عز الدين التنوخي: خطوط رئيسية في تاريخ حياته ودراسة أدبه - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         العلم بين الأخذ والعطاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5143 - عددالزوار : 2439530 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4733 - عددالزوار : 1759968 )           »          الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 129 - عددالزوار : 1406 )           »          هل تبحث عن بدائل لـChatGPT؟.. إليك أفضل الخيارات المتاحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          تعرف على الفرق بين الـ Wi-Fi 6 والـ Wi-Fi 6E؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          وداعًا لكلمة السر.. مايكروسوفت تعتمد مفاتيح المرور لتسجيل الدخول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          قبل ما توافق ابنك يلعبها.. تعرف على مخاطر لعبة روبلوكس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          5 أنواع لألعاب روبلوكس آمنة للأطفال تحت 10 سنوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          كيف تسترجع التاج المخفي على فيسبوك بسهولة؟.. خطوة بخطوة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 31-08-2022, 05:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,036
الدولة : Egypt
افتراضي عز الدين التنوخي: خطوط رئيسية في تاريخ حياته ودراسة أدبه

عز الدين التنوخي: خطوط رئيسية في تاريخ حياته ودراسة أدبه


د. شكري فيصل





للدكتور شكري فيصل

أستاذ كرسي الأدب العربي بجامعة دمشق

ومن الأساتذة المحاضرين في المعهد


كان ذلك قبل الحرب العالمية الأولى حين أخذت كثرة من الناس في أسواق دمشق وأحيائها تتهامس فيما بينها، تتحدث عن شاب ممتلئ الجسم، تام التقاطيع، عريض الجبهة، إلى القِصر أقرب ... عاد من القاهرة - بلد الأزهر الشريف - بعد غيبة عن وطنه، يدخل المسجد الجامع في شيء من اندفاع، ويرتدي بعض الملابس الحديثة، ويتصدر وراء "رحلاية" إلى جانب هذه السارية من سواري المسجد قرب باب الكلاسة، أو إلى جانب هذا الباب أو ذاك من أبواب المسجد ومحاربيه .. يتحدث إلى الناس، يعِظهم .. ليس له من سمات الواعظين ضخامة جثة، ولا إسباغ ثوب ... ليس في شعره كثير من بياض أو قليل، وليس على رأسه عمامة ضخمة، ولا على أكتافه عباءة ضافية، ولا تلبسه جبة عريضة سوداء... ولا يمشي الهوينى، ولا يتكلف السعي ولا الحديث، وإنما ينطلق فيهما انطلاقًا... فيحدث الناس حديث الدين والأخلاق ومحاربة البدع، في كثير من الوضوح والصراحة، وفي شيء غير قليل من الانطلاق والتدفق.

وما لبث همس الناس هذا أن آل إلى نبأ يتناقلونه، وجديد يخوضون فيه، وعلامة من العلامات يقفون عندها ... يقف أكثرهم عندها معجبًا بها، راضيًا عنها، متمنيًا لهذا الميدان من ميادين الوعظ والإقراء والتدريس أن يداخله جيل جديد من هذه الأجيال الناشئة، تلتقي بالأجيال القديمة، وتتجاذب معها الفكر والرأي، حتى يكون للناس من أمور دينهم ودنياهم موقف واضح معروف لا يَنْبَهِمُ عليهم فيه أمر، ولا يلتبس عليهم فيه موضوع... وحتى لا ينقطع ما بين قديم الناس وحديثهم، ولا يتفكك ما بين حاضرهم وماضيهم، وحتى لا يقع هذا الانشطار المخيف العنيف الذي يهدد الوجود؛ وجود الأفراد، كما يهدد وجود الجماعات سواء بسواء؛ بالفناء أو بالإفناء.

وهكذا مضى هذا الشاب الذي عرف الأزهر وتتلمذ على شيوخه، وشهد حلقاته، واستمع إلى أساطينه، وأكل بلاط المسجد من أقدامه وهو يمشي هنا أو هنالك، في هذا الرواق أو ذاك، يدوي بالقرآن الكريم مع هذه الكوكبات التي كانت تدوي به: تقرؤه أو تحفظه ... أو يردد بعض هذه المتون، أو يجلس إلى حلقة من حلقات هؤلاء الشيوخ الجِلَّة الذين كانوا يستنون للحياة الإسلامية طرقها، ويفتحون السبل أمامها، ويكشفون الغبار المتراكم عن تراثها، ويشدون من عزماتها، ويبصرونها بمواطن الأصالة فيها.

وكان هذا الشاب الذي نشأته بعض أحياء دمشق، قد عرَّج في طريق هجرته على فلسطين.. ولعلها كانت هجرة حائرة بين الثقافة والتجارة ... مر بيافا فأقام فيها - وهل أحلى من الإقامة في يافا؟ هل أحلى من رملتها الناعمة وبساتينها العبقة وبحرها الأزرق؟! ودرس الفرنسية في بعض مدارسها... فاجتمع له في كل ذلك: من المدينة الأصيلة التي نشأ فيها، ومن الهجرة المتفتحة التي عاناها، ومن الأزهر المنير الشريف الذي صقله فأحسن صقاله - هذا التكوين الجديد الذي يتميز أشد تميز إنه تكوين حي متطلع... والتقى في نفسه هذا المزاج المحدث، وهو مزاج أبرز ما فيه أنه مزاج أصيل دؤوب، متفتح... يريد أن يملأ يديه مما حوله، ويريد أن يشق بيديه - بكلتا يديه - طريق الجماعة الجديدة، وأن يكون له فيها شأن، لا أن يكون منها غير ذي شأن.

كان كل شيء يأخذ طريقه في حياة هذا الشاب إلى أن يتكون.. ولكن أبعاده لم تكن قد استقرت بعد... كان هنالك تطلع، وكان هنالك نباهة، وكانت هنالك هذه الهالة التي أخذت تنقعد حوله، أو هذه الهالات التي أخذت تضيء من حوله.. وكان هنالك في دنياه كل هذه الآفاق: العلم، والدراسة، واللغة الأجنبية بما يكون من إثارتها ودفعها، والأزهر والقاهرة وما كان يضطرم فيهما وينبعث عنهما وما تلهج به الصحافة والمجالس والحلقات.. وكان وراء هذه المشاهد المتماوجة في دنيا هذا الفتى خلفية عريضة، لعلها أن تكون حجر الأساس من هذا البناء، أو من آساسه الأولى تلك هي هذه الموجة التي أخذت تعم بلاد الشام كلها، من طُور سيناء إلى طوروس، تثير عند الناس إحساسهم بذواتهم، وتفجر أحيانًا هذه الأحاسيس نقدًا أو ثورة، صراخًا أو رجاء.. وتلونه شعرًا أو كتابة حينًا، ووعظًا ودرسًا وإثارة حينًا آخر، وجمعيات وأحزابًا حينًا ثالثًا... كانت من هذه الموجات التي تضطرم أحيانًا حتى لتطلم الصخر فيفنيها الصخر، أو تنساب على الرمل هادئة لينة فتداعب الرمل، وتجرجر بعض حياته... موجات من شكوى الحُكم والإحساس بالظلم، والدعوة إلى الإصلاح، والنفرة من هذا الذي كانت تمارسه السلطات العثمانية من ميز أو إرهاق أو إحراج.

وكان هذا الشاب أحد الذين عانَوْا هذه التجربة.. مر بها واكتوى بلذعها، وامتد أفقه السياسي وراء الاستكانة للواقع، محاولًا أن يتخطاه إلى وجود جديد تتضح معالمه عنده كما لا تتضح عند الكثرة التي أحست به آنذاك، ولا تستطيع أن تميز فيه معنى النقد من معنى الثورة، ولا معنى الإصلاح من معنى الخروج، ولا معنى الانشقاق عن الترك، ولا معنى البقاء معهم..؛ لأنه مزيج مختلط من كل ذلك.. لكل إنسان فيه نصيب على قدر ما يكون من اضطرام هذه العوامل في نفسه.

وكذلك استقام عود هذا الشاب إنسانًا، صفته التي يمكن أن تطلق عليه وأن تكون مجمع صفاته الأخرى أنه مثقف قدر ما كانت تتيح الحياة آنذاك من ثقافة.. يعرف الدنيا من حوله، ويعرف نفسه.. يلمح الآفاق الجديدة ويتطلع إليها.. يعرف أصالة ثقافته، ويستطيع أن يدافع عنها، ويحبها عن وعي لها، ويرجو أن يكون لها في نفوس الناس مثل الذي لها في نفسه من أثر يدفع إلى ألوان من السلوك! تتراوح بين أن يتعود المرء فتح عينيه حتى يرى بهما ما يجب أن يرى، وبين أن يهز سلاحه بيده يضرب به ما يجب حتى يبتر .. ألوان من السلوك بين النقد وبين الثورة، بين قولة "لا" في همس لا يسمعه أحد أو لا يكاد، وبين قولة "لا" بملء الفم ولو قادت إلى حبل المشنقة.

من كل هذه العناصر المتداخلة المتكاملة تكوَّن هذا المزاج الذي عرف بعد باسم "أبي قيس"، وعرفه الناس باسم عز الدين، علم الدين، أو عز الدين التنوخي، وعرفه قلة باسم العز التنوخي، أو العز اللخمي.. وقرؤوا له، وقرؤوا عليه، وانتفعوا بعلمه.

فكيف استطاع هذا المزاج أن يتمثل في نطاق الحياة الأدبية؟
من المؤكد أن الاتجاه إلى الأدب بالمعنى العام لهذه اللفظة، أو إن شئنا في تعبير آخر: الاتجاه إلى الثقافة - بآفاق الثقافة التي كانت آنذاك - كان هو الطريق التي استأثرت باختيارات أكثر الناس "الناس - القادة" في تلك الفترة من حياتنا في هذا الجزء من الوطن العربي.

كان هنالك أحد طريقين في سبيل النهضة:
الخروج على السلطان العثماني بغية إطلاق القوى النفسية والفكرية للجماعة العربية، وتحطيم القيود التي كانت تكبلها .. ذاك أحد الطريقين.. والطريق الآخر: حركة إحياء عربية تتناول التراث العربي: لغته وأدبه وعلمه ومظاهره الحضارية الأخرى، كما تتناول الخصائص العربية كلها تعريفًا بها، ونشرًا لها، وتمكينًا لها في نفوس الجماعة، وإعادة بناء النفس العربية السليمة الصافية من خلال جهد ثقافي ونفسي وتعليمي طويل.

في الطريق الأول كانت هنالك مخاطر ومخاوف، هي هذه المخاطر التي تتصل بالسياسة والسلطان والحكم، والتي تتجسد ببطش الجيش التركي القائم.

وفي الطريق الأخرى كانت هنالك هذه البقيا على التراث المشترك بين العرب والعثمانيين، وكان هنالك تأكيد على الروابط التي لا يستطيع الأتراك الحقيقيون أن يتنكروا لها، ولا يستطيع العرب العروبيون أن يتخففوا منها.

ومن هنا انشعبت الحركات في الوطن العربي في هاتين الوجهتين: وجهة الثورة، أو وجهة الإصلاح في بعض معاني الكلمة.. ووجهة إحياء الحياة العربية حتى تكون قوة في وجه الاستعلاء التركي.

ولكن هاتين الوجهتين لم تمضيا متعارضتين، وإنما مضَتَا متكاملتين: الذين عملوا على الثورة أفادوا من عمل الإحياء العربي، والذين عملوا على الإحياء - أو بعضهم - انتهَوْا بعد ذلك في ظروف سياسية لا ندري مدى وضوحها إلى الخروج والثورة .. ثم كان ما كان.

ويبدو أن التنوخي كان من الذين أخذوا بهذين الاتجاهين.. كان في الجمعية القحطانية، ومارس النشاط السياسي خلال الحرب، وقاده ذلك إلى أن يلتجئ إلى العراق، ثم إلى الحجاز.. وكان بعد ذلك يتجه إلى الثقافة والإحياء.. ومن هنا كانت صورته صورة هذا الشاب الذي دخل المسجد بشيء من ألبسة حديثة يعِظ الناس ويعلمهم .. ومن هنا أخذت الصورة بعد ذلك أبعادها المختلفة، فإذا هو يخرج إلى الحجاز، وإذا هو يعود إلى الشام، وإذا هو في ملك فيصل في 8 آذار لبنة من اللبنات.

ومن هنا كذلك كان التنوخي أحد ثلاثة وقع عليهم اختيار لجنة أهلية للبعثات؛ ذلك أن الإحساس بالأثر الثقافي كان فيما يبدو إحساسًا عامًّا، دفع جماعة من المتنورين - إن صح هذا الوصف - إلى أن يفكروا في أمر البعثات الدراسية ما دامت السلطات لا تفكر فيها، أو لا تحسن القيام عليها .. ولذلك اختارت لجنة أهلية - كما كانوا يصفونها - ثلاثة من النابهين ليدرسوا في أوربا: المرحوم الدكتور عبدالغني الشهبندر الذي عاد فأقام في بيروت، والمرحوم الأستاذ عز الدين علم الدين الذي عاد إلى دمشق، والمرحوم الأستاذ الجليل الأمير مصطفى الشهابي، الرئيس السابق لمجمع اللغة العربية بدمشق.

ومن عجب، أو كذلك يبدو، أن يدرس الشهابي والتنوخي الزراعة في فرنسا في "غرينوبل"، ثم يعودان لا للزراعة وحدها، ولكنهما يعودان لكل هذه المشاركة الشاملة - أو كالشاملة - في أكثر نواحي الفكر العربي .. فيسهم الشهابي في الحركة الوطنية والحركة الفكرية والحركة اللغوية والعلمية إلى جانب إسهامه في الحركة الإدارية كواحد من كبار الموظفين .. ويسهم التنوخي في نحو من ذلك في الحركة اللغوية وفي الأدبية، وفي ألوان من النشاط التربوي والتعليمي والثقافي.

إن هذا الإشراك بين الاختصاص الأصيل وبين متطلعات الحياة الجديدة التي كانت كل ناحية منها في حاجة إلى جهود أبنائها - لم يكن إشراك كفر قدر ما كان إشراك إيمان .. كان تعبيرًا عن هذا التلازم الأبدي بين الإحياء العربي من حيث هو إحياءٌ للإنسان، وبين الإحياء الثقافي من حيث هو إحياء للجماعة وفكرها وشخصيتها، وشق لدروبها .. كان تجسيدًا لهذه الصلة التي لا تنفصم بين اللغة والأدب بمعناه الواسع، وبين سير الحياة بالجماعة العربية المتطلعة .. كان العمل السياسي يتسربل بالأدب، وكان الأدب مصطبغًا بالسياسة، وكانت الثقافة إسهامًا في الإحياء، وكانت اللغة مصدر دعم الشخصية .. كان هنالك هذا التكامل والتداخل الذي لم يسمح بالفصل والتخصيص لسببين: أولهما: طبيعة الحركة من حيث هي تكامل، والآخر: قلة هؤلاء المثقفين الذين يستطيعون إدراك طبيعة المرحلة الجديدة والقيام بأعبائها.

فلننظر كيف كان الوهج الأدبي لحياة التنوخي رحمه الله.
لقد رأينا بذرته الأولى في الثقافة العامة التي وصلت إليه أو وصل إليها في كتاتيب دمشق ومساجدها.. ثم رأينا ساقًا من سوقه يتشقق بعد اتصاله بالأزهر ودراسته فيه، فيكون منه هذا الإنسان الذي يتصدى للتدريس والوعظ.

ولكننا لا نكاد نمضي مع حياة التنوخي حتى نجد شيئًا من تطعيم لهذه الشجرة التي توشك أن تتفتح، وأن تكون لها ظلال وأغصان.. هذا التطعيم كان في هذه الدراسة الجامعية التي دفع إليها أو اندفع فيها حين درس الزراعة في "غرينوبل" .. فلما عاد كان هذا الإنسان الذي يتمازج في أعماقه القديم والجديد، وتتجاوز أو تتفاعل في حياته الثقافة المحدَثة والتراث القديم، ويلتقي عليه هذان الأفقان: أُفق يضع يده عليه، وأُفق يستشرفه ويتطلع إليه.

ومع الدولة العربية الأولى، دولة فيصل - 8 آذار، تبدأ مرحلة أدبية جديدة في حياة التنوخي.. مرحلة هدفها أن تجعل من اللغة العربية نسغ الحياة وماءها، فإذا هو يعمل في لجنة من هذه اللجان التي آلت أن تكون بعد مجمعًا علميًّا، وإذا هو - بهذه المعنى - واحد من الأعمدة التي قام عليها هذا المجمع العتيد.

في الإنتاج الأدبي للتنوخي في هذه المرحلة نستطيع أن نعود إلى التفرقة بين الأدب بمعناه العام وبين الأدب بمعناه الخاص .. في الأدب العام - الذي كان الأخذَ مِن كل ناحية بطرَف - لم يكن أحد أقدر على تجسيد هذا المعنى في هذه الفترة الزمنية من الأستاذ التنوخي رحمه الله؛ فقد استطاع أن يتمثل هذا المزيج الغريب - أو الذي يبدو لنا الآن غريبًا - من دراسة الزراعة وترجمة كتب الفيزياء، وتأليف كتب الإنشاء، وجمع مختارات "المستظهر"، والعناية بأدب الأطفال ومطالعتهم، متمثلاً في ترجمة "قلب الطفل"، كما استطاع أن يجمع بين العمل الإداري والعمل العلمي، والعمل التدريسي والعمل الحر، والبحث اللغوي والدراسات الأدبية، وإنشاء الشعر وإنشاده، والإسهام في مختلف مظاهر الحياة الفكرية والأدبية، والمشاركة في المجلات المختلفة: الرابطة الأدبية، والعروس، ومجلة المجتمع العلمي العربي، ومجلة الثقافة "الشامية"، ولم يكن ذلك كله في الشام وحدها، ولكنه كان في العراق أول الأمر، ثم في الشام بعد حين استقر به المقام.

أما عن الأدب بمعناه الخاص، فنحن نستطيع أن نلمح نتاج التنوخي متشعبًا في هذين المجريين: القصائد الشعرية، والأبحاث الأدبية.

فأما عن القصائد الشعرية فقد وجدتُني، وأنا أنبش مجلاتنا الأدبية في الشام، أمام مجموعة من هذه القصائد، بعضها منشور، وبعضها نشرت منه مختارات.. بعضها تأبين، وبعضها تكريم .. تكريم محمد الهراوي والأمير شكيب، وتأبين الشيخ بدر الدين الحسيني والألوسي.. وقصيدته في الثورة السورية، وقصيدته الأخرى في المتنبي.. ولعل هنالك قصائد غيرها لم يقدر لي أن أتعرف إليها.

وليس في وسعي في كلمة قصيرة، هدفها تخطيط الدراسة، أن أنظر في تقييم هذا النتاج الشعري، ولكننا نملك دون تردد أن نقول: إنه شعر إلى الجزالة أقرب.. ويبدو أن المرحوم التنوخي كان بحكم ثقافته اللغوية الواسعة، واطلاعه العريض على التراث القديم، متأثرًا بهذا التراث، مائلًا إليه، منصرفًا عن هذه الألوان المحدَثة التي تميل إلى الرقة.. وواضح أننا لا نتحدث عن الشعر الحر، فلم يكن لهذا الشعر إلى هذا الجيل سبيل!

وترتفع بعض المقاطع أو بعض الأبيات حتى لتقارب الذروة، وإنما يرفعها سَبْكها المحكم، وألفاظها الجزلة، والتراث المتجمع خلفها، وموسيقا من هذه الموسيقا التي تتأتى عن اختيار الألفاظ والملاءمة بينها في شيء من توازن أو سجع، أو في شيء من طِباق ومقابلة.

وتطول بعض القصائد فيكون طولها - فيما أحسب - أقرب إلى الإملال.
وقد يدفع هذا الطول إلى شيء من تنوع الموضوعات وتزاحمها، أو إلى كثير من ذلك، حتى تغيب هوية القصيدة أحيانًا، وتنعدم فيها وحدة الموضوع فإذا هي مزيج من أغراض شتى.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 98.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 97.27 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.73%)]