|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
قَلْبٌ يَمْشِي بلا خُطى! عماد عطية ما أرقَّ اللحظةَ التي يُدرِكُ فيها الإنسانُ أن ميزانَ الله لا يزنُ ظاهرَ الجوارح فحسب، بل يقيسُ خَفْقَ القلوب، ويكتبُ ما دار في السريرةِ قبل أن يتحوّل إلى أثرٍ على الأرض! فليس كلُّ ما لم نقُم به ضائعًا، وبعضُ ما لم نستطع فعله، أُنجِزَ كاملًا في صحائف السماء. في الطريق إلى تبوك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمةً تُقصِّرُ المسافات، وتُؤسِّسُ لكرم ربّانيٍّ فريد: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ»، ما أصدقه من قول! يعبر عن الأجور؛ فليست كلُّ المسافات تُقطعُ بالأقدام، بعضها يختصره صدقُ القلوب. أجسادُهم هناك... وقلوبُهم هنا؛ عجزوا عن المسير، لكنهم سبقوا في الأجر؛ لأن النيّة قدمت لهم ما عجزت عنه الأقدام! هناك مَن يَبقى في مكانه لكنه يسبق العالم بقلبه؛ فالنيّةُ الفِعلُ الموازي الذي لا يُرى، والنية ليست مجرّد تمهيدٍ للعمل، إنها عملٌ مكتملٌ قائمٌ بذاته حين يُحبَس المرءُ عنه بغير تقصير. كم من فقيرٍ نامَ وهو يتصدّقُ في سريرته لو مُلِّك المال!, وكم من ضعيفٍ تمنّى نصرةَ مظلومٍ لو قدَر على القيام! وكم من صامتٍ يحملُ خطابَ النور في صدره، ينتظر لحظةَ تمكينٍ لا تأتي! هؤلاء يعملون دون أن يبذلوا، ويُنجزون دون أن يتحرّكوا، وتُكتبُ لهم النهايات قبل أن تبدأ لهم البدايات. ثمة أقدامٌ لم تمشِ لكنها وصلت؛ لأن القلوب حملتها، وليس أدلَّ على ذلك من أبي بكرٍ الصدّيق - رضي الله عنه -، الذي وقف على الذروة من غير أن تكون بكثرة عملٍ ظاهرٍ فحسب، بل بسرٍّ استقرَّ في قلبه، ويقينٌ لا يتزعزع، وصدقٌ لا يعرف الالتواء، وتسليمٌ لا يتردد، ومحبةٌ لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - طغت على كل ما سواهما. لقد أدرك الصالحون سرَّ تميّزه فقال بعضهم:»ما سبقكم أبو بكرٍ بكثرة صلاةٍ ولا صيام، ولكن بشيءٍ وقر في قلبه»، وما ذاك الذي وقر؟ صفاء النيّة إنه صفاء النيّة حين تختلط القلوبُ بالمقاصد، وثبات العزم حين تتحوّل الهمّةُ إلى إيمانٍ خالصٍ لا تُثنيه المخاوف، وثقةٌ بالله لا تُشبهها ثقة، حتى صار قلبُه سَبّاقًا للجوارح؛ فبلغ منازلَ لم تُدرك بعدد الركعات ولا بطول الصيام وحده. هنا تتجلّى الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون: أن السبق عند الله ليس بكثرة الحركة، بل بصدق الاتجاه؛ فربّ عملٍ صغيرٍ عظُم بالنيّة، وربّ قصدٍ صادقٍ كتب لصاحبه ما عجزت عنه يداه، تمامًا كما كُتب لهؤلاء الذين خلّفهم العذر في المدينة أنهم كانوا على الطريق بأجورهم وإن لم تسِر أقدامهم. ربَّ حسنةٍ وُلِدت في القلب، ولم تولد في الواقع لكنها كُتبت في عليين. رزقُ القلوب رزقُ القلوب أوسعُ من رزق الجوارح؛ فالجوارح محدودةٌ بقيود العالم: قوة، ومال، وصحة، وزمن، أما النيةُ فطليقةٌ لا يحدُّها ظرف، ولا يوقفها عجز، بها يُسابق الفقيرُ ثوابَ الغني، وبها يُدرك المريضُ أجرَ الصحيح، وبها يلحقُ الصامتُ بأهل المنابر! وهنا يتجلى ميزانُ العدل الإلهي: ليست القيمةُ فيما تملك، بل فيما تصدقُ فيه. الطريقُ إلى الله قد يبدأُ بخطوة، وقد يبدأُ بنيّةٍ صادقةٍ لا أقدام لها. ليست النيّةُ عذرًا للتخلّف بل تعويضٌ عن المستحيل. الحديثُ ليس إذنًا بالكسل، فمن قدر على السير ولم يسِر، لا يجبرُ تقصيرَه تمنٍّ بارد، إنما هو عزاءُ من صدقَ العزمَ فحبسه عذرٌ لا يدَ له فيه. وأخيرًا.. ليست العبرةُ بما صنعتَ، بل بما صدقتَ؛ فلو استطعت لصنعتَه.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |