عقيدة الحافظ ابن عبد البر في صفات الله تعالى - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تعرف على أداة تيك توك الجديدة لحماية صناع المحتوى من التزييف العميق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 996 )           »          جوجل تطلق Android 17 QPR1 Beta 7 لإصلاح أخطاء الإعدادات وتحسين النظام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 946 )           »          iPhone 18 Pro Max قد يحصل على أكبر تطوير للكاميرا منذ سنوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 927 )           »          جوجل توسع قدرات AI Mode لدعم يوتيوب ميوزيك وكانفا وإنستاكارت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 892 )           »          لا تنتظر iPhone 18 فى سبتمبر.. هذه الهواتف التى تستعد آبل لإطلاقها هذا العام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 893 )           »          8 مميزات من أنثروبيك.. هل استلهمت OpenAI أفكار Claude لتطلق نموذج GPT-5.6؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 933 )           »          هل تضع هاتفك في الثلاجة لتبريده؟ الخبراء يحذرون من عواقب خطيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 889 )           »          Gemini يتأخر مجددًا.. جوجل تعيد بناء أقوى نماذجها بعد تعثره في البرمجة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 913 )           »          واتساب يسهّل التحكم فى الميكروفون على آيفون.. ميزة جديدة لتحسين جودة المكالمات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 870 )           »          ChatGPT Work.. وكيل ذكي يحول GPT-5.6 Sol إلى زميل عمل ينفذ المهام حتى النهاية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1033 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 28-08-2025, 10:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,454
الدولة : Egypt
افتراضي عقيدة الحافظ ابن عبد البر في صفات الله تعالى

عقيدة الحافظ ابن عبد البر في صفات الله تعالى

أبو عاصم البركاتي المصري

يدرك المتتبع القارئ لكتب الحافظ أبي عمر ابن عبد البر رحمه الله أنه كان على عقيدة السلف عقيدة أهل الحديث ولم يكن أشعريا يؤول صفات الله تعالى، ومما سطره يتضح ما يلي:
أولًا: إثباته ظاهر النصوص وعدم قبول التفويض.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): أهل السنة مجموعون عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْإِيمَانِ بِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ كُلُّهَا وَالْخَوَارِجُ فَكُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا وَلَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ، وَهُمْ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهَا نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ وَالْحَقُّ فِيمَا قَالَهُ الْقَائِلُونَ بِمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ وَهُمْ أَئِمَّةُ الْجَمَاعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ[1].

وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، حيث يقرون بالصفات، ويؤمنون بها، ويعتقدون معناها، أما الكيفية فيفوضونها إلى الله، ويؤمنون بها على حقيقتها، كما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء معلوم والكيف مجهول، فيؤمنون بالاستواء باللفظ والمعنى على حقيقته وأنه استواء حقيقي، أما الكيفية فلا يعلمها إلا الله.

ثانيًا: رفضه للمجاز واعتماده أن الأصل في الكلام الحقيقة.
قال ابن عبد البر رحمه الله:
وَأَمَّا ادِّعَاؤُهُمُ الْمَجَازَ فِي الِاسْتِوَاءِ وَقَوْلُهُمْ فِي تَأْوِيلِ اسْتَوَى اسْتَوْلَى فَلَا مَعْنَى لَهُ لأنه غير ظَاهِرٌ فِي اللُّغَةِ، وَمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ فِي اللُّغَةِ الْمُغَالَبَةُ وَاللَّهُ لَا يُغَالِبُهُ وَلَا يَعْلُوهُ أَحَدٌ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ، وَمِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَتَّى تَتَّفِقَ الْأُمَّةُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ، إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى اتِّبَاعِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا إِلَّا عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُوَجَّهُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْأَشْهَرِ وَالْأَظْهَرِ مِنْ وُجُوهِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ، وَلَوْ سَاغَ ادِّعَاءُ الْمَجَازِ لِكُلِّ مُدَّعٍ مَا ثَبَتَ شَيْءٌ مِنَ الْعِبَارَاتِ، وَجَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَنْ يُخَاطِبَ إِلَّا بِمَا تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ فِي مَعْهُودٍ مُخَاطَبَاتِهَا مِمَّا يَصِحُّ مَعْنَاهُ عِنْدَ السَّامِعِينَ، وَالِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ وَمَفْهُومٌ وَهُوَ الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ عَلَى الشَّيْءِ وَالِاسْتِقْرَارُ وَالتَّمَكُّنُ فِيهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ اسْتَوَى ﴾ [البقرة: 29] قَالَ: عَلَا، قَالَ: وَتَقُولُ الْعَرَبُ اسْتَوَيْتُ فَوْقَ الدَّابَّةِ وَاسْتَوَيْتُ فَوْقَ الْبَيْتِ، وَقَالَ غَيْرُهُ اسْتَوَى أَيِ انْتَهَى شَبَابُهُ وَاسْتَقَرَّ فَلَمْ يَكُنْ فِي شَبَابِهِ مَزِيدٌ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ (ابن عبد البر): الِاسْتِوَاءُ الِاسْتِقْرَارُ فِي الْعُلُوِّ وَبِهَذَا خَاطَبَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ [الزخرف: 13] وَقَالَ: ﴿ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ﴾ [هود: 44] وَقَالَ ﴿ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ ﴾ [المؤمنون: 28]. انتهى[2].

ثم قال: قال أبو عمر: أهل السنة مجموعون عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْإِيمَانِ بِهَا وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ كُلُّهَا وَالْخَوَارِجُ فَكُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا وَلَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ، وَهُمْ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهَا نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ، وَالْحَقُّ فِيمَا قَالَهُ الْقَائِلُونَ بِمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ وَهُمْ أَئِمَّةُ الْجَمَاعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ[3].

ثالثًا: رفضه التأويل الكلامي لصفات الله تعالى.
قال رحمه الله في "الاستذكار" (2/ 513) ط دار الكتب العلمية:
وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالسُّنَنِ وَالْفِقْهِ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنِ الْكَفِّ عَنِ الْجِدَالِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِيمَا سَبِيلُهُمُ اعْتِقَادُهُ بِالْأَفْئِدَةِ مِمَّا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ وَعَلَى الْإِيمَانِ بِمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَالتَّسْلِيمِ لَهُ وَلِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ كُلِّهَا وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا وَإِنَّمَا يُبِيحُونَ الْمُنَاظَرَةَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَا كَانَ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا.

ثم ساق سنده إلى مُصْعَب بن عَبْدِ اللَّهِ قال: سمعت مالك يَقُولُ: إِنَّ أَهْلَ بَلَدِنَا يَكْرَهُونَ الْجِدَالَ وَالْكَلَامَ وَالْبَحْثَ وَالنَّظَرَ إِلَّا فِيمَا تَحْتَهُ عَمَلٌ وَأَمَّا مَا سَبِيلُهُ الْإِيمَانُ بِهِ وَاعْتِقَادُهُ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ فَلَا يَرَوْنَ فِيهِ جِدَالًا وَلَا مُنَاظَرَةً.

ثم ساق سنده أيضا إلى الْوَلِيد بن مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ وَالثَّوْرِيَّ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الصِّفَاتُ فَكُلُّهُمْ قَالَ أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا تَفْسِيرٍ.

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُسَلِّمُ بِهَا كَمَا جَاءَتْ فَقَدْ تَلَقَّاهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ. انتهى.

ونقل رحمه الله عن ابن خويز منداد المالكي أنه قال:
أَهْلُ الْأَهْوَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ وَسَائِرِ أَصْحَابِنَا هُمْ أَهْلُ الْكَلَامِ فَكُلُّ مُتَكَلِّمٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ أَشْعَرِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ أَشْعَرِيٍّ وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَيُهْجَرُ وَيُؤَدَّبُ عَلَى بِدْعَتِهِ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَيْهَا اسْتُتِيبَ مِنْهَا "[4].

رابعًا: اثباته لصفة الاستواء وعلو الله وعدم تأويله لمعناها.
ورد في شرح حديث النزول وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "يَنْزِلُ رَبُّنَا، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ " [ أخرجه مالك والبخاري ومسلم].

قال الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (7 / 129 - 130): وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ فوق سبع سموات كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ مِنْ حُجَّتِهِمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَلَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالُوهُ أَهْلُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ﴾ [السجدة: 4] وَقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ [فصلت: 11] وَقَوْلُهُ: ﴿ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 42] وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ [فاطر: 10] وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ [الأعراف: 143]، وَقَالَ: ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾ [الملك: 16] وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: 1] وَهَذَا مِنَ العلو، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [البقرة: 255] وَ﴿ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ [الرعد: 9] وَ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ ﴾ [غافر: 15] وَ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ [النحل: 50] وَالْجَهْمِيُّ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَسْفَلَ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ:﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ [السجدة: 5] وَقَوْلُهُ:﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ [المعارج: 4] وَقَالَ لِعِيسَى: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ [آل عمران: 55] وَقَالَ ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ﴾ [النساء: 158] وَقَالَ: ﴿ فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ [فصلت: 38]، وَقَالَ: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ [الأنبياء: 19] وَقَالَ ﴿ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾ [المعارج: 2-3] وَالْعُرُوجُ هُوَ الصُّعُودُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ ﴾ [الملك: 16] فَمَعْنَاهُ مَنْ عَلَى السَّمَاءِ يَعْنِي عَلَى الْعَرْشِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي بِمَعْنَى عَلَى أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ﴾ [التوبة: 2] أي على الأرض، وكذلك قوله: ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ [طه: 71] وَهَذَا كُلُّهُ يُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ [المعارج: 4] وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِمَّا تَلَوْنَا مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الباب، وَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا وَاضِحَاتٌ فِي إِبْطَالِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ. انتهى.

وقال رحمه الله في كتابه الاستذكار (7 / 337):
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلْجَارِيَةِ: أَيْنَ اللَّهُ؟[5] فَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَرُوَاتُهُ الْمُتَفَقِّهُونَ فِيهِ وَسَائِرُ نَقَلَتِهِ، كُلُّهُمْ يَقُولُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي السَّمَاءِ وَعِلْمَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ.

ثم قال: وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ إِذَا دَهَمَهُمْ أَمْرٌ يُقْلِقُهُمْ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ فَرَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَأَوْجُهَهُمْ نَحْوَ السَّمَاءِ يَدْعُونَهُ، وَمُخَالِفُونَا يَنْسِبُونَا فِي ذَلِكَ إِلَى التَّشْبِيهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَمَنْ قَالَ بِمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ فَلَا عَيْبَ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ. انتهى

خامسًا: اثباته لصفة النزول وغيرها من الصفات:
ساق الحافظ ابن عبد البر سنده إلى سَحْنُون بن مَنْصُورٍ قَالَ قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا" أَلَيْسَ تَقُولُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، "وَيَرَى أَهْلُ الْجَنَّةِ رَبَّهُمْ" وَبِحَدِيثِ: "لَا تُقَبِّحُوا الْوُجُوهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ"، "وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ فِيهَا قَدَمَهُ"، "وَأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَطَمَ مَلَكَ الْمَوْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ" قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ هَذَا صَحِيحٌ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: كُلُّ هَذَا صَحِيحٌ وَلَا يَدَعُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ أَوْ ضَعِيفُ الرَّأْيِ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ ( ابن عبد البر): الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا الْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا وَالتَّصْدِيقُ بِذَلِكَ، وَتَرْكُ التَّحْدِيدِ وَالْكَيْفِيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ[6].

ثم يقول ابن عبد البر في التمهيد (7 / 153):
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا" عِنْدَهُمْ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾، وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ [الفجر: 22]، كُلُّهُمْ يَقُولُ: يَنْزِلُ وَيَتَجَلَّى وَيَجِيءُ بِلَا كَيْفٍ، لَا يَقُولُونَ كَيْفَ يَجِيءُ؟ وَكَيْفَ يَتَجَلَّى؟ وَكَيْفَ يَنْزِلُ؟ وَلَا مِنْ أَيْنَ جَاءَ؟ وَلَا مِنْ أَيْنَ تَجَلَّى؟ وَلَا مِنْ أَيْنَ يَنْزِلُ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَتَعَالَى عَنِ الْأَشْيَاءِ وَلَا شَرِيكَ لَهُ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ [الأعراف: 143] دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتَجَلِّيًا لِلْجَبَلِ، وَفِي ذَلِكَ مَا يُفَسِّرُ مَعْنَى حَدِيثِ التَّنْزِيلِ.

سادسًا: قبوله لأخبار الآحاد في العقائد:
قال ابن عبد البر رحمه الله: «لَيْسَ فِي الِاعْتِقَادِ كُلِّهِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ إِلَّا مَا جَاءَ مَنْصُوصًا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ وَمَا جَاءَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ نَحْوِهِ يَسْلَمُ لَهُ وَلَا يُنَاظَرُ فِيهِ»[7].
تمت
والله وحده من وراء القصد
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد
وآله وصحبه.

[1] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (7/ 145).

[2] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (7 / 131). ط وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب.

[3] التمهيد (7/ 145).

[4] جامع بيان العلم وفضله (2/ 942) . ط دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.

[5] رواه مسلم رقم 571 عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمي رضي الله عنه.

[6] التمهيد (7 / 147 - 148).

[7] جامع بيان العلم وفضله (2/ 942).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 85.35 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 83.64 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.01%)]