الغني جل جلاله وتقدست أسماؤه - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 109 - عددالزوار : 1250 )           »          هل تبحث عن بدائل لـChatGPT؟.. إليك أفضل الخيارات المتاحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          تعرف على الفرق بين الـ Wi-Fi 6 والـ Wi-Fi 6E؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          وداعًا لكلمة السر.. مايكروسوفت تعتمد مفاتيح المرور لتسجيل الدخول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          قبل ما توافق ابنك يلعبها.. تعرف على مخاطر لعبة روبلوكس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          5 أنواع لألعاب روبلوكس آمنة للأطفال تحت 10 سنوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          كيف تسترجع التاج المخفي على فيسبوك بسهولة؟.. خطوة بخطوة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          خطوة بخطوة ..كيف تخفى ذكريات الفيسبوك لتجنب اللحظات الحزينة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          5 معلومات لا تعرفها عن توفير ميزة التسوق فى شات جى بى تى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          كيفية حذف حسابك على تويتر (أو x) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 21-01-2024, 01:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,015
الدولة : Egypt
افتراضي الغني جل جلاله وتقدست أسماؤه

الغني جل جلاله وتقدست أسماؤه
الشيخ وحيد عبد السلام بالي

الْغَنِيُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ:
الْغَنِيُّ فِي اللُّغَةِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ لِمَنِ اِتَّصَفَ بَالْغِنَى، فِعْلُهُ غَنِيَ غِنًى وَاسْتَغْنَى وَاغْتَنَى فَهُوَ غَنِيٌّ.

وَالْغِنَى فِي حَقِّنَا قِلَّةُ الْاِحْتِيَاجِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ نِسْبِيٌّ، وَيَتَحَقَّقُ غَالِبًا بِالْأَسْبَابِ الَّتِي اُسْتُؤمِنَ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ وَاسْتَخْلَفَهُ اللهُ فِيهَا كَالْأَمْوَالِ وَالْأَقْوَاتِ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفِسِهِ الْحَاجَاتِ وَمُخْتَلَفَ الضَّرُورِيَّاتِ[1]، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ [التوبة: 93].

وَالْغِنَى إِنْ تَعَلَّقَ بِالمَشِيئَةِ فَهُوَ وَصْفُ فِعْلٍ كَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 28].

وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى [النجم: 48].

وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالمَشِيئَةِ فَهُوَ وَصْفُ ذَاتٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: 97].

وَكَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15].

وَالْغَنِيُّ سُبْحَانَهُ هُوَ المُسْتَغْنِي عَنِ الْخَلْقِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَالْخَلْقُ جَمِيعًا فُقَرَاءٌ إِلَى إِنْعَامِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى أَحَدٍ فِي شَيءٍ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْغِنَى المُطْلَقُ، وَلَا يُشَارِكُ اللهَ تَعَالَى فِيهِ غَيرُهُ، وَالْغَنِيُّ أَيْضًا هُوَ الَّذِي يُغْنِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ عَلَى قَدْرِ حِكْمَتِهِ وَابْتِلَائِهِ.

وَأَيُّ غَنيٍّ سِوَى اللهِِ فَغِنَاهُ نِسْبِيٌّ مُقَيَّدٌ، أَمَّا غِنَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ فَهُوَ كَامِلٌ مُطْلَقٌ، وَمَهْمَا بَلَغَ المَخْلُوقُ فِي غِنَاهُ فَهُوَ فَقِيرٌ إِلَى اللهِ؛ لَأَنَّ اللهَ هُوَ المُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ وَالمُلْكِ وَالتَّدْبِيرِ فَهُوَ المَالِكُ لِكُلِّ شَيءٍ، المُتَصَرِّفُ بِمَشِيئَتِهِ فِي خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ، يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ مِنْ فَضْلِهِ، وَقَسَمَ لِكُلِّ مَخْلوقٍ مَا يَخُصُّهُ فِي حَيَاتِهِ وَرِزْقُهُ، وَعَطَاؤُهُ لَا يَمْتَنِعُ، وَمَدَدُهُ لَا يَنْقَطِعُ، وَخَزَائِنُهُ مَلْأَى لَا تَنْفَدُ.

رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَدُ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ»[2].

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مَمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ»[3].

فَالْغَنِيُّ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْلَاقِ وَالْقِيَامِ بِالنَّفْسِ هُوَ اللهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ سِوَاهُ، فَهُوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ عَنِ الْعَالَمِينَ، المُسْتَغْنِي عَنِ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، وَاتِّصَافُ غَيْرِ اللهِ بَالْغِنَى لَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْحَقِّ مُتَوَحِّدًا فِي غِنَاهُ؛ لَأَنَّ الْغِنَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ مُقَيَّدٌ، وَفِي حَقِّ اللهِ مُطْلَقٌ، وَهَذَا وَاضِحٌ مَعْلُومٌ، وَذَلِكَ مُضْطَرِدٌ فِي جَمِيعِ أَوْصَافِهِ بِاللُّزُومِ[4].

وُرُودُهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
وَرَدَ الْاسْمُ فِي ثَمَانِ عَشَرَةَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، مِنْهَا: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: 263].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ [الأنعام: 133].

وقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ[يونس: 68].

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم: 8].

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40].

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: 6].

وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15].

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن: 6].

مَعْنَى الاِسْمِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى:
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: «﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: 263]: وَاللهُ غَنِيٌّ عَمَّا يَتَصَدَّقُونَ بِهِ، حَلِيمٌ حِينَ لَا يَعْجَلُ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَنْ يَمُنُّ بِصَدَقَتِهِ مِنْكُم، وَيُؤذِي فِيهَا مَنْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْهِ»[5].

وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة: 267]: «وَاعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ اللهَ عز وجل غَنِيٌّ عَنْ صَدَقَاتِكُمْ وَعَنْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا أَمَرَكُمْ بِهَا وَفَرَضَهَا فِي أَمْوَالِكُمْ رَحْمَةً مِنْهُ لَكُمْ لِيُغْنِيَ بِهَا عَائِلَكُمْ، وَيُقَوِّيَ بِهَا ضَعِيفَكُم، وَيَجْزِلَ لَكُمْ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ مَثُوبَتَكُمْ، لَا مِنْ حَاجَةٍ بِهِ فِيهَا إِلَيْكُمْ»[6].

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: «وَهُوَ (الْغَنِيُّ) وَالْمُسْتَغْنِي عَنِ الْخَلْقِ بِقُدْرَتِهِ وَعِزِّ سُلْطَانِهِ، وَالْخَلْقُ فُقَرَاءٌ إِلَى تَطوُّلِهِ وَإِحْسَانِهِ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [محمد: 38][7].

وَقَالَ الزَّجَّاجِيُّ: «الْغَنِيُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الَّذِي لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ اللهُ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَى أَحَدٍ جَلَّ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا كَمَا قَالَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: 6].

وَكُلُّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ - جَلَّ اِسْمُهُ - مُحْتَاجٌ، كَمَا قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15].

فَاللهُ عز وجل لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَى أَحَدٍ فِيمَا خَلَقَ وَيَخْلُقُ، وَدَبَّرَ وَيُدَبِّرُ، وَيُعْطِي وَيَرْزُقُ، وَيَقْضِي وَيُمْضِي، لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ»[8].

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: «(الْغَنِيُّ) هُوَ الَّذِي اِسْتَغْنَى عَنِ الْخَلْقِ وَعَنْ نُصْرَتِهِم وَتَأْيِيدِهِمْ لِمُلْكِهِ، فَلَيْسَتْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ إِلَيْهِ فُقَرَاءٌ مُحْتَاجُونَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ تَعَالَى فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [محمد: 38]»[9].

وَقَالَ الْحُلَيْمِيُّ: «(الْغَنِيُّ) وَمَعْنَاهُ: الْكَامِلُ بِمَا لَهُ وَعِنْدَهُ، فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَرَبُّنَا - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لَأنَّ الْحَاجَةَ نَقْصٌ، وَالمُحْتَاجُ عَاجِزٌ عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَهُ وَيُدْرِكَهُ، وَلِلمُحْتَاجِ إِلَيْهِ فَضْلٌ بِوُجُودِ[10] مَا لَيْسَ عِنْدَ المُحْتَاجِ.

فَالنَّقْصُ مَنْفِيٌّ عَنِ الْقَدِيمِ بِكُلِّ حَالٍ، وَالْعَجْزُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ فَضْلٌ[11]؛ إِذْ كُلُّ شَيءٍ سِوَاهُ خَلْقٌ لَهُ وَبِدْعٌ أَبْدَعَهُ، وَلَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَمَا يُرِيدُهُ اللهُ عز وجل وَيُدَبِّرُهُ، فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ هَذَا اتِّسَاعٌ لِفَضْلِهِ عَلَيْهِ»[12].

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: «هُوَ الَّذِي اسْتَغْنَى عَنِ الْخَلْقِ، وَقِيلَ: المُتَمَكِّنُ مِنْ تَنْفِيذِ إِرَادَتِهِ فِي مُرادَاتِهِ، وَهَذِهِ صِفَةٌ يَسْتَحِقُّهَا بِذَاتِهِ»[13].

وَقَالَ فِي المَقْصِدِ: «(الْغَنِيُّ) هُوَ: الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِ ذَاتِهِ، بَلْ يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الْعِلَاقَةِ مَعَ الْأَغْيَارِ.

