تفسير سورة العلق - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 319 - عددالزوار : 8413 )           »          حساسية الحليب عند الرضع: أعراضها وأنواعها وعلاجها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          الآثار الجانبية لاستئصال الرحم والمضاعفات المحتملة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          أعراض حساسية الحليب عند الرضع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          أسباب رائحة البول الكريهة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          طرق الوقاية من الزهايمر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          من يعطينا خلطة السالسيك اسيد وكينا كومب لعلاج الصدفيه (اخر مشاركة : حااجب - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          من سنن الله: وأملي لهم إن كيدي متين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          من بركات القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          مما لا يصلح في مجالس طلبة العلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 28-01-2025, 02:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,757
الدولة : Egypt
افتراضي تفسير سورة العلق



سُورَةُ الْعَلَقِ

يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف

سُورَةُ (الْعَلَقِ): سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ[1]، وَآيُهَا تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً.

أَسْمَاءُ السُّورَةِ:
وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ أَسْمَائِهَا: سُورَةُ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)، وَسُورَةُ (الْعَلَقِ)، وَسُورَةُ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، وَسُورَةُ (اقْرَأْ)، وَسُورَةُ (اقْرَأْ وَالْعَلَقِ)، وَسُورَةُ (الْقَلَمِ)[2].

الْمَقَاصِدُ الْعَامَّةُ لِلسُّورَةِ:
احْتَوَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَقَاصِدَ عَظِيمَةٍ، مِنْ أَهَمِّهَا[3]:
الْأَمْرُ بِعِبَادَةِ مَنْ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ.

تَلْقينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الْكَلَامَ الْقُرْآنِيَّ وَتِلَاوَتَه.

التَّوْجيهُ إِلى النَّظَرِ في خَلْقِ اللهِ الْمَوْجُودَاتِ، وَخَاصَّةً خَلْقُهُ الْإِنْسَانَ.

تَهْدِيدُ مَنْ كَذَّبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَتَعَرَّضَ لَهُ.

تَثْبيتُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا جَاءَهُ مِنَ الْحَقِّ.

سَبُبُ النُّزُولِ:
جَاءَ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ بَعْضِ الْآيَاتِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيرةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ وَلَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِي لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا، قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ -لَا أَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَمْ لَا-: ﴿ كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى [العلق:6] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ»[4].

وَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الْأُصُولِ.

مِنْ فَضَائِلِ السُّورَةِ:
هَذِهِ السُّورَةُ الْعَظيمَةُ جَاءَ في فَضْلِهَا مَا رَوْتْهُ عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ: التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَات الْعَدَدِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتُزَوَّدُ لِمَثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّني حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق [العلق:1] حَتَّى بَلَغَ: ﴿ مَا لَمْ يَعْلَم [العلق:5]، قَالَ: فَرَجَعَ بِهَا تَرجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ: يَا خَدِيجَةُ، مَا لِي: فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، وَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ عَلَيَّ، فَقَالَتْ لَهُ: كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبَ الْحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ بْنِ عَبْدِ العُزَّى ابْنِ قُصَيٍّ -وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَكَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُكْتَبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ -فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ وَرَقَةُ: ابنَ أَخِي، مَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤزَرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّي، وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -فِيمَا بَلَغَنَا- حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذُرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهُ، تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ بِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقَرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذُرْوَةِ الْجَبَلِ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ»[5].

وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَديثُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ هَذِهِ الآيَاتُ الْأُوَلُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ في غَارِ حِرَاءٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَالنَّوَوِيُّ رحمه الله: "هَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿ اقْرَأْ [العلق:1]، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيُر مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ"[6].


وَأَصْرَحُ مِنْ هَذا: مَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق [العلق:1]»[7].

وَالْحِكْمَةُ في هَذِهِ الْأَوَّلِيَّةِ -كَمَا قَالَابْنُ حَجَرٍ-: "أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْخَمْسَ اشْتَمَلَتْ عَلى مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ، فَفِيهَا بَراعَةُ الاِسْتِهْلالِ، وَهِيَ جَدِيرَةٌ أَنْ تُسَمَّى: (عُنْوَانَ الْقُرْآنِ)؛ لِأَنَّ عُنْوانَ الْكِتَابِ يَجْمَعُ مَقَاصِدَهُ بِعِبارَةٍ وَجِيزَةٍ في أَوَّلِهِ". ثُمَّ قَالَ: "وَبَيَانُ كَوْنِهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ: أَنَّها تَنْحَصِرُ في عُلُومِ التَّوْحيدِ وَالْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ، وَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى الْأَمْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْبَدَاءَةِ فيهَا بِبِسْمِ اللهِ، وَفي هَذِهِ الْإِشَارَةُ إِلى الْأَحْكَامِ، وَفيهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَوْحِيدِ الرَّبِّ وَإِثْبَاتِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، مِنْ صِفَةِ ذَاتٍ وَصِفَةِ فِعْلٍ، وَفي هَذَا إِشَارَةٌ إِلى أُصُولِ الدِّينِ، وَفِيها مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَخْبَارِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم [العلق:5]"[8].

شَرْحُ الْآيَاتِ:
قَولُهُ:﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾، أَيْ: اقْرَأْ وَاتْلُ الْقُرْآنَ مُفْتَتِحًا بِاسْمِهِ سبحان وتعالى وَمُسْتَعِينًا بِهِ[9]، ﴿ الَّذِي خَلَق ﴾، أَيْ: الْمُتَفَرِّد بِخَلْقِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، أَوِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ حَذَفَ الْمَفْعُولَ، وَحَذْفُهُ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ[10].

قَولُهُ:﴿ خَلَقَ الإِنسَانَ ﴾،هَذَا تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ؛ لِتَفْخِيمِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَلِلدَّلالَةِ عَلَى عَجِيبِ فِطْرَتِهِ، ﴿ مِنْ عَلَق ﴾، الْعَلَقُ: جَمْعُ عَلَقَةٍ، وَهِيَ: قِطْعَةُ دَمٍ غَلِيظٍ أَحْمَرَ عَالِقٍ في رَحِمِ الْمَرْأَةِ[11]، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى في هَذِهِ الْآيَةِ الْعَلَقَةَ، وَلَمْ يَذْكُرِ النُّطْفَةَ كَمَا في الْآيَاتِ الْأُخْرَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَلَقَةَ أُولَى مَرَاحِلِ التَّكْوِينِ الْحَقِيقِيِّ لِلْجَنيِنِ في بَطْنِ أُمِّهِ[12].

قَولُهُ:﴿ اقْرَأْ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ وَالِاهْتِمامِ بِالْقِرَاءَةِ[13]، ﴿ وَرَبُّكَ الأَكْرَم ﴾، أَيْ: كَثِيرُ الْإِحْسَانِ، وَاسِعُ الْجُودِ وَالْعَطَاءِ، فَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ كُلِّ كَريمٍ سُبْحَانَهُ[14].

قَولُهُ:﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم ﴾، أي: الْإِنْسَانَ الْخَطَّ بِالْقَلَمِ[15].

قَولُهُ:﴿ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم ﴾، فَجَعَلَ لَهُ وَسَائِلَ الْإِدْرَاكِ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْقَلْبِ، وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمْ[16]، وَهَذِهِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون [النحل:78][17].

قَولُهُ:﴿ كَلاَّ ﴾، أَيْ: حَقًّا، وَقِيلَ: كَلِمَةُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ[18]، ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى ﴾، أَيْ:لَيَتَجَاوَزُ حَدَّهُ، وَيَسْتَكْبِرُ عَلَى رَبِّهِ[19].

قَولُهُ:﴿ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ﴾، أي: بِالْمَالِ[20] وَالْقُوَّةِ.

قَولُهُ:﴿ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾، أي: الْمَصيرُ وَالْمَرْجِعُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيُجَازِي كُلَّ إِنْسَانٍ بِعَمَلِهِ[21].

قَولُهُ:﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴾، الاِسْتِفْهَامُ هُنَا لِلتَّعَجُّبِ، وَالذِيْ يَنْهَىْ هُوَ أَبُو جَهْلٍ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ[22].

قَولُهُ:﴿ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾، وهُوَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم [23].

قَولُهُ:﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ يَا أَبَا جَهْلٍ، ﴿ إِن كَانَ ﴾ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ﴿ عَلَى الْهُدَى ﴾، أي: الْحَقِّ، فَكَيْفَ تَنْهَاهُ؟![24].

قَولُهُ: ﴿ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ،أَيْ: أَمَرَ بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي تُتَّقَى بِهِ النَّارُ، أَيُنْهَى أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ؟![25].

قَولُهُ:﴿ أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ ﴾، أَيْ: أَبُو جَهْلٍ، ﴿ وَتَوَلَّى ﴾، أَيْ: أَعْرَضَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْحَقِّ[26].

قَولُهُ:﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ ﴾، أَيْ: أَبُو جَهْلٍ، ﴿ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ كُلَّ مَا يَفْعَلُ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَسَيُجَازِيهِ بِهِ[27]، وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ[28].

قَولُهُ:﴿ كَلاَّ ﴾، أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ وَفَعَلَ أَبُو جَهْلٍ، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَلِمَةُ رَدْعٍ وَزَجْرٍ لِأَبي جَهْلٍ، ﴿ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ ﴾، أي: عَنْ إِيذَاءِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَكْذِيبِهِ وَتَوَلِّيهِ، ﴿ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَة ﴾، أي: لَنَأْخُذَنْ بِنَاصِيَتِهِ، وَهِيَ شَعَرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَلَنَسْحَبَنَّهُ بِها إِلَى النَّارِ[29].

قَولُهُ:، ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَة ﴾أي: صَاحِبُهَا كَاذِبٌ في قَوْلِهِ، خَاطِئٌ في فِعْلِهِ[30].

قَولُهُ:﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَه ﴾، أَيْ: أَهْلَ مَجْلِسِهِ وَقَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ لِيُعِينُوهُ[31].

قَولُهُ:﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة ﴾، أي: الْمَلَائِكَةَ الْمُوَكَّلِينَ بِالْعَذَابِ؛ لِيَجُرُّوهُ إلَى النَّارِ[32].

قَولُهُ:﴿ كَلاَّ ﴾، أَيْ:لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَظُنُّ أَبُو جَهْلٍ، وَقِيلَ: إِنَّهَا كَلِمَةُ رَدْعٍ لِأَبي جَهْلٍ، ﴿ لاَ تُطِعْهُ ﴾، أي:يَا مُحَمَّدُ فِيمَا دَعَاكَ إِلَيْهِ، ﴿ وَاسْجُدْ للهِ، ﴿ وَاقْتَرِب ﴾ إِلَيْهِ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَأَنْوَاعِ العْبَادَاتِ[33].

بَعْضُ الْفَوَائِدِ الْمُسْتَخْلَصَةِ مِنَ الْآيَاتِ:
الْحَثُّ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ:
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق [العلق:1]: نَسْتَخْلِصُ:
أولًا: الْحَثُّ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ الْعِنَايَةِ بِالْقِرَاءَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَوَّلَ لَفْظٍ نَزَلَ في الْقُرْآنِ هَذَا اللَّفْظُ: ﴿ اقْرَأْ ﴾، وفِيْ هَذَا دِلَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ لِيَحُثَّ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَيُرَغِّبَ فِيها، وَيَمْحُوَ الْجَهْلَ وْيُحَذِّرَ مِنْهُ.

ثانيًا: الحَثّ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالإِكْثَارِ مِنْها؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ اقْرَأْ ﴾: الْقُرْآنُ بِالْإِجْمَاعِ[34]، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء:113] الْآيَةَ، وَالَّذِي عَلَّمَهُ هُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52] الآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين [يوسف:3] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

ثالثًا: أَنَّ الْعِلْمَ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ لِقَولِهِ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1].

التَّنْبِيْهُ إِلَىْ الْاسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى وَبِاسْمِهِ عِنْدَ بَدْءِ الْعَمَلِ، ومنْهُ الْقِرَاءَةُ:
فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1]: أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْدَأَ كُلَّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِهِ بِاسْمِ اللهِ، وَأَنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاللهِ تَعَالَى عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ، وَأَيِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْإِخْلَاصُ للهِ وَحْدَهُ، وَالاِسْتِعَانَةُ بِهِ دُونَ سِوَاهُ.

اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لِذَا اسْتَحَقَّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ:
فِي قَوْلِهِ تَعَالَىْ: ﴿ الَّذِي خَلَق ﴾: أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل [الزمر:62]. وَيُسْتَدَلُّ بِكَوْنِ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، فَكَمَا أَنَّهُ هُوَ وَحْدَهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّدْبيرِ، فَهُوَ الْمُتَفَرِّدُ وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ دُونَ سِواهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ؛ فَمَنْ أَقَرَّ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ هُوَ الرَّبُّ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ في رُبُوبِيَّتِهِ؛ لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ الْإِقْرَار: أَنْ يُفْرِدَ اللهَ بِالْعِبَادَةِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُعْبَدَ إلَّا مَنْ كَانَ رَبًّا خَالِقًا مَالِكًا مُدَبِّرًا، وَمَا دَامَ ذَلِكَ كُلُّهُ للهِ وَحْدَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ.

وَلِهَذَا جَرَتْ سُنَّةُ الْقُرْآنِ الْكَريمِ عَلَى ذِكْرِ آيَاتِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ مَقْرُونَةً بِآيَاتِ الدَّعْوَةِ إِلى تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون [البقرة:21-22].

الْإِشَارَةُ إِلَىْ بَعْضِ مَرَاحِلِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ:
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق [العلق:2]: أَنَّ خَلْقَ الْإِنسَانِ قَدْ مَرَّ بِمَرَاحِلَ، وَمِنْهَا: الْعَلَقَة، وهَذِهِ المَرَاحِلُ كَالْآتِي: النُّطْفَةُ، الْعَلَقَةُ، الْمُضْغَةُ، الْعِظَامُ، كِسْوَةُ الْعِظَامِ بِاللَّحْمِ، الْإِنْشَاءُ خَلْقًا آخَرَ. وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْمَراحِلُ مُجْمَلَةً في مَوَاضِعَ وَمُفَصَّلَةً في مَوَاضِعَ أُخْرَى حَسَبَ مَا يَقْتَضيهِ السِّيَاقُ، وَمِنَ الْآيَاتِ الَّتِي فَصَّلَتْ ذَلِكَ تَفْصِيلاً دَقِيقًا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين [المؤمنون:12-14].

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 124.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 122.91 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.38%)]