
25-08-2022, 06:48 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,053
الدولة :
|
|
سيميوطيقا العوالم الممكنة ( التخييل السردي نموذجا )
سيميوطيقا العوالم الممكنة ( التخييل السردي نموذجا )
د. جميل حمداوي
المقدمة:
من المعروف أن السيميوطيقا تدرس اللغة الطبيعية والاصطناعية معًا، أو تدرس اللغة المنطوقة باعتبارها دوالاًّ لفظية ورمزية من جهة، واللغة البصرية باعتبارها إشارات وأيقونات وعلامات ومخططات من جهة أخرى، ومن ثَم فنظرية العوالم الممكنة عبارة عن نظرية دلالية ومنطقية وسيميائية، يمكن تطبيقها بشكل من الأشكال على الأجناس الأدبية والتخييلية، وبالتالي فهي تستحضر مجموعة من العوالم الاحتمالية الممكنة والمفترضة التي توجد بموازاة العالم الواقعي الحقيقي، ومن ثم تهدف نظرية العوالم الممكنة إلى دراسة العلاقة بين العوالم التخييلية والعالم الواقعي الحالي، في ضوء قوانين الصدق والحقيقة، أو في ضوء معايير الصحة والخطأ، والآتي أن ذلك لا يتحقق إلا من خلال ربط كلمات العالم التخييلي بالعالم الإحالي أو المرجعي أو الواقعي أو الموضوعي، ويعني هذا أن سيميوطيقا العوالم الممكنة تشتغل على لغة العوالم التخييلية في ارتباطها بالعالم الإحالي أو بعوالمها الافتراضية الخاصة إن وجدت، أو دراسة العوالم التخييلية باعتبارها أنظمة علاماتية ولسانية، بغية رصد الدلالة أو المعنى، أو تحصيل السيميوزيس، ومن ثَم تستعين السيميوطيقا بعلم الدلالة والمنطق[1] معًا في استجلاء نظرية العوالم الممكنة التي تتضمنها النصوص التخييلية إن تفكيكًا وإن تركيبًا، والهدف من ذلك كله هو فَهم المكونات المنطقية الأساسية الثلاثة المولدة للخطابات القضوية والتخييلية، وهي: الحقيقة، والدلالة، والتعيين، سيما أن هذه النظرية منطقية ودلالية وإحالية بامتياز.
أضف إلى ذلك أن دوليزيل (Doležel) يعتبر العوالم الممكنة التخييلية بمثابة مواضيع وأنشطة وفضاءات لخطابات سيميوطيقية[2]، ما دامت هذه الموضوعات قابلة للإدراك والتمثل عن طريق اللغة الرمزية، مع عقد التماثلات المنطقية الإحالية بين الكلمات والعالم، وتعيين الجهات الدلالية والمنطقية.
إذًا، ما نظرية العوالم الممكنة؟ وكيف تبلورت هذه النظرية؟ وما أهم تصوراتها النظرية والتطبيقية؟ وكيف تعاملت النظرية الأدبية مع العوالم الممكنة في مجال التخييل السردي؟ وما أهم الإجراءات المنهجية لمقاربة العوالم التخييلية في ضوء المقاربة السيميوطيقية؟ وما أهم المصطلحات النقدية التي تستعين بها نظرية العوالم الممكنة في مقاربتها لما هو سردي وتخييلي؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في موضوعنا هذا.
مفهوم نظرية العوالم الممكنة:
نعني بنظرية العوالم الممكنة (Les mondes possibles) تلك النظرية المنطقية الدلالية التي تبحث في العوالم التخييلية المقابلة للعالم الواقعي الذي نعيشه بواسطة تجاربنا الذاتية، ومن هنا، فثمة ارتباط وثيق بين عملية التخييل والعالم الممكن، ومن ثَم فالهدف هو التثبت من صحة الملفوظات التخييلية وصدقها في ضوء الإحالة الماصدقية، كما يقصد بالعالم الممكن ذلك العالم المتوقع والممكن منطقيًّا؛ أي: إن العوالم الافتراضية والخيالية يمكن لها أن تكون متماثلة مع الواقع الحقيقي أو غير متماثلة، وإذا كان مجال الخطاب الحقيقي يتلاءم مع العالم الواقعي، فهل يمكن أن نتساءل عن صحة الملفوظات التي تتناول الأشياء والمواضيع في الخطابات التخييلية ضمن عوالمها الممكنة؟ ومن هنا، فعلم جهات الدلالة (La sémantique modale) هو الذي يتولى رصد الضرورة والاحتمال المنطقيين في الخطابات التخييلية وعوالمها الممكنة.
ومن هنا، فالعالم الممكن هو المجموع النهائي من الطرائق التي ترصد لنا وجود العالم وحضوره، ويعني هذا كله أن كل جملة جهة تستطيع أن تعين لنا حقيقة العالم التخييلي في علاقة مع العالم الواقعي الحالي، وبالتالي ليس هناك فجوة بين العالم والحقيقة.
هذا، ويعرفه الباحث المغربي طه عبدالرحمن تعريفًا منطقيًّا بقوله: "العالم الممكن هو حالة شاملة للموجودات جامعة مانعة، إذ ما من حالتين جزئيتين للموجودات متعارضتين، إلا ودخلت فيه إحداهما، وخرجت الأخرى، بحيث كل عالم ممكن هو بمنزلة مجموعة من القضايا تتميز بالاتساق والاستيفاء، فما من قضية إلا وتلزم عن هذه المجموعة أو يلزم نقيضها.
وأهم المسائل التي تعالجها نظرية العوالم الممكنة هي وضع الذوات فيها، فهل الذوات تتغير بتغير العوالم (نظرية بلانتينگا)[3]؟ أم أن العوالم تتغير مع ثبوت الذوات (نظرية سول كريبك)[4]؟ أم أن للذوات نظائر هي التي تتغير بتغير العوالم الممكنة[5]؟ (نظرية دافيد لويس)"[6].
ويعني هذا أن نظرية العوالم الممكنة تبحث في مفهوم المماثلة أو تماثل الذوات، أو تباينها عبر العوالم.
وللتوضيح أكثر، إذا كانت نظرية التحليل الماصدقي تربط القضايا المنطقية بالواقع أو العالم الأنطولوجي الخارجي ضمن نظرية الصدق والكذب، من خلال التركيز على العلاقة الموجودة بين الأقوال والواقع سلبًا أو إيجابًا، كأن نقول: "الأستاذ حاضر"، فهذه العبارة لها دلالة ماصدقية حينما تتطابق مع الواقع التجريبي المتحقق إيجابًا أو سلبًا، لكن السؤال هو: هل جميع العبارات اللغوية واللسانية تُحيل على واقعها المادي الفيزيائي؟
إذا أخذنا هذه العبارة: "يعتقد أحمد أن الثلج أحمر"، فهذه القضية لا يستسيغها التأويل الماصدقي، لكنها صادقة وممكنة حسب نظرية العوالم الافتراضية أو عوالم الإمكان التي تتناقض مع التأويل الماصدقي؛ لأنها لا تتقيد بالعالم الذي يضم الأفراد والوقائع الواقعية، كما يبدو ذك جليًّا عند كريبك وهينتينگا، ومن هنا تصبح هذه العبارة دالة بالنسبة للعالم الواقعي من جهة، وللعوالم الاعتقادية الممكنة من جهة أخرى، فعبارة (يعتقد أحمد أن الثلج أحمر)، قد تكون غير متحققة في العالم الواقعي، "بل تكون دالة في العوالم الاعتقادية والممكنة، ما دام يصر أحمد على احمرار الثلج في عالم تخييلي يخصه هو، لا كما في العالم الواقعي الذي يعيشه مع الآخرين، ومن ثم فهناك ارتباط بين ماصدق العبارة والسياق الاعتقادي والافتراضي الذي وردت فيه، بحيث لا تصدق العبارة أو تكذب إلا إذا عرفت في العالم الاعتقادي الذي وردت فيه تلك العبارة، إذًا فالثلج أحمر في العالم الممكن الذي يعتقده أحمد، ومن هنا يختلف التأويل الماصدقي عن تأويل العوالم الممكنة"[7].
وعليه، يقصد بالعوالم الممكنة " مجموعة من القضايا التي تنعت بأفعال القلوب أو القضايا الاعتقادية التي تسمح بالانتقال من العالم الذاتي (الاعتقادات الشخصية للمتكلم) إلى عالم تتحقق فيه الحقيقة المنطقية، ويعتقد هينتيگا (Hintikka) أنه بالإمكان وضع منطق للعوالم الممكنة من خلال إحداث صلة وصل بين الفضاء الذاتي للمتكلم والفضاء الموضوعي للقضية، بشكل يسمح بالانتقال من العالم الذاتي الاعتقادي إلى عالم تتحقق فيه المعالجة الماصدقية للقضية "[8].
وعل العموم ينقسم الواقع (Le Réel) إلى واقعين: الواقع الحالي (Le Réel actuel)، والواقع الممكن (Le Réel possible )، ومن ثم فالعوالم الممكنة مثل المفاهيم أو مثل الحقائق الضرورية، ويعني هذا أن الذوات قد تكون حقيقية في الواقع الحالي، وقد تكون حقيقية في واقع العوالم الممكنة، ومن هنا ترتبط العوالم الممكنة بقوانين الصدق والإحالة والماصدق من جهة، وقوانين الكذب والزيف والوهم من جهة أخرى، ويتحقق هذا كله من خلال ربط الكلمات بالعالم.
أضف إلى ذلك تدرس نظرية العوالم الممكنة القضايا النصية في علاقة بعالمها المرجعي الإحالي، أو من خلال ربط العالم التخييلي بالعالم المرجعي، وتبيان علاقة الارتباط والإحالة، ويعني هذا البحث عن القيمة المنطقية للعبارات، من خلال رصد دلالات لغة العبارات والقضايا في ارتباطها بالواقع المرجعي، أو الواقع الحالي، خاصة العبارات الوصفية للذوات داخل الفضاء الكوني.
هذا، ويميز كرناب (Carnap) بين الحقيقة التحليلية (Analytiqye) والحقيقة التصنيفية (Catégorielle)، فالعبارة التالية: "الثلج، في حالته الصافية، أبيض"، فهذه حقيقية تصنيفية في عالمنا الواقعي وواقعنا الحالي، وإذا قلنا: "الثلج، في حالته الصافية، أخضر"، فهذه العبارة حقيقة تحليلية، يمكن أن تكون حقيقية في عالم ممكن وافتراضي آخر، بمعنى أن ما ليس حقيقيًّا في عالمنا هذا، يمكن أن يكون حقيقيًّا في عوالم افتراضية أخرى، ويعني هذا أن للعبارة حقيقتين: حقيقة في عالم واقعي متعارف عليها اجتماعيًّا ومعرفيًّا، وحقيقة افتراضية مغايرة في عالم ممكن إذا وجد، بل يمكن الحديث عن حقيقتين: حقيقة قوية وحقيقة ضعيفة، ويمكن استعمال الحقيقة في العالم الافتراضي بتوظيف الشرط الافتراضي أو ما يسمى بالفرنسية (Le conditionnel).
نشأة العوالم الممكنة:
تبلورت نظرية العوالم الممكنة في منتصف القرن العشرين مع مجموعة من الفلاسفة وعلماء المنطق والأدب، خاصة ضمن حقل معرفي يعني بدلالة الجهات المنطقية، بمعنى أن نظرية العوالم الممكنة قد نشأت في أحضان حقل المنطق، سيما منطق الجهات[9] (Logique modale)، ومن هنا فقد تأسس علم دلالة العوالم الممكنة مع المنطقي سول كريبك (Saul Kripke) في مقاله الذي نشره سنة 1963 تحت عنوان: (اعتبارات دلالية حول منطق الجهات)[10]؛ حيث أعطى الباحث بعدًا دلاليًّا ومتكاملاً لمنطق الجهات، من خلال التركيز على ثلاثة عناصر أساسية هي: مجموع العوالم الممكنة، وإمكانية الصلة بين هذه العوالم، ووظيفة التقويم التي تحدد مجموع العوالم الممكنة الحقيقية لفرضية احتمالية ما.
وعليه، تعد هذه النظرية " ثمرة جهود المناطقة في ميدان التحليل الدلالي لمنطق الموجهات المختص بدراسة القضايا التي تدخل في تركيبها " الضرورة" (أو الوجوب) و" الإمكان"؛ فقد اشترطوا في " القضية الضرورية" أن تكون صادقة في كل العوالم الممكنة، وامتاز من بينهم المنطقي والفيلسوف الأمريكي سول كريبك بوضعه نموذجًا دلاليًّا مبنيًّا على العوالم الممكنة، صالحًا لتأويل مختلف الأنساق المنطقية الموجهة"[11].
هذا، ويعد المفكر الألماني ليبنز (Leibniz) أول فيلسوف استعمل مصطلح العوالم الممكنة، حينما أشار إلى أن عالمنا هو واحد من العوالم الممكنة اللامتناهية العدد، وبالتالي فعالمنا الفعلي هذا أفضل بكثير من تلك العوالم الممكنة جميعًا[12]، وفي منتصف القرن الماضي، انتشر هذا المفهوم في الحقل المعرفي الأنجلوسكسوني الذي ارتبط كثيرًا بالفلسفة التحليلية عند مجموعة من الفلاسفة، مثل: كريبك (S. Kripke)، ودافيد لويس (D. Lewis)، وهينتيكا (J. Hintikka)، وبلانتينگا(Plantinga)، وستالناكير[13] (R. Stalnaker1)...
هذا، وقد كتب دافيد لويس مقالاً عنوانه: (الصدق في التخييل/Truth in fiction) سنة 1978م[14]، وقد ربط فيه بين علم دلالة العوالم الممكنة ونظرية التخييل، وقد اعتمد على آراء مجموعة من منظري الأدب، مثل: أمبرطو إيكو (U. Eco)، وريان (M. -L. Ryan)، وباڤيل (Th. Pavel)، وفاينا(L. Vaina)، ودولوزيل[15] (L. Doležel)، وسانت جولي[16] (Saint-Gelais).. الذين اكتشفوا العوالم الممكنة، وبلوروا مجموعة من الاقتراحات المغايرة.
ولم تتعرف فرنسا على نظرية العوالم الممكنة إلا مع ظهور كتاب (عالم التخييل/Univers de la fiction) لتوماس بافيل (Th. Pavel) سنة 1988م[17].
ومن أهم الدارسين للعوالم الممكنة نذكر: مات (Mates)، وكرناب، (Carnap)، وأمبرطو إيكو (U. Eco)، وفرانسوا راستيي(F. Rastier)، وآخرين..
النظرية الأدبية للعوالم الممكنة:
اهتم منظرو الأدب بنظرية العوالم الممكنة منذ سنوات السبعين من القرن العشرين [18]، مع توماس باڤيل (Thomas Pavel) في مقاله حول (نظرية العوالم الممكنة وعلم دلالة الأدب) (1975م)[19]، ودافيد لويس (Lewis) في كتابه (الحقيقة في التخييل) (1978م)، ولوسيا ڤاينا (Lucia Vaina) التي أشرفت على عدد من مجلة (المعاكس/ Versus) تحت عنوان (نظرية العوالم الممكنة والسيميوطيقا النصية) (1977م)...
وبعد ذلك، توالت الدراسات التي تعنى بنظرية العوالم الممكنة وعلاقتها بالتخييل في فرنسا وخارج فرنسا، بل ما تزال نظرية العوالم الممكنة في مجال الأدب مغيبة وغير معروفة كثيرًا في الحقل الثقافي الفرنسي، باستثناء بعض الدراسات النظرية، مثل: (عالم التخييل/ Univers de la fiction) لتوماس باڤيل[20]، و(لماذا التخييل؟ ?Pourquoi la fiction) لجان ماري شايفر[21] (Jean-Marie Schaeffer)، وكتاب (الأسلوب والتخييل) لجيرار جنيت[22] (G. Genette) ، وكتاب (النظرية الأدبية للعوالم الممكنة) لفرانسوا لاڤوكا[23] (F. Lavocat)...
ويمكن الحديث أيضًا عن باحثين آخرين في هذا المجال؛ مثل: ماري لور ريان (Marie-Laure Ryan) في دراسته تحت عنوان (العوالم الممكنة: الذكاء الاصطناعي والنظرية السردية) (1991)[24]، ولوبومير دوليزيل (Lubomír Doležel) في كتابه (التخييل والعوالم الممكنة) (1998م)[25]، ورونان (Ronen) في كتابه [26] (العوالم الممكنة في النظرية الأدبية)...
هذا، وفي سنة 1986م، انعقدت في السويد ندوة حول (العوالم الممكنة في الإنسانيات: الفنون والعلوم)[27]، وبعد ثلاث سنوات، جمعت هذه الدراسات في كتاب، تحت إشراف ستوري ألان (Sture Allén) الذي قدم دراسة تركيبية حول نظرية العوالم الممكنة في مجال الأدب والعلوم، كما خصصت مجلة (الشعرية)[28] و(الشعرية اليوم) بعض أعدادها لنظرية العوالم الممكنة في علاقتها بالأدب التخييلي[29].
وقد أثارت نظرية العوالم الممكنة مجموعة من التأويلات الفردية المختلفة بين منظري الأدب[30]؛ بسب تعدد الأهداف، واختلاف منظور علماء المنطق عن منظور علماء الأدب في تفسير العوالم الممكنة دلاليًّا وفلسفيًّا وسيميائيًّا[31]، ولم يقتصر هذا العلم على الأشياء فقط، بل تعدى ذلك إلى عالم الذوات والقيم والأعراف؛ أي: إلى ما هو وجودي (أنطولوجي)، ومعرفي (إبستمولوجي) وقيمي( أكسيولوجي).
ومن هنا، فتطبيق نظرية العوالم الممكنة على التخييل قد يكون موضوعيًّا من جهة، وقد يكون ذاتيًّا من جهة أخرى، ما دام ينطلق من انعكاسات المتلقي وتصوراته، وهناك من يتعامل مع هذه النظرية باعتبارها مقاربة مجازية مثل باڤيل، وهناك من يعدها مقاربة منطقية صارمة [32].
والهدف من هذا كله هو إجراء تناظر بين العوالم التخييلية والعوالم الفيزيائية، ومن ثم لا بد من استحضار تأويلات القارئ للعوالم الممكنة التي تطفح بها النصوص التخييلية بشكل متميز، ويرى أمبرطو إيكو (U. Eco) بأن القارئ النموذجي قد يخلق عوالمه الممكنة، حينما يتفاعل مع النص المفتوح لإعادة بنائه من جديد[33].
هذا، وقد كان هم دافيد لويس (David Lewis) هو البحث عن العلاقة بين التخييل الأدبي والعوالم الممكنة، من خلال التوقف عند شروط الإبداع وشروط التلقي، وبالتالي فقد كان لويس يفتش عن العلاقة الموجودة بين العوالم الممكنة والعوالم الواقعية على صعيد الإحالة والمرجعية، بمعنى أنه كان يبحث عن الإحالات المرجعية للنصوص والملفوظات التخييلية بعوالمها الممكنة في علاقتها بالواقع المادي، ومن ثم فقد تمثل المقاربة المنطقية في دراسة الجهات، ويعني هذا أنه كان ينطلق من مقاربة دلالية منطقية في تحليل العوالم الممكنة.
وعليه، فقد ربط علماء نظرية الأدب التخييل بالعوالم الممكنة من خلال عقد تقابل بين الخيال والعالم الواقعي، أو بين عالم التخييل وعالم الإحالة، بهدف البحث عن الصلة بين هذين العالمين على مستوى الصدق والحقيقة المنطقيين، وبالتالي يطرح التخييل مشاكل عدة أنطولوجية، ومعرفية، وجمالية، ودلالية، بالتركيز على الإشكاليات التالية: كيف يمكن لعالم غير موجود - إلا على مستوى الخيال - أن يكون ويتحقق ويحمل شيئًا من الصدق الواقعي؟ وكيف يضفي القارئ البعد الواقعي على العوالم التي يتلقاها افتراضًا واحتمالاً وتخييلاً؟ فهل هناك من علاقة بين العوالم التخييلية التي تنتجها العوالم الممكنة وعالمنا الواقعي؟ وما طبيعة هذه العلاقة؟
أما الفلسفة، فلم تعن بالتخييل إلا في إطار الفلسفة التحليلية التي كانت تبحث عن علاقة التخييل بالإحالة، من خلال وجهة منطقية وأنطولوجية تجمع اللغة بالعالم، كما يتبين ذلك جليًّا عند راسل (Russell) وفريج (Frege)، وقد ارتبط السؤال الأساس في هذا المجال بإشكالية أساسية هي: كيف يمكن لغير الموجود أن يدل أو يحمل معنى أو دلالة؟!
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|