عظات وعبر في قصة أصحاب الجنة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         باب في الموعظة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          اسم الله (العظيم) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          تخريج حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 5796 )           »          {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          خصال الفطرة.. امتثال وجمال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          كيفية الطلاق المشروع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          معجزات في طريق الهجرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          نعمة الأمن ووحدة الصف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          الله اللطيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5436 - عددالزوار : 2867336 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 30-10-2024, 10:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,271
الدولة : Egypt
افتراضي عظات وعبر في قصة أصحاب الجنة

عظات وعبر في قصة أصحاب الجنة

محمود الدوسري


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ: كَانَ فِي بِلَادِ الْيَمَنِ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ فِيهِ ثِمَارٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ صَاحِبُهَا يَحْرِصُ عَلَى إِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ مِنْهَا، وَيُعْطِيهِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ؛ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الْأَنْعَامِ: 141]؛ وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذَّارِيَاتِ: 19].

وَكَانَ لِهَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ ثَلَاثَةُ أَبْنَاءٍ، يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِيهِمْ عَلَى أَنَّهُ مِتْلَافٌ لِلثَّرْوَةِ، مُبَذِّرٌ فِي إِعْطَاءِ الْفُقَرَاءِ الْكَثِيرَ مِنَ الثِّمَارِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ آلَ إِلَيْهِمُ الْبُسْتَانُ – بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِمْ – فَسَيُغَيِّرُونَ هَذَا النِّظَامَ، وَيَحْرِمُونَ الْجَمِيعَ مِمَّا يَأْخُذُونَهُ مِنْ بُسْتَانِهِمْ!

وَمَا أَنْ مَاتَ أَبُوهُمْ حَتَّى ظَهَرَ مَكْنُونُ صُدُورِهِمْ؛ فَعِنْدَمَا حَانَ قَطْفُ الثِّمَارِ، جَلَسُوا يَتَآمَرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ أَبُونَا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ حِينَ كَانَ يُبَدِّدُ ثَرْوَتَنَا، وَيُعْطِي الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ هَذَا الْقَدْرَ الْكَبِيرَ مِنْ نِتَاجِ الْبُسْتَانِ!

وَكَانَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَفِّذَ وَصِيَّةَ أَبِيهِمْ، وَيَسِيرَ عَلَى مِنْوَالِهِ فِي الْعَطَاءِ وَالسَّخَاءِ، وَلَكِنَّهُمْ عَارَضُوهُ، وَوَقَفُوا أَمَامَ رَغْبَتِهِ بِالْمِرْصَادِ، فَنَزَلَ عَلَى رَغْبَتِهِمْ، وَخَنَعَ لِمَشُورَتِهِمْ، وَهُوَ كَارِهٌ لِمَا سَيُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَعْدَلُهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ مَيْلًا.

قَالَ تَعَالَى – فِي سِيَاقِ بَيَانِ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [الْقَلَمِ: 17]، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ فِيمَا أَهْدَى إِلَيْهِمْ ‌مِنَ ‌الرَّحْمَةِ ‌الْعَظِيمَةِ، وَأَعْطَاهُمْ مِنَ النِّعَمِ الْجَسِيمَةِ، وَهُوَ بَعْثُهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَابَلُوهُ بِالتَّكْذِيبِ وَالرَّدِّ وَالْمُحَارَبَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ} أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُمْ، {كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} وَهِيَ: الْبُسْتَانُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعِ الثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ، {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}؛ أَيْ: حَلَفُوا - فِيمَا بَيْنَهُمْ - لَيَجُذُّنَّ ثَمَرَهَا لَيْلًا؛ لِئَلَّا يَعْلَمَ بِهِمْ فَقِيرٌ، وَلَا سَائِلٌ، لِيَتَوَفَّرَ ثَمَرُهَا عَلَيْهِمْ، وَلَا يَتَصَدَّقُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ، {وَلَا يَسْتَثْنُونَ} [القلم: 18]؛ أَيْ: فِيمَا حَلَفُوا بِهِ)، فَلَمْ يَقُولُوا: "إِنْ شَاءَ اللَّهُ".

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فِي هَذِهِ الْآيَةِ ‌دَلِيلٌ ‌عَلَى ‌أَنَّ ‌الْعَزْمَ ‌مِمَّا يُؤَاخَذُ بِهِ الْإِنْسَانُ؛ لِأَنَّهُمْ عَزَمُوا عَلَى أَنْ يَفْعَلُوا، فَعُوقِبُوا قَبْلَ فِعْلِهِمْ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الْحَجِّ: 25]، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا؛ فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَيُبَاشِرُ الْقَتْلَ لَوْلَا أَنَّ أَخَاهُ غَلَبَهُ.

وَالْعَزْمُ: هُوَ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ الْأَكِيدَةُ، فَإِذَا نَوَى الْإِنْسَانُ قَطْعًا أَنْ يَفْعَلَ شَرًّا، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ عَلَى نِيَّتِهِ الْجَازِمَةِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْفِعْلَ بِسَبَبِ أَنَّهُ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِعْلِ، فَلَوْلَا الْعَذَابُ الَّذِي نَزَلَ بِأَرْضِهِمْ لَكَانُوا قَطْعًا عَازِمِينَ عَلَى حِرْمَانِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ حَقَّهُمْ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا، فِيمَا حَلَفُوا بِهِ، فَإِذًا الْعَزِيمَةُ هُنَا جَازِمَةٌ وَمُبَيَّتَةٌ، فَعَلَيْهَا يُعَاقَبُ الْإِنْسَانُ.

وَلِذَلِكَ حَنَّثَهُمُ اللَّهُ فِي أَيْمَانِهِمْ، وَعَاقَبَهُمْ عَلَى نُكُوصِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ} [القلم: 19]؛ أَيْ: أَصَابَتْهُمْ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ أَهْلَكَتْهَا، وَهُمْ مُسْتَغْرِقُونَ فِي سُبَاتِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} [القلم: 20]؛ أَيْ: كَالْبُسْتَانِ الَّذِي صُرِمَ ثَمَرُهُ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ، أَوْ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، أَصْبَحَتْ كَالرَّمَادِ الْأَسْوَدِ لِاحْتِرَاقِهَا، فَقَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ، هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ بِهِمْ وَهُمْ نَائِمُونَ.

{فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ} [القلم: 21]؛ أَيْ: أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، قَبْلَ أَنْ يُسْفِرَ وَجْهُ النَّهَارِ، وَقَدْ نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَذْهَبُوا لِجَنْيِ الثِّمَارِ قَائِلِينَ: {أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ} [القلم: 22] تُرِيدُونَ الصَّرْمَ؛ أَيْ: قَطْفَ الثِّمَارِ، فَإِنْ كُنْتُمْ جَادِّينَ فِيمَا عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ؛ فَهَيَّا بِنَا، لَقَدْ كَانُوا يَتَهَامَسُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيُوصِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

وَيَمْضِي سِيَاقُ الْآيَاتِ فِي السُّخْرِيَةِ مِنْهُمْ؛ فَيُصَوِّرُهُمْ وَهُمْ مُنْطَلِقُونَ يَتَحَدَّثُونَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ بِهِمْ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا عَلَى أَخْذِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْبُسْتَانِ وَقْتَ الْحَصَادِ، وَفِي هَذَا إِحْكَامٌ لِخُطَّتِهِمْ – حَسَبَ زَعْمِهِمْ؛ {فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ} [القلم: 23، 24]؛ أَيْ: لَا تُمَكِّنُوا الْيَوْمَ فَقِيرًا يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ، وَيَأْخُذُ شَيْئًا مِنَ الثِّمَارِ! فَقَدْ سَمِعَ عَالِمُ السِّرِّ وَالنَّجْوَى مَا كَانُوا يَتَخَافَتُونَ بِهِ.

{وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} [القلم: 25]؛ أَيْ: وَغَدَوْا عَلَى قَصْدٍ وَقُدْرَةٍ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا مِنْ مُرَادِهِمْ، وَهَا هُمْ أُولَاءِ يُفَاجَئُونَ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي حُسْبَانِهِمْ: {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} [القلم: 26]؛ أَيْ: إِنَّنَا قَدْ سَلَكْنَا طَرِيقًا غَيْرَ الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّي إِلَى بُسْتَانِنَا فَتُهْنَا عَنْهَا، أَوْ إِنَّا لَضَالُّونَ عَنِ الصَّوَابِ – حِينَ عَزَمْنَا فِي أَنْفُسِنَا عَلَى حِرْمَانِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ؛ فَعَاقَبَنَا اللَّهُ بِالْحِرْمَانِ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ عَقَّبُوا عَلَى مَا حَدَثَ بِقَوْلِهِمْ: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [القلم: 27]، وَهَذَا هُوَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ؛ أَيْ: لَقَدْ جَنَيْنَا الْخَيْبَةَ وَالْحَسْرَةَ وَالنَّدَامَةَ لَمَّا بَيَّتْنَا الشَّرَّ فِي أَنْفُسِنَا، وَعَزَمْنَا عَلَى أَنْ نَحْرِمَ حَقَّ اللَّهِ مِنْهَا.

وَهُنَا تَأْتِي الْفُرْصَةُ الْمُنَاسِبَةُ لِأَوْسَطِهِمْ وَأَعْدَلِهِمْ: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} [القلم: 28]؛ أَيْ: أَلَمْ أَكُنْ قَدْ نَصَحْتُكُمْ؟ أَلَمْ أَنْصَحْكُمْ بِشُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ؟ وَلَكِنَّكُمْ خَالَفْتُمْ نُصْحِي لَكُمْ، وَلَمْ تُعِيرُوا لِقَوْلِي أَيَّ اهْتِمَامٍ مِنْ جَانِبِكُمْ، وَأَطَعْتُكُمْ فِيمَا عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ؛ فَحَرَمَنِي اللَّهُ مِثْلَكُمْ، وَهَكَذَا أَخَذُوا يَتَلَاوَمُونَ، وَعِنْدَهَا اسْتَيْقَظُوا مِنْ غَفْلَتِهِمْ، وَنَدِمُوا عَلَى مَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَفَاءُوا إِلَى رُشْدِهِمْ، وَلَكِنْ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.

وَهَا هُمْ يُجَدِّدُونَ التَّوْبَةَ إِلَى رَبِّهِمْ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى خَالِقِهِمْ، وَيَعْقِدُونَ الْعَزْمَ عَلَى أَلَّا يَعُودُوا إِلَى الْوُقُوعِ فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى: {قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [القلم: 29]؛ أَيْ: مُتَجَاوِزِينَ الْحَدَّ، وَمُعْتَدِينَ عَلَى حُقُوقِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَظَالِمِينَ لِأَنْفُسِنَا بِحِرْمَانِهَا مِنَ الْخَيْرِ الْعَمِيمِ، وَمَرْضَاةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ} [القلم: 30] اعْتَرَفُوا بِخَطَئِهِمْ وَبِذَنْبِهِمْ {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} [القلم: 31]؛ أَيْ: مُتَجَاوِزِينَ حَدَّنَا؛ وَلِذَلِكَ عَاقَبَنَا رَبُّنَا، عَلَى مَا ارْتَكَبْنَاهُ مِنْ ذَنْبٍ، بِإِهْلَاكِ بُسْتَانِنَا، وَطَمِعُوا فِي مَغْفِرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَائِلِينَ: {عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} [القلم: 32]، فَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ نَدِمُوا وَتَابُوا، وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَتُقْبَلُ مِنَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.

ثُمَّ يُعَقِّبُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ} [القلم: 33]؛ أَيْ: عَذَابُ الدُّنْيَا، وَهَلَاكُ الْأَمْوَالِ، لِمَنْ حَادَ عَنِ الصَّوَابِ، وَجَانَبَ الْحَقَّ، وَابْتَعَدَ عَنِ الْخَيْرِ، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [القلم: 33]، وَأَمَّا عَذَابُ الْآخِرَةِ فَإِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا، وَيُكَفِّرُوا عَنْ خَطَئِهِمْ فَسَوْفَ يَلْحَقُ بِهِمْ، أَمَّا إِنْ تَابُوا وَأَنَابُوا وَنَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا، وَصَدَقُوا فِي تَوْبَتِهِمْ فَسَوْفَ يَرْفَعُ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَيَكْفِيهِمْ مَا أَلَمَّ بِهِمْ مِنْ عِقَابٍ دُنْيَوِيٍّ.

وَمِنْ أَهَمِّ الْفَوَائِدِ وَالْعِبَرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ:
1- لِيَتَّخِذَ أَهْلُ الْإِيمَانِ مِنْهَا طَرِيقًا إِلَى الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ؛ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِبَعْثَةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَبْرًا عَلَى مَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَذًى، فَاللَّهُ يَنْتَقِمُ مِنَ الظَّالِمِ.

2- لِيَتَّخِذَ أَهْلُ الْإِيمَانِ مِنْ ذَلِكَ طَرِيقًا لِإِحْسَانِ النَّوَايَا، وَالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

3- لِتَذْكِيرِ أَهْلِ الْكُفْرِ بِمَا حَلَّ بِكُلِّ كَفُورٍ، وَبِكُلِّ مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ.

4- أَنَّ الِابْتِلَاءَ يَكُونُ بِالسَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ؛ وَأَسْعَدُ النَّاسِ الشَّاكِرُونَ عِنْدَ السَّرَّاءِ، الصَّابِرُونَ عِنْدَ الضَّرَّاءِ.

5- مَشْرُوعِيَّةُ التَّذْكِيرِ بِأَحْوَالِ الْمُبْتَلَيْنَ وَالْمُعَافَيْنَ؛ لِيُتَّخَذَ مِنْ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ.

6- صَلَاحُ الْآبَاءِ يَنْفَعُ الْأَبْنَاءَ؛ فَقَدِ انْتَفَعَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ بِصَلَاحِ أَبِيهِمُ الَّذِي كَانَ يَتَصَدَّقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ غَلَّةِ بُسْتَانِهِ، وَعَلَامَةُ انْتِفَاعِهِمْ تَوْبَتُهُمْ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 73.48 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 71.76 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.34%)]