|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
من دلائل النبوة: الحقائق الكونية التي وردت على لسان الأمي أ. د. مصطفى مسلم قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا * وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ [الفرقان: 45 - 55]. المناسبة بين المقطع وسابقه: بعد الحكم على القوم بأن لا سبيل لإفهامهم ولا رجاء في اهتدائهم عن طريق المحاكمات العقلية فقد اتبعوا أهواءهم وجعلوها إلههم فنزلوا إلى دركة البهائم بل هم أضل. جاء في هذا المقطع جملة من الظواهر الكونية المحسوسة، لعلها تثير فيهم التأمل والتدبر، فإن هذه الظواهر تدل على النظام في الكون، والإرادة المدبرة لشؤونه، ولا يمكن أن تكون صدفة عمياء أوجدت هذا النظام الكوني الدقيق الذي يحقق مصالح المخلوقات في هذا الكون... إن تدبر المشاهد المحسوسة في الكون سبيل للتفكير إلى ما وراء المحسوسات من عالم الغيب، فإن المحسوسات طريق إلى المعقولات، وهي طريق للإيمان بعالم الغيب. وسوق الأدلة من المشاهد الكونية موافق للتقسيم السابق "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون" فالسماع للمنقول، لكي يتدبروا ما أنزل من الآيات القرآنية. والعقل للآيات الكونية المشاهدة. فإن لم ينتفعوا بالآيات المسموعة، ولم يفهموا الآيات المرئية المشاهدة فلا فائدة في حواسهم، فالأنعام لها حواس أيضاً. وهذا المقطع له علاقة بقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 6]. تمهيد بين يدي البحث في الآيات الكونية: كثر في عصرنا هذا ما يقال عنه: (تفسير الآيات الكونية) أو (الإعجاز العلمي) ولقد انزلقت أقدام كثير من الباحثين نتيجة اندفاعهم وراء المكتشفات الحديثة والنظريات التي ذكرها علماء الفلك والطبيعة... وحاولوا لَيَّ أعناق النصوص الكريمة ليجعلوا تلك النظريات تفسيراً لها. وفي هذا الأمر من الخطورة الشيء الكثير، لذا كان لزاماً علينا أن نبين المنهج الوسط في تفسير هذه الآيات الكريمة ونضع ضوابط علمية تعصم الباحثين من الانزلاق، وتحميل النصوص ما لا تحتمل، وكذلك نجنبهم من ردود الأفعال التي انتابت بعضهم، فأداروا ظهورهم للإشارات الدقيقة للحقائق التي أودعها الله في كونه (الذي يعلم السر في السماوات والأرض) حيث ذهب بعض المعاصرين إلى شن حملة شعواء على القائلين بالإعجاز العلمي الذين ذهبوا إلى تفسير تلك الآيات على ضوء الحقائق العلمية التي أماط عنها اللثام البحث العلمي والجهد البشري. فمن هذه الضوابط: أولاً: أن لا نخرج القرآن الكريم عن مهمته الأساسية، أنه كتاب هداية للبشرية، ولا نعتقد فيه أن يقدم لنا تفسيراً تفصيلياً للظواهر الكونية أو الطبيعية التي نشاهدها. والإشارات التي جاءت في القرآن الكريم تلفت النظر إلى حقيقة كونية في الفلك أو في البحار أو في الجبال أو في النبات أو الحيوان أو الإنسان.. هذه الإشارات منسجمة مع المهمة الأساسية للقرآن الكريم وهي إخراج الإنسان من متاهات الجهالة وظلمة الشرك إلى نور التوحيد وإدراك حكمة الله تعالى في مخلوقاته، وأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له في ملكه وبيان قدرته على الإبداع والتدبير وإليه المآل والمصير. ولو تتبعنا الآيات الكونية لوجدناها: إما أن تتقدم بالدعوة إلى التوحيد ثم تساق الآيات دليلاً على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 163 - 164]. • وإما أن تُعقَّب الآيات الكونية بتوجيه سؤال عن واضع هذه الأسرار وهذه الأنظمة في الكون هل يوجد إله غير الله صنع ذلك. كما في قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ [النمل: 60 - 65]. • أو لبيان نعم الله على مخلوقاته عامة، وتسخير هذه المخلوقات للإنسان ليدرك الإنسان قيمة هذه النعم التي تحيط به من كل جانب، فيتوجه بالشكر والعبادة إلى مسديها جلَّ جلاله، كما في قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾ [يس: 71 - 73]. وغيرها من الأساليب القرآنية التي عرضت الحقائق الكونية والظواهر الطبيعية، وكلها تهدف إلى تعبيد الإنسان للخالق الديان، أو لبيان عظيم قدرته سبحانه وتعالى في رعاية مصالح عباده كما في قوله تعالى: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الزمر: 5 - 7]. ثانياً - أن يجعل الباحث الحقائق العلمية المسلّم بها بين أهل الاختصاص مجال البحث والتفسير. من المعلوم أن المكتشفات العلمية تمر بمراحل، فأول ما تلفت الظاهرة النظر، يفترض الباحث لها احتمالات، فإذا غلب على ظنه تفسير معين لها ركز عليها التجربة أو الدراسة فهي في هذه المرحلة فرضية. فإذا استطاع أن يقيم عليها البراهين والأدلة انتقلت إلى مرحلة النظرية، فإذا اطردت النتائج ولم تختلف النتيجة من زمان إلى زمان، وفي مكان عن مكان آخر، وعلى يد الباحثين جميعاً أدت إلى نتيجة واحدة، صارت حقيقة علمية. فإذا أردنا أن نفسر آية كونية، علينا أن نرجع إلى الحقائق العلمية في هذا المجال، فإن وجدنا إحداها يمكن أن تكون تفسيراً للآية، بحيث تعطي الحقيقة العلمية بعداً إضافياً للفهم المتبادر من الآية، فعندئذٍ يمكن أن نجعل الحقيقة العلمية من الوسائل التي تعيينا على فهم الآية. وهناك حقائق كثيرة تعطي أبعاداً تفسيرية للآيات الكريمة كما في قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ [الأنبياء: 30]. فحيث وجد الماء كانت الحياة. وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 12 - 14]. حيث ذكرت أطوار النشأة الجنينية السبعة، ولم يدركها العلم الحديث إلا متأخراً. إن النظريات العلمية قابلة للإبطال وتراجع أصحابها عنها، وربط تفسير الآيات القرآنية بتلك النظريات، يؤدي إلى اضطراب أذهان الناس وتزعزع ثقتهم بالقرآن الكريم في حال رجوع أصحابها عنها أو ظهور بطلانها. فعلى الباحث عدم التعريج على تلك النظريات مهما بلغت من الشهرة والذيوع ما دام هناك احتمال - ولو ضئيل - ببطلانها. ثالثاً: عدم حصر دلالة الآية على الحقيقة العلمية الواحدة: إن من إعجاز القرآن الكريم أسلوبه المرن الذي يسع فهوم الأجيال المتعاقبة، ولا يستطيع جيل من الأجيال أن يحيط بدلالات هذا الأسلوب - وخاصة في الآيات الكونية والسنن الاجتماعية - أو باختصار فيما عدا آيات التشريع - وقد تكتشف حقيقة علمية في عصرٍ من العصور، ويظن الباحثون أنها المقصود بالآية ويحصر دلالة الآية عليها، فهذا أيضاً منهج خاطئ يجب تجنبه، لقد حصر كثير من المعاصرين دلالة قوله تعالى: ﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ [القيامة: 4] في البصمات التي اكتشفت عام 1880م على يد أحد العلماء الغربيين وقالوا: إنها المراد بالآية. ونحن نقول: إن هذا الاكتشاف العلمي أعطى بعداً جديداً لدلالة الآية، ولكن لا ينبغي الاقتصار عليه فقد يأتي يوم يكتشف شيء أدق وأعمق في البنان ويصبح الاكتشاف السابق فهماً سطحياً للآية الكريمة، كما قلنا عن فهم السابقين للآية قبل اكتشاف البصمات. وكذلك ذهب بعض العلماء في فهم قوله تعالى: ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ﴾ [الزمر: 6] إلى أن المراد بالظلمات الثلاث الأغشية الجلدية الثلاثة: البطن، والرحم، والمشيمة. إلا أن الطب الحديث يعطي تفسيراً آخر وأنها أغشية ثلاث داخل المشيمة هي: غشاء السلى (الأمنيون)، الغشاء المشيمي (الكوريون)، الغشاء الساقط[1]. وعلى الرغم من وجاهة أقوال الأطباء في ذلك وهو قول متخصصين في هذا المجال، وعلى الرغم من أن قولهم هذا أعطى فهماً أعمق وأحدث للآية الكريمة. لا ينبغي حصر دلالة الآية على قولهم هذا فقد يحدث أن تكتشف ظلمات ثلاث غير ما ذكروه. إن القرآن الكريم معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخالدة، وتقوم الحجة به على الأجيال المتعاقبة إلى يوم القيامة واستكناه دلالته يعني تفريغه من إقامة الحجة على الأجيال اللاحقة، وهذا يتعارض مع الحكمة من تنزيله وإعجازه. رابعاً: استحالة التصادم بين الحقائق القرآنية والحقائق العلمية: لقد خلق الله عزَّ وجلّ هذا الكون وخلق فيه سنناً كونية مطردة، وجعل كثيراً من هذه السنن خفية علنيا معشر البشر، وأمرنا بالنظر والتدبر والاعتبار بما خلق في السماوات والأرض ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [يونس: 101]. ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ... ﴾ [العنكبوت: 20]. وقال عن القرآن الكريم: ﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 6]. وجاءت الإشارات إلى أسرار هذا الكون في كثير من الآيات الكريمة مما يتعلق بسنن الله فيه التي سخرها لتحقيق مصالح العباد، أو أداء دور وظيفي لسكان هذه الأرض أو غيرهم. ومن المستحيل أن يخلق الله هذه السنن على شاكلة معينة، ثم يخبر عنها بشكل مختلف متناقض مع واقع السنن. إن الحقائق المبثوثة في الكون، والحقائق التي أشار إليها القرآن الكريم تخرج من مشكاة واحدة ومن مصدر واحد، فيستحيل التناقض بينهما، وإن توهم بعض الباحثين التناقض بين حقيقة علمية وحقيقة قرآنية فسببه أحد أمرين: • إما أن يكون ما ظنه حقيقة علمية لم يكن في واقع الأمر سوى نظرية ذاعت وانتشرت فظن الناس أنها حقيقة علمية، ثم ظهر بطلانها على ضوء التقدم العلمي، كما كان الحال مع نظرية لابلانس الإفرنسي، الذي قال: إن الشمس مركز الكون وكل الأفلاك تدور حولها وهي ثابتة لا تجري، وكانت النظريات الفلكية تدرس على هذا الأساس أكثر من أربعة قرون، ثم ظهر بطلانها بعد اكتشاف المراصد الفلكية الكبيرة، وإذا بالمجموعة الشمسية ليست إلا إحدى المجموعات الصغيرة في مجرتنا وأنها تجري بسرعة (20) ألف ميل في الساعة تجاه نجم الجبار. • وإما أن يكون فهمنا للآية غير دقيق وذلك بحصر دلالة الآية على وجه واحد من وجوه الدلالات المتعددة، وترك ما سواها وإلزام الجميع بهذا الفهم المعين والوجه المحدد. ويكون الأمر، أن هذا الفهم للآية يتعارض مع الحقيقة العلمية. كما فهم بعض الناس من قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ [الكهف: 86]، أن الشمس تغرب في بحر أو بحيرة معينة حاولوا تحديد موقعها على الأرض... علماً أن الآية الكريمة تسند الرؤية إلى ذي القرنين (وجدها تغرب) أي تبدو لعين الرائي. وهذا يحدث لكل من يقف على ساحل البحر أو البحيرة الكبيرة وقت الغروب وينظر كيف أن قرص الشمس يغيب وراء الأفق وكأنه يغرب في تلك البحيرة. وهذا من خداع البصر للإنسان. وكذلك ما فهمه بعض المفسرين من أوصاف الأرض ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ [النازعات: 30]، ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا... ﴾ [الرعد: 3]. ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ [الغاشية: 17 - 20]. ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا... ﴾ [النمل: 61]. فقالوا: إن الأرض مبسوطة ثابتة. وأغفلوا دلالات الكلمات الأخرى. وهي التي توافقها المكتشفات الحديثة في واقع الأرض. لقد جاء الأسلوب القرآني في مثل هذه الآيات مرناً يقبل وجوهاً في التأويل. وعلى الباحث أن يرجع إلى دلالات الكلمات في المعاجم اللغوية وإلى الوجوه المختلفة لاستعمالاتها: في الحقيقة والمجاز وظلال الكلمات في السياق، واستعمالاتها الاصطلاحية في الشرع أو عند أهل الاختصاص من أهل العلوم والفنون. فإذا وجد الباحث أن معنى من هذه المعاني أو وجهاً في الاستعمال تؤيده الحقيقة العلمية يمكنه أن يرجّح هذا المعنى أو هذا الوجه في الاستعمال على غيره، بدلالة الحقيقة العلمية، من غير أن يبطل الدلالات الأخرى للكلمة ومن غير أن يحصر الدلالة على هذه الحقيقة العلمية الواحدة. إن من أسرار خلود الأسلوب القرآني على مَرِّ التاريخ وتعاقب الأجيال وتبدل الثقافات هو هذه المرونة والمطاوعة في التأويل. خامساً - القرآن الكريم خطاب موجه إلى الأجيال ومعجزة خالدة مستمرة إلى يوم القيامة ولا يستطيع جيل - مهما أوتي من العلم - أن يحيط بأسراره ويكتنه خفاياه، فخير مفسر للقرآن هو الزمن. وعلى الباحث أن يتبع المنهج القرآني في المعرفة ويدخل البيوت من أبوابها. 1- إن من يحاول الوصول إلى النتائج من غير أن يتبع الأسباب ويستخدمها، كمن يأتي البيت من ظهره لا من بابه. 2- إن من يريد أن يقطف الثمرة ويصل إلى الغاية التي يريدها، من غير أن يقدم جهداً، يصطدم بسنن الله الكونية ويفشل في الوصول إلى الغاية. 3- لقد وضع الله في هذا الكون أسباباً تؤدي إلى نتائج، وله أن يخرق هذه الأسباب لحكمة يريدها إما تأييداً لأحد عباده الصالحين أو انتقاماً من بعض المتمردين على حكم الله وأمره. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |