|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الضحى أ. د. كامل صبحي صلاح الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن سورة الضحى من السور المَكِّيَّة، وهي من سور المفصَّل، وآياتها (11) آية، وترتيبها في المصحف (93)، في الجزء الثلاثين من المصحف الشريف، وسُمِّيت سورة الضحى بهذا الاسم؛ لافتتاحها بقَسَم الله تبارك وتعالى بوقت الضحى. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 1 - 11]. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَالضُّحَى ﴾؛ أي: أقسم الله تبارك وتعالى بأول النهار إذا انتشر ضياؤه بوقت الضحى، والمراد به النهار كله، والله تبارك وتعالى يُقسِم بما يشاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم بغير خالقه، فإنَّ القسم بغير الله تعالى شِرْك. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾؛ أي: وبالليل إذا سجى وسكن بالخلق واشتدَّ ظلامه، وادلهمَّت ظلمته، على اعتناء الله تبارك وتعالى برسوله صلى الله تعالى عليه وسلم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾؛ أي: ما تركك ربك سبحانه وتعالى- أيها الرسول- منذ اعتنى بك، وما أبغضك بإبطاء الوحي عنك، كما يقول المشركون لما فَتَر الوحي. ولا أهملك منذ ربَّاك ورعاك، بل لم يزل يربِّيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة. وما أبغضك منذ أحبَّك، فإنَّ نفي الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحًا، إلا إذا تضمَّن ثبوت كمال، فهذه حال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الماضية والحاضرة، أكمل حال وأتمها، محبة الله تبارك وتعالى له واستمرارها، وترقيته في درج الكمال، ودوام اعتناء الله تبارك وتعالى به. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾؛ أي: وأما حاله المستقبلة، فقال: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾؛ أي: كل حالة متأخرة من أحوالك، فإنَّ لها الفضل على الحالة السابقة، فلم يزل صلى الله تعالى عليه وسلم يصعد في درج المعالي، ويمكِّن له الله تبارك وتعالى دينه، وينصره على أعدائه، ويُسدِّد له أحواله، حتى مات، وقد وصل إلى حال لا يصل إليها الأوَّلون والآخرون، من الفضائل والنعم والمكانة والمنزلة، وقرة العين، وسرور القلب. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾؛ أي: ولسوف يعطيك من الثواب الجزيل لك ولأُمَّتك حتى ترضى بما أعطاك وأعطى أُمَّتك، فبعد ذلك، لا تسأل عن حاله في الآخرة، من تفاصيل الإكرام، وصور الإفضال، وأنواع الإنعام؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾، وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة. ثم امتنَّ عليه بما يعلمه من أحواله الخاصة، وهذا وعد يعمُّ كلْ ما أعطاه الله تبارك وتعالى في الآخرة، وكلَّ ما أعطاه في الدنيا من النصر والفتوح وكثرة المسلمين وغيرها من الأعطيات الإلهية الربانية لنبيِّنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾؛ أي: لقد وجدك صغيرًا لا أمَّ لك، ولا أب، بل قد مات أبوه وأمُّه وهو لا يدبِّر نفسه، فآواه الله تبارك وتعالى، وكفله وعطف عليه وسخَّر له جدَّه عبد المطلب، ثم لمّا مات جدُّه كفله الله تبارك وتعالى عمَّه أبا طالب، حتى أيَّده بنصره وبالمؤمنين. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾؛ أي: وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعَلَّمك ما لم تكن تعلم، ووفَّقك لأحسن الأعمال والأخلاق وأتمِّها وأفضلها. وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]. قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾؛ أَيْ: غَافِلًا عَمَّا يُرَادُ بِكَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، فَهَدَاكَ: أَيْ أَرْشَدَكَ. وَالضَّلَالُ هُنَا بِمَعْنَى الْغَفْلَةِ؛ كَقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾ [طه: 52]؛ أَيْ: لَا يَغْفلُ. وَقَالَ فِي حَقِّ نَبِيِّهِ: ﴿ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين ﴾ [يوسف: 3]. وَقَالَ قَوْمٌ: ﴿ ضَالًّا ﴾ لَمْ تَكُنْ تَدْرِي الْقُرْآنَ وَالشَّرَائِعَ، فَهَدَاكَ اللَّهُ إِلَى الْقُرْآنِ، وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، عَنِ الضَّحَّاكِ وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَغَيْرِهِمَا. وَهُوَ معنى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ﴾ [الشورى: 52]. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾؛ أي: فقيرًا فأغناك بما فتح الله تبارك وتعالى عليك من البلدان، التي جبيت لك أموالها وخراجها، فالذي أزال عنك هذه النقائص، سيزيل عنك كلَّ نقص، والذي أوصلك إلى الغنى، وآواك ونصرك وهداك، قابل نعمته وفضله وكرمه بالشكر والحمد. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾؛ أي: لا تُسِئْ معاملة اليتيم الذي قد فقد أباه في الصغر، ولا يضق صدرك عليه، ولا تنهره، ولا تذلَّه، بل أكرمه، وأعطه ما تيسَّر، واصنع به كما تحب أن يُصنَع بولدك من بعدك. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾؛ أي: لا يصدر منك إلى السائل المحتاج كلام يقتضي ردّه عن مطلوبه، بنَهْر وزجر وشراسة خُلُق، بل أعطه ما تيسَّر وتواجد عندك أو ردَّه بمعروف وإحسان. وهذا عامٌّ يدخل فيه السائل للمال، والسائل للعلم؛ ولهذا كان المعلِّم مأمورًا بحُسْن الخلق مع المتعلم، ومباشرته بالإكرام والتحنن عليه وتعليمه ونفعه؛ فإنَّ في ذلك معونةً له على مقصده، وإكرامًا لمن كان يسعى في نفع وتعليم ونشر الخير بين العباد. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث ﴾؛ أي: واشكر نِعَم الله تبارك وتعالى عليك وتحدَّث بها. وهذا يشمل النعم الدينية والدنيوية، فأثْنِ على الله تبارك وتعالى بها، وخصِّصْها بالذكر إن كان هناك مصلحة. وإلا فحدِّث بنعم الله تبارك وتعالى على الإطلاق، فإنَّ التحدُّث بنعمة الله تبارك وتعالى، داعٍ لشكرها وحمدها، وموجب لتحبيب القلوب إلى من أنعم بها، فإنَّ القلوب مجبولة على محبة المحسن والمتفضل عليها. من مقاصد وهدايات السورة: 1- ذكر رعاية الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، والامتنان عليه بنعمة الوحي ودوامها له، تأنيسًا له، وتذكيرًا للمؤمنين بالشكر والحمد. 2- تذكير الله نبيَّه صلى الله تعالى عليه وسلم بما أكرمه به في صِغَره وشبابه وكِبَره، وفي كلِّ مراحل حياته. 3- وإبطال قول المشركين فيما زعموا بأنَّ الله تبارك وتعالى هجر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأبغضه عند انقطاع الوحي. 4- وتبشيره صلى الله تعالى عليه وسلم بما أُعِدَّ له من الكرامات والمقامات في الآخرة، وأَمْرُه بالشكر على تلك النِّعَم بما يناسبها؛ كالعطف على اليتيم، ورحمة المحتاجين. 5- الدنيا لا تخلو من كدر وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَد ﴾ [البلد: 4]. 6- بيان علو المقام المحمدي وشرف مكانته. 7- مشروعية التذكير بالنعم والنقم حملًا للعبد على الصبر والشكر والحمد. 8- وجوب شكر النعم بصرفها في مرضاة المنعم جلَّت قدرته، وتعالت أسماؤه وصفاته. 9- تقرير معنى الحديث «إذا أنعم الله تعالى على عبد نعمة أحبَّ أن يرى أثرها عليه». هذا ما تمَّ إيراده، نسأل الله العليَّ الأعلى الذي جلَّت قدرته وتعالت أسماؤه وصفاته، أن يُعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن ينفع بما كُتب، وأن يجعله من العلم النافع والعمل الصالح، والحمد لله ربِّ العالمين. المصادر والمراجع: 1. جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري)، للإمام محمد بن جرير الطبري. 2. تفسير ابن أبي زمنين، ابن أبي زمنين. 3. الجامع لأحكام القرآن، (تفسير القرطبي)، للإمام محمد بن أحمد بن أبي بكر شمس الدين القرطبي. 4. معالم التنزيل (تفسير البغوي)، للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي. 5. فتح القدير، للإمام محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني. 6. تفسير القرآن العظيم، (تفسير ابن كثير)، للإمام عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير. 7. التسهيل لعلوم التنزيل، أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبدالله، ابن جُزَي الكلبي الغرناطي. 8. التحرير والتنوير، للمفسر محمد الطاهر بن عاشور. 9. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبدالرحمن السعدي. 10. أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، الشيخ جابر بن موسى بن عبدالقادر، المعروف بأبي بكر الجزائري. 11. المختصر في التفسير، مركز تفسير. 12. التفسير الميسر، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |