الخريطة بين التطور التاريخي والتوظيف الديداكتيكي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         العلم بين الأخذ والعطاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5143 - عددالزوار : 2439523 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4733 - عددالزوار : 1759965 )           »          الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 129 - عددالزوار : 1406 )           »          هل تبحث عن بدائل لـChatGPT؟.. إليك أفضل الخيارات المتاحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          تعرف على الفرق بين الـ Wi-Fi 6 والـ Wi-Fi 6E؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          وداعًا لكلمة السر.. مايكروسوفت تعتمد مفاتيح المرور لتسجيل الدخول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          قبل ما توافق ابنك يلعبها.. تعرف على مخاطر لعبة روبلوكس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          5 أنواع لألعاب روبلوكس آمنة للأطفال تحت 10 سنوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          كيف تسترجع التاج المخفي على فيسبوك بسهولة؟.. خطوة بخطوة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > ملتقى الحوارات والنقاشات العامة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 12-04-2019, 10:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,036
الدولة : Egypt
افتراضي الخريطة بين التطور التاريخي والتوظيف الديداكتيكي

الخريطة بين التطور التاريخي والتوظيف الديداكتيكي


د. مولاي المصطفى البرجاوي




مدخل لابدَّ منه:
منذُ أقدمِ العُصور تَزايدَ الاهتمامُ بـ"المعرفة الجُغرافيَّة" عن شكل الأرض والكون، ومِمَّا ساعد على بَلوَرة ذلك الاهتمامِ التَّوسعُ في الرَّحلاتِ؛ فقد قام المِصريُّونَ في العصور القديمة برحلاتٍ بَريةٍ وبَحريةٍ، كما كان لسُكَّان بلاد الرَّافدينِ، وبلاد الشَّام، وجَزيرة العَرب، وشِبه الجزيرة الأيبيريَّة "التي تزعَّمت حركةَ الاكتشافات الجُغرافيَّة" - رَحلاتٌ كثيرةٌ، كلُّها ساعدتْ على نُمو المعرفة الجُغرافيَّة.

لهذا سَعى الإنسانُ منذُ ظهورِه على وجه البسيطةِ - بكلِّ ما أُوتيَ مِن عِلمٍ وبصيرةٍ وحِسٍّ جُغرافي - إلى تحديد مَعالِمِ المَنطقة الجُغرافيَّة التي يَستوطنُها، بدءًا مِنَ الوسائل البِدائيَّة - مِن نَقشٍ على الأحجار، وأَوراقِ البَردي ... - إلى الأدوات التِّكنُولوجِيَّة الحديثة، التي اختزلتِ الأبعادَ الجغرافيَّة للعالَم، وقزَّمته إلى قريَّةٍ كونيَّةٍ global village، في إطار ما يُسمَّى بالخرائط الأوتوماتيكيَّة ذاتِ الأبعاد الثُّلاثيَّة، أو عَبرَ خِدمَتَي: "جوجل إيرث"Earth Google، و"الأرض الافتراضيَّة (VirtualEarth)، التي تقومُ بعملية مَسحٍ جُغرافيٍّ لمُختلَف مناطقِ العالَم بالاعتماد على ما يُسمَّىبـ"نظام تحديد الموقع الجُغرافيِّ" (Global Positioning System) ويُختصَر في الأحرف التالية GPS..)، أو نظام المعلومات الجغرافيَّة، أو نظام تحديد الأماكن عَبرَ الأقمار الاصطِناعيَّة.

فالخريطةُ كانت - وما تزال - الأداةَ الأساسيَّةَ في تناول الدَّرس التاريخيِّ - الجغرافيِّ، ووسيلةً مُهمِّةً للتعاطي مع المشهد الجغرافيِّ وأبعاده المُتعدِّدة، إذا أُحسِن استغلالُها، وكان استغلالاً فعَّالاً، إلى درجة أنَّ الفيلسوف الفَرنسيَّ (كوزان) ضَخَّم من أهمية الخريطة كوسيلةٍ "للكَهانة"؛ بل وسيلةٍ تصويريَّةٍ وحَتميَّةٍ لمعرفة عاداتِ وسُلوكيات مجتمعِ مَنطِقة جُغرافيَّة مُعيَّنة؛ بل بالَغَ في معرفة الدَّوْر السَّلبيِّ أوِ الإِيجابيِّ الذي يُمكن أنْ يلعبَه ذلك المجتمعُ على مستوى التَّنميَّة بقوله : "أَعطوني خَريطةَ بلدٍ ما وأنا أتعهَّد بأنْ أَدلَّكم مُقدَّمًا على إنسانِ هذا البلدِ كيفَ سيكونُ، وأيَّ دَورٍ سيلعبُه في التَّاريخ"، وهذا التعبير خيرُ مِثالٍ على الفكر الحتميِّ الَّذي تزعَّمه الجُغرافيُّ راتزل Ratzel 1882، وزَكَّى هذا الطرحَ في هذا العصرِ؛ ولكنْ لتبرير عُقدةِ تَخلُّفِ بُلدان الجنوب، مُستخدِمًا "الخريطة المناخية" لوران هاريسن في كتابه "من يزدهر" بقوله: "إنَّ أغلبَ سُكَّان المناطق الحارَّة تَقِلُّ لديهم قيمةُ حبِّ العمل، ويَسود الكَسلُ؛ نَتيجةَ رَغبةِ الأفراد في الهُروب مِنَ الشَّمس الحارقة؛ سَعيًا للاسترخاءِ في المناطق الظَّليلة، وهو دافعٌ بَيولُوجيٌّ يُساهم المناخُ فيه، ويؤدي إلى اتساعِ الشُّعَيرات الدَّموية للأفراد، ويَجعلُهم عُرضةً للإجهادِ والإرهاق؛ نَتيجةَ أَقلِّ مجهودٍ يَبذُلونَه؛ وهو ما يَتحوَّلُ تَدريجيًّا إلى ثَقافةٍ اجتماعيَّةٍ تُفضِّل العملَ في المكاتب المُكيَّفة - مثلاً - على العمل اليَدويِّ في العَراء".

ولأهمية الخريطة في الحياة اليومية ذَهب أمين هُويدي إلى أنَّ الخرائط تَكتُب وتَرسُم أيضًا - قولٌ غريبٌ بحقٍّ! - بل وتَتَكلَّم أيضًا! وهذا شيءٌ أَغربُ! وكأنَّنا نُجازِف ونقول: إنَّها كائنٌ حيٌّ، ومِن رَأيي أنَّها هكذا تقريبًا.

الخَرائط تتغيَّر وتتبدَّل بمرور الزَّمنِ؛ فأحيانًا يُضاف إليها دولٌ لم تكن موجودةً مِن قَبلُ، وأحيانًا أخرى تَختفي منها دولٌ كانت موجودةً مِن زمانٍ، وأحيانًا تنقسم الدَّولةُ إلى دولتَينِ وأكثرَ، إذنْ تَحركاتٌ كثيرةٌ تَجري على سَطحِها؛ بَعضُها يُخلِّف وراءَه بُحورًا مِنَ الدِّماء، والبعضُ الآخَرُ يُخلِّف وراءَه سَكينةً وهدوءًا، وعلى هذا يُخطئ مَن يَتكلَّم أو يُقرِّر دونَ أنْ يَقرأَ ما عليها مِن كلماتٍ، أو لا يَستمع إلى ما تَبوحُ به مِن هَمساتٍ وزَفراتٍ وآهاتٍ، الحديثُ في هذه الحالة يكون مُنقطعًا عنِ الواقع، ويُصبحُ كالطَّلْقاتِ الطائشةِ؛ تُفرقِع في الهواء دونَ أن تُصيبَ هَدفًا، أو تتركَ أثرًا؛ مُجرَّد لَغوٍ يعني!

مِن هنا تَعاظمتْ أهميَّة الخريطة في الوقت الحاضر كثيرًا، وازدادتْ حاجةُ الدُّول الحديثة إلي الخرائط الدقيقةِ لأغراضِ الحرب والسِّلْم، وهذا يدفعُنا إلى طَرحِ سُؤالٍ دقيقِ المَبنى والمَعنى: أين يَتجلَّى دَورُ الخريطة المَدرَسيَّة في مُختلَفِ المُستوياتِ التَّعليميَّة في بناء أجيالٍ تتفاعل مع الأحداث السابقة (التاريخيَّة)، واللاَّحقة (الجغرافيَّة ثم كيف يُمكن تطويرُ المهاراتِ الخَرَطيَّة لِتجدَ دَورَها الفاعلَ والفعَّال في المحيط السوسيو - اقتصادي المحلي والدَّولي؟!


إنَّ معالجةَ هذه الإشكالاتِ العُظمَى يتطلَّب تَضافُرَ مَجهوداتٍ فَوقيَّة وتحتيَّة؛ ولكنْ مِن جانبِنا سنُحاول طَرْقَ هذا الموضوع مِن زاويةٍ استعراضيَّةٍ بانوراميَّةٍ، بطبيعةِ الحال لن تُحيطَ بكلِّ شاردةٍ وواردةٍ؛ وسعيًا مِنَّا إلى الأخذ بالمنهج العِلميِّ في البحث والدِّراسة، سنقف عند الجِهاز المَفْهُوميِّ المُحيط بالموضوع:
1 - تعريف الخريطة:
تعدَّدت تعاريفُ الخريطة إلى حدِّ التُّخمة مِن قِبَلِ أهل التَّخصُّص، أو مِن طرف مجالاتٍ عِلميَّة أخرى؛ لذا نسمع الخريطة الجينيَّة، والخريطة الثقافيَّة، والخريطة العلميَّة، والخريطة الذهنية، والخريطة المدرسيَّة.

لكنَّ الخريطةَ تبقى - في مفهومها الأساسِ الخاصِّ - ذلك التَّمثيل الهندسيُّ لكامل الكُرة الأرضيَّة، أو لجزء منها، بِحَسْبِ مِقياسٍ مضبوطٍ يُحدِّد حجمَ الخريطة، بالمُقارنةِ مع حجمِ المجال الحقيقيِّ الذي تقوم بتمثيله، ويكون دَورُها اختزالَ ذلك المجال في مجموعةٍ مِنَ المُعطياتِ الدَّالَّةِ، بحيثُ يظهر مُكثَّـفًا عندما يَتـمُّ عرضُه فوقَ الخريطة، فتَسهُل على العَين ملاحظتُه، وهنا تظهر جَدوى وفاعليَّةُ الخريطة، ولكن أيضًا محدوديتُها، فمهما كانت دِقَّةُ الخريطة عاليةً، ومهما كان كِبَرُ حجم مقياسها؛ إلاَّ أنَّها لا تستطيع عكسَ الواقع في تفاصيله؛ لكنَّها في آخِرِ المَطاف تَبقى وسيلةً جيَّدةً جدًّا لتجميع معطيات مُتوقعَة في المجال، وعرضها في لَوحةٍ واحدةٍ تأليفيَّةٍ، بحيثُ يُختصَر وقـتُ وجُهدُ مطالعتِها مَكتوبةً.


الخريطة هي في الأصل عَملٌ تِقْنيٌّ يقوم به مُختصُّون في عِلم الطُّوبوغرافيا، إذ هُم وحدَهم الَّذين يستطيعون ضبطَ حُدود المجال ومُكوناتِه الطَّبيعيَّةِ؛ سواءٌ كان ذلك عن طريقِ المُشاهدةِ العيانيَّةِ والاستعانةِ بالأجهـزة الأرضيَّةِ، أو عن طريق الاستعانة بالصُّور الجَويَّة المُلتـقَـطة بواسطـة الطائراتِ، أو بواسطة الأقمار الصناعيَّة، ويقومون بتجسيدِ كلِّ ذلك، حسبَ مِقياسٍ مضبوطٍ، فوقَ وثيقةٍ وَرَقيَّةٍ لاحقًا، يمكن للجغرافيِّ أو لغيره أنْ يَستغـلَّ تلك الخرائطَ الخامَ أو شِبهَ الخامِ؛ لِيُركِّبَ فوقَها معطياتٍ، هي في الأصل مُعطياتٌ مكتوبةٌ ناتجةٌ بِدَورها عن مشاهداتٍ عيانيَّةٍ، أو أنَّ مصادِرَها هي الاستقصاءاتُ أو التَّعداداتُ الإحصائيَّةُ، أو تقاريرُ الإداراتِ المختصَّة، أو تفاصيلُ المعاهداتِ.

صِياغة الخريطة إذنْ هي عملٌ تِقنيٌّ، وفي نفس الوقت عملٌ تحريريٌّ يظهر في اختيار نوعيةِ المُعطياتِ المعروضة، وفي كيفيَّة تنظيم المِفتاح، وباعتبارِ أنَّها كذلك فَمِن الممكن للدَّارس أنْ يستعيدَ تلك المعطياتِ المُجسَّدةَ خَرَطيًّا بتحويلها إلى مَعلوماتٍ مُصاغةٍ تحريريًّا، وعندها تتحول الخريطةُ التاريخيَّة أو الخريطةُ الجغرافيَّة إلى وثيقةٍ تُدرَس مِثلَما يُدرس النصُّ، أو الجدولُ الإحصائيُّ، أو الرسمُ البيانيُّ، أو الرسمُ الكاريكاتوريُّ، أو الصورة الفوتوغرافيَّةُ

لكنَّ السؤالَ المطروحَ: هل هناك فرقٌ بين الخريطةِ التاريخيَّةِ والخريطة الجغرافيَّة؟
أ- الخريطة التاريخيَّة: عِبارةٌ عن تمثيلٍ لسطحِ الكُرة الأرضيَّة شِبه الكروي أو لجزءٍ منه على سطحٍ مُسْتَوٍ، كاللَّوحة أو سطحِ الورق، ويشمل هذا التمثيلُ توضيحَ الأحداث التاريخيَّةِ الهامَّةِ على المَسرح الجُغرافيِّ؛ كالمعاركِ والحَضاراتِ والطُّرق التِّجارية ومساكنِ القبائلِ، مع الاحتفاظ بالمُسمَّيات التاريخيَّةِ القديمة التي عُرِفَت في المعاجم الجُغرافيَّة القديمة؛ لتمييز الخريطة تاريخيًّا، وتُرسَم هذه الخريطة بأبعادٍ تَتناسبُ مع أبعادها الحقيقية على الأرض بِنِسبةٍ ثابتةٍ وهي ما تعرف بمقياس الرَّسم.


فهي تُساعدُ على تحديدِ المكان الَّذي وقع فيه الحدثُ التاريخيُّ، وتحديدِ الظروف الجغرافيَّة المُتحكِّمة فيه، ورَفْعِ الحُجبِ عنِ العَلاقاتِ المُترابطةِ بين المُحيط الجغرافيِّ والتَّطورِ الاجتماعيِّ؛ لذا فهي تُساعد الذِّهنَ البَشريَّ (المُتعلِّم) على تَخيُّل الإيقاع التاريخيِّ، وتقريبِ الظاهرةِ المُدروسَةِ منه، فالخريطة هي تمثيلٌ وتشخيصٌ للتَّحرُّكاتِ الدِّيناميكيَّة للإنسان عَبرَ الزَّمانِ والمكانِ، وتُساعد المتعلِّمَ على رَبطِ التَّاريخ بالأرض، وتسمح برؤية التاريخ مُسجَّلاً في المَيدان

يجب أن يُنظرَ إلى الخرائط التاريخيَّة كمُعطياتٍ ومُعيناتٍ جديدةٍ في الوسائل التعليميَّةِ، إلاَّ أنَّنا نجد أعداد الخرائط التاريخيَّة ليس بالأمرِ السَّهلِ البسيطِ كما يبدو لأول وَهْلةٍ؛ بل إنَّه يحتاج إلى الدِّقة العِلميَّة إلى جانبِ الدِّقة الفنيَّة، ويمكن لواضعِ الخريطةِ التاريخيَّة أنْ يَسلُكَ الطَّريقَالتَّالي:
1- الدِّقةُ العِلميَّة:
تَتشابَكُ المعلوماتُ التاريخيَّةُ لكثرةِ المصادر؛ لذا على واضعِ الخريطة التاريخيَّة أنْ يَتوقَّفَ بُرهةً مِنَ الزَّمن لِيَتسنَّى له النظرُ فيما تَتجمَّع لَديهِ مِن معلوماتٍ، والتَّأكُّدِ مِن دِقَّتِها العِلمية قبلَ تثبيتها على الخريطة؛ لذا على واضع الخريطة التاريخيَّة أنْ يقومَ بالتدقيقِ في كلِّ ما جَمَعه من المصادرِ، والأخذِ بالحقائق المُتَّفق عليها الَّتي يكون عليها إجماعٌ في المصادر، كما عليه أنْ يُثبِت الوقائعَ التاريخيَّة الَّتي تقترب مِنَ المَنطقِ والواقعِ، على نظرية العلاَّمة ابنُ خُلدون بالاعتماد على العَقل عند قبول الكِتابة في التَّأريخ، وبهذا تكون الخريطةُ التاريخيَّة دقيقةً.


2- أمَّا الدِّقة الفنيةُ، فإنَّهاهي الأخرى مُهمِّةٌ في إعدادِ وتصميم الخريطة التاريخيَّة، فإعطاءِ الألوانِ الجذَّابةِ المُنسجِمةتُشوِّقُ القارئَ إلى التَّتبُّع والإِمعانِ في القراءة، كما أنَّنا يجب ألاَّ نترك مجالاً لاختلاطالألوان المُستخدَمة بصورةٍ عَشوائيةٍ، وغيرِ مُبسَّطةٍ، وغيرِ منظمة؛ لأنَّها قد تُسبِّب في تداخُلالفتراتِ التاريخيَّة، وضياعِ أهدافِ توضيحِ مادَّةِ التَّاريخ؛ ما يُؤدي إلى تشويش المادَّةالتاريخيَّة نفسِها.


كما أنَّ الخريطة يجب أن تكونَ مُبسَّطةً لا تَتزاحمُ بها الأسماءُ ممايُربك التِّلميذَ، فتبتعدُ عن كونِها وسيلةً للتشويق، وتأتي بنتائجَ عَكسيَّةٍ، كما أنَّ مِن الأصول أنْتُكتبَ الخريطةُ بخطٍّ واضحٍ وبحجمٍ كبيرٍ.


ولا ننسى الاستعانةَ بالشروط التي يجب أنْتَتوفَّرَ عند رسم وإعدادِ الخرائط الجُغرافيَّة، خاصَّةً في النقاط التالية:
1- ذِكرِ وتثبيتِخُطوطِ الطُّولِ والعَرضِ؛ فهي مُهمَّةٌ لِتَعيينِ حُدودِ الدُّول القديمةِ، وتثبيتِ مواقعها، كما أن بواسطتِهايُمكن تثبيتُ مناطقِ تَواجدِ القَبائلِ، وطُرق المُواصلاتِ، ومَسيراتِ الجُيوشِ في الحُروبِالتاريخيَّة.

2-مقياسِ الرَّسمِ: مِنَ الضَّروريِّ أنْ يَتوفَّرَ مِقياسُ الرَّسمِ بالنسبةِ لأَيَّةِ خَريطةٍتاريخيَّة؛ لأهمِّيتِه لمعرفةِ المساحاتِ التي تَشغَلُها الدُّول في التاريخ.


3- الاتِّجاهِالجغرافيِّ: فإنَّه مِنَ العناصرِ المُكمِّلةِ لإعدادِ الخريطة التاريخيَّة.


4- مِفتاحِالخريطة: فهو ضروريٌّ جدًّا لمعرفة مَعالِمِ الخريطة،كما أنَّ استخدامَ الأسهُمِ المُختلفةِمهمٌّ جدًّا، ولا يَقِلُّ عن أهميتها ذِكرُ المناطق الحديثةِ إلى جانبِ المناطق والمُدنِ القديمةِ؛ للمُقارنةِ بين الحاضرِ والماضي، وبين القديمِ والحديثِ.



ب- الخريطة الجُغرافيَّة: يمكن اعتبارُها أداةَ الجُغرافيِّ في توزيع الظاهرات الجُغرافيَّة - طَبيعيَّةً كانت أمْ بَشريَّةً - وربطِها وتفسيرِها وإدراكِ ما بينها مِن عَلاقاتٍ؛ ولذلك فالخريطة تُعبِّر عن مفاهيمَ وتصوراتٍ عقليةٍ؛ مَثلُها في ذلكَ مَثلُ اللُّغةِ المكتوبةِ، وهذا يَعني أنَّها تُمثِّل لُغةً خاصَّةً بالجغرافيِّينَ، يستطيعون مِن خِلالها تناولَ حقائقِ عِلمِ الجُغرافيا؛ ولذلك فالجُغرافيا قِراءةُ الخريطة قَبلَ أن تكونَ قِراءةَ سُطورٍ في كُتبٍ ومَراجعَ، وتتضح أهميةُ الخريطة في تعليم الجُغرافيا وتدريسها في أنَّ الخريطةَ تُعبِّر عنِ الظواهرِ الجغرافيَّةِ التي لا يَستطيعُ التِّلميذُ مشاهدتَها بصورةٍ مُباشِرةٍ، كما لو كانت بين يديه؛ ونظرًا لبعدِ الظاهرة بِكِيانِها أو بِكِبَرِ حجمِها فيُستعاض عنها بالخريطة، التي يمكن حملُها داخلَ الفصلِ الدراسيِّ.

إذنْ؛ تُعتَبرالخريطةُ أداةً أَساسيَّةً ومُمَيَّزةً للجُغرافيِّ:
تُظهر التَّوزيعاتِ المكانيَّةَ الإقليميَّةَ.


تُساعد فيتمثيل الظواهرِ الطبيعيَّةِ والبَشريَّةِ.

تُقارنُ بينَ الأقاليم الطبيعيَّةِ والأقاليمِ البَشريَّةِ مِن كافَّةِالمجالاتِ.



ونظرًا لِمَا تَتميَّز به المعلوماتُ الجغرافيَّة مِن تَزاحُمٍ شديدٍ حولَ موقعٍ على سطحِ الأرض، فقد دعت الحاجةُ إلى تَعدُّد وتَنوُّع الخرائط الجغرافيَّة؛ حيثُ لا تستوعب الخريطةُ الواحدةُ تمثيلَ العديدِ مِنَ الظواهر، والتي تَشتمِلُ على كثيرٍ مِنَ المعلوماتِ المُعقَّدةِ، وإذا تَمَّ فِعلُ ذلك لأصبحت الخريطةُ طلاسمَ مُعقَّدةً مِنَ الخُطوط والرُّموزِ والألوان؛ لذلك كان لا بدَّ مِن تقسيم الخرائطِ إلى أنواعٍ متعددةٍ تفي بأغراضٍ مُحدَّدةٍ وأهداف معينة؛ مراعاةً لمجموعةٍ منَ القواعد الأساسيةِ - كما هي مُبَيَّنةٌ في الجدول التالي -:

قواعد أساسيَّة في التَّعبير الكارتُوغرافيِّ للخريطة الجُغرافيَّة
الإخبار
وحدة الرَّمز
التَّناسُبيَّة
الواقعيَّة
البساطة
الوُضوح
لكلِّ رمزٍ في الخريطة ترجمةٌ في المِفتاح
رمز=علامة
استعمالُ رمزٍ واحدٍ لتمثيل نفس المعلومة
تكثيف أو تخفيف الرَّمز حَسْبَ أهمية الظَّاهرة
الالتزام بالرموز المُصطَلَح عليها في التعبير الكارتوغرافي (مثلاً الأزرق للمجاري المائية)
- تبسيط الرُّموز
- عدم تداخُل الرُّموز
- تَجنُّب التعبير اللفظيِّ
- تَفادي الرُّموز التَّصويريَّة
تجنُّب الحَشوِ فكلَّما زاد عددُ الظواهر الممثلَّة (المعلومة)كلَّما زادت صعوبةُ قراءةِ الخريطة.

المصدر: "الخريطة في درس الجغرافيَّة؛ خُطُوات منهجيَّة لتوظيف الخريطة، من إنجاز لمريني الوهَّابي أمينة وآخرين - أكاديميَّة الرباط - منسقية الاجتماعيات الرباط - يناير 1998، : ص4

2- الخريطة أداةُ عملٍ غَطَّتِ الفكرَ التاريخيَّ:
تَولَّد لدى الإنسانِ في الماضي نَوعٌ مِن الحسِّ الجغرافيِّ الذي تمخَّض عنه تمثيلُ هذه الظواهرِ الجغرافيَّة على وسائله البِدائيَّة آنذاكَ؛ كالنَّحتِ والنَّقشِ في الجِبال، أو الرسم على جُدرانِ الكُهوف، أو رسم بعضِ المعالَمِ الخاصَّةِ بالطُّرق والاتِّجاهاتِ والمسافات بينَ تلكَ المعالَمِ؛ كي يهتديَ بِها في رَحلاتِه وانتقالِه بَرًّا وبَحرًا، فكانت الخريطةُ؛ والتي ارتبطتْ بتاريخ الإنسان على هذه الأرض.


فالبَابِليُّونُ ومصرُ الفِرْعَونيَّةُ: رسموا خرائطَهم على ألواحِ الطِّين في الألف الثالث قبلَ الميلاد بَعدَما اخترعوا الكِتابةَ المِسماريَّةَ، ثم توالتِ التَّطوراتُ المَهاريَّةُ لرسمِ الخرائطِ في العهدَينِ الإغريقيِّ والرُّومانيِّ.


تأثَّر الإغريقُ (اليونان) والرُّومانُ بخرائطِ بلادِ ما بَينَ النَّهرَينِ كثيرًا، فصاروا يَرسُمون العالَمَ على شكل قُرصٍ دائريِّ الشَّكل، تُحيطُ به البحارُ مِن كُلِّ صَوْبٍ، ومِن أبرزِهمهيكاتيوس وهيرودوت، وقد كتب هيرودوت Herodotus وصفًا للمناطق التي زارها في كلٍّ مِن إفريقيا وآسيا وأوربا، وقد اهتمَّ بوصف نهرِ الدانوب ونهر النِّيل، واعتقد أنَّ الأرضَ مِنَ الشَّرق إلى الغَرب أكثرُ مِن طُولها مِنَ الشَّمال إلى الجَنوب، وأنَّ الأرضَ تُشبه صَدَفةٍ تَسبَحُ في مياه مُحيطٍ كبيرٍ، وأنَّ السَّماء تغطي هذه الصَّدفةَ (الشكل).


يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 127.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 126.10 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.34%)]