فَمَنْ تَتَعَلَّقْ ذَاتُهُ أَوْ صِفَاتُ ذَاتِهِ بِأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ ذَاتِهِ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهِ وُجُودُهُ أَوْ كَمَالُهُ فَهُوَ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ إِلَى الْكَسْبِ».

قَالَ: «وَالْغَنِيُّ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى أَحَدٍ أَصْلًا، وَالَّذِي يَحْتَاجُ وَمَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَهُوَ غَنِيٌّ بِالمَجَازِ، وَهُوَ غَايَةُ مَا يَدْخُلُ فِي الْإِمْكَانِ فِي حَقِّ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى، فَأَمَّا فَقْدُ الْحَاجَةِ فَلَا، وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا إِلَى اللهِ تَعَالَى سُمِّي غَنِيًّا، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَصْلُ الْحَاجَةِ؛ لِمَا صَحَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ، وَلَوْلَا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْ كُلِّ شَيءٍ سِوَى اللهِ لَمَا صَحَّ للهِ تَعَالَى وَصْفُ المُغْنِي»[14].

الْغِنَى الْمُطْلَقُ للهِ تَعَالَى:
قَالَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ رحمه الله تَعَالَى:
«قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15]، بَيَّنَ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ فَقْرَ الْعِبَادِ إِلَيْهِ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لِهُمْ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمْ، كَمَا أَنَّ كَوْنَهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ذَاتِيٌّ لَهُ، فِغِنَاهُ وَحَمْدُهُ ثَابِتٌ لَهُ لِذَاتِهِ لَا لِأَمْرٍ أَوْجَبَهُ، وَفَقْرُ مَنْ سِوَاهُ إِلَيْهِ ثَابِتٌ لِذَاتِهِ لَا لِأَمْرٍ أَوْجَبَهُ، فَلَا يُعَلَّلُ هَذَا الْفَقْرُ بِحُدُوثٍ وَلَا إِمْكَانٍ، بَلْ هُوَ ذَاتِيٌّ لِلْفَقِيرِ، فَحَاجَةُ الْعَبْدِ إِلَى رَبِهِ لِذَاتِهِ لَا لِعِلَّةٍ أَوْجَبَتْ تِلْكَ الْحَاجَةَ، كَمَا أَنَّ غِنَى الرَّبِ سُبْحَانَهُ لِذَاتِهِ لَا لِأَمْرٍ أَوْجَبَ غِنَاهُ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَةَ:
وَالْفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لَازِمٌ أَبَدًا
كَمَا الْغِنَى أَبَدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي



فَالْخَلْقُ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ إِلَى رَبِّهِ بِالذَّاتِ لَا بِعِلَّةٍ، وَكُلُّ مَا يُذْكَرُ وَيُقَرَّرُ مِنْ أَسْبَابِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ فَهِيَ أَدِلَّةٌ عَلَى الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ لَا عِلَلَ لِذَلِكَ؛ إِذْ مَا بِالذَّاتِ لَا يُعَلَّلُ، فَالْفَقِيرُ بِذَاتِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى الْغَنِيِّ بِذَاتِهِ، فَمَا يُذْكَرُ مِنْ إِمْكَانٍ وَحُدُوثٍ وَاحْتِيَاجٍ فَهِيَ أَدِلَّةٌ عَلَى الْفَقْرِ لَا أَسْبَابٌ لَهُ.

وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ فِي مَسْأَلَةِ عِلَّةِ احْتِيَاجِ الْعَالَمِ إِلَى الرَّبِ سُبْحَانَهُ غَيْرَ الْقَوْلَينِ اللَّذَيْنِ يَذْكُرُهُمَا الْفَلَاسِفَةُ وَالمُتَكَلِّمُونَ، فَإِنَّ الْفَلَاسِفَةَ قَالُوا: عِلَّةُ الْحَاجَةِ الْإِمْكَانُ، وَالمُتَكَلِّمُونَ قَالُوا: عِلَّةُ الْحَاجَةِ الْحُدُوثُ.

وَالصَّوَابُ أَنَّ الْإِمْكَانَ وَالْحُدُوثَ مُتَلَازِمَانِ، وَكِلَاهُمَا دَلِيلُ الْحَاجَةِ وَالْافْتِقَارِ، وَفَقْرُ الْعَالَمِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَا يُعَلَّلُ، فَهُوَ فَقِيرٌ بِذَاتِهِ إِلَى رَبِّهِ الْغَنِيِّ بِذَاتِهِ، ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بإِمْكَانِهِ وَحُدُوثِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْفَقْرِ.

وَالمَقْصُودُ أَنَّه سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ عَنْ حَقِيقَةِ الْعِبَادِ وَذَوَاتِهِم بِأَنَّهَا فَقِيرَةٌ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ ذَاتِهِ المُقَدَّسَةِ وَحَقِيقَتِهِ أَنَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، فَالْفَقْرُ المُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ثَابِتٌ لِذَوَاتِهِم وَحَقَائِقِهِم مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَالْغِنَى المُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ثَابِتٌ لِذَاتِهِ تَعَالَى وَحَقِيقَتِهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ إِلَّا فَقِيرًا، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ إِلَّا غَنِيًّا، كَمَا أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ إِلَّا عَبْدًا وَالرَّبُّ إِلَّا رَبًّا.

فَقْرُ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ دَرَجَاتٌ:
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَالْفَقْر فَقْرَانِ:
فَقْرٌ اِضْطِرَارِيٌّ، وَهُوَ فَقْرٌ عَامٌّ لَا خُرُوجَ لِبَرٍّ وَلَا فَاجِرٍ عَنْهُ، وَهَذَا الْفَقْرُ لَا يَقْتَضِي مَدْحًا وَلَا ذَمًّا وَلَا ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِ المَخْلُوقِ مَخْلُوقًا وَمَصْنُوعًا.

وَالْفَقْرُ الثَّانِي: فَقْرٌ اِخْتِيَاريٌّ هُوَ نَتِيجَةُ عِلْمَيْنِ شَرِيفَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ، وَالثَّانِي مَعْرِفَتُهُ بِنَفْسِهِ، فَمَتَى حَصَلَتْ لَهُ هَاتَانِ المَعْرِفَتَانِ أَنْتَجَتَا فَقْرًا هُوَ عَيْنُ غِنَاهُ وَعِنْوَانُ فَلَاحِهِ وَسَعَادَتِهِ، وَتَفَاوُتُ النَّاسُ فِي هَذَا الْفَقْرِ بَحَسَبِ تَفَاوُتِهِم فِي هَاتَيْنِ المَعْرِفَتَيْنِ...

فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْغِنَى المُطْلَقِ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْفَقْرِ المُطْلَقِ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالعَجْزِ التَّامِّ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْعِزِّ التَّامِّ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالمَسْكَنَةِ التَّامَّةِ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْعِلْمِ التَّامِّ وَالْحِكْمَةِ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْجَهْلِ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ أَخْرَجَ الْعَبْدَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ، وَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى عَطَاءٍ وَلَا مَنْعٍ وَلَا ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ وَلَا شَيءٍ الْبَتَّةَ، فَكَانَ فَقْرُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ إِلَى مَا بِهِ كَمَالُهُ أَمْرًا مَشْهُودًا مَحْسُوسًا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَمَا بِالذَّاتِ دَائِمٌ بِدَوَامِهَا، وَهُوَ لَمْ يَنْتَقِلُ مِنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ إِلَى رُتْبَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْغِنَى، بَلْ لَمْ يَزَلْ عَبْدًا فَقِيرًا بِذَاتِهِ إِلَى بَارِئِهِ وَفَاطِرِهِ.

فَلَمَّا أَسْبَغَ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ رَحْمَتَهُ، وَسَاقَ إِلَيْهِ أَسْبَابَ كَمَالِ وُجُودِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَخَلَعَ عَلَيْهِ مَلَابِسَ إِنْعَامِهِ، وَجَعَلَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ، وَعَلَّمَهُ وأَقْدَرَهُ وَصَرَّفَهُ وَحَرَّكَهُ، وَمَكَّنَهُ مِنِ اسْتِخْدَامِ بَنِي جِنْسِهِ، وَسَخَّرَ لَهُ الْخَيْلَ والْإِبِلَ، وَسَلَّطَهُ عَلَى دَوَابِّ المَاءِ، وَاسْتِنْزَالِ الطَّيْرِ مِنَ الْهَوَاءِ، وَقَهْرِ الْوُحُوشِ الْعَادِيَةِ، وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ، وَغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَشَقِّ الْأَرْضِ، وَتَعْلِيَةِ الْبِنَاءِ، وَالتَّحَيُّلِ عَلَى مَصَالِحهِ، وَالتَّحَرُّزِ وَالتَّحَفُّظِ لِمَا يُؤْذِيهِ، ظَنَّ الْمِسْكِينُ أَنَّ لَهُ نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ، وَادَّعَى لِنَفْسِهِ مُلْكًا مَعَ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَرَأَى نَفْسَهُ بِغَيْرِ تِلْكَ الْعَيْنِ الْأُولَى، وَنَسِيَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَالَةِ الْإِعْدَامِ وَالْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، حَتَى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُوَ ذَلِكَ الْفَقِيرَ المُحْتَاجَ، بَلْ كَأَنَّ ذَلِكَ شَخْصًا آخَرَ غَيْرَهُ.

كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ بُسْرِ بِنْ جَحَّاشٍ الْقُرَشِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَصَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا إِصْبُعَهُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: «يَا ابْنَ آدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ حَتَى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ حَتَى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ»[15]، وَمِنْ هَهُنَا خُذِلَ مَنْ خُذِلَ وَوُفِّقَ مَنْ وُفِّقَ، فَحُجِبَ المَخْذُولُ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَنَسِيَ نَفْسَهُ فَنَسِيَ فَقْرَهُ وَحَاجَتَهُ وَضَرُورَتَهُ إِلَى رَبِّهِ، فَطَغَى وَعَتَا، فَحَقَّتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6، 7].

وَقَالَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: 5 - 10].

فَأَكْمَلُ الْخَلْقِ أَكْمَلُهُمْ عُبُودِيَّةً وَأَعْظَمُهُمْ شُهُودًا لِفَقْرِهِ وَضَرُورَتِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ وَعَدَمِ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ دُعَائِهِ صلى الله عليه وسلم: «أَصْلِحْ لِي شأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ»[16]، وَكَانَ يَدْعُو: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك»[17]، يَعْلَمُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ قَلْبَهُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ عز وجل لَا يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَصْرِفُهُ كَمَا يَشَاءُ.

كَيْفَ وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: 74]، فَضَرُورَتُهُ صلى الله عليه وسلم إِلَى رَبِّهِ وَفَاقَتُهُ إِلَيْهِ بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ بِهِ، وَحَسَبِ قُرْبِهِ مِنْهُ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وَهَذَا أَمْرٌ إِنَّمَا بَدَا مِنْهُ لِمَنْ بَعْدَهُ مَا يَرْشَحُ مَنْ ظَاهِرِ الْوِعَاءِ، وَلِهَذَا كَانَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً وَأَعْظَمَهُمْ عِنْدَهُ جَاهًا وَأَرْفَعَهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً؛ لِتَكْمِيلِهِ مَقَامَ الْعُبُودِيَّةِ وَالْفَقْرِ إِلَى رَبِّهِ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: «أَيُّهَا النَّاسُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ»[18].

وَكَانَ يَقُولُ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَم، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»[19].

وَذَكَّرَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ بِسِمَةِ الْعُبُودِيَّةِ فِي أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ، مَقَامِ الْإِسْرَاءِ وَمَقَامِ الدَّعْوَةِ وَمَقَامِ التَّحَدِّي، فَقَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: 1].

وَقَالَ: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن: 19].

وَقَال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: 23].

وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: «إِنَّ المَسِيحَ يَقُولُ لَهمْ: اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ عَبْدٍ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ»[20]، فَنَالَ ذَلِكَ الْمَقَامَ بِكَمَالِ عُبُودِيَّتِهِ للهِ وَبِكَمَالِ مَغْفِرَةِ اللهِ لَهُ.

فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر: 15] بِاسْمِ اللهِ دُونَ اِسْمِ الرُّبُوبِيَّةِ لِيُؤْذِنَ بَنَوْعَي الْفَقْرِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ نَوْعَانِ: فَقْرٌ إِلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَهُوَ فَقْرُ المَخْلُوقَاتِ بِأَسْرِهَا، وَفَقْرٌ إِلَى أُلُوهِيَّتِهِ وَهُوَ فَقْرُ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَهَذَا هُوَ الْفَقْرُ النَّافِعُ، وَالَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ الْقَوْمُ وَيَتَكَلَّمُونَ عَلَيْهِ وَيُشِيرُونَ إِلَيْهِ هُوَ الْفَقْرُ الْخَاصُّ لَا الْعَامُّ.

وَقَدِ اِخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُم عَنْهُ وَوَصْفُهُم لَهُ، وَكُلٌّ أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَدْرِ ذَوْقِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى التَّعِبِيرِ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ: «الْفَقْرُ اِسْمٌ لِلْبَرَاءَةِ مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: الدَّرَجَةُ الْأُولَى: فَقْرُ الزُّهَّادِ، وَهُوَ نَفْضُ الْيَدَيْنِ مِنَ الدُّنْيَا ضَبْطًا أَوْ طَلَبًا، وَإِسْكَاتُ اللِّسَانِ عَنْهَا ذَمًّا أَوْ مَدْحًا، وَالسَّلَامَةُ مِنْهَا طَلَبًا أَوْ تَرْكًا، وَهَذَا هُوَ الْفَقْرُ الَّذِي تَكَلَّمُوا فِي شَرَفِهِ، الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: الرُّجُوعُ إِلَى السَّبْقِ بِمُطَالَعَةِ الْفَضْلِ، وَهُوَ يُورِثُ الْخَلَاصَ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَعْمَالِ، وَيَقْطَعُ شُهُودَ الْأَحْوَالِ، وَيُمَحِّصُ مِنْ أَدْنَاسِ مُطَالَعَةِ المَقَامَاتِ، وَالدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: صِحَّةُ الْاِضْطِرَارِ وَالْوُقُوعُ فِي يَدِ التَّقَطُّعِ الْوَحْدَانِي وَالْاحْتِبَاسُ فِي بَيْدَاءَ قَيْدَ التَّجْرِيدِ، وَهَذَا فَقْرُ الصُّوفِيَّةِ».

فَقَوْلُهُ: «الْفَقْرُ اِسْمٌ لِلْبَرَاءَةِ مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ» يَعْنِي: أَنَّ الْفَقِيرَ هُوَ الَّذِي يُجَرِّدُ رُؤْيَةَ المُلْكِ لِمَالِكِهِ الحَقِّ، فَيَرَى نَفْسَهُ مَمْلُوكَةً للهِ، لَا يَرَى نَفْسَهُ مَالِكًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَيَرَى أَعْمَالَهُ مُسْتَحَقَّةً عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى كَوْنِهِ مَمْلُوكًا عَبْدًا مُسْتَعْمَلًا فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ، فَنَفْسُهُ مَمْلُوكَةٌ، وَأَعْمَالُهُ مُسْتَحَقَّةٌ بِمُوجِبِ الْعُبُودِيَّةِ، فَلَيْسَ مَالِكًا لِنَفْسِهِ وَلَا لِشَيءٍ مِنْ ذَرَّاتِهِ وَلَا لِشَيءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مَمْلُوكٌ عَلَيْهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، كَرَجُلٍ اِشْتَرَى عَبْدًا بِخَالِصِ مَالِهِ ثُمَّ عَلَّمَهُ بَعْضَ الصَّنَائِعِ، فَلَمَّا تَعَلَّمَهَا قَالَ لَهُ: اِعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ فَلَيْسَ لَكَ فِي نَفْسِكَ وَلَا فِي كَسْبِكَ شَيءٌ، فَلَوْ حَصَّلَ بِيَدِ هَذَا الْعَبْدِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَسْبَابِ مَا حَصَّلَ لَمْ يَرَ لَهُ فِيهَا شَيْئًا، بَلْ يَرَاهُ كَالْوَدِيعَةِ فِي يَدِهِ، وَأَنَّهَا أَمْوَالُ أُسْتَاذِهِ وَخَزَائِنُهُ وَنِعَمُهُ بِيَدِ عَبْدِهِ، مُسْتَودَعًا مُتَصَرِّفًا فِيهَا لِسَيِّدِهِ لَا لِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ: «وَاللهِ إِنِّي لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ»[21]، فَهُوَ مُتَصَرِّفٌ فِي تِلْكَ الْخَزائِنِ بِالْأَمْرِ المَحْضِ تَصَرُّفَ الْعَبْدِ المَحْضِ الَّذِي وَظِيفَتُهُ تَنْفِيذُ أَوَامِرَ سَيِّدِهِ.

فَاللهُ هُوَ المَالِكُ الحَقُّ، وَكُلُّ مَا بِيَدِ خَلْقِهِ هُوَ مِنْ أَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ وَخَزَائِنِهِ، أَفَاضَهَا عَلَيْهِم لِيَمْتَحِنَهُم فِي الْبَذْلِ وَالْإِمْسَاكِ، وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى شَاهِدِ الْعُبُودِيَّةِ للهِ عز وجل، فَيَبْذُلُ أَحَدُهُم الشَّيءَ رَغْبَةً فِي ثَوَابِ اللهِ وَرَهْبَةً مِنْ عِقَابِهِ وَتَقَرُّبًا إِلَيْهِ وَطَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ؟ أَمْ يَكُونُ الْبَذْلُ وَالْإِمْسَاكُ مِنْهُمْ صَادِرًا عَنْ مُرَادِ النَّفْسِ وَغَلَبَةِ الْهَوَى وَمُوجِبِ الطَّبْعِ فَيُعْطِي لِهَوَاهُ وَيَمْنَعُ لِهَوَاهُ؟ فَيَكُونُ مُتَصِرِّفًا تَصَرُّفَ المَالِكِ لَا المَمْلُوكِ، فَيَكُونُ مَصْدَرُ تَصَرُّفِهِ الْهَوَى وَمُرَادَ النَّفْسِ، وَغَايَتُهُ الرَّغْبَةَ فِيمَا عِنْدَ الْخَلْقِ مِنْ جَاهٍ أَوْ رِفْعَةٍ أَوْ مَنْزِلَةٍ أَوْ مَدْحٍ أَوْ حَظٍّ مِنَ الْحُظُوظِ، أَوِ الرَّهْبَةِ مِنْ فَوْتِ شَيءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.

وَإِذَا كَانَ مَصْدَرُ تَصَرُّفِهِ وَغَايَتُهُ هُوَ هَذِهِ الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ رَأَى نَفْسَهُ - لَا مَحَالَةَ - مَالِكًا، فَادَّعَى المُلْكَ وَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْعُبُودِيَّةِ وَنَسِيَ فَقْرَهُ، وَلَوْ عَرَفَ نَفْسَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ لَعَلِمَ أَنَّمَا هُوَ مَمْلُوكٌ مُمْتَحَنٌ فِي صُورَةِ مَلِكٍ مُتَصَرِّفٍ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ[يونس: 14].

وَحَقِيقٌ بِهَذَا المُمْتَحَنِ أَنْ يُوكَلَ إِلَى مَا اِدَّعَتْهُ نَفْسُهُ مِنَ الْحَالَاتِ وَالمَلَكَاتِ مَعَ المَالِكِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ؛ فَإِنَّ مَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ حَالَةً مَعَ اللهِ سُبْحَانَهُ وُكِلَ إِلَيْهَا، وَمَنْ وُكِلَ إِلَى شَيءٍ غَيْرَ اللهِ فَقَدْ فُتِحَ لَهُ بَابُ الْهَلَاكِ وَالْعَطْبِ، وَأُغْلِقَ عَنْهُ بَابُ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَةِ، فَإِنَّ كُلَّ شَيءٍ مَا سِوَى اللهِ بَاطِلٌ، وَمَنْ وُكِلَ إِلَى الْبَاطِلِ بَطَلَ عَمَلُهُ وَضَلَّ سَعْيُهُ وَلَمْ يَحْصُلْ إِلَّا عَلَى الْحِرْمَانِ.

فَكُلُّ مَنْ تَعَلَّقَ بِغَيرِ اللهِ انْقَطَعَ بِهِ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة: 166]، فَالْأَسْبَابُ الَّتِي تَقَطَّعَتْ بِهِم هِيَ الْعَلَائِقُ الَّتِي بِغَيْرِ اللهِ وَلِغَيْرِ اللهِ، تَقَطَعَتْ بِهِم أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهَا، وَذَلِكَ لَأََنَّ تِلْكَ الْغَايَاتِ لَمَّا اِضْمَحَلَّتْ[22] وَبَطَلَتْ اِضْمَحَلَّتْ أَسْبَابُهَا وَبَطَلَتْ؛ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ تَبْطُلُ بِبُطْلَانِ غَايَاتِهَا وَتَضْمَحِلُّ بِاضْمِحْلَالِهَا، وَكُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ سُبْحَانَهُ، وَكُلُّ عَمَلٍ بَاطِلٌ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ، وَكُلُّ سَعْيٍ لِغَيْرِهِ بَاطِلٌ وَمُضْمَحِلٌّ، وَهَذَا كَمَا يُشَاهِدُهُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا مِنَ اِضْمِحْلَالِ السَّعْيِ وَالْعَمَلِ وَالْكَدِّ وَالْخِدْمَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْعَبْدُ لِمُتَوَلٍّ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ صَاحِبِ مَنْصِبٍ أَوْ مَالٍ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ الَّذِي عَمِلَ لَهُ عُدِمَ ذَلِكَ الْعَمَلُ وَبَطَلَ ذَلِكَ السَّعْيُ وَلَمْ يَبْقَ فِي يَدِهِ سِوَى الْحِرْمَانِ.

وَلِهَذَا يَقُولُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَلَيْسَ عَدْلًا مِنِّي أَنِّي أُوَلِّي كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُم مَا كَانَ يَتَوَلَّى فِي الدُّنْيَا، فَيَتَوَلَّى عُبَّادُ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ أَصْنَامَهُمْ وَأَوْثَانَهُمْ فَتَتَسَاقَطُ بِهِم فِي النَّارِ، وَيَتَوَلَّى عَابِدُو الشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَالنُّجُومِ آلِهَتَهُم، فَإِذَا كُوِّرَتِ الشَّمْسُ وَانْتَثَرَتِ النُّجُومُ اضْمَحَلَّتْ تِلْكَ الْعِبَادَةُ وَبَطَلَتْ وَصَارَتْ حَسْرَةً عَلَيْهِم:﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: 167]، وَلِهَذَا كَانَ المُشْرِكُ مِنْ أَخْسَرِ النَّاسِ صَفْقَةً وَأَغْبَنِهِم يَوْمَ مَعَادِهِ؛ فَإِنَّهُ يُحَالُ عَلَى مُفْلِسٍ كُلِّ الْإِفْلَاسِ بَلْ عَلَى عَدَمٍ، وَالمُوَحِّدُ حِوَالَتُهُ عَلَى المَلِيءِ الْكَرِيمِ، فَيا بُعْدَ مَا بَيْنَ الْحِوَالَتَيْنِ.

