|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الإيجار: أهميته، مشروعيته، خصائص عقده أ. د. محمد جبر الألفي تعريف الإيجار (أهمية الإيجار، أساس مشروعية الإيجار، خصائص عقد الإيجار، تمييز الإيجار عن غيره من العقود) 1- تعريف الإيجار[1]: أوردت المادة (742) من قانون المعاملات المدنية التعريف الآتي لعقد الإيجار: "الإيجار: تمليك المؤجِّر للمستأجر منفعةً مقصودة من الشيء المؤجَّر، لمدة معينة، لقاء أجر معلوم"[2]، ويقابل هذا النص: المادة (658) من القانون المدني الأردني، والمادة (558) من القانون المدني المصري، والمادة (526) من القانون المدني السوري، والمادة (722) من القانون المدني العراقي، والمادة (561) من القانون المدني الكويتي[3]. ويتضح من هذا التعريف أن المشرع قد تأثر بالفقه الإسلامي في تعريفه للإجارة، ولكنه اتبع نهجًا معاصرًا في هذا التعريف: 2- أ - فقد تبنى المشرع ما استقر عليه جمهور الفقهاء من أن الإجارة "تمليك منفعة"[4]، رغم ما أورد على ذلك من ملاحظات: • فقد أبدى البعض عدم موافقته "على تعريف عقد الإيجار بلفظ (تمليك)؛ لأن الملكية حق دائم، أما عقد الإيجار فهو مرتبط بمدة معلومة، ينتهي بعدها عقد الإيجار، وتعود منفعة العين مرة أخرى للمؤجر"[5]. وهذا النقد قد يجد ما يبرره في الفقه الغربي المستند إلى القانون الروماني، ولكنه لا يثبت إزاء الفقه الإسلامي، الذي يوزع المال بين أنواع ثلاثة: المال الحقيقي - العين - وهو المال المعين المحسوس، الذي يشغل حيزًا من الفراغ، والمال الحكمي - الدَّين - وهو ما تعلق بذمة شخص لوجود سبب شرعي، وسُمي الدين بالمال الحكمي؛ لأنه وصف في الذمة، والمال المجازي - المنفعة - وهو ما لا يقبل وصف المال إلا على ضربٍ من التوسع والمجاز؛ فالمنفعة لا وجود لها وقت العقد عليها، وإنما يقدر وجودها لأجل تصحيح العقد عليها[6]. ومع ذلك فقد تجنب كثيرٌ من الفقهاء - عند تعريف الإجارة - استعمال لفظ: (تمليك)، فقالوا: الإجارة عقد على المنافع بعِوَض[7]. • وقد لاحظ البعض الآخر أن تعريف الإيجار بأنه عقد تمليك للمنفعة، يفهم منه أن التزام المؤجر إنما هو التزام سلبي، كالتزام البائع بالنسبة للمشتري؛ فالمؤجر لا يلتزم بجعل المستأجر ينتفع بالعين المؤجرة، بل هو ملزم بتمليك المنفعة للمستأجر، وتركه ينتفع بقدر ما يستطيع[8]. ولكي يتحاشى المشرع مثل هذا النقد، فإنه حدد التزامات المؤجر في المواد (763 - 775) بما يجعل التزامه إيجابيًّا، سواء فيما يتصل بتسليم الشيء المؤجر، أو ما يتعلق بصيانته وضمانه. 3- ب - وقد اتبع المشرع - باختيار هذا التعريف - نهجًا معاصرًا حين قصر الإيجار على "إجارة الأشياء"، وجمعها مع الإعارة في الباب الثاني المخصص لعقود المنفعة، أما إجارة الأشخاص "الأجير الخاص والأجير المشترك"، فقد عقد لها الباب الثالث المخصص لعقود العمل، وهي: المقاولة، وعقد العمل، والوكالة، والإيداع، والحراسة، ويكون بذلك قد انضم إلى أرقى التشريعات، باختياره مصطلحات أكثر انطباقًا على الحياة الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، وحافظ على كرامة الفرد، فلم يجعله أو يجعل من عمله سلعة تخضع لقانون العرض والطلب[9]. 4- أهمية الإيجار: يعتبر عقد الإيجار من أكثر العقود أهمية في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والقانونية. 5- أ - فهو من الناحية الاجتماعية: يربط بين طائفتين، لكل منهما وزن ثقيل في المجتمع؛ هما طائفة الملاَّك المؤجرين، وطائفة غير الملاَّك المستأجرين، وقد سجل بعض الفقهاء هذه الرابطة حين قال: "ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك - الإجارة - فإنه ليس لكل أحد دار يملِكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملِكها، ولا يلزم أصحابَ الأملاك إسكانُهم وحملُهم تطوعًا.. فلا بد من الإجارة"[10]، فإذا لاحظنا أن عدد المستأجرين يربو كثيرًا على عدد المؤجرين، لأدركنا الأهمية القصوى لعقد الإيجار في إقامة التوازن بين مصلحة المؤجر ومصلحة المستأجر على أسس راسخة من قواعد العدالة الاجتماعية. 6- ب - وهو من الناحية الاقتصادية: يؤدي إلى إشباع الحاجات المتعددة؛ فهو بالنسبة للمستأجر يجعل منفعة الأعيان في متناول يده إذا كان في حاجة إليها ولا يمكنه شراؤها، أو لا يرغب في ذلك؛ لاستثمار رأس ماله في طرق أخرى تعود عليه بفائدة أكبر، وهو بالنسبة للمؤجر يعتبر من المجالات الاستثمارية للأعيان المملوكة له، مع احتفاظه بملكية هذه الأعيان، وقد زادت أهمية الإيجار في الآونة الأخيرة باعتباره وسيلة لتداول الثروات واستثمارها في عالم المال والاقتصاد؛ إذ أقبل المستثمرون على شراء المعدات الصناعية والأجهزة المتنوعة، وتأجيرها للغير لقاء أجر مناسب، مما جعلها من أحدث الوسائل الاستثمارية وأكثرها ربحًا؛ فأصبح من المألوف اليوم أن يستأجر المصنع أدوات الإنتاج، وأن يستأجر المقاول آلات الحفر والرفع والقياس، وأن تستأجر المستشفيات ما تحتاجه من أجهزة طبية، وأن تستأجر مشاريع الإنتاج الزراعي والحيواني ما يلزمها من معدات لإصلاح الأراضي وزرعِها وريِّها وحصادها، وتصنيع منتجات الألبان وحفظ اللحوم. كذلك أصبح من الشائع بين الأفراد والمؤسسات استئجار السيارات، والأجهزة المنزلية، وأدوات التصوير، والملابس الخاصة بالمناسبات؛ مما يدل على أن عقد الإيجار أصبح عصب الحياة الاقتصادية[11]. 7- جـ - أما من الناحية القانونية: فقد واجه المشرع الحديث جمًّا غفيرًا من المنازعات بين المؤجرين والمستأجرين، يمكن أن تؤدي إلى الإخلال بالأمن واستقرار التعامل، وهاله ذلك العدد الضخم من الدعاوى الإيجارية التي تُرفَع أمام المحاكم، فكان تدخُّله على قدر كبير من الشعور بالمسؤولية ومواجهة هذا الواقع، بتخصيص دوائر في المحاكم لنظر المنازعات الإيجارية، وتنظيم أحكام الإيجار تنظيمًا دقيقًا شاملًا، مراعيًا مصلحة المستأجر دون التضحية بمصلحة المؤجر، بل إن كثيرًا من الدول الحديثة نصت في دساتيرها على أن "ينظم القانون على أسس اقتصادية، مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية، العلاقة بين العمال وأصحاب العمل، وعلاقة ملاَّك العقارات بمستأجريها"[12]. 8- أساس مشروعية الإيجار: ثبتت مشروعية الإجارة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول. 9- القرآن الكريم: يسوق الفقهاء في استدلالهم بالكتاب على مشروعية الإجارة عدة آيات، منها: أ - قوله تعالى: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ﴾ [القصص: 26، 27]. دلت الآية الأولى على أن الإجارة بينهم وعندهم مشروعة معلومة، وكذلك كانت في كل ملة، وهي من ضرورة الخليقة ومصلحة الخلطة بين الناس[13]، ودلت الآية الأخرى على شرعية قيام عقد الإجارة بين موسى عليه السلام وصالح مدين، ولم يرد ناسخ، فيلزمنا هذا الحكم "على أنه شريعتنا، لا على أنه شريعة من قبلنا، كما يعرف في أصول الفقه"[14]. ب - قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق: 6]. قال ابن العربي: "فالمعروف أن ترضع ما دامت زوجة، إلا أن تكون شريفة، وألا ترضع بعد الزوجية إلا بأجر"[15]، "وجه الدلالة: أن الإرضاع بلا عقد تبرع لا يوجب أجرة، وإنما يوجبها ظاهر العقد، فتعين"[16]. وهذه الآيات نص في مشروعية الإجارة على العمل، وجمهور الفقهاء لا يفرق بينها وبين إجارة الأشياء[17]. 10- السنة النبوية: وردت في مشروعية الإجارة أحاديثُ وأخبار كثيرة، بعضها يتعلق بإجارة الأشياء، وبعضها الآخر يتعلق بالإجارة على العمل، فمن ذلك: أ - روى مسلم عن ثابت بن الضحاك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: لا بأس بها[18]. ب - وروى مسلم أيضًا عن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خَديج عن كِراء الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس به[19]. جـ- وروى البخاري ومسلم: أن جابر بن عبدالله "باع من النبي صلى الله عليه وسلم بعيرًا، وشرط ظهره إلى المدينة"، وما جاز استيفاؤه بالشرط جاز استيفاؤه بالأجر[20]. د - وروى مالك في الموطأ أنه بلغه أن عبدالرحمن بن عوف تكارى أرضًا، فلم تزل في يديه بكِراءٍ حتى مات[21]. هـ - وروى مالك أيضًا عن هشام بن عروة عن أبيه: أنه كان يكري أرضه بالذهب والورِق[22]. و - وفي البخاري ومسلم، عن نافع: أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرًا من إمارة معاوية[23]. ز - وروى ابن ماجه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرَقُه))[24]. ح - وروى عبدالرزاق، عن أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من استأجر أجيرًا، فليسمِّ له أجرتَه))[25]. 11- الإجماع: جاء في المغني[26]: "أجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصرٍ على جواز الإجارة، إلا ما يحكى عن عبدالرحمن بن الأصم أنه قال: لا يجوز ذلك؛ لأنه غرر، يعني أنه يعقد على منافَع لم تخلق، وهذا غلطٌ لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار، وسار في الأمصار"، وقد عرض ابن رشد هذه القضية بقوله[27]: "إن الإجارة جائزة عند جميع فقهاء الأمصار والصدر الأول، وحكى عن الأصم وابن عُلية منعها.. وشبهةُ مَن منع ذلك: أن المعاوضات إنما يستحق فيها تسليم الثمن بتسليم العين كالحال في الأعيان المحسوسة، والمنافع في الإجارات في وقت العقد معدومة، فكان ذلك غررًا ومِن بيع ما لم يخلق، ونحن نقول: إنها وإن كانت معدومة في حال العقد، فهي مستوفاةٌ في الغالب، والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما يُستوفَى في الغالب، أو يكون استيفاؤه وعدم استيفائه على السواء". 12- المعقول: يسوق الفقهاء في استدلالهم على جواز الإجارة بالمعقول ما سبق أن أوردناه حين تكلمنا عن أهمية الإيجار من الناحية الاجتماعية والناحية الاقتصادية؛ فحاجة بعض الناس إلى استثمار ماله عن طريق تأجير الأعيان التي يملِكها بغية الحصول على الأجر، مع احتفاظه بملكية هذه الأعيان، وحاجة بعضهم الآخر إلى الحصول على مسكن يؤويه، أو سيارة تقله، أو آلة يستعين بها على أداء عمله، مع عدم قدرته على شرائها، أو حاجته إلى ثمنها لغرض آخر؛ كل ذلك يسوِّغ الالتجاء إلى عقد الإجارة، حتى لا يقع الناس في الحرج والمشقة، مع قوله تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [المائدة: 6]، وقوله: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، وقوله: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28]. وفي هذا يقول الشاطبي: "إننا وجدنا بالاستقراء الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية - أحكام المعاملات - تدور معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يُمنَع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز"[28]. 13- هل ثبتت شرعية الإجارة على خلاف القياس؟: يشيع في كلام كثير من الفقهاء من مختلف المذاهب: أن الإجارة ثبتت بالنص وبالإجماع "على خلاف القياس"[29]؛ لأنه بيع المنافع، والمنافع معدومة حين العقد؛ فالإجارة بيع المعدوم، وبيع المعدوم لا يجوز. وانتقد بعض الفقهاء هذه الدعوى بحجة أن القياس الصحيح لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحُكم يفارق به نظائره، فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره[30]. وتحقيق ذلك: أن قولهم في الإجارة: إنها بيع، إن أرادوا "البيع الخاص" الذي يعقد على الأعيان، يكون قولهم باطلًا، وقياسهم فاسدًا؛ فإن ذلك إنما ينعقد على أعيان معينة أو مضمونة في الذمة، وإن أرادوا "البيع العام" الذي هو معاوضة إما على عين، وإما على منفعة، يكون قولهم: "إن بيع المعدوم لا يجوز"، إنما يسلم - إن سلم - في الأعيان لا في المنافع، ويكون القياس مع الفارق؛ فإن الشارع جوز المعاوضة العامة على المعدوم، حين نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الحَبِّ حتى يشتد؛ فقد فرق بين ظهور الصلاح وعدم ظهوره؛ فأحَلَّ أحدهما، وحرم الآخر، ومعلوم أنه قبل ظهور الصلاح لو اشتراه بشرط القطع - كما يشتري الحصرم ليقطع حصرمًا - جاز بالاتفاق؛ فالنهي عنه إذا بيع بشرط التبقية[31]. 14- خصائص عقد الإيجار: عقد الإيجار من العقود المسماة، وهو عقد رضائي ملزم للجانبين، وهو من عقود المعاوضة، التي ترِد على المنفعة فتنشئ التزامات شخصية إيجابية، وهو من عقود الإدارة، التي ترد على أشياء غير قابلة للاستهلاك، وعقد الإيجار من عقود المدة التي تنشئ التزامات مستمرة. 15- أ - عقد الإيجار من العقود المسماة[32]: لأنه شاع في المعاملات بين الناس من قديم الزمان؛ فنظم الشارع الحديث أحكامه تيسيرًا على المتعاملين به، ويترتب على ذلك أن القاضي ينبغي أن يتعرف على طبيعة العقد الذي يثور النزاع بشأنه - والذي أطلق عليه أطراف العلاقة: عقد إيجار - وذلك بالرجوع إلى النصوص الخاصة بعقد الإيجار في قانون المعاملات المدنية، وبعد ذلك يتعين عليه تطبيق أحكام الإيجار قبل الرجوع إلى أحكام النظرية العامة للعقد[33]. 16- ب - عقد الإيجار من العقود الرضائية[34]: يعتبر عقد الإيجار من أقدم العقود الرضائية في التنظيمات القانونية، فيكفي لانعقاده مجرد تطابق إرادتي المؤجر والمستأجر - أو من ينوب عنهما - دون حاجة إلى إفراغه في شكل معين، ومعلوم أن العقد يظل رضائيًّا حتى لو استلزم القانون شكلًا لإثباته - كالكتابة - لأن هذا الشكل لا يتعلق بانعقاد الإيجار، وإنما هو مجرد وسيلة لإثباته، أما إذا اتفق الطرَفان على أن الإيجار لا ينعقد إلا إذا تم في الشكل الرسمي أو في محرر مكتوب، فينبغي أن نعتقد بهذه الإرادة؛ تطبيقًا للمادة 141/ 1 من قانون المعاملات المدنية، التي تنص على أنه: "لا ينعقد العقد إلا باتفاق الطرفين على العناصر الأساسية للالتزام، وعلى باقي الشروط المشروعة الأخرى التي يعتبرها الطرفان أساسية"[35]. 17- جـ - عقد الإيجار من العقود الملزمة للجانبين[36]: فبمجرد انعقاده ينشئ على المؤجِّر التزامات بتسليم العين المؤجرة، وصيانتها، وضمانها (م 763 - 775 معاملات مدنية)، كما ينشئ على المستأجر التزامات مقابلة بدفع الأجرة، ورعاية العين المؤجرة، وردها عند انتهاء الإيجار (م 776 - 785 معاملات مدنية)؛ ولهذا تسري عليه أحكام الدفع بعدم التنفيذ والنسخ إذا توافرت شروط كل منهما. 18- د - عقد الإيجار من عقود المعاوضة[37]: فبمقتضاه يعطي المؤجر للمستأجر منفعة العين المؤجرة، ويعطي المستأجر للمؤجر أجرًا مقابل حصوله على هذه المنفعة، وهكذا يعطي كل من المتعاقدين للآخر مقابل ما يأخذه منه، ولا تقوم الإجارة إلا إذا أبرمت على سبيل التعاوض. 19- هـ - عقد الإيجار ينشئ التزامات شخصية: على الرغم من أن المادة (742) من قانون المعاملات تعرف الإيجار بأنه "تمليك"، فإن عقد الإيجار ينشئ التزامات شخصية، آية ذلك أن المشرع أورد عقد الإيجار في الباب الثاني المخصص لعقود المنفعة، بالمقابلة للباب الأول الذي خصصه لعقود التمليك، وفي تنظيمه للحقوق المتفرعة عن الملكية عرف حق الانتفاع في المادة (1333) بقوله: "الانتفاع حق عيني للمنتفع، باستعمال عين تخص الغير واستغلالها ما دامت قائمة على حالها"، ثم إن عقد الإيجار ينشئ التزامات شخصية على عاتق كل من المؤجر والمستأجر؛ فالمؤجر يلتزم بتسليم العين وصيانتها وضمانها، والمستأجر يلتزم بدفع الأجرة، ورعاية العين المؤجرة، وردها عند انتهاء الإيجار. ومع ذلك، فإن حق المستأجر يتميز عن غيره من الحقوق الشخصية بأنه يتصل اتصالًا وثيقًا بالعين المؤجرة، لدرجة أنه: "إذا بيع الشيء المؤجر بدون إذن المستأجر، كان البيع نافذًا بين البائع والمشتري، ولا يؤثر ذلك على حق المستأجر"؛ كما جاء في المادة (795/ 1) معاملات. ومعنى ذلك: أن العين المؤجرة حين تنتقل من ملك المؤجر إلى ملك غيره، فإنها تنتقل مثقلة بحق المستأجر، الذي يخلُص له حقه دون سائر الغرماء، وفي مواجهة مستأجر مزاحم، فهو حق تسمح طبيعته أن تحميه دعاوى الحيازة، "ومن هذا نرى أن هذا الحق الشخصي يشترك مع الحق العيني في بعض خصائصه من حيث سريانه في حق الغير، ولا يرجع ذلك إلى أنه حق عيني، بل يرجع إلى طبائع الأشياء ذاتها"[38]. 20- و - عقد الإيجار ينشئ التزامات إيجابية: سبق أن أوردنا اعتراض جانب من الفقه على تعريف الإيجار بأنه تمليك منفعة؛ لِما يوحيه ذلك من أن التزام المؤجر إنما هو التزام سلبي؛ كالتزام البائع بالنسبة للمشتري، بمعنى أن المؤجر لا يلتزم بأن يجعل المستأجر ينتفع بالعين المؤجرة، بل هو ملزم فقط بتمليكه المنفعة، ثم يتركه ينتفع بحسب ما يستطيع[39]. والواقع أن استعراض نصوص قانون المعاملات المدنية التي تنظم الإجارة، يؤكد أن المشرع قصد إلى إسباغ الصفة الإيجابية على التزامات المؤجر، حين قرر في المادة (763/ 1) أن: "على المؤجر تسليم الشيء المؤجَّر وتوابعه في حالة يصلح معها لاستيفاء المنفعة المقصودة كاملة"، وحين ألزم المؤجر بمقتضى المادة (767) أن يقوم بإصلاح ما يحدث من خلل في الشيء المؤجر، وإلا خوَّل القاضي المستأجر بالإصلاح والرجوع على المؤجر بما أنفقه، وحين ألزم المؤجر بضمان التعرض والاستحقاق والعيب، طبقًا للمواد (770 - 775). 21- ز - عقد الإيجار من عقود الإدارة: يعتبر عقد الإيجار أوضح نموذج لعقود الإدارة التي لا تعطي صاحبها الحق في أي عمل من أعمال التصرفات[40]؛ فقد سبق أن ذكرنا أن عقد الإيجار ينشئ التزامًا شخصيًّا بين المؤجر والمستأجر، ولا ينقل للمستأجر أي حق عيني على الشيء المؤجر، وسوف نرى أثر ذلك عند الكلام على أهلية المؤجر، وكونه - أو من ينوب عنه - مالكًا حق التصرف فيما يؤجر (م 774 معاملات)، ومدى صحة التصرفات التي تصدر عن الوصي (م 166/ 167 معاملات)، أو تلك التي تصدر عن الوكيل (م 928، 929 معاملات)؛ ولذا كان من المنطقي أن يلزم القانونُ المستأجرَ بالمحافظة على الشيء المؤجر، ورده عند انتهاء العقد بالحالة التي تسلَّمه بها، ومنعه من تأجيره إلى شخص آخر إلا بإذن المؤجر أو إجازته (المواد 776 - 790 معاملات مدنية). 22- ح - عقد الإيجار لا يرد على الأشياء القابلة للاستهلاك: يكون الشيء قابلًا للاستهلاك حين لا يمكن استعماله إلا باستهلاكه أو بإنفاقه، ويكون غير قابل للاستهلاك إذا استعمل استعمالًا متكررًا دون أن يهلِك بهذا الاستعمال (م 100 معاملات مدنية)، وعلى ذلك يكون "أساس التمييز بين الأشياء التي تقبل الاستهلاك، وتلك التي لا تقبله، ليس فيزيائية الشيء، بل طابعه الاقتصادي الاجتماعي الذي يقوم على الاستعمال"[41]. وعقد الإيجار إذ ينشئ في ذمة المستأجر التزامًا بضمان ما يلحق الشيء المؤجر من نقص أو تلف أو فقدان (م 776 معاملات مدنية)، ويرده إلى المؤجر عند انقضاء مدة الإيجار بالحالة التي تسلمه بها (م 784 معاملات)، لا يمكن أن يرِدَ على أشياء تهلك بالاستعمال؛ لأن رد الشيء بعينه لا يتصور في مثل هذه الأشياء. 