|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
درر الشيخ علي الطنطاوي (1) أحمد بن سواد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونتوب إليه ونستغفره، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:فهذه الدرة الأولى من درر فقيه الأدباء، وأديب الفقهاء: الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، والتي انتقيتها من كتابه: "في سبيل الإصلاح". قال - رحمه الله، ورفع درجته في أعلى عليين -: 1- كان الشعراء يصفون القمر، ويُشبِّهون به الغيد الحسان، فوصلنا إلى القمر ووطئناه بنعالنا، وإذا هو كالأرض: صخر ورمل وتراب. 2- من كان يفكر فيما يرى وما يسمع، فسيجد آيات وشواهد تقوي الإيمان في القلب المؤمن، أما من كان كالأنعام همُّه الطعام والشراب والزواج؛ فيمر عليها وهو غافل عنها، يقف عند الصنعة وينسى الصانع، يقول: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ [القصص: 78]، وينسى قول الله: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]. 3- إن هذه الكشوف العلمية، وهذه المخترعات الحضارية تقوي الإيمان عند من في قلبه إيمان. 4- البشر يخطئون ويصيبون، فلنرجع إلى من لا يخطئ أبدًا، لندع ما اختلف فيه البشر إلى ما شرعه خالق البشر؛ فالمقياس هو شرع الله (باختصار). 5- بعض الفِرَق التي تنتسب زورًا إلى الإسلام تدَّعي - كذبًا وجهلًا - ما لم يدَّعِه هؤلاء الأعداء؛ من أن المصاحف التي نقرأ فيها كلها قرآن، ولكن ليست كل القرآن، وهي دعوى لا أدري أيُّهما أظهر: سخافتها أم وقاحتها؟ 6- الشيطان حين عجز عن تحريف تنزيله[1]، دخل علينا من باب تأويله، حتى صار من الناس من يصرف الكلام عن معناه، ويوجهه إلى غير الوجه الذي أراده الله. ودخل علينا من باب صرفنا عن تدبُّر آياته، وتفهُّم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، إلى تصريف الصوت في تلاوته بالأنغام، وطرب الناس لسماع الصوت بدل الخشوع عند فهم المعاني. 7- العقيدة هي الأصل، ومن قام الليل كله وصام الدهر كله، وفي إيمانه شرك، كان كالتلميذ الذي أخذ أسئلة الامتحان وقعد في داره فأجاب عليها كلها، ولكنه سحب أوراقه من المدرسة، ومحا اسمه من سجلاتها (باختصار). 8- إن الدعاة منّا كُثُر، والمسلمون حاضرون ليستجيبوا لهؤلاء الدعاة، فإن لبثوا على خلافهم وتنازعهم، وتضارب مناهجهم، كان عليهم إثم أنفسهم، وإثم هذه الأمة التي تمشي وراءهم، وتقتدي بهم. 9- أين تلك الأقلام تُفهِم الشعبَ أن المستعمرين ما زهَّدوه في قرآنه، وصرفوه عن دينه، وشغلوه عن تاريخه، إلا ليسلبوه أحدَّ أسلحته، ويجرِّدوه من أمتن أدراعه، حتى إذا قابلوه أعزلَ عاريًا، هان عليهم اصطيادُه، وسهل استعباده. 10- فهل رأيت غنيًّا موسرًا، أورثه أبوه صناديق الذهب، ثم يتكاسل عن القيام إليها، ومعالجة قفلها، ثم يذهب فـ (يشحد) ذليلًا الملاليم والقروش من أكُفِّ أعدائه؛ ليتبلغ بها؟ هذا مثالنا حين نترك ديننا ونأخذ قوانين المستعمرين. 11- يا خجلتاه غدًا من كتَّاب التاريخ إذا جاؤوا يترجمون لأديب فيقولون: لقد رأى أعظم بطولة بدت من بشر، وشاهد أجلّ الأحداث التي رآها الناس، ثم لم يكتب فيها حرفًا، لقد شغلته عنها شواغل الأيام، ومباهج الأحلام، وملذات الغرام. 12- العلم إذا لم يكن معه أمانة، كان الجهل خيرًا منه، كالطبيب الفاجر، يغشّ المريض ويماطل في العلاج؛ ابتغاء دوام الحاجة إليه، وتدفّق المال عليه، بل ربما بالغ في الفجور فلم يمنعه علمه أن يقتل المريض بالسمِّ، بدلًا من شفائه بالدواء. 13- إن هذا العلم دين؛ فعلينا أن ننظر عمَّن نأخذ ديننا، وألَّا نأخذ العلم إلا عن رجل نثق بدينه كما نثق بعلمه، ونطمئن إلى إيمانه كما نطمئن إلى منطقه. [1] أي: القرآن العظيم.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
درر الشيخ علي الطنطاوي (2) أحمد بن سواد الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذه الدرة الثانية من درر فقيه الأدباء، وأديب الفقهاء، الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، والتي اخترتها من كتابه في سبيل الإصلاح. قال رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى: 1- ففكروا كم ننفق من الأموال في أشياءَ لا يأتي منها خير، وما في تركها ضرر، ونحن نشكو الفقر والمرض والجهل! 2- إن حول كلِّ دار من هذه الدور[1] التي تهدر فيها الأموال لَمساكن فيها ناسٌ مثلنا، من إخواننا في الدِّين، وفي الوطن، وفي اللسان، يشتهون عُشر مِعشارها، أو أقلَّ منه؛ ليشتروا به طعامًا يملأ بطون أولادهم، وثيابًا تستُرُ أجسادهم، ولهم بنونَ وبنات هم قِطع أكبادهم، أحبَّةٌ إليهم، أعزة عليهم كعزة أولادنا علينا، وربما كانوا أزكى من أولادنا نفوسًا وأطهرَ، وأذكى عقولًا وأمهرَ، وكانوا أرضى لله وأنفع للوطن منا، ولكن الفقر عطل قرائحهم، وكفَّ أيديَهم، وكبَّل أرجُلَهم. إن هؤلاء وإن لم يعرفوا طريق المدارس والملاهي، ولم يزهوا بغالي الثياب، ولم يتمددوا على أرائك السيارات، ولم يعرفوا المشيخة التي يأكلون بها الدنيا بالدِّين، ولا الزعامة التي يجمعون بها المال بالوطنية، إنهم هم عمادُ هذا الوطن، وهم جمهرةُ أهله، هم يزرَعون القمح ويقدمونه إلينا، ثم يعيشون على الذُّرة والشعير، وهم يبنون لنا القصور ثم يُقيمون في الأكواخ، وهم يصنعون بأيديهم (الشكلاطة) التي لا يذوقونها، وهم يسهَرون في الطرقات ليحرسونا ونحن نِيامٌ، وهم يمشون إلى الميادين ليدفعوا عن أوطاننا ونحن آمِنون، فحرام علينا أن ننساهم ونهملهم! حرام أن تبقى هذه الأموال ضائعةً، وهذه البطون جائعة! (باختصار). 3- ما باللغةِ[2] تعسيرٌ حتى نبتغي لها أوجُهَ التيسير، ولكنْ في العزائم خَوَر، وفي الهمم ضَعْف، وفي الشباب انصراف عن العلم! هذه هي الحقيقة، وإلا فهل صلَحت اللغة برَسْمِها[3] وعلومها هذه القرون الأربعة عشر، وصبرت على حُكم الأتراك أولًا، ثم الفُرس، ثم المغول، ثم المماليك العبيد، ثم الأتراك أخيرًا، ورأت عصور الانحطاط، وعهود التخلُّف، وكانت في كل ذلك طاهرةً ظافرة. هل صلَحت اللغة في هذه القرون وبدا الآن فسادها؟ وهل استسهلها الفُرس والروم والأتراك والهنود حتى ظهر منهم علماءُ أجلاَّء فيها، ولم تصعُبْ إلا على أبناء العرب الأقحاح؟ (باختصار). 4- ما دام في معلمي العربية مَن هم أصحاب شهادات لا أصحابُ علم، خطِفوا مسائله في المدارس خطفًا، وما دامت دروسُ العربية تُلقى بالعامية، وما دام مدرِّسُ الأدبِ يتكلم ساعةً عن أبي تمام وأدبِه وما قيل فيه، ولكنه لا يفهم بيتينِ من شِعره، ولا يُحسِن شرحهما، ويعلِّمُ الأدبَ وما هو بأديب، وما دام يتصدر للإمامة في (فن القول) مَن لا يدري ما يقول، فمن أين يتلقَّى الطالبُ العربية؟[4] (باختصار). 5- هاتوا المعلمَ القوي في علوم اللغة، صاحب الاطِّلاع فيها، والذوق في فهمها، يُصلِح هو فسادَ المناهج، ويقوِّم اعوجاجَ الكتب، وييسِّر عُسر اللغة (إن كان فيها عُسر!)[5]. 6- الشاب الذي يرى أنه وصَل إلى الغاية بلا تعَبٍ، ونال ما يطلُبُ بلا مشقة، لا يجد بعد ذلك ما يدفَعُه إلى سَهَرِ الليالي، وتقريح الجفون، في مسامرة الكُتب، والازدياد من العلم. [1] يقصد - رحمه الله - دور الأغنياء. [2] أي: اللغة العربية. [3] أي: خطها وكتابتها. [4] قلت: ما قاله الشيخ عن معلم اللغة العربية ينطبق في زماننا على كثيرٍ من معلمي العلوم النظرية والتجريبية. [5] قلت: وهذا ينطبق على بقية العلوم الأخرى، وهو من أهمِّ طرق علاج ضعفِ مخرَجات التعليم.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
درر الشيخ علي الطنطاوي (3) أحمد بن سواد الحمد لله وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذه الدرة الثالثة من درر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله من كتابه في سبيل الإصلاح. قال رحمه الله وأعلى درجته في المهديين: 1- ألسنا نرى كل يوم أناساً يتزيّون بزيّ الصالحين، ويحملون سبحات المسبحين، ويقومون في المساجد مع المصلّين، ثم لا تعاملهم إلا غشّوك، ولا تَخْبُرهم إلا وجدتهم طلاب مراتب ورواتب، أو باغي منافع، ولا تراهم إلا متزلّفين لكل صاحب سلطان، خاضعين له، يؤثرون رضاه على رضا الله، ويخافون غضبه أكثر من غضب الله. إذا رأوا الحرام منه خرسوا عنه، وإن رأوا المكروه من غيره أقاموا الدنيا عليه[1]. 2- نرى كل يوم عملاء للأجانب، يدرسون على حساب الأجنبي في مدارسه، ويتربون على يديه، ويسبحون بحمده، يتوجهون أنّى وجههم، ويعملون له فيما استعملهم، ويعرفهم الناس صنائعه وعبيده، يلبسون فجأة ثياب الوطنيين المخلصين، أو دعاة الدين الصالحين، ثم يدخلون (بأمر الأجنبي) الحزب أو الجمعية، فلا يلبثون أن يكونوا هم أربابها، وأن يقصوا عنها أصحابها ثم يصرفوها لمصلحة الأجنبي، يخدمونه وهم يسبّونه، قلوبهم وأيديهم معه وألسنتهم عليه، وعملهم لمصلحته وإن كانت ظواهرهم لمحاربته[2]. 3- هل جنى الرجال من الحزبيات في بلادنا خيراً حتى يجنيه منها النساء؟ هل رأينا فيها إلا التفرقة والانقسام، واستغلال نفر منها إخلاص المخلصين، واندفاع المندفعين، وطمع الطامعين، للوصول إلى كراسي الحكم، والتمتع بأموال الدولة؟ وماذا يرى المراقب البعيد، من تبدل الحكومات في هذا الشرق العربي، وتعاقب الأحزاب عليها، إلا تبدل الوجوه، وتغيّر الأشخاص، أما الأسلوب فهو واحد، والسياسة واحدة، يتبدل الوزَّان ويبقى الميزان؟ والميزان مختل، والقبّ مائل، والصنجات ضائعات!. 4- تستوي الأمم في أصول الحضارات، وأسس المدنيات، ولكنها تختلف في التفاصيل. 5- أنا لا أدعو لنبذ الحضارة الغربية، بل أدعو إلى أخذ ما ينفعنا منها، أي: أن نتعلم علومهم، ونتقن فنونهم، وندرس أخلاقهم، ثم نرى ما يزيدنا منها قوة وسعادة، للفرد منا والجماعة، وسهولة في العمل، ولذة في المعيشة، فنأخذه كما هو أو نعدله حتى يصلح لنا، وأن ننقله إلينا، ونجعلها ملكاً لنا، لا أن ننتقل به إلى أمة غير أمتنا، وطبيعة غير طبيعتنا، وأن ننظر ما فعله أجدادنا في أول العهد العباسي، مع الحضارة الفارسية مثلاً فنصنع مثله، إنهم أخذوا كل نافع في الطعام والشراب واللباس والمسكن وفنون القول وطرائق الفكر، ولكنهم لم يصيروا به فرساً، بل جعلوا به الفرس عرباً. (باختصار). 6- حب المال إن زاد كان مذمة للفرد ونقيصة، ولكنه لا يكون للشعب إلا خيراً، وما أفلح شعب لا يحب في مجموعة المال. 7- الباطل إلى اضمحلال و إن كانت له جولة، والحق إلى ظفر وإن كانت له كبوة، وقد (طالما) بغى باغون، وظلم ظالمون، ولكن لم يدم باغٍ و لا خلد ظالم!. 8- المصيبة في هؤلاء أنهم يعدون (في جنسيتهم الرسمية) منا، وهم في حقيقتهم من غيرنا، فيدخلون في الأمة دخول السم في الجسم[3]. 9- المواساة باللسان أقل الإحسان. 10- أنا لا أدعو إلى المساواة المطلقة بين الناس فذلك لا يكون ولايزال في الناس غني وفقير، لن يكونوا أبداً سواء في أرزاقهم ومعايشهم، ولكن أدعو إلى تقريب المسافة بين طبقات الناس عاليها ودانيها، وأن تضمن الحكومة لكل إنسان حقه الطبيعي في الطعام واللباس والمسكن، وأن تسوي بين الناس (المساواة الممكنة) التي حققها الإسلام في أول الدهر في عهد الشيخين. فما هذا التفاوت بين البشر في مصر؟ ما هذا الوضع الذي يجعل من الناس واحداً يملك مليوناً ومليوناً لا يملكون الواحد؟ وألفاً يشتغلون لرجل، والرجل لا يعمل عملاً؟ وإنساناً يظن نفسه من الغنى والكبر إلهاً، وأناسيَّ تحسب أنها من الفقر والضعة بهائم؟ يا ناس: ارحموا، فإن هؤلاء ناس مثلكم، لا تحسبوهم بهائم لئلا يصنعوا فيكم صنيع البهائم ، فيثوروا عليكم رفساً و نطحاً وعضاً ولدغاً، فلا تملكوا دفعهم، ولا النجاة منهم. لا، لا تحقروهم، لولا الضغط ما ثقب المسمار الخشب، ولا زلزلت الأرض، ولا انفتحت البراكين، وثارت الشعوب[4] (باختصار). [1] هذه صفات علماء السوء. [2] هذه حال المنافقين يسعون فساداً في الأرض باسم الوطنية. [3] يصف رحمه الله أهل التغريب في المجتمع المسلم. [4] نشر هذا الكلام في مصر عام 1947، وكأنه رحمه الله يصف حال معظم الدول العربية اليوم.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
درر الشيخ علي الطنطاوي (4) أحمد بن سواد الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذه الدرة الرابعة من درر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله ورفع درجته في الجنة، والتي انتقيتُها من كتابه "في سبيل الإصلاح": 1- السرقة أخت الاغتصاب. 2- الشعراء أئمة الأدب. 3- شعرُ الحَداثة يشبه الحدث الأكبر؛ ولكن لا يطهره شيء، ولا الغسلُ سبعًا إحداهن بتراب المقبرة، التي يتمنون أن يدفنوا فيها الشعر. 4- لولا الأدب ما خُلِّدتِ المكرُمات، ولا ذُكرت البطولات. 5- في كل يوم تنبُتُ أقلام غضة، فلا يتعهدها أحد بسقي ولا رعاية، فتجِفُّ وتموت، وتحطم عواصف الأيام وأرزاؤها أقلامًا متينة كأشجار السنديان، طالما أظلت وبسقت، فلا يبكي عليها أحد، وتُزهِرُ أقلام، ثم تؤتي أُكُلها ثمرًا ناضجًا، حلوًا نافعًا، فلا يستبشر بها أحد، ويقولون بعد ذلك: لماذا لا ينتج الأدباء؟ 6- الذي يتخيل ويكتب باردَ الدمِ هادئَ الأعصاب، غير الذي تمشي الكهرباء في أعصابه فتهزُّها هزًّا، فيمسك قلمه ويدع روحه تملي عليه. 7- لست - عَلِم اللهُ - أريد مالاً من أولي الأمر أو عطاء، ولا أبتغي من مجالستهم شرفًا، فعندي من المال ما يَسدُّ حاجتي، ومن الشرف ما يكفيني، وإنما آسف على قوة فيَّ، وفي أمثالي من حملة الأقلام، تذهب هدرًا وتضمحِلُّ، والوطن يحتاج إليها، وهي تستطيع أن تُكسبه مجدًا لا ينال بغيرها. 8- أيها الحاكمون، اذكروا أنكم تحتاجون إلى الأدباء؛ ليكسبوكم الخلود، وليفيضوا على أمجادكم الحياة، أما هم فلا يحتاجون إليكم؛ لأنهم يستطيعون أن يخلقوا بأدبهم ملوكًا وأبطالاً، وينشِئوا عالمًا، ويقيموا لأنفسهم وللناس دنيا، إن تكن من الوهم، فربَّ وهمٍ أفعلُ في نفس صاحبه من الحقيقة، وأثبتُ من الواقع. 9- لقد كانت لعلماء الأزهر أخلاق - لا أقول: ضاعت - ولكن اختفت عن الناس تلك الأخلاق، كانوا يجلُّون مشايخهم فيجلُّهم الناس كلهم، ولم يكونوا يَدَعون للعدو ثغرةً يدخلُ منها إليهم، ويجعلون خلافهم إذا اختلفوا بينهم[1]. 10- التقوى روح العلم، فإن فارقتْه كان جسمًا بلا روح. 11- هذه الثلاث: الصدق، والوفاء، والأمانة، أركان الحياة الخلقية الاجتماعية. 12- إن الله بيَّن خطر الأمانة، وأنزلها هذه المنزلة، وخوَّف من حملها؛ لأنها جماع الأخلاق، وسلْكة[2] عقد الفضائل وعمادها، فما من شُعْبة من شعب الأخلاق والخير الاجتماعي إلا إليها مردُّها، وما خصلة من خصال الشر إلا والخيانة أساسها وحقيقتها. 13- لا أتألم من اللص يتسوَّرُ عليَّ الجدار ويسرق الدار، كما أتألم من الرجل يظهر لي المودة ويعلن التُّقَى، فإذا كانت بيني وبينه معاملة وتمكن مني، أكلني بغير ملح، وتعرَّق عظامي! 14- كيف تتم سيادة، أو نُجاري شعوب المدنية ونسابقها، إذا لم تَسُدِ الأمانة فينا؟ (مختصر). [1] ما تجرأ أصحاب الأهواء والمنافقون على العلماء إلا بعد تجرؤ طلاب العلم على مشايخهم. [2] السلكة: الخيط.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
درر الشيخ علي الطنطاوي (5) أحمد بن سواد الحمد لله، والصلاة والسلام على خير الأنام، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: هذه الدرة الخامسة من درر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وقد انتقيتها من كتاب "في سبيل الإصلاح": 1- ما أهونَ الإبراقَ والإرعاد! وما أسهل إثارةَ الشبّان الفاسقين على الستر والحجاب، باسم "الحرية الشخصية"[1] التي تمتّع عيونهم بما وراء الحجاب من جمال، وتُنيلهم ما بعد حدود الفضيلة من لذائذ! 2- لا هوادة في العِرْض، إنها حياة هذه الأمة: لا تحيا أمة بلا أخلاق. 3- إن العرب أغيرُ الناس على الأعراض، وإن كلمة العرض في لسانهم لا يقابلها كلمة في ألسنة الأمم تترجم بها! 4- من صفات العربي التي تقوم عليها عروبته: الشهامةُ والغَيْرة على الأعراض[2]. 6- نحن إذ ننتقد شيئًا نبيّن أضراره، فبيّنوا أنتم منافعه[3]، حتى إذا وجدنا المنافع أكثر أخذنا به، ولو حملنا معه شيئًا من الضرر، فتعالَوْا نتناظر. لا بد في كل مناظرة من مبادئ يتفق عليها الطرفان ليعودا إليها، فلنتفق أولاً على الأصول: ♦ هل العفاف وقصر الاتصال الجنسي على المشروع منه خير أم شر؟ ♦ هل قيام المرأة على تربية أولادها بنفسها وإخلاصها لزوجها وبيتها خير أم شر؟ ♦ هل مراقبة الله وخوفه وتمسك كل امرئ بفضائل دينه خير أم شر؟ إقامة البراهين على أنها خير، أظنه ثابتًا عند العقلاء جميعًا (باختصار). 7- إذا حسُن أن نقوّي بالرياضة أجساد الطالبات، فهل يشترط في هذه التقوية أن يختلطن بالرجال؟! لا والله، أحلفها يمينًا غموسًا، وأضعها في عنقي، إنكم لا تريدون الصحة ولا الرياضة ولا المشاركة بالعيد، إنما تريدون التلذذ بمرأى بناتنا باسم العيد والرياضة والصحة، إنكم لصوص أعراض[4]. 8- طائفة من أخلاقنا هي كالداء في جسم الأمة، لا يجمل بالكتَّاب وحملة الأقلام السكوت عنها والرضا بها، وهم أطباؤها وأساتها، وعندهم دواؤها[5]. 9- التقي في صدر الإسلام هو الذي يتقي المحارم والمظالم ما ظهر منها وما بطن، ويفرُّ من مواطن الشبهات، ولا يطلب المال إلا لإمساك الرمق ونيل القوام، والعيش عيش القناعة والرضا، ولا يأخذه إلا من حلِّه، ولم يكن الرجل ليشهد للرجل بالتقوى إلا إنْ صحبه في سفر، أو عامله في مال، فصار التقي اليوم من يكبِّر عمامته، ويطوِّل لحيته، ولا تفارق يده سبحته، ومن يتوقر ويطيل المكث في المساجد، وهذا كله حسنٌ لا اعتراض عليه، غير أن حسنه ينقلب قبحًا أبشع القبح إذا اتخذه صاحبه أحبولة يصطاد بها الدنيا (باختصار). 10- الشباب الناشئون لجهلهم حقائق الإسلام، وبُعْد ما بينهم وبين المشايخ، وقصر أيديهم وأفهامهم عن نيل الكتب (ذات الشروح والحواشي) - عظّموا ما يقابله من كل حماقة دُعِيَتْ مذهبًا اجتماعيًّا، وكل سفسطة سُمِّيَتْ فلسفة، وكل كفر بالدين والعرض دُعِيَ أدبًا، وأعانهم على ذلك أن أكثر المدرسين من الذين لم يقدَّر لهم فَهْم علوم الإسلام والغوص على كنوز كتبه، ولست أطلق القول وأجنح إلى التعميم، فإن في كل فئة من هؤلاء الطيبين والمصلحين، ولكن الكثرة على نحو ما ذكرت، فمن أين يرجى إصلاح أخلاقنا وأوضاعنا؟! (باختصار). 11- من أين يرجى لأخلاقنا صلاح، ولم نتفق بَعْدُ على (الأخلاق) التي ينبغي أن نتخلق بها؟! فمنا من يرى المثل الأعلى في أخلاق الجاهلية: كرم إلى حد التبذير، وشجاعة إلى حد التهور، ومنا من يميل إلى التخلق بأخلاق أجدادنا في القرن الماضي على ما كانت عليه بلا زيادة عليها ولا نقصان منها، ومن يخالفهم مخالفة الضد للضد، فيرى أن نقتبس الأخلاق الغربية برمتها، ومن يرى اقتباس الجيد النافع من كل أمة من غير أن يحدد أو يعين، ولا دواء لهذه الفوضى - في رأيي - ولا صلاح لأخلاقنا، إلا بالرجوع إلى الإسلام الصحيح الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (باختصار). [1] ديدن أهل الفساد الدعوة إلى الفجور وإسقاط المجتمع في براثن الرذيلة باسم الحرية الشخصية، وهم أعداء الحرية عندما تخالف أهواءهم. [2] هذا مما عُرف عنهم في الجاهلية، وجاء الإسلام بالتأكيد عليه. [3] يخاطب رحمه الله كل من يريد إفساد المرأة وإخراجها من حياة الفضيلة والعفاف إلى حياة الرذيلة والفسوق. [4] هذا أقر به كل من تاب إلى ربه من أصحاب تلك الدعاوى المضلة. [5] هذا الإصلاح الذي ينبغي على حملة الأقلام فعله، لكن للأسف اليوم صار أكثرهم هم أسباب الداء في جسد الأمة.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |