المصطلح الأصولي في الخطاب الخلدوني - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         العلاقة بين صلاة الفجر والنصر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          المال ظل زائل وعارية مستردة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          العناية بحقوق العباد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الوجوه والنظائر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          إفشاء الأسرار في التواصل الاجتماعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          العقارب… وموسم الهجرة من الرمل إلى العقول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          الحِرْص في طلَب العِلْم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          الرد على من ينكر الإسراء والمعراج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          الإيمان بالقدر خيره وشره (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          أثر المتصوفة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 31-12-2022, 02:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,261
الدولة : Egypt
افتراضي المصطلح الأصولي في الخطاب الخلدوني

المصطلح الأصولي في الخطاب الخلدوني
سعيد بنسعيد العلوي (*)



في مقدمة ابن خلدون أمور عديدة تغرى بالحديث عن العقلانية وتمجيد العقل. في طليعة تلك الأمور الكلام الصريح عن (طبائع الأشياء) حينا قليلا والحديث الضمني عنها أحيانا غالبة، ذلك أن لكل من العصبية، والملك، والبداوة، والحضارة، والعمران، وكذا الباقي من المفاهيم الخلدونية المعلومة، طبائعَ قارةً تلازم كل ما تعبر عنه هذه المفاهيم فهي لا تفارقها، وبموجبها يكون الفعل والحركة الانتقال من حال إلَى حال، إذ لكل شيء غاية يقصدها. فالغاية التي تؤدى إليها العصبية هي الملك، و الغاية التي يسعى إليها الملك هي الانفراد بالمجد، والغاية التي تسعى إليها الدولة هي الهرم، فهو يصيبها في الجيل الرابع، بعد أن تكون الدولة قد مرت بأجيال ثلاثة لكل جيل منها بِدَوْرِهِ طبيعته المميزة التي لا يملك أن يحيد عنها. ومن الأمور التي حملت الجمهرة الكبيرة من قراء المقدمة، منذ (إعادة اكتشافها) في عشرينات القرن الماضي، على الحديث عن العقل والعقلانية حديث أبي زيد نفسه عن التاريخ وعن (طبيعته) خاصة، فقد أغرى العديد من الدارسين بالحديث عن (المعنى) وعن (المنطق) الذي يخضع له التاريخ البشري في سيره، وبالجملة رأينا من الكثيرين جنوحا إلَى اعتبار ابن خلدون فيلسوفا للتاريخ تارة، ومؤسسا لعلم الاجتماع تارة أخرى، ورائدا من رواد الاقتصاد السياسي طورا ثالثا، بل إن المجال قد يتسع ليجعل من المؤرخ العربي الكبير رائدا لعلوم أخرى مثل المناخ، والجغرافيا الاقتصادية، وعلم النفس الاجتماعي. ولعل النموذج الواضح هو ذاك الذي يقدمه المفكر القومي العربي ساطع الحصري في كتابه (دراسات في مقدمة ابن خلدون) حيث يبدو ابن خلدون سابقاً على فيكو وهردر وكانط وهيجل وسبنسر، ومؤسسا أول لعلوم كثيرة لم يكن -بطبيعة الأمر- ظهورها ممكنا إلا بحدوث تراكم معرفي هائل من جانب أول، وتحقق عدد من الثورات العلمية من جانب ثان. أضف إلَى ذلك أن الاعتقاد الديني الذي كان الفقيه المالكي والمتكلم الأشعري يصدر عنه يجعل إبحاره في المحيط الذي يريد الحصري أن يلقى به فيه أمرا متعذرا، من ذلك مثلا أن مؤرخنا الكبير، متى نظرنا إليه في دائرة النظام المعرفي الذي ينتمي إليه، لم يكن يملك الحديث عن المعنى في التاريخ - على النحو الذي نجده عند فيكو أَو كانط أَو هيجل مادام الله هو الذي يوجه التاريخ ويقود الإنسان.


