|
|||||||
| ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
رواية " نابليون في الأزهر " لنجيب الكيلاني د. محمد بن سعد الدبل نماذج إسلامية من القصص الروائي (1) من القصص الروائيِّ الرائع ما كتبه الأديب الدكتور نجيب الكيلاني من مثل قصته: "ليالي تركستان"، وقصته: "عمالقة الشمال"، وقصته: "طلائع النور"، وقصته: "نابليون في الأزهر" تلك التي سنخصُّها بالدراسة، لا على أن غيرها مما كتبه في القصة دونها، ولكن لبروز الملامح الفنية الإسلامية في كثير من فصولها وأفكارها وموضوعاتها. وثمة خصوصية أخرى برزت في سياق هذه القصة الروائية مِن بدايتها إلى نهايتها، وتلك الخصوصية تتمثل في حشد طائفة من الأشخاص الحقيقيَّة والخيالية المتباينة سلوكًا ومظهرًا ومُعتقدًا، مما يُتيح للناظر الوقوف على قدرة هذا الكاتب الفنية التي مكنته من صياغة كل حدث بما يتلاءم مع هذه الشخصيات، على اختلافها في المظهر والمخبر، والنظرة إلى الحياة والأحياء. ولقد اشتملت هذه القصة على أربعة وثلاثين فصلاً، في أربعة وخمسين ومائتي صفحة. وإيراد نصوصها كاملة يفوت على الطلبة الدراسة والغاية منها؛ ولذلك سنَجتزئ نماذج من عدد من فصولها. فمِن نصوص الفصل الأول يقول الكاتب "الكيلاني": "بولاق في أواخر القرن الثامن عشر" والسفن ترسو بالميناء الشهير حاملة شتى أنواع البضائع مِن أنحاء الأرض، وقصور الكبار من رجالات القاهرة تقف شامخة كقلاع صغيرة، وأغلب هذه القصور يسكنها المماليك والأتراك، وعدد قليل من المصريين الأثرياء؛ كالتجار وأصحاب المناصب، وخلف تلك القصور الشامخة وحدائقها الشائقة تقبع البيوت الصغيرة الكثيرة؛ حيث يعيش أبناء الطبقة الدنيا، ومنهم أصحاب الحِرَف الصغيرة، والباعة المتجولون، وصغار تجار التجزئة، وفقهاء "الكتاتيب"، والخدم والخفراء وغيرهم. والحركة في بولاق دائبة لا تكِلُّ، وأصداء أصوات الباعة تملأ الطرقات، والنسوة يَسرْن متَّشحات بالملابس السوداء، على وجوهِهنَّ خُمُر شفافة، تزيدهنَّ جاذبية ورقة، وعدد مِن الأطفال الحفاة يتخبطون ويسرعون هنا وهناك، ومِن آنٍ لآخَر تظهر عربة مُزركَشة محلاة بالمعادن الثمينة، تجرُّها الجياد المطهمة، يسبقها اثنان أو ثلاثة من العبيد المُهروِلين، وبداخلها مملوكي كبير المقام، أو تركي مِن عِلية القوم، ترتسم على وجوههم سيماء الكبرياء التي لا حدَّ لها، وقد يَخترق الشارع فارس من رجال مراد بك أو إبراهيم بك - قادة المماليك وحكام مصر - في رعونة وطيش دون أن يَخشى طيشًا أو عقابًا. وفي مكان يبعد كثيرًا عن ترسانة بولاق الشهيرة، كان يوجد منزل الحاج "مصطفى البشتيلي" أحد كبار التجار، لم يكن منزله قصرًا منيفًا كباقي القصور، ولم يكن متواضعًا كبيوت الطبقة الكادحة، وإنما كان في مكانة بين الاثنين. ويستمر الكاتب في سرد أوصاف منزل الحاج "مصطفى الشتيلي" أحد شخصيات وأبطال هذه القصة الروائية الإسلامية، حتى يلجَ إلى الغاية والدور الذي يؤديه هذا البطل قائلاً: • "وفي حجرة الاستقبال الرئيسيَّة جلس الحاج مصطفى، وحوله عدد مِن الأصدقاء، فيهم الشيخ "علي الجنجيهي" مُقرئ القرآن وصاحب الصوت الرخيم، وفيهم العالم المتبحِّر الشيخ "إبراهيم سلامة"، و"أحمد المدبولي" صاحب الخِبرة في صناعة البارود والسلاح، والحاج "غمري" التاجر الصديق، وغيرهم من الشيوخ والشبان[1]". ثم يمضي الكاتب في وصف الجلسة التي جمعت هؤلاء الأشخاص على هيئة معيَّنة من حيث وصف المكان والزمان وما عليه كل شخص من السمات والأوصاف التي تتلاءم مع الشخصية، والجودة في أداء مشاهد هذا الفصل؛ فمثلاً "الحاج مصطفى البشتيلي" شيخٌ وقور، مُطرق، دائم التفكير، يَعتمل في ذهنه وتتردَّد في خواطره وتُلامس شغاف نفسه "انفعالات شتى لا يعرف مِن خلالها كيف يتلقى الأمر، ولا كيف يزنه الوزن السليم، وكل شيء في هذا العالم مِن حوله مُضطرِب متناقِض "يَشعُر وكأن روحه سجينة مقهورة لا تستطيع التحليق والانطلاق لسَحقِ الرؤوس العَفِنة، وتحطيم كل القيم السخيفة، وكلما همَّ بمقاومة أعداء الدين والفضيلة والمجتمع المسلم وقفَت في طريقه ابنته "زينب"، وحرَمُه التي اعترضت طريقه في إصرار وحزم مُطلِقة عبارة قاسية شديدة: "لن تخرج مِن هنا إلا على جثَّتي". ثم يَعرض الكاتب شخصية المُقرئ الشيخ "علي الجنجيهي"؛ إنها شخصية تتصنَّع البهجة والسرور، وتُداوي جراحها بالصبر والأناة، فتُطلِق العبارات التالية: • "لا أسكتَ الله لك حسًّا". • "أتنوي إقامة مأتم مِن أجل إشاعة كاذبة؟" كاذبة! أَفِق يا مولانا. وهكذا يستمر الكاتب في عرض هذه الشخصيات وأوصافها حتى يُشكِّل مِن هذه الأوصاف وما يدور في خلدها من عبارات وآراء - عقدةَ هذا الفصل، وما ينبغي أن يُتَّخذ إزاءها من حلول تعيد الحق إلى نصابه. ومن هنا نُدرك عقدة القصة بارِزة في سيادة خليط من الناس الغرباء على الأرض والعقيدة والمجتمع، إنهم سادة من المماليك والإنجليز، منهم كافر ومنهم مسلم، لكن لا حول ولا طول للمسلمين على الكفرة من الإنجليز. وهنا يدور الحديث التالي ذو الصبغة الإسلامية في كيفية إيجاد الحل لهذه المشكلة، فيَنسج الكاتب "الكيلاني" خيوط العقدة والحل متخذًا من أبطال القصة موقفًا إزاء كل شخص، فيقول عن دور الحاج مصطفى: احتقن وجه الحاج مصطفى، وبدرت نظرة الغضب مِن وجهه المستطيل النحيل، وبرقت عيناه في حدة وقام مهتاجًا: • كلهم ملعونون، لكن نحن، ما مصيرنا؟ وإلى متى نظل ألعوبة في يد الغرباء والغزاة؟ هل خلقنا الله لنكون مطية يركبها كل قادم مِن وراء البحار؟ هل كُتب علينا أن تبقى حياتنا سلسلة متصلة الحلقات من الإذلال والضياع، قال الكاتب: ثم التفت إلى الشيخ "إبراهيم سلامة"، وكان يُجله ويحترمه، وقال: • تكلم يا مولانا.. هزَّ الشيخ رأسه وتمتم: إن ما تقوله يا بشتيلي هو الصواب، لكن لا تنسَ أن الأتراك والمماليك مسلمون مثلنا، لكنَّ الفرنسيِّين شيء آخَر. • هذا لا يهمُّ يا شيخ إبراهيم؛ أين نحن من هذا كله؟ وإلى متى نظل ألعوبة؟ • هذا قضاء الله يا بشتيلي، نسينا الله فوكَلنا إلى أنفسنا، ونحن تقاعسنا فلا حول ولا قوة إلا بالله. ومرت لحظة صمت قال الشيخ إبراهيم بعدها: • ومع ذلك فأنا أشكُّ في المراكب الإنجليزية التي رسَت بشطِّ الإسكندرية ثم رحلت بعد أن أطلقت تلك الشائعة، لعلهم كانوا ينوون التهامنا، وأعتقد أن قوة الحكام العسكرية - على أسوأ الفروض - تستطيع أن تصمد أمام عدوان فرنسا المُحتمَل، وقد أكَّد إبراهيم بك ومراد بك ثقتهم الكاملة بالنصر. ابتسم البشتيلي في غيظ وقال: • إنه الغرور.. ألم تسمَعوا عن "نابليون" وتدويخه لأوروبا؟ ألم تسمعوا عن أسلحتهم الحديثة؟ • قال الحاج "غمري" التاجر: نحن وراءنا تركيا بأَسرِها؟ والسلطان لن يُفرِّط في شبر مِن مملكته. رد البشتيلي: • السلطان في حالة لا تسرُّ؛ إنه يعالج سكرات الموت مِن الضربات التي يكيلها له أعداؤه، ومع ذلك فأنا أفكِّر في اتجاه آخَر. الجميع: نحن.. نحن.. كيف نتصرف؟ لقد ظل أحمد المدبولي صامتًا طوال الوقت يَستمع الحوار المحتدم ثم نطق أخيرًا فقال: أما أنا ففي الانتظار، وما عليَّ إلا أن أضاعف مِن إنتاج السلاح والبارود، وسأبيع لمن يَشتري ما عدا الفرنساويِّين، وأظن أنه يكفينا نقاشًا، ولنستمع إلى الشيخ "الجنجيهي". قال الكاتب: تربع الشيخ الجنجيهي ووضع يمناه على يَمين وجهه، وتنحنَح، ثم استعاذ وبسمل، وأخذ يقرأ: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 9، 10][2]. وتنتهي أحداث الفصل الأول من هذه القصة الروائية الإسلامية، تنتهي بسياق آية من كتاب الله - سبحانه وتعالى. ويعنى ذلك بروز الفنِّية الإسلامية عند الكاتب؛ فرُوحه مُشبَعة بهدي الكتاب الكريم والسنَّة الشريفة. وفي ذلك الختام لهذا الفصل تبدو سيطرة الفِكر الإسلامي في أيِّ لون من ألوان الأدب، الأمر الذي يعني أن مصادر الأدب الإسلامي - في الذِّروة منها كتاب الله - المعدن والمصدر الأول للتعليم والتوجيه والفِكر، وإن لم يكن كتابًا مُتخصِّصًا في الأدب؛ لأنه كتاب الله مصدر كل خير. ولنقف على شيء من نصوص هذه القصة في فصلها السادس؛ حيث احتدمَت أفكار الكاتب حول الجهاد الإسلامي المظفَّر إزاء كل قوة تريد النَّيل من الأمة المسلمة وعقيدتها وأرومتها وسيرها في حياتها، ومناصبتها العدوان حسَدًا وضغينة. ومِن هنا يسلسل الكاتب الكيلاني أفكار هذه القصة في موضوعات فصلها السادس، متَّخذًا من الفِكر الإسلامي نسيجًا مَتينًا مُحكمًا لإخراج هذا النصِّ القصصي وفق المعالم الفنية الإسلامية، فيمضي قائلاً: • "قال أحمد المدبولي: رجال إبراهيم بك استولوا على كل ما عندي مِن بارود دون أن يدفعوا شيئًا، إن السلب والنهب لا يُفارقهم حتى في أوقات الحرج. أسرع البشتيلي قائلاً: ماذا في ذلك؟ لكنك أقمتَ الدنيا وأقعدتها عندما نهَبوا مَتاجِرك. الوضع يَختلف يا مدبولي. وما أطعم أولادي يا بشتيلي في هذه الأيام السوداء؟ الحرب تعني التضحية؛ فنعمَ ما فعَلوا!! التضحية يا بشتيلي لا تكون سلبًا ونهبًا وقهرًا، والذي يُضحِّي ويترك أولاده خاوية بطونهم إنسان مجنون. ابتسم البشتيلي، وقال: لا تتكلم عن خواء البطون، فأنا أعرف الكنز الذي ترقُد فوقه. بصراحة يا بشتيلي، وهنا قاطعه قائلاً: تكلم، خير لنا أن نمشي حفاة عراة جياعًا ونحن أحرار، مِن أن نسكن القصور، ونرفل في الحرير والرفد ونحن عبيد للفرنسيِّين. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |