التقليد في الأفعال - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         ريح الزناة وقبح مصيرهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          ضيقة اليوم باب فرج غدًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          ما قلَّ ودلّ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 33 - عددالزوار : 7597 )           »          تعريف مختصر بالإمام أحمد بن حنبل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          التسبيح بالمسبحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          قيام ليل الشتاء.. غنيمة باردة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          غزة بعد وقف إطلاق النار: حرب توقفت وإبادة مستمرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          ليس كل مَن ضحك معك بقي معك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          {وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَا} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          الصحة النفسية في الإسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 08-01-2021, 03:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,992
الدولة : Egypt
افتراضي التقليد في الأفعال

التقليد في الأفعال
الشيخ وليد بن فهد الودعان





الأفعال: جمع فعل، وهو أصل يدل على إحداث شيءٍ مِن عمل وغيره، يقال: فعلت كذا، إذا أحدثت عملًا[1].
والمراد بالأفعال هنا: أعمال المجتهد، عدا الأقوال.

وصورة المسألة: إذا أحدث المجتهد عملًا معينًا؛ كأن يبيع أو يشتري بعد النداء الأول يوم الجمعة، أو نحو ذلك، ولم يتوافق مع فعله هذا قولٌ له، فهل يُعَدُّ فعله المجرد رأيًا له يمكن أن يقلد فيه؟!

وقبل أن نبين رأي الشَّاطبي في المسألة ينبغي أن نقول: إن الأقوال غير مندرجة في ذلك، سواء كانت مجردة عن الفعل، أو موافقة له، وقد درج الأصوليون القائلون بالتقليد على أن التقليد يحصل بالأقوال[2].
وفيما يلي نذكر رأي الشَّاطبي في المسألة، وموقف الأصوليين منه.

رأي الشَّاطبي:
العالم والمفتي والحاكم كل منتصب للاقتداء؛ فأفعالهم هل هي كأقوالهم؟ هذا موضع محتمل، كما ذكر الشَّاطبي[3]، وتوضيح ذلك لا بد فيه من بيان أن الفتوى والعلم الحاصل من المجتهد يحصل من إحدى ثلاث جهات:
الجهة الأولى: القول، وتقليد العالم في أقواله أمرٌ معروف مشهور.
الجهة الثانية: الفعل.
الجهة الثالثة: التقرير.

وقد قسم الشَّاطبي ما يصدُرُ عن المجتهد من طريق الفعل إلى قسمين:
القسم الأول: ما يقصد به الإفهام في معهود الاستعمال؛ أي: في العُرف العام.
والقسم الثاني: ما يقتضيه كونه أسوة يقتدى به، وعالمًا يهتدى به.

أما القسم الأول: وهو ما يُقصَد به الإفهام في معهود الاستعمال؛ أي: في العُرف العام، ففِعله حينئذ قائم مقام القول الصريح، وذلك مثل:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الشهرُ هكذا وهكذا))، وبيَّن ذلك بفِعل يده[4].
وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم في حجته: (ذبحت قبل أن أرمي؟)، فأومأ بيده، وقال: ((لا حرجَ))[5].

وقال: ((يُقبَض العلم، ويظهَر الجهلُ والفتن، ويكثُرُ الهَرْجُ))، قيل: (يا رسول الله، وما الهَرْجُ؟)، فقال هكذا بيده فحرفها، كأنه يريد القتلَ[6].

وأتَتْ أسماءُ بنت أبي بكر أختها عائشة، والناس قيام يصلون الكسوف، فقالت: (ما للناس؟)، فأشارت عائشة بيدها إلى السماء، وقالت: (سبحان الله!)، فقالت أسماء: (آية؟)، فأشارت عائشة؛ أي: نعم[7]، وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلوات؟ فقال للسائل: ((صَلِّ معنا هذينِ اليومين))، ثم صلى، ثم قال له: ((الوقتُ ما بين هذينِ))[8].
إلى غيرِ ذلك من الأحاديث التي فيها بيانُ أن الفعلَ الموضح للقول قائمٌ مقامَ القول[9].

وما مثَّل به الشَّاطبي على هذا القسم كله فعلٌ عَرِيَ من القول المصرح به، فكان الفعل في محل القول الصريح؛ لأنه جاء بيانًا له، إلا أن مثاله الأخير محل نظر، وقد ناقشه دراز، فقال: "لو اكتفى صلى الله عليه وسلم بصلاته معهم هذين اليومين، وفهم الصحابي منها الغرض، لكان مما نحن فيه، أما وقد قال له: (الوقت ... إلخ)، والإفتاء حصل بهذا القول، لا بمجرد الفعل الذي إنما حصل مساعدًا على إيجاز الإفتاء القولي، نعم، له دَخْلٌ في قوة البيان، ولكن الفتوى قولية، انبنى على الفعل وضوحُها وإيجازها، وقد يقال: إنها مركَّبة من الفعل والقول"[10].
وهذه المناقشة مناقشة وجيهة، غير أن بقية الأمثلة منطبقة على ما ذكر الشَّاطبي.

والشَّاطبي إنما ساق هذه الأمثلة، وهي من السنَّة؛ لأنه قد قرر قبل ذلك قاعدة مهمة، وهي أن العالم والمفتي قائمٌ مقامَ النبي صلى الله عليه وسلم في البيان، وعلى هذا فأقواله مبيِّنة لأفعاله، فما يصدر عن المجتهد من طريق الفعل، وقصد به الإفهام في عرف السامع والمتكلم، ففعله حينئذ بيان كالقول[11].

والقسم الثاني: ما يقتضيه كونه أسوة يقتدى به، وعالمًا يهتدى به.

والشَّاطبي في هذه الحالة يرى أن العالم أهلٌ للاقتداء، ومحل للتقليد؛ ولذا يقول: "لأن العالم المنتصب مفتيًا للناس بعمله كما هو مفتٍ بقوله"[12]، ويبين الشَّاطبي أن أصلَ ذلك الكتابُ والسنَّة؛ كقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ﴾ [الأحزاب: 37]، وقد قال قبل ذلك: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21].

وقال في إبراهيم: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الممتحنة: 4]، والتأسِّي كما عرَّف الشَّاطبي: إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله[13]، فالشارع طلَب منا أن نتأسى بنبيِّ الله إبراهيم، وشرعُ مَن قبلنا شرعٌ لنا، لا سيما وقد أقرَّه شرعنا.

وقال صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: ((ألا أخبرتيه أني أقبِّلُ وأنا صائم))[14]، وفي الحديث: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلي))[15]، وفيه: ((خذوا عني مناسككم))[16]، واقتداء ابن عمر بأفعاله شهيرٌ[17]. قال الشَّاطبي: "ولذلك جعل الأصوليون أفعاله في بيان الأحكام كأقواله"[18]، ثم قال: "وإذا كان كذلك، وثبت للمفتي أنه قائم مقام النبي، ونائب منابه - لزم مِن ذلك أن أفعالَه محل للاقتداء أيضًا، فما قصد بها البيان والإعلام فظاهر، وما لم يقصد به ذلك، فالحكمُ فيه كذلك ..."[19].

ويبين الشَّاطبي متى يكون فعل العالم محلًّا للاقتداء، فيقول: "فحق على المفتي أن ينتصب للفتوى بفعله وقوله، بمعنى أنه لا بد له من المحافظة على أفعاله؛ حتى تجريَ على قانون الشرع؛ ليتخذ فيها أسوة"[20].

فإذًا أفعال المجتهد ليست دائمًا محل اقتداء، وإنما تكون محل اقتداء؛ شرط أن تكون على وفق الشرع؛ ولذلك قال الشَّاطبي: "بل نقول: إذا وقف المقتدى به وقفة، أو تناول ثوبه على وجه، أو قبض على لحيته في وقت ما، أو ما أشبه ذلك، فأخذ هذا المقتدي يفعل مثل فعله، بناءً على أنه قصد به العبادة، مع احتمال أن يفعل ذلك لمعنى دنيوي، أو غافلًا - كان هذا المقتدي معدودًا من الحمقى والمغفَّلين"[21].

وعلى هذا، فالذي يبدو لي أن هذا القسم راجع إلى القسم الأول في الجملة؛ لكونه بيانًا لأحكام الشرع؛ فأفعال المجتهد تكون بيانًا للشرع بأي وجه كان، وعليه فأفعال المجتهد المجردة ليست محلًّا للاقتداء، إنما تكون محلًّا إذا جرت مجرى البيان لأحكام الشرع في الجملة، وحينئذ فما الفرق بين القسمين؟!

الذي يظهر لي أن الفرق هو أن الأول فِعلٌ جاء بعد القول المجمل بيانًا له، أما الثاني فهو فعلٌ منقطع عن القول، جاء بيانًا مبتدأ، لا لنص سابق خاص.

ويشير إلى هذا قول الشَّاطبي: "ولا خلاف في وجوب البيان على العلماء، والبيان يشمل البيان الابتدائي، والبيان للنصوص الواردة والتكاليف المتوجهة؛ فثبت أن العالم يلزمه البيان من حيث هو عالم"[22]، وقال: "إذا كان البيان يتأتى بالقول والفعل، فلا بد أن يحصل ذلك بالنسبة إلى العالم، كما حصل بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان السلف الصالح ممن صار قدوة في الناس"[23].

أما الإقرار: فهو راجع في أصله إلى الفعل؛ لأنه في حقيقته كفٌّ، والكف فعل، وكف العالم عن الإنكار إذا رأى فعلًا من الأفعال كالتصريح بجواز الفعل[24]، والأصوليُّون قد أثبتوا ذلك دليلًا شرعيًا بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم[25].

قال الشَّاطبي: "فكذلك يكون بالنسبة إلى المنتصب للفتوى"[26]، وقال: "ومِن هنا ثابر السلف على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يبالوا في ذلك بما ينشأ عنه مِن عَوْدِ المضرَّات عليهم بالقتل فما دونه، ومَن أخذ بالرخصة في ترك الإنكار فرَّ بدِينه واستخفى بنفسه، ما لم يكن ذلك سببًا للإخلال بما هو أعظم من ترك الإنكار؛ فإن ارتكابَ خيرِ الشَّرينِ أَوْلى مِن ارتكاب شرِّهما"[27].

وعلى كل حال، فالكلام في الإقرار كالكلام في الأفعال، وبهذا يتبين أن الشَّاطبي يرى أن أفعال المجتهد وتقريراته محل اقتداء بشرطه المبين سابقًا.

وقد نقَل الشَّاطبي ذلك عن مالكٍ؛ لأنه قال في إفراد يوم الجمعة بالصوم[28]: "إنه جائز"، واستدل بأنه رأى بعض أهل العلم يصومه، بل ويتحراه[29].

فمالك قد استند إلى فعلِ عالمٍ أهلٍ للاقتداء، واعتقد بأنه لم يسمع أحدًا من أهل العلم ممن يقتدى به ينهى عن صيامه.

قال الشَّاطبي: "فقد يلوح من هنا أن مالكًا يعتمد هذا العمل الذي يفهم من صاحبه القصد إليه إذا كان من أهل العلم والدين، وغلب على الظن أنه لا يفعله مهملًا، ولا سهوًا، ولا غفلة؛ فإن كونَه من أهل العلم المقتدى بهم يقتضي عَمَلَه به، وتحرِّيه إياه دليلٌ على عدم السهو والغفلة"، ثم قال: "وعلى هذا يجري ما اعتمد عليه من أفعال السلف إذا تأملتها وجدتها قد انضمت إليها قرائنُ عيَّنَتْ قصدَ المقتدَى به وجِهةَ فعله؛ فصحَّ الاقتداء"[30].

والشَّاطبي هنا يضيف لنا شرطًا آخر للاقتداء بالعالم، وهو أن يتيقن أو يترجح في ذهن المقلد بَعد النظر في القرائن قصدُ العالم لعمله، فلا يكون في عمله ساهيًا أو غافلًا، وإنما إذا نظرنا في القرائن مع كونه أهلًا للاقتداء تبيَّنَ لنا أن فعله هذا بيان لحكم شرعي، أما إن لم يتعين فعل المقتدى به لقصد دنيوي ولا أخروي، ولا دلت عليه قرينة فهو محتمل، ولكن الذي صححه الشَّاطبي عدمُ الاقتداء به فيه.

قال الشَّاطبي: "أما ها هنا، فلما فُقدت - يعني القرائنَ - قَوِيَ احتمال الخطأ والغفلةِ وغيرهما، هذا مع اقتران الاحتياط على الدِّين؛ فالصوابُ - والحالة هذه - منعُ الاقتداء إلا بعد الاستبراء بالسؤال عن حُكم النازلة المقلَّد فيها، ويتمكن قول من قال: "لا تنظر إلى عملِ الفقيه، ولكن سَلْهُ يصدُقْكَ"[31]، ونحوه"[32].

وبما سبق يتبين أن الشَّاطبي قد قيَّد التقليد في الأفعال بشروط لا بد من حصولها، ولم يطلق الأمر؛ لأنه لم يُغفِلْ أن العالم - وإن كان يقوم مقامَ النبي صلى الله عليه وسلم في وظيفة البلاغ - فإنه عُرضةٌ للخطأ والنسيان، بل عُرضة للوقوع في المعصية ونحو ذلك؛ ولهذا كان لا بد من تقييد الأمر بشروط معينة، إذا تحققت كان الفعل أهلًا للاقتداء، وهي:
أولًا: أن يكون الفعل من عالم يقتدى به، وقدوة يهتدى به، قال الشَّاطبي: "ما يقتضيه كونه أسوة يقتدى به"[33]، وقال عنه: "إنه وارث"[34]، وقال: "وهكذا كان السلف الصالح ممن صار قدوةً في الناس"[35]، وهذانِ الوصفانِ ليسا فارغينِ من المعنى، بل هما يحملان كل المعنى؛ فالعالم الأهل للاقتداء الوارث ميراث النبوة، هو الذي يكون فعلُه تبعًا لقوله وعلمه، فهو إذًا المتبع لأحكام الشرع، وهو المؤتمر بأمر الله، المنتهي عن مناهي الله.

ولم يقِفِ الأمر عند هذا الحد فحسب، بل إن الشَّاطبي احتاط للأمر احتياطًا بالغًا، ويظهر ذلك من كونه ألزم هذا العالم المنتصب بأن يجري الأحكام في تصرفاته على موضوعاتها؛ في أنفسها، وفي لواحقها، وسوابقها، وقرائنها، وسائر ما يتعلق بها شرعًا؛ حتى يكون مبينًا للدِّين بحق، ولا يندرج ضمن مَن قال الله عنه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ﴾ [البقرة: 159][36] الآيةَ.

ويعني الشَّاطبي بذلك أن على المنتصب للناس أن يكون متحرزًا بفعله، محتاطًا في تصرفاته، متفقدًا لجميع أعماله[37]؛ ذلك أن أعماله - كما يرى الشَّاطبي - ليست كأعمال بقية المكلفين تنقسم إلى الأحكام التكليفية الخمسة، بل الأفعال والأقوال في حقه تنقسم إلى قسمين لا ثالث لهما، وهما الوجوب والحرمة؛ قال الشَّاطبي: "من حيث صار فعلُه وقوله وأحواله بيانًا وتقريرًا لِمَا شرَع الله - عز وجل - إذا انتصب في هذا المقام؛ فالأقوال كلها والأفعال في حقه إما واجب وإما محرَّم، لا ثالث لهما؛ لأنه مِن هذه الجهة مُبين، والبيان واجب لا غير، فإذا كان مما يفعل أو يقال، كان واجبَ الفعل على الجملة، وإن كان مما لا يفعل، فواجبُ الترك"[38].
ويلحظ مما سبق أن من يقلد في أفعاله ينبغي عليه ما لا ينبغي على غيره ممن ليس أهلًا لذلك، ولو كان ممن حصَّل الاجتهاد.

ثانيًا: أن يكون في فعله موافقًا للشرع؛ لأن العالم حاكم بمقتضى الشرع، فمتى ما كانت أفعاله جارية على قانون الشرع، كان مقبولَ القول[39]، قال الشَّاطبي: "إنما الحجة في المقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم"[40]، وهذا يشمَلُ القولَ والفعل.

ثالثًا: أن يتضح قصدُ العالم، أو يتبين من خلال القرائن المصاحبة لعمله، أو يغلِب على الظن قصدُه لذلك الفعل، وأنه لم يفعل هذا الفعل مجردًا، وإنما فعله اتباعًا؛ ولذلك استثنى الشَّاطبي أفعاله المجردة عن وضع الاقتداء، كما سبق نقله عنه، كما أنه استثنى أفعاله التي لا يظهر فيها قصده، أو لا يغلِبُ على الظن فيها اتباعُه؛ فهذه الأفعال أيضًا ليست محلًّا للاقتداء.

وعلى هذا، فليس لائقًا أن يُنقَل هذا الرأي عن الشَّاطبي مجردًا عن فهم شروطه التي قيَّد بها الفعل حتى يكون موضعًا للاقتداء، وبذلك يكون الشَّاطبي قد وضع العالم في موضعه اللائق به، ولم يساوِه بالنبي صلى الله عليه وسلم من كل وجه، وليس أيضًا كبقية الناس من كل وجه، وهذا - في نظره - ما تقتضيه رتبة الوراثة؛ فالعالم وارثُ النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يرِثْ عنه كل شيء، إنما ورِث عنه ما تقتضيه مرتبته من الشرع.

أما الأصوليون: فلم يُفرِدْ كثيرٌ منهم هذا المبحث بالبحث، ومن تعرَّض منهم لذكر التقليد في الأفعال، فإنه لم يفصِّلْ كهذا التفصيل الذي به فصَّل الشَّاطبي.

وما قرَّر الشَّاطبي من أن الفعل المقصود به الإفهام ملحق بالقول الصريح: يفيده قول الأصوليين: إن مذهب الشخص هو قوله الصريح، وما قام مقامه من تنبيه وغيره مما لم يقله[41]، فإنه يُفهَم من هذا أن هذا النوع من الفعل الذي قصد به الإفهام ملحَقٌ بالقول؛ لأنه قائم مقامه.

وما قرره الشَّاطبي مِن أن فعل المجتهد - ما لم يكن المقصودُ به الإفهامَ - يُعَدُّ مذهبًا له يمكن تقليده فيه: يندرج في أحد تعريفَيِ الجُرجاني[42] من الحنفية، واختاره الشنقيطي العلوي[43]، وتبعه الشنقيطي الأمين[44]، وهو وجه عند الشافعية[45] اختاره بعضهم؛ كالجويني[46]، وابن السبكي[47]، والزركشي[48]، والأنصاري[49]، وهو وجه عند الحنابلة[50]، اختاره أكثرهم[51]، وقال ابن حامد: "هذا قول عامة أصحابنا"[52]، ومال إلى هذا القول ابن تيمية فيمن يغلِب عليه التقوى والورع من العلماء[53].

وقال الجويني في تعليقه على تعريف التقليد: "فيندرج تحت هذا الحد الأفعال والأقوال، وقد خصص معظم المحققين كلامَهم بالقول، ولا معنى للاختصاص به؛ فإن الاتباعَ في الأفعال المبيَّنة كالاتباع في الأقوال[54].

وقال ابن السبكي: "فقولنا نحن: أخذ المذهب من غير معرفة دليله كلام صحيح"، ثم قال: "والمذهب يعم التركَ والفعل؛ فليس من شرط المذهب أن يكون قولًا"[55].

وقال الزركشي في تعقيبه على قول الجويني السابق: "لأن القول يطلق على الرأي والاعتقاد إطلاقًا وتعارفًا، وساغ ذلك حتى صار كأنه حقيقة عُرفية، وحينئذ فلا فرق بين القول والمذهب"، وقال أيضًا: "والمذهب يعُمُّ القول والفعل"[56].

وخالَفه في ذلك مَن لا يرى أن الفعل يعد مذهبًا له، وعليه فلا يقلد فيه: اختاره الحطاب[57] من المالكية، وهو وجه عند الشافعية[58]، واختاره المحلي[59]، والمارديني[60]، والشربيني[61]، وغيرهم[62]، وهو وجه عند الحنابلة[63].
قال المحلي: "فخرج أخذُ غير القول من الفعل والتقرير عليه، فليس بتقليد"[64].

وقال الحطاب عن المجتهد: "إنما يقلده في الفتوى، ولا يقلده في الأفعال، فلو رأى الجاهلُ العالمَ يفعل فعلًا، لم يجُزْ له تقليده فيه"[65].

أما عامة الأصوليين، فإنهم اكتفوا بإطلاق القول دون إشارة إلى الفعل، ولو أخذنا بقول الزركشي لكان عامة الأصوليين يوافقون الشَّاطبي في حكم التقليد في الأفعال، ولكن لما احتمل مخالفة هذه الحقيقة العرفية - حسب تسمية الزركشي - لا سيما إذا ضُمَّ إلى مخالفة المحلي ومَن وافقه نقلُ الجويني عن المحققين، فإنه لا يمكن القطع لهم برأي حينئذ.

أما الإقرار، فهو مندرج في الفعل؛ فالخلاف في الفعل ينسحب عليه أيضًا، وقال ابن حامد: "باب البيان عن مذهبه لما سكت عند المعارضة، ولم ينكره عند المباحثة"[66]، وقوله هذا يشير إلى موافقته للشاطبي، وإن كان التبويب أخصَّ من التقرير.

وصرَّح الشربيني بمخالفة ذلك، فقال: "أما الفعل والتقرير، فلا يظهر جواز العمل بمجردهما من المجتهد؛ لجواز سهوِه وغفلته"، وقال: "فإن قلت: قد يقترن التقرير بما يدل على عدم الغفلة والرضا بالفعل، قلت: يحتمل أنه رضيه لكونه مذهبَ غيره، وشرط الإنكار أن يكون منكرًا عند الفاعل، ولعله قلد الغير"[67].
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 139.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 137.58 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]