خطبة عن العمل الصالح في عشر ذي الحجة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         المنازعات في القطعيات؛ الحجاب، مثالاً (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 173 )           »          الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 26 - عددالزوار : 14722 )           »          تأملات في قوله تعالى {إن جهنم كانت مرصادا} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 196 )           »          قراءة بلاغية في سورة الهمزة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 194 )           »          إياك نعبد وإياك نستعين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 801 )           »          العولمة والثقافة.. صراع من أجل البقاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 850 )           »          حين يفتح الوعي نوافذه… حكاية رجل تعلم أن يرى ما بين الأشياء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 849 )           »          شهادة بعض الغربيين من غير المسلمين بأن الإسلام لم ينتشر بحد السيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 877 )           »          تعجيل زواج الشباب.. ضمانة للأمن المجتمعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1125 )           »          زواج الأطفال.. بين فلسفة التشريع وتضليل المصطلح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1130 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 23-11-2020, 07:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,684
الدولة : Egypt
افتراضي خطبة عن العمل الصالح في عشر ذي الحجة

خطبة عن العمل الصالح في عشر ذي الحجة
د. سعود بن غندور الميموني




إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ، فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ، أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَهِي وَصِيَّةُ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].


عِبَادَ اللَّهِ... إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ عَدَمٍ، وَأَصْلَحَ لَهُمْ مَعَاشَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ، رَفَعَ فَوْقَهُمُ السَّمَاءَ، وَبَسَطَ لَهُمُ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَقَامَ لَهُمْ سُوقَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِيَرَى أَيُّهُمْ يُحْسِنُ العَمَلَ وَأَيُّهُمْ يُسِيءُ؛ فَالْغَايَةُ وَالْحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِهِمْ هُوَ الْعَمَلُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [هود: 7].
وقَالَ سُبحانَهُ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 7].


وَلْنَعْلَمْ جَمِيعًا - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - أَنَّ مَنْ عَمِلَ مِنَّا عَمَلًا صَالِحًا فَإنَّ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ وَالْفَضْلَ وَالْمِنَّةَ فِي ذَلِكَ للهِ جَلَّ وَعَلا، فَمَا بِنَا مِنْ نِعْمَةٍ دِينِيَّةٍ أَو دُنْيَوِيَّةٍ فَهِيَ مِنَ اللهِ، فَاللهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَنَا، وَاللهُ هُوَ الَّذِي رَزَقَنَا، وَاللهُ هُوَ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَأَعْطَانَا الصِّحَّةَ وَالقُوَّةَ وَعَافَانَا، وَوَهَبَنَا المَالَ وَالوَلَدَ وَحَبَانَا، وهُوَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا فَهَدَانَا، وجَعَلَنَا لَهُ نَرْكَعُ وَنَسْجُدُ وَنَسْعَى إِلَيْهِ وَنَحْفِدُ ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53]، فَلْيَحْمَدِ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَلْيَقُلْ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ [الأعراف: 43]، فَكَمْ مِنْ كَافِرٍ يَوَدُّ أَنْ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا، وكَمْ مِنْ عَاصٍ يَتَمَنَّى أَنْ لَوْ كَانَ طَائِعًا ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 27].


أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ... أَلَا وَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَينَا أَنْ نَعْلَمَ أَيْضًا أَنَّنَا فِي وَقْتِ الزَّرْعِ وَالْبَذْرِ، فَمَنْ زَرَعَ حَصَدَ، وَمَنْ جَدَّ وَجَدَ، يَنْبَغِي أَنْ نَجْتَهِدَ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَإِنَّنا لَا نَدْرِي مَاذَا يَعْرِضُ لَنَا؛ وَهَذَا أَمْرُ اللهِ لِعِبَادِهِ فِي كِتَابِهِ حَيْثُ أَمَرَ بِالْمُسَارَعَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].
ألَا وإِنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ هُوَ كُلُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ، ظاهِرَةٍ وَباطِنَةٍ، فَكُلُّ شَيْءٍ جَاءَ بِهِ حَبِيبُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَرِّبُنَا إِلَى اللهِ فَهُوَ عَمَلٌ صَالِحٌ.


الْعَمَلُ الصَّالِحُ -أَيُّهَا الإِخِوْةُ- دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَأَعْلَاهُ وَأَحَبُّهُ إِلَى رَبِّنَا جَلَّ وَعَلا هُوَ تَوْحِيدُهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى، ثُمَّ أَعْظَمُهُ شَأْنًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْعَبْدُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيهِ، فَفِي الْحَديثِ الْقُدْسِيِّ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
"إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَأَفْضَلُ قُرْبَةٍ يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ لِرَبِّهِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ هِيَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا فَتَحَ اللهُ لَهُ مِنَ النَّوَافِلِ، وَمَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ فِي الْعِبَادَةِ فَلْيُحَافِظْ عَلَيهِ؛ فَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ.


أَيُّهَا الْإِخْوَةُ... إِنَّ أَهَمِّيَّةَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ لَا تَخْفَى عَلَى مُسْلِمٍ؛ وَيَكْفِي بُرْهَانًا عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ أَنَّ الْإيمَانَ لَا يَنْفَعُ إلَّا بِهِ، فَإيمَانٌ بَلَا عَمَلٍ كَبَدَنٍ بَلَا رُوحٍ، إيمَانٌ بَلَا عَمَلٍ دَعْوَى كَاذِبَةٌ، إيمَانٌ بَلَا عَمَلٍ لَا يَصِحُّ وَلَا يَكُونُ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنِ اقْتِرَانِ الْإيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي جَمِيعِ آيِ الْقُرْآنِ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾ [الكهف: 107]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ﴾ [لقمان: 8] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ.


أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ... إِنَّ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْإيمَانِ ثَمَرَاتٍ طَيِّبَةً، وَعَوَاقِبَ حَسَنَةً، وَأُجُورًا كَبِيرَةً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، فَأَوَّلُ ذَلِكَ وَأَكْبَرُهُ فِي الدُّنْيَا: وَعْدُ اللهِ بالاسْتِخْلاَفِ فِي الْأرْضِ، وَتَمْكِينِ الدِّينَ وَالْأَمْنِ بَعْدَ الْخَوْفِ، قَالَ تَعَالَى ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ [النور: 55] وَكَمْ تَشْتَاقُ أَفْئِدَةُ أهْلِ الْإِسْلامِ فِي هَذَا الْعَصْرِ إِلَى هَذَا النَّصْرِ وَالظَّفَرِ، وَهَذَا التَّمْكِينِ وَالْأمَانِ، فَجُلُّ بِلادِ الْإِسْلامِ مَنْكُوبَةٌ مُمَزَّقَةٌ.


وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ: حُصُولُ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْجَزَاءِ الْوَفِيرِ فِي الْآخِرَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97] وَكَمْ مِنْ نَفْسٍ مَكْلُومَةٍ تَهْفُو إِلى حَيَاةٍ طَيِّبَةِ كَهَذِهِ؟!.
وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ: حُصُولُ الْهِدَايَةِ والتَّوْفِيقِ، ولُزُومُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ قَالَ جَلَّ وعَلاَ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ [يونس: 9] وَمَنْ مِنَّا لا يَرْغَبُ فِي الْهِدَايَةِ ولا يَخَافُ مِنَ الْغِوَايَةِ؟!


وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ: تَكْفِيرُ السَيِّئَاتِ، وإصْلاَحُ الْبَالِ، واسْتِقْرَارُ النَّفْسِ، قَالَ أَصْدَقُ القَائِلِينَ: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ [محمد: 2].
وهَلْ خَلَوْنَا جِميعًا مِنَ الذُّنُوبِ والْمَعَاصِي حَتَّى لا نَعْمَلَ لأَجْلِ هذَا الثَّوَابِ؟!
وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ: دُخُولُ الْجَنَّاتِ، والْفَوْزُ بِمَا فِيهَا مِنَ مَكْرُمَاتٍ، قَالَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾ [النساء: 57] والْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ أُمْنِيَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ.


وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ: حِفْظُ النَّفْسِ وَالْأهْلِ وَالذُّرِّيَّةِ؛ فَهُوَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى صَاحِبِهِ فَحَسْبُ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَعَلَّ سُورَةَ الْكَهْفِ فِيهَا شَاهِدٌ وَاضِحٌ وَبُرْهَانٌ سَاطِعٌ عَلَى ذَلِكَ، فَبَعْدَ أَنِ اسْتَنْكَرَ مُوسَى هَدْمَ الْخَضِرِ جِدارَ الْغُلاَمَيْنِ أَجَابَهُ بِمَا ذَكَرَ رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ [الكهف: 82] فَحَفِظَ اللهُ الأَوْلادَ بِصَلاحِ آبَائِهِمْ، وتِلْكَ واللهِ مَكْرُمَةٌ عَظِيمَةٌ.


وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ: إِجَابَةُ الدُّعَاءِ، والاسْتِزَادَةُ مِنَ الْخَيْرَاتِ، قَالَ تعَالَى: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [الشورى: 26] وَمَنْ مِنَّا لاَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيَسْعَى إِلَيْهِ؟!
أَلاَ وَإِنَّ أَعْظَمَ الثَّمَرَاتِ وأَحْسَنَ الْمَكْرُمَاتِ: دُخُولُ الْجَنَّاتِ والتَّمَتُّعِ بالنَّظَرِ إِلى وَجْهِ رَبِّ الأَرْضِ والسَّمَاوَاتِ، وذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ ولَيْسَ بَعْدَهُ فَضْلٌ، وتِلْكَ الْمِنَّةُ ولَيْسَ بَعْدَهَا مِنَّةٌ؛ فعَنْ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَصَدَقَ اللهُ حَيثُ قَالَ: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [يونس: 26].


نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِهِ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ.. اللهمَّ آمين.


الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، جَلَّ شَأْنُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْماؤُهُ وَلَا إلَهَ غَيْرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ... إِنَّهُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُحْسِنَ اغْتِنَامَ الْمَوَاسِمِ الْفَاضِلَةِ بِمَزِيدِ عِنَايَةٍ وَاجْتِهَادٍ فِي أَنْوَاعِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَإِنَّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفْحَاتٍ، وَالسَّعِيدُ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا، وَاغْتِنَامُ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ هُوَ تَوْفِيقٌ مِنَ اللهِ لِلْعَبْدِ وَمِنَّةٌ عَلَيهِ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَغْتَنِمَ هَذِهِ الْمَوَاسِمَ قَبْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ نَفْسُهُ وَتَسْكُنَ جَوَارِحُهُ:
تَزَوَّدْ قَرِينًا مِنْ فِعَالِكَ إنَمَّا
قَرِينُ الْفَتَى فِي الْقَبْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُ

فَلَنْ يَصْحَبَ الْإِنْسَانَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ
إِلَى قَبْرِهِ إلاَّ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ


وَمِنْ تِلْكَ النَّفْحَاتِ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- مَا نَحْنُ مُقْبِلُونً عَلَيه مِنْ أيَّامٍ لَا تُسَاوِيهَا أيَّامٌ، هِي أفْضَلُ أيَّامِ السَّنَةِ، أَلَا وَهِي عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ؛ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَديثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟" قَالُوا: وَلاَ الجِهَادُ؟ قَالَ: "وَلاَ الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ".


وَاعْلَمُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ كَثِيرٌ، وَالْعُمُرَ قَصِيرٌ، فَلْنَحْرِصْ عَلَى الْمُسَابَقَةِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، لَا سِيَّمَا إِلَى حَجِّ بَيْتِ اللهِ الْحَرامِ فَهُوَ مِنْ أفْضَلِ الْأَعْمَالِ؛ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ وَلَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ آثِمٌ، فَسَارِعُوا وَبَادِرُوا إِلَيهِ، وَلْنَأْخُذْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا نَسْتَطِيعُ؛ فَلْنَأْخُذْ مِنَ الصِّيَامِ وَالْقيامِ وَقِرَاءةِ الْقُرْآنِ مَا اسْتَطَعْنَا، وَلْنَحْرِصْ عَلَى الْعَمَلِ الْمُتَعَدِّي وَالَّذِي يَصِلُ أثَرُهُ للآخَرِينَ وَيَبْقَى؛ فَلْنَحْرِصْ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالدُّعَاءِ لَهُمَا، وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَزِيَارَةِ الْمَسَاكِينِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ. فَتِلْكُمْ - وَاللهِ - جَنَّةٌ لَا يَعْدِلُهَا شَيءٌ أَبَدًا، وَصَدَقَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إذ يَقُولُ: (إِنَّ فِي الدُّنْيَا جَنَّةً مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الْآخِرَةِ).


نَسْأَلُ اللهَ تعَالى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِمَا فِيهِ مَرْضَاتُهُ، وَأَنْ يُوَفِّقَنَا لاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ والسَّيْرِ علَى هَدْيِهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
اللَّهُمَّ انْصُرِ الإِسْلامَ وأَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ، وَأَعْلِ بِفَضْلِكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ والدِّينِ، وَمَكِّنْ لِعِبَادِكَ الْمُوَحِّدِينَ، واغْفِرْ لَنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والأَمْوَاتِ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَجْزِيَ آبَاءَنَا وَأُمَّهَاتِنَا عَنَّا خَيْرَ الْجَزَاءِ.. اللَّهُمَّ اجْزِهِمْ عَنَّا رِضَاكَ وَالْجَنَّةَ.. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ وَعَافِهِمْ واعْفُ عَنْهُم.
اللهمَّ وَفِّقْ ولي أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وتَرْضَى، وخُذْ بناصيته لِلبِرِّ وَالتَّقْوى، واجْعَلْ وِلايَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ واتَّقَاكَ.
اللهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي مَشَارِقِ الأَرضِ ومَغَارِبِهَا، اللهُمَّ انْصُرْهُمْ علَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، وَرُدَّهُمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وبالإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وأَنْتَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 64.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 62.69 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]