هل يفيد كلامنا هذا الإقصاء الكلي للعقل والمعقولية عن الفكر الخلدوني؟
الحق أنه لا شيء أكثر سذاجة من تقرير رأي مماثل في (المقدمة) وصاحبها. وقد يكفى، في دحض هذا الاعتقاد أن يتأمل المرء حديث ابن خلدون عن العمران البشري، أَو ينظر في شرحه للتعاقب في أحوال الاجتماع البشري بين (البداوة) و(الحضارة)، وقد يبدو فساد هذا الرأي كلية متى تابعنا تعليل ابن خلدون للأسباب التي تجعل المؤرخين يقعون في الأخطاء الشنيعة التي يروجونها أحيانا. ما نود قوله فحسب هو أن (العقل) و (المعقولية) يكتسبان في النظام الخلدوني المعرفي معنى يتصل بالمرجعيات التي يصدر عنها ابن خلدون أَو لنقل، في عبارة أخرى: إن العقل والمعقولية، في الخطاب الخلدوني في المقدمة - محكومان بالأسس الأبستيمولوجية التي يرجع إليها فكر صاحب المقدمة وكذا بالدلالة العميقة للعلم (أو الأبستمي) الذي كان الأفق النظري لصاحب المقدمة مشدودا إليه. وما نود الإسهام به، هنا حول مرجعيات ابن خلدون ومصادر تفكيره، هو التنبيه على أهمية المصدر الأصولي في النص الخلدوني: أصول الدين من جانب أول، وأصول الفقه من جانب ثان. يمكن القول، بكيفية أخرى: إن غرضنا هو توجيه الانتباه إلَى أهمية المصادر الدينية الإسلامية في الفكر الخلدوني وخاصة ما كان من تلك المصادر في الرتبة العليا من العلوم الشرعية وهذا من جهة أولى، وأما من جهة ثانية فهو التنبيه، خاصة، إلَى أن اللغة الأصولية في الخطاب الخلدوني، تمكن القارئ من المفاتيح الصالحة لولوج عالم العقل واستكناه (العقلانية) التي ظلت تغري قراء المقدمة ببريق شديد حمل الكثرة من الباحثين على إخراج ابن خلدون من عالمه المعرفي، وسياقه الديني، ووجوده التاريخي.
غني عن البيان، فيما نقدر، أن إسهامنا هذا لا يتوخى القيام بدراسة فيلولوجية، ولا تطمح إلَى تحصيل جرد شامل للمصطلحات الأصولية في المقدمة، وهي كذلك أبعد ما تكون عن ادعاء محاولة تفكيك بنية الخطاب الخلدوني، بل إنها لا تريد أن تعدو عمل التذكير ببعض المفاهيم الكلامية والأصولية في المقدمة وعملها الخفي والفاعل في البنية الذهنية الخلدونية. والتماسا لما نود الوصول إليه هنا هو ترتيب القول في أقسام قصيرة ثلاثة. قسم أول نفرده للحديث عن (فن التاريخ) في الخطاب الخلدوني، وقسم ثان نجعله للحديث في الأصول (أصول الدين وأصول الفقه) ومكانتهما في التاريخ. وقسم ثالث نقف فيه عند مفهوم (العادة) عند ابن خلدون.


أولا: فن التاريخ علم مقصود بالذات
يقول ابن خلدون، فيما يصح اعتباره حديثا في (إحصاء العلوم) كما يقول مفكرو الإسلام القدامى أَو خطاباً في (تصنيف العلوم)، كما يقال في الفكر الفلسفي الحديث:
(اعلم أن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين: علوم مقصودة بالذات، كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام، وكالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة. وعلوم هي آلية ووسيلة لهذه العلوم، كالعربية وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق والفلسفة وربما كان آلة لعلم الكلام ولأصول الفقه على طريقة المتأخرين)(1).
لعل الملاحظة الأولى، البادية للعيان، هي أنه ليس للتاريخ ذكر في هذا الإحصاء والتصنيف، فهل يجوز القول بأن المؤرخ العربي الأكبر لا يرى للتاريخ مكانا في اللوحة الكبرى مادام لا يصرح بذلك تصريحا؟ من الطبيعي أن الجواب لا يحتمل أن يكون بالإيجاب وإلا عدت كتابة المقدمة عبثا، واعتبر حديث ابن خلدون في التاريخ ثرثرة لا طائل فيها. نقرأ في تصدير المقدمة بعد الحمدلة والتصلية مباشرة (أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي يتداولها الأمم والأجيال (...) في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق (...) وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق)(2). ومن الجلي بذاته أن العلم (بكيفيات الوقائع) لا يتأتى لما كان من العلوم مساعدا، كما أن النظر والتحقيق والتعليل تستدعي، من حيث هي كذلك، التوسل بآليات وعلوم مساعدة عديدة. وغني عن البيان كذلك أن ما كان من العلوم معدودا في علوم الحكمة لا يجوز له أن ينسب في لوحة العلوم إلَى ما كان في مؤخر اللوحة وأسفلها. ثم إن صاحب المقدمة يقول عن التاريخ في (المقدمة في فضل علم التاريخ): (اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية). والترتيب بالشرف والرتبة، وفقا لنظام المعرفة الإسلامية في العصر الكلاسيكي الذي يتوافق بدوره مع التصنيف الأرسطي للمعارف، يجعل الأعلى والأول أكثر شمولية واقتضاء لعلوم أخرى مساعدة مادام العلو علوا بالرتبة، و مادامت صفة الشرف التي يحق للعلم حيازتها تلحقه من جهة سمو الغاية التي يهدف إليها. وإذ كان التاريخ كذلك، على ما ذكر صاحب المقدمة قبل قليل كان (يحتاج صاحب هذا الفن إلَى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات) وهذه القواعد والطبائع تستدعي، من حيث هي كذلك، الإحاطة بسلسلة من المعارف المتضافرة. ومن جهة أخرى كان الجهل بها (وهو ما يقول عنه ابن خلدون: إِنه الجهل بطبائع (العمران البشري)) يوقع المؤرخين في عدد من الأخطاء والأوهام يخصص لها صفحات مستفيضة من تمهيده للحديث في طبيعة العمران. ومن ثم فإن (فن التاريخ) كما يدعوه تارة، أَو (علم التاريخ)، كما يدعوه أخرى، لا يحتمل أن يخرج من دائرة العلوم الكلية، أَو الأولية، أي تلك التي يقول عنها صاحب المقدمة: إِنها علوم مقصودة بالذات.
الملاحظة الثانية، ويحملنا عليها حديث أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون عن التاريخ، تتصل بالتصنيف الآخر الذي يستدعيه منطق الحديث في العلوم ونوعها وتجعلنا أمام التساؤل ما إذا كان التاريخ يتصل بالشرعيات أم أن الأحرى به أن ينتسب إلَى الطبيعيات والإلهيات؟ والحق أن قارئ المقدمة سيجد لكلا الموقفين ما يبرره ويؤيده. فمن جهة أولى نجد أن أحاديث ابن خلدون عن طبائع الأشياء عامة، وعن (عمران العالم) خاصة، هي من الكثرة والوضوح والشمول معا بحيث إنها تجعل التاريخ، ضرورة ومنطقا، في عداد العلوم الطبيعية والفلسفية. وقد يكفي أن نقف عند الخبر والأسباب التي تجعل الكذب يتطرق إليه حتى نجد من الأمثلة والأدلة ما يؤيد هذا الرأي ويزكيه، بل إن القارئ يتبين أن الإكثار من أمثلة التاريخ الإسلامي، وتاريخ الغرب الإسلامي تحديدا إنما كان للسهولة في الاحتجاج من جانب وللقصور عن الإتيان، أحيانا، بأمثلة أخرى من تاريخ الأمم والشعوب الأخرى. وعلى كلٍّ فنحن لا نحسب أن المنحى الحِكِْميّ (مع كسر الحاء وتسكين الكاف) في المقدمة يفتقر إلَى الدليل. ومن جهة ثانية نجد أن الفصول العديدة في المعارف الإسلامية المختلفة، تلك التي تجعل من المقدمة دائرة معارف عامة، وكذا الفصول المخصصة للقول في الخلافة والقضايا المتصلة بها، ثم الإفاضة في الحديث عن العلوم الإسلامية المحض،كل ذلك يجد للقول في اتصال (فن التاريخ) بالشرعيات ما يبرره ويدعمه كذلك.
يمكن القول، أخذا بالمنطق - الذي كان أهل الفكر السياسي في الإسلام (مثل الماوردي ومن نسج على منواله) يعملون به بأن التاريخ ينتسب، إلَى العلوم الشرعية وإلى الطبيعيات والإلهيات معا. التاريخ، من جهة انتسابه إلَى (الشرعيات) ومن حيث شرف غايته واقتضاؤه لذلك أن يكون علما مقصودا بالذات، يرقى إلَى رتبة تجعله في مصافِّ (العلم الكليِّ من العلوم الدينية) كما يقول أبو حامد الغزالي عن علم الكلام، أَو هو في رتبة (رئيس العلوم) كما يقول عضد الدين الإيجي عن أصول الدين أيضا(3). والتاريخ، من جهة كونه (خبراً عن الاجتماع البشري الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال) ليس يقبل رتبة تنزل به عن الحكمة بل أَنْ يكون فيها أصيلا وعريقا لها، قرأنا ذلك في تصدير المقدمة.
إذا لم يكن ابن خلدون قد صرح تصريحا بانتساب التاريخ إلَى دائرة العلوم المقصودة بذاتها ولم يكن في قول صريح كذلك قد نبه إلَى الشرعيات أَو إلَى الطبيعيات والإلهيات - فإنه كان يمتلك وعيا قويا، بل وعيا حادا، بأنه بصدد تأسيس علم جديد له الصفات التي ذكرنا في الفقرة أعلاه وأنه لم يسبق إلَى ذلك العلم (فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب (...) وكأن هذا علم مستقل بنفسه فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني (...) واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة غزير الفائدة)(4).
هذا العلم المستحدث الصنعة، الغريب النزعة، الغزير الفائدة كما يصفه ابن خلدون، ذاك الذي هو مقصود بذاته، بالنظر إلَى مرتبته وغايته، العلم الذي يمكنه موضوعه (العمران البشري) من الانتساب إلَى العلوم الشرعية والحكمية معا يجعله المنهج الذي يعمل بموجبه في حال من التشارك والتمازج مع العلمين الإسلاميين السامِيَيْن: أصول الدين وأصول الفقه.
للقول في مكانة الأصول (أصول الدين وأصول الفقه) في فن التاريخ من وجه وفي (المقدمة) من وجه آخر - نفرد القسم الموالي من هذا الإسهام.


ثانيا: مكانة الأصول من التاريخ
قول أبي حامد الغزالي عن أصول الدين: إنه (العلم الكلي من العلوم الدينية) هو قولٌ يعني أن مبادئ العلوم الدينية الكبرى تتقرر في علم الكلام، وأن إثبات الكليات في مستوى النظر يكون على المتكلم لا على الفقيه أَو المفسر أَو الحديث كما يوضح ذلك صاحب (المستصفى) توضيحا كافيا.
وبالنسبة لموضوعنا فإن العماد النظري لعلم التاريخ، من حيث انتسابه للعلوم الشرعية، يكون التماسه بدوره في علم الكلام، والأساس أَو المنطق، إذا استثنينا (المعنى)، هو الله الفاعل المختار الذي يجعل للكون سننا يسير عليها. وإذن فإن (سنة الله)، على النحو الذي يفسرها به الاعتقاد على قول معين (= علم الكلام)، هي الأساس والسند والمفتاح معا. وفي هذا الصدد تكون قراءة (المقدمة) قراءة تهدف إلَى استخلاص المضامين الكلامية قراءة ممكنة، وإن كانت بطبيعة الأمر قراءة عسيرة بالنظر إلَى الطبيعة السامية أَو التجريدية التي تصاحب (رئيس العلوم) بطبيعته، على أن هنالك طرقا سالكة تقربنا من التدليل على الاعتقاد الكلامي الخلدوني، أي على الموجهات النظرية الإسلامية العليا التي تحكم فكر ابن خلدون في المقدمة. ولا غرابة أن تكون أكثر تلك الطرق وضوحا ومباشرية الفصل الشهير الذي يخصصه مؤرخنا العربي الكبير للكلام في (علم الكلام) وهذا من جهة أولى، وأن يكون ذلك الطريق، من جهة ثانية، الفصول التي تتصل بقضية الخلافة أَو الإمامة العظمى.
لا نود تكرار الآراء المتداولة التي يكثر الرجوع فيها إلَى مقدمة ابن خلدون (تعريف العلم، التمييز في الاستدلال الكلامي بين طريقه المتقدمين وطريقة المتأخرين في الأخذ بعضا أَو كلا بالمنطق الأرسطي، القول بأن علم الكلام -في عهد ابن خلدون على الأقل- قد أصبح (غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم، إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا...) إلخ). وإنما نريد فقط أن نقرر -انطلاقا مما يتبين في وضوح تام- أنه الاعتقاد الخلدوني، أن صاحبنا أشعري المنزع والعقيدة وقد تكفى في ذلك صفة الإطلاق التي يتحدث بها عن كبار الأشاعرة وشيوع فكرهم (ثم جاء بعد القاضي أبي بكر الباقلاني إمام الحرمين أبو المعالي الجويني فأملى في الطريقة (كتاب الشامل) وأوسع القول فيه ثم لخصه في كتاب (الإرشاد) واتخذه الناس إماما لعقائدهم)(5).
لا تتقرر في علم الكلام أصول الاعتقاد على قول معلوم فحسب (اعتزال، أشعرية، حنبلية، إمامية، زيدية... إلخ)، ولا تتعين كليات العلوم الدينية ومبادئها فقط بل إن هنالك أمرا ثالثا، شديد الخطورة يتم البث فيه على نحو لا يخلو من المواربة والمداهنة وهو القول في الإمامة العظمى وفي الموضوعات التي تتصل بها. والانتماء الأشعري لابن خلدون في مسألة الإمامة العظمى والموضوعات التي ترتبط بها واضح فلا يكون في حاجة إلَى تأويل لقول أبي زيد، والمتمرس بكتاب (الأحكام السلطانية) لأبي الحسن الماوردي الأشعري يجد أن المؤرخ العربي يستعيد جملا، بل فقرات بأكملها من الكتاب المشار إليه، وابن خلدون يذكر الماوردي وكتابه تصريحا لا تلميحا في الفصل المتعلق بالخطط الدينية الخلافية في حديثه عن أحكام إمامة المساجد (وأحكام هذه الولاية وشروطها والمولى فيها معروفة ومبسوطة في كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي وغيره فلا نُطِيل في ذكرها)(6).
أما الشأن في أصول الفقه فآخر، ذلك أن الصلة بين هذا العلم وبين (علم التاريخ) صلة مباشرة تظهر أولا في مستوى الانتساب إلَى المذهب الأصولي، وتتجلى ثانيا في مستوى حضور المصطلح الأصولي في الخطاب الخلدوني. فأما القول في النسبة الخلدونية للمذهب الأشعري في أصول الفقه فهي واضحة وضوح نسبته إلَى المذهب الكلامي الأشعري. وقد يكفى في ذلك تنويه صاحب المقدمة، في الفصل المعنون (أصول الفقه وما يتعلق به من الجدل والخلافيات) بالنصوص الأشعرية الكبرى: (البرهان) لإمام الحرمين، و(المستصفى) للغزالي، وكتاب (المحصول) للآمدي وكذا كتابه (الأحكام) وغيرها. وأما حضور المصطلح اًلأًصولي في الخطاب الخلدوني فيقتضي منا وقفة متأنية. والحق أن هذه الوقفة تستدعي أن تكون جردا إحصائيا وكشافا شاملا بالمفردات الأصولية، بيد أن ذلك ليس مما يحتمله هذا الإسهام الذي يستهدف التنبيه دون أن يدعي الإحاطة والشمول. والتنبيه في مقام حديثنا تنبيه إلَى ملاحظات نختار منها ثلاثا:

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 149.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 147.39 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.15%)]