23- ط - عقد الإيجار من عقود المدة[42]: إذ إن المدة فيه هي المقياس الذي يقدر به محل التزام المؤجر بتمكين المستأجر من الشيء المؤجر، ومحل التزام المستأجر بدفع الأجرة، فيقاس هذا المحل بوحدة زمنية معينة، بحيث "يجب أن تكون مدة الإجارة معلومة" (م 755 معاملات)، وهكذا تعتبر المدة في عقد الإيجار عنصرًا جوهريًّا وأصيلًا؛ فهي مقصودة لذاتها، وليست مجرد عنصر عرضي، وهذا ما عناه ابن عابدين بقوله: "وحكمها - أي الإجارة - وقوع الملك في البدلين ساعة فساعة؛ لأن المنفعة عرض لا يبقى زمانين، فإذا كان حدوثه كذلك، فيملك بدله كذلك، قصدًا للتعادل، لكن ليس له المطالبة بالبدل إلا بمضي منفعة مقصودة؛ كاليوم في الدار والأرض، والمرحلة في الدابة"[43]. 24- تمييز عقد الإيجار عن غيره من العقود: إن الخصائص التي أوردناها لعقد الإيجار تميزه عن غيره من العقود، حتى لا يختلط الإيجار بما يشابهه أو يقاربه منها، ومع ذلك يلتبس الأمر في بعض الحالات التي تشتبك فيها سمات الإجارة وسمات عقد آخر، مما يستدعي تدخل القاضي لتبين حقيقة العقد، وتكييفه التكييف القانوني السليم، ونعرض أبرز هذه الحالات فيما يلي: 25- أولًا - الإيجار والبيع: سبق أن ذكرنا أن تعريف الإيجار في قانون المعاملات المدنية بأنه "تمليك منفعة" لا يؤدي إلى اختلاط الإيجار والبيع؛ ذلك أن مالك الشيء المؤجرَ يضع تحت تصرف المستأجر منفعة ذلك الشيء مدة معلومة، ثم يسترد هذا الشيء بعد انتهاء تلك المدة، بينما يضع مالك الشيء المبيعِ عين هذا الشيء تحت تصرف المشتري بطريقة دائمة لا تحتمل التأقيت، ولا تؤدي إلى استرداد الشيء المبيع بعدما انتقلت ملكيته إلى المشتري. ومع ذلك، توجد حالات تدقُّ فيها التفرقة بين الإيجار والبيع؛ مما أدى إلى كثرة الآراء واختلافها في الفقه والقانون والقضاء، ونكتفي من هذه الحالات بمثالين: يتعلق أولهما بالتعاقد على محصولات الأرض، ويتعلق الآخر بالإيجار المنتهي بالتمليك. 26- التعاقد على محصولات الأرض: قد يتفق المتعاقدان على أن يضع المالك أرضه تحت تصرف العاقد الآخر مدة من الزمن ليستولي على محصولاتها مقابل مبلغ معين، فهل يعتبر هذا العقد إيجارًا للأرض أو بيعًا للمحصولات؟ لو اعتبرنا هذا العقد إيجارًا للأرض لوجب على المستأجر أن يدفع المبلغ المتفق عليه، حتى ولو لم تنتج الأرض محصولًا[44]، أما لو اعتبرناه بيعًا للمحصول، فلا يجب على المشتري دفع المبلغ المتفق عليه إلا إذا أنتجت الأرض محصولها[45]. 27- والرأي الغالب في الفقه الإسلامي: أن الإجارة موضوعة لاستيفاء منافع الأشياء مع بقاء أعيانها؛ ولهذا لم يُجِزْ جمهور الفقهاء إجارة الكرم والشجر لأخذ ثمره، أو إجارة البهيمة لأخذ لبنها أو صوفها أو ولدها، أو إجارة الآبار والعيون لأخذ الماء منها؛ لأن كل هذه أعيان، فلا تتحقق بعقد الإجارة، وكذلك لا يجيزون استئجار الآجام التي فيها الماء لأخذ السمك وغيره من القصب والصيد؛ لأن كل ذلك من الأعيان، ومثل ذلك عدم جواز إجارة المراعي؛ لأن الكلأ عين، فلا تحتمل الإجارة[46]. وقد أوردوا على هذا المبدأ استثناءات تُستهلك فيها العين تبعًا، فأجازها كثير منهم، من ذلك: إجارة المرضع للبنها، وإجارة الشموع للإضاءة، وإجارة الفحل للضِّراب[47]. وذهب بعض الفقهاء إلى جواز الإجارة لاستيفاء الأعيان، كما جازت لاستيفاء المنافع، ما دامت هذه الأعيان تحدث شيئًا فشيئًا مع بقاء أصلها، وعلى ذلك: يجوز عندهم إجارة الشجر لأخذ ثمره، وإجارة الحيوان لأخذ لبنه، وإجارة البئر لأخذ مائها، ودليلهم على ذلك: أن الشارع الحكيم أجاز استئجار الظئر للبنها فقال: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 6]، وأجاز الفقهاء أن تكون فائدة الوقف منفعة - كسكنى الدار - أو عينًا - كوقف الماشية للانتفاع بلبنها - فكذلك الإجارة: يمكن أن ترد على المنفعة التي ليست أعيانًا - كسكنى الدار - وأن ترد على العين التي تحدث شيئًا بعد شيء مع بقاء الأصل - كلبن الظئر وماء البئر - لأن هذه الأعيان تماثل المنفعة في حدوثها شيئًا بعد شيء مع بقاء الأصل[48]. 28- ويميز الفكر القانوني بين ثمرات الشيء ومنتجاته، ويعني بالثمرات ما يُغِله الشيء بصفة دورية، دون انتقاص من أصله، كثمار الحدائق ومحصولات الأراضي الزراعية، أما المنتجات فيعني بها ما يغله الشيء باقتطاع جزء من أصله كالمعادن أو الفحم في المناجم، وكالأحجار أو الرمال في المحاجر[49]. وبناءً على هذا التمييز: ذهب جانب من الفقه والقضاء إلى أن العقد إذا كان محله "الثمرات" يعتبر إيجارًا؛ لأنه يرد على منفعة متجددة للأرض، وليست جزءًا منها، أما إذا كان محله "المنتجات" فإن العقد يكون بيعًا؛ لأنه يرد على منفعة غير متجددة؛ إذ إنها جزء من المنجم أو المحجر[50]، وقد ذهبت محكمة النقض الفرنسية في حكم لها بتاريخ: 25/ 10/ 1983م، إلى أنه: "لا يمكن أن يكون هناك عقد إيجار إذا كان المستأجر يستهلك مادة الشيء محل العقد"[51]، وذهب جانب آخر من الفقه إلى أن هذا المعيار لا يصدق في كثير من الحالات: فقد يبيع صاحب الأرض ثمارها وهي لا تزال في باطن الأرض، أو معلقة على الشجر، ولا يعتبر هذا العقد إجارة، وقد يؤجر المالك المنجم أو المحجر ليستغله المستأجر لقاء أجرة دورية، ولا يعتبر هذا العقد بيعًا، "فالعبرة بنية العاقدين، التي تستخلص من بنود العقد في مجموعه"[52]. 29- وقد تدخل المشرع الفرنسي، في سنة 1980م[53]، ليضع حدًّا للتحايل على أحكام المزارعة، فاعتبر أن العقد يكون إجارة إذا استأثر المستأجر بما تُغِله الأرض، وكان هو المكلف بجني هذه الغلة، إلا إذا أثبت المالك أن العقد لم يكن يهدف إلى الاستعمال المستمر أو المتكرر، فإنه يعتبر حينئذ بيعًا موسميًّا للغلة[54]. وتطبيقًا لهذا الضابط: أيدت محكمة النقض الفرنسية في 11/ 6/ 1986م وجهة نظر محكمة الموضوع في تكييفها العقد على أنه "بيع"؛ لما ثبت لديها من أن مدعي الإجارة لم يعمل في الأرض إلا من أجل رفع الدعوى[55]. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |