُعدّ البطالة وقلة فرص العمل من أبرز التحديات التي تقف حجر عثرة في طريق الشباب اليوم؛ فهي ليست مجرد أزمة اقتصادية فحسب، بل تنعكس آثارها على بناء الشخصية واستقرار المجتمع، فحين يُحرم الشاب من فرصة عملٍ شريف، يغدو عُرضة للقلق النفسي، ولليأس الذي يُطفئ جذوة الطموح، وربما يدفعه إلى طرقٍ ملتوية بحثًا عن لقمة العيش أو موقع في الحياة، والبطالة تُعطل طاقات الإنسان التي أودعها الله فيه، وتمنعه من عمارة الأرض التي خُلق لأجلها، وهكذا تبقى البطالة تحديا يحتاج إلى وعيٍ شرعي واقتصادي معًا؛ وعيٍ يُعيد للعمل مكانته، ويُعلّم الشباب أنه بإيمانهم وصبرهم واجتهادهم، يصنعون الطريق الذي يقودهم من العطالة إلى العطاء، ومن الضيق إلى السَّعة.
2- الغش والربا والفساد المالي: تواجه الأجيال الشابة تحديات جسيمة تختبر ثباتها واستقامتها في ميادين المال والأعمال، ومن أخطر هذه التحديات ما يتسلّل خفية إلى الضمائر من الغش والتدليس، وما يُزيَّن للعقول من الربا والمعاملات المحرّمة، وما تُغري به النفوس من فساد مالي، ظاهره اليسر والربح وسرعة المكسب، وباطنه فساد في الذمم، وتدمير للقيم، ومحق للبركة، وهذه الظواهر ليست مجرد مخالفات فردية أو تجاوزات محدودة، بل هي امتحان إيماني وأخلاقي يمس جوهر شخصية الشاب المؤمن، إذ يُطلب منه أن يوازن بين حاجاته المعيشية وضغوط واقعه الاقتصادي من جهة، وبين ثباته على مبادئ الحلال من جهة أخرى. 3- ضعف الثقافة المالية: يمثّل ضعف الثقافة المالية أحد أبرز التحديات التي تواجه الشباب في هذا العصر؛ إذ يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام عالمٍ واسع من الاستهلاك والادخار والتعاملات المصرفية دون امتلاك البصيرة الكافية التي تهديهم إلى الرشد المالي القائم على القيم الشرعية، فيسير بعضهم مدفوعًا بعاطفة التقليد أو بريق الكماليات، غافلًا عن ضوابط الإنفاق، وأساسيات الادخار، وحكمة التوازن بين الحاجة والرغبة، وقلة الوعي المالي لدى الشباب ليست مشكلة أرقام وأرصدة فحسب، بل هي قضية فكر وتربية وسلوك؛ فالشاب الذي لا يُحسن تنظيم دخله ولا يدرك مفهوم الأولويات الشرعية في النفقة، قد يقع فريسة للديون، أو الإغراء بالربا، أو الانزلاق في استهلاك مظهري يضعف قيمته الإنتاجية ويطفئ همّته، ومن هنا تأتي أهمية نشر الثقافة المالية المبصرة بنور الوحي، التي توازن بين طلب الرزق والرضا بالقسم، بين السعي المشروع والورع عن الشبهات، وبين التوسع المشروع في المباح والتقيد بأحكام الشرع في كل معاملة. 4- التحديات العالمية والاقتصادات المتقلبة: التحديات العالمية والاقتصادات المتقلّبة لم تعد قضايا بعيدة عن واقع الشباب، بل غدت حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية، تؤثر في طموحاتهم، وخياراتهم التعليمية والمهنية، ومستقبل أسرهم واستقرارهم؛ ففي عالم تتزاحم فيه الأزمات السياسية والصراعات الدولية، وتتأرجح فيه الأسواق بين انتعاش وانكماش، يجد الشاب نفسه في قلب معادلة صعبة؛ بين طموح مشروع إلى حياة مستقرة، وواقع اقتصادي متحوّل لا يكاد يستقر على حال، وتنعكس التحولات العالمية اليوم في اضطراب أسواق العمل، وتقلّب أسعار السلع، وازدياد الضغوط المعيشية، بما يجعل رحلة بناء الذات للشباب أكثر تعقيدًا من ذي قبل، وتتداخل الأزمات الاقتصادية مع التحديات التقنية والقيمية، فيواجه الشاب إغراء الاستهلاك، وضغط المقارنة بالآخرين، وضبابية الرؤية تجاه المستقبل المهني ومسارات الكسب الحلال.
سادسًا: من التشخيص إلى صناعة الحل
بعد استعراض ما يعيشه الشباب من تحديات اقتصادية عالمية وبطالة وضغوط معيشية وانحرافات مالية، تبرز مسؤوليّة الأمة في الانتقال من مجرّد تشخيص الواقع إلى صناعة الحلول الشرعية والتنموية التي تعيد للاقتصاد روحه الإيمانية، وللشباب ثقتهم بدينهم وقدرتهم على البناء؛ فالإسلام لا يكتفي بالتحذير من الحرام، بل يفتح أبوابًا واسعة للحلال، ويضع أُسسًا عملية لاقتصاد يقوم على العدل والإنتاج والتكافل، ولتحقيق هذا الهدف لابد من العمل على تنفيذ الخطوات الآتية:
  • نشر فقه المعاملات المعاصرة:
من أعظم الحلول الشرعية لدعم الشباب للريادة في الأعمال، نشر فقه المعاملات المعاصرة بلغة ميسّرة راسخة في العلم؛ فالمعاملات اليوم لم تعد مقتصرة على بيع وشراء بسيطين، بل تشابكت فيها العقود البنكية، والمنتجات التمويلية، والاستثمارات الرقمية، ما يجعل الجهل بها بابًا واسعًا للربا والغرر والظلم، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة:1)، ولا يتحقق الوفاء بالعقد إلا بفهم حقيقته وأحكامه؛ لذلك يلزم المؤسسات الشرعية والتعليمية أن تقدّم للشباب برامج في فقه المعاملات، ودورات في الثقافة المالية الإسلامية، ومحتوى إعلاميا يشرح الحلال والحرام في الاقتصاد بلغة الواقع، حتى لا يبقى الشاب بين غلو مُحَرِّم لكل جديد، أو تساهل مُحِلّ لكل معاملة مشتهرة.
  • دعم ريادة الأعمال الإسلامية:
من الحلول التنموية المهمة أن يُوجَّه الشباب نحو ريادة الأعمال بدل الاكتفاء بانتظار الوظائف التقليدية، على أن تُبنى هذه الريادة على أسس شرعية وأخلاقية، فالعمل الحُرّ، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ميدان واسع للابتكار والإنتاج، ينسجم مع روح التكليف بالاستخلاف في الأرض، قال -تعالى-: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود:61) أي طلب منكم عمارتها، وانطلاقًا من ذلك، يكون دعم ريادة الأعمال الإسلامية عبر:
  • برامج تدريبية شرعية وإدارية للشباب تُعلّمهم كيف يبنون مشاريعهم بعيدًا عن الربا والغش والغرر.
  • حاضنات أعمال إسلامية توفّر الإرشاد والتوجيه، وتُنمّي روح التكافل بين روّاد الأعمال الشباب.
  • إبراز نماذج ناجحة لشباب جمعوا بين الالتزام الشرعي والنجاح الاقتصادي، ليكونوا قدوة عملية للأجيال.
  • تطوير صيغ التمويل الشرعي:
لا يمكن الحديث عن حلول اقتصادية للشباب دون توفير بدائل تمويلية حلال، تعينهم على إطلاق مشاريعهم، وقد قدّمت الشريعة أصولًا عظيمة في هذا الباب، مثل: المضاربة، والمشاركة، والمرابحة، والسَّلَم، والإجارة المنتهية بالتمليك عند ضبطها بالضوابط الشرعية، لذا فإن تطوير صيغ التمويل الشرعي يمرّ عبر:
  • اجتهاد مؤسسات الفتوى والبحوث في تنزيل صيغ التمويل الإسلامية على الواقع المعاصر، مع المحافظة على المقاصد الشرعية لهذه المعاملات.
  • تحفيز المصارف الإسلامية وصناديق الوقف والزكاة على ابتكار منتجات تمويلية ميسّرة للشباب، تعتمد المشاركة في الربح والخسارة بدلًا من الفائدة الربوية الثابتة.
  • تعزيز ثقافة الادخار والاستثمار الحلال؛ بحيث يتجه الشباب إلى المشاركة في صناديق استثمارية شرعية بدل الوقوع في استثمارات محرّمة أو مجهولة.
  • ربط المشاريع بالقيم الاجتماعية:
الاقتصاد في المنظور الإسلامي ليس أرقامًا وأرباحًا فقط، بل هو جزء من منظومة قيمية تسعى إلى تحقيق العدل والتكافل وحفظ كرامة الإنسان؛ لذلك فإن ربط مشاريع الشباب بالقيم الاجتماعية من أهمّ ما يميّز «ريادة الأعمال الإسلامية» عن غيرها؛ فالمشروع لا يُقاس فقط بربحه المالي، بل بأثره الأخلاقي والاجتماعي، قال -تعالى-: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (البقرة:261)، فربط المال برسالة العطاء، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس»، فجعل معيار الحب والقرب من الله في مقدار النفع المتعدي للآخرين، وعليه، يمكن توجيه مشاريع الشباب لتخدم المجتمع عبر:
  • اختيار مجالات تُسهم في سدّ حاجات حقيقية: التعليم، والصحة، والتقنية النافعة، والزراعة، والصناعة المحلية، لا مجرد مشاريع استهلاكية سطحية.
  • تخصيص جزء من أرباح المشاريع لدعم برامج اجتماعية أو تعليمية أو خيرية، إحياءً لروح الوقف والتكافل.
  • الالتزام بأخلاقيات العمل: عدالة الأجور، وجودة المنتج، والصدق في الإعلان، وحماية البيئة، وبذلك يكون المشروع الاقتصادي وسيلة لممارسة العبودية لله في ميدان المال.
الشباب ومواجهة التحديات الاقتصادية
تتطلب مواجهة التحديات الاقتصادية المعاصرة من الشباب المسلم الاعتماد على النفس، والسعي للكسب الحلال، والالتزام بالقيم الإسلامية، والتخطيط المالي الصحيح، والابتكار في العمل؛ فالشباب الملتزم بهذه المبادئ يكون قوة اقتصادية صالحة تسهم في نهضة الأمة واستقرارها، ويحقق بركة المال واستمرار الأثر الصالح بعد الموت، موافقًا لما أراده الله ورسوله.
نموذج شبابي يجمع بين الإيمان والتنمية
الحلول الشرعية والتنموية ليست شعارات مثالية؛ بل هي إطار عملي يمكن أن يُعيد للاقتصاد روحه الإنسانية، ولحياة الشباب توازنها بين الدين والدنيا؛ فبنشر فقه المعاملات المعاصرة، ودعم ريادة الأعمال الإسلامية، وتطوير صيغ التمويل الحلال، وربط المشاريع بالقيم الاجتماعية؛ يُبنى جيل من الشباب الواعي الذي يطلب الرزق من أبواب الحلال، ويحوّل الاقتصاد إلى ميدان عبادة وعمارة للأرض.
تمكين الشباب اقتصاديًا
تؤكد الرؤية الاقتصادية الإسلامية أن تمكين الشباب اقتصاديًا لا يقتصر على توفير فرص العمل فحسب؛ بل يشمل بناء شخصية اقتصادية متكاملة تقوم على القيم الشرعية، والكسب الحلال، والمسؤولية المالية، والمبادرة الإيجابية، وريادة الأعمال- وهو ما يخلق جيلًا واعيًا قادرًا على مواجهة التحديات المعاصرة وتحويلها إلى فرص تنموية، بما يخدم الفرد والمجتمع والأمة.


اعداد: وائل رمضان





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 95.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 93.45 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.80%)]