موسوعة الشفاء للإعجاز العلمي فى القران والسنه .. بالإضافه الى اخر المقالات المنشوره - الصفحة 34 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين إضغط هنا / وبإمكانكم التواصل معنا مباشرة عبر خدمة واتس اب - Whats App / 009613654576

ashefaa.com

http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=155773

 
اخر عشرة مواضيع :         بداية المشوار! (اخر مشاركة : ورد جوري - عددالردود : 7 - عددالزوار : 211 )           »          تـــــوبة مباركـــــة *":, الحمد لله ,:"* (اخر مشاركة : فهد006 - عددالردود : 7 - عددالزوار : 125 )           »          الويل لكم يا حكام العرب (اخر مشاركة : فهد006 - عددالردود : 39 - عددالزوار : 618 )           »          اشتقتُ لكم ولبيتي الحبيب (اخر مشاركة : ورد جوري - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          بالله عليك ياشيخ قص الشعر في المنام؟؟من فضلك (اخر مشاركة : الجوهرة الصالحة - عددالردود : 13 - عددالزوار : 20828 )           »          القطران |* مساعدة (اخر مشاركة : فلسطينية مقهورة - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          خالد الزعفرانى ينتقد قيادات أخوانية هربت من رابعة (اخر مشاركة : فهد006 - عددالردود : 4 - عددالزوار : 115 )           »          وصلتني رسالة فأحببت أن أنشرها ..باختصار لأنها تحكي واقعنا .. (اخر مشاركة : فرحــــــــــة - عددالردود : 15 - عددالزوار : 138 )           »          ظاهرة الموت المفاجئ بين العلم والايمان (اخر مشاركة : فرحــــــــــة - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          الدولة الإسلامية في العراق والشام (تساؤلات) (اخر مشاركة : فهد006 - عددالردود : 63 - عددالزوار : 3471 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #331  
قديم 19-04-2008, 04:11 PM
الصورة الرمزية القلب الحزين
القلب الحزين القلب الحزين غير متصل
& كــ الخواطــــر ــلـــم &
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: هنـــاك .. الحزن مدينة لا يسكنــــها غيري .. أنــــــــــــــــــــا ...!!!
الجنس :
المشاركات: 4,857
افتراضي

قضايا طبية معاصرة من وجهة نظر إسلامية

بقلم الدكتور محمد السقا عيد
مقدمــــة
التلقيح الصناعي … طفل الأنابيب … زرع ونقل الأعضاء … الهندسة الوراثية … الاستنساخ الحيوي … القتل الرحيم … طب الأعشاب … الخ
هذه القضايا الطبية المعاصرة وغيرها الكثير والكثير ….. قضايا ساخنة تفرض نفسها على الواقع الطبي … تناولها الباحثون والعلماء والمفكرون بالدراسة والتحليل والمناقشة كأطباء.وبمشيئة الله تعالى سوف نعرض لمعظم هذه القضايا ونناقشها من وجهة النظر الإسلامية لنقف على أحكامها وكيفية التعامل معها إذا ما تعرضنا لها.. كأطباء .. أو كمرضى … ملتزمين بالدين الإسلامي.
زرع ونقل الأعضاء
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون رسالة الإسلام متوافقة زماناً ومكاناً مع فطرة الله التي فطر الناس عليها … كما اقتضت صلاح الناس بتلك الرسالة وفسادهم بدونها …
ومن صلاح الإنسان أن تكون له قواعد ثابتة يركن إليها ويعتمد عليها وينطلق منها إلى تحقيق غاياته ومقاصده. وهى مبينة على الوضوح والبساطة فلا تأباها العقول ولا تجفوها الأفهام. فما كان من باب المبادئ والمعتقدات والغيبيات والعبادات مما لا يختلف باختلاف الزمان والمكان ولا باختلاف الأجناس والألوان ولا يبلى له قديم ولا يطرأ له جديد، فقد بينه في تفصيل كامل ووضحه في نصوص صريحة فليس لأحد أن يزيد عليها ولا أن ينقص منها.
وما يختلف باختلاف المكان وتتابع العصور والأزمان وتطور الأجيال وتغير الظواهر فقد جاء به مجملاً في صورة أسس وقواعد عامة حتى يتفق مع مصالح الناس ومع أحوالهم في جميع العصور والبيئات.
وقضية زرع ونقل الأعضاء واحدة من القضايا الحديثة في عالم الطب والتي لم تكن معروفة في القرون الماضية. لهذا فسأناقش في هذا الفصل بعض من هذه النقاط الهامة. وأُفندها – بتوفيق الله تعالى – أمام القارئ ليرى أن الإسلام قد حسم هذه القضايا مع جدتها وعدم وجودها أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم.
يقول ربنا جل جلاله (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)سورة الأنبياء آية (7)
هذه الجملة من كتاب الله تعالى تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن كل علم له أهلا ينبغي الرجوع إليهم للتعرف على دخائله وخصائصه.
فالطبيب في عمله وتخصصه من أهل الذكر. والعلم أمانة ومن ثم كان على الطبيب شرعاً أن ينصح لله ولرسوله وللمؤمنين.
وأقصد بالطبيب هنا …. الطبيب المسلم الحاذق في مهنته العارف لإسلامه والدارس للكتاب والسنة والفقه. هذا هو الطبيب الذي يعتمد عليه ويؤخذ بكلامه.
كذلك يجب على الطبيب ألا يعجل بالرأي قبل أن يستوثق بكل الطرق العلمية الممكنة وأن يستوثق بمشورة غيره في الحالات التي تحتاج للتأني وتحتمله.
وصية الميت بقطع عضو منه بعد الوفاة (أي التبرع به):
لننظر إلى هذه النقطة من منظور إسلامي ولنسأل أنفسنا أولاً هذا السؤال. ما هو المقصود بكلمة (وصية) في الفقه الإسلامي ؟
الوصية في اصطلاح فقهاء الشريعة الإسلامية هي (تمليك مضاف إلى ما بعد الموت) وبهذا المعنى تكون الوصية شرعاً جارية في الأموال والمنافع والديون. وقد عَّرّفها قانون الوصية بأنها " تصرّف في التركة مضاف لما بعد الموت " ولهذا فإن الإيصاء ببعض أجزاء الميت لا يدخل في نطاق الوصية بمعناها الإصطلاحى الشرعي وذلك لأن جسم الإنسان ليس تركة. ولكنه في المعنى اللغوي للفظ (الوصية).
ولكن هذا اللفظ هنا يطلق بمعنى العهد إلى الغير في القيام بفعل شئ حال حياة الموصي أو بعد وفاته.
وقـد يتبادر إلى الذهن سؤال: هل يجوز شرعاً التبرع بجزء من الجسم حـال الحياة أو لا ؟
- قال أهل العلم على أنه إذا جزم طبيب مسلم (أو غير مسلم) كما هو مذهب الإمام مالك بأن شق أي جزء من أجزاء جسم الإنسان الحي بإذنه وأخذ عضو منه أو بعضه لنقله إلى جسم إنسان حي – إذا جزم أن هذا لا يضر بالمأخوذ منه أصلاً (إذ الضرر لا يُزال بالضرر) ويفيد المنقول إليه جاز هذا شرعاً بشرط: ألا يكون الجزء المنقول على سبيل البيع أو بمقابل لأن بيع الإنسان الحر أو بعضه باطل وذلك لكرامة الإنسان بنص القرآن ….
( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ) الإسراء آية رقم (70).
كذلك فإن كل إنسان صاحب إرادة فيما يتعلق بشخصه. وإن كانت إرادة مقيدة بالنطاق المستفاد من قوله تعالى:(وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(195سورة البقرة).
وقوله جل جلاله ) ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما )[سورة النساء].
- وهناك سؤال آخر يفرض نفسه: كثيراً ما نسمع عن نقل بعض أجزاء جسم بعد الوفاة من قبيل خدمة المرضى المحتاجين كالكلى والقرنية وغيرها فهل يباح ذلك ؟
لا جدال في أن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان وفضّله على كثير من خلقه، ونهى عن ابتذال ذاته ونفسه والتعدي على حرماته حياً وميتاً، وكان من مقاصد التشريع الإسلامي حفظ النفس كما تدل على ذلك الآيتان الكريمتان السابقتان.
كذلك يدل على تكريم الإنسان للموتى من بنى الإنسان ما شرع من التكفين والدفن وتحريم نبش القبر إلا لضرورة. كما يدل على ذلك نهى الرسول r عن كسر عظم الميت بقوله عليه السلام في الحديث الشريف ما معناه ( كسر عظم الميت ككسره حياً ) وقد روى هذا الحديث البيهقى في السنن الكبرى كما رواه أبو داود في سننه وكذلك ابن ماجة في سننه عن عائشة رضي الله عنها والظاهر من هذا الحديث أن للميت حرمة كحرمة الحي فلا يتعدى على جسمه بكسر عظم أو غير هذا مما فيه ابتذال له لغير ضرورة أو مصلحة راجحة.
وقد ذكر المحدثون أن لهذا الحديث سبب وهو أن الحفار الذي يحفر القبر أراد كسر عظم إنسان دون أن تكون هناك مصلحة تستدعى ذلك فنهاه الرسول rعن هذا العمل. (البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف حـ3 صـ64).
وبهذا المفهوم يتفق الحديث مع مقاصد الإسلام المنية على رعاية المصالح الراجحة. وتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة تفويتها أشد.
قال تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)[سورة المائدة ].
وهذه إشارة إلى رجحان العمل بهذه الصفة التي ارتآها الأئمة فقهاء مذهب الشافعية والحنفية وعلى هذا يجوز نقل أجزاء من الميت لحاجة الحي لها بنفس الشروط السابقة وهى أن لا يكون بمقابل.
شق جسد الميت بعد الوفاة :
وثمة نقطة أخرى قد يتعرض للسؤال فيها الطبيب المسلم كأن يبتلع إنسان ذهباً أو مالاً أو غير ذلك أو أن تموت الأم والجنين يتحرك في بطنها …
وإلى غير ذلك من الأمور التي يتساءل