وَقَوْلُهُ: «الْبَرَاءَةُ مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ» وَلَمْ يَقُلْ مِنَ المَلَكَةِ لَأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ فَقِيرًا لَا مَلَكَةَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَهُوَ عَرِيٌّ عَنِ التَّحْقِيقِ بِنَعْتِ الْفَقْرِ المَمْدُوحِ أَهْلُهُ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ مَلَكَةً إِلَّا لِمَالِكِهَا الحَقِّ ذِي المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَبْدُ قَدْ فُوِّضَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ وَجُعِلَ كَالْخَازِنِ فِيهِ، كَمَا كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أُوتِيَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَذَلِكَ الْخَلِيلُ وَشُعَيْبٌ وَالْأَغْنِيَاءُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَلِكَ أَغْنِيَاءُ الصَّحَابَةِ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا بَرِيئِينَ مِنَ المَلَكَةِ فِي الظَّاهِرِ، وَهُمْ بَرِيئُونَ مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ لِنُفُوسِهِم، فَلَا يَرَوْنَ لَهَا مِلْكًا حَقِيقِيًّا بَلْ يَرَوْنَ مَا فِي أَيْدِيهِم للهِ عَارِيَةً وَوَدِيعَةً فِي أَيْديهِمْ، ابْتَلَاهُمْ بِهِ؛ لِيَنْظُرَ هَلْ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ تَصَرُّفَ العَبِيدِ أَوْ تَصَرُّفَ المُلَّاكِ الَّذِينَ يُعْطُونَ لِهَوَاهُمْ وَيَمْنَعُونَ لِهَوَاهُمْ.

فَوُجُودُ المَالِ فِي يَدِ الْفَقِيرِ لَا يَقْدَحُ فِي فَقْرِهِ، إِنَّمَا يَقْدَحُ فِي فَقْرِهِ رُؤْيَتُهُ لَمَلَكَتِهِ، فَمَنْ عُوفِيَ مِنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ لَمْ يَتَلَوَّثْ بَاطِنُهُ بِأَوْسَاخِ المَالِ وَتَعَبِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَكَانَ كَالخَازِنِ لِسَيِّدِهِ الَّذِي يُنَفِّذُ أَوَامِرَهُ فِي مَالِهِ، فَهَذَا لَوْ كَانَ بِيَدِهِ مِنَ المَالِ أَمْثَالُ جِبَالِ الدُّنْيَا لَمْ يَضُرَّهُ، وَمَنْ لَمْ يُعَافَ مِنْ ذَلِكَ اِدَّعَتْ نَفْسُهُ المَلَكَةَ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ النَّفْسُ تَعَلُّقَهَا بِالشَيءِ المَحْبُوبِ المَعْشُوقِ، فَهُوَ أَكْبَرُ هَمِّهِ وَمَبْلَغُ عِلْمِهِ: إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ، فَهُوَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، يُصْبِحُ مَهْمُومًا وَيُمْسِي كَذَلِكَ، يَبِيتُ مُضَاجِعًا لَهُ، تَفْرَحُ نَفْسُهُ إِذَا ازْدَادَ، وَتَحْزَنُ وَتأْسَفُ إِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيءٌ، بَلْ يَكَادُ يَتْلَفُ إِذَا تَوَهَّمَتْ نَفْسُهُ الْفَقْرَ، وَقَدْ يُؤَثِرُ المَوْتَ عَلَى الْفَقْرِ، وَالْأَوَّلُ مُسْتَغْنٍ بِمَوْلَاهُ المَالِكِ الحَقِّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِذَا أَصَابَ المَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ نَائِبَةٌ رَأَى أَنَّ المَالِكَ الحَقَّ هُوَ الَّذِي أَصَابَ مَالَ نَفْسِهِ.

فَمَا لِلْعَبْدِ وَمَا لِلْجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَإِنَّمَا تَصَرُّفُ مَالِكِ المَالِ فِي مُلْكِهِ الَّذِي هُوَ وَدِيعَةٌ فِي يَدِ مَمْلُوكِهِ، فَلَهُ الْحُكْمُ فِي مَالِهِ: إِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ، وَإِنْ شَاءَ ذَهَبَ بِهِ وَأَفْنَاهُ، فَلَا يَتَّهِمُ مَوْلَاهُ فِي تَصَرُّفِهِ فِي مُلْكِهِ، وَيَرَى تَدْبِيرَهِ هُوَ مُوجِبُ الْحِكْمَةِ، فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ بِالمَالِ تَعَلُّقٌ وَلَا لَهُ بِهِ اِكْتِرَاثٌ؛ لِصُعُودِهِ عَنْهُ وَارْتِفَاعِ هِمَّتُهُ إِلَى المَالِ الحَقِّ، فَهُوَ غَنِيٌّ بِهِ وَبِحُبِّهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَقُرْبِهِ مِنْهُ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَهُوَ فَقِيرٌ إِلَيْهِ دُونَ مَا سِوَاهُ، فَهَذَا هُوَ الْبَرِيءُ عَنْ رُؤْيَةِ المَلَكَةِ المُوجِبَةِ لِلطُّغْيَانِ.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 214.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 212.50 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.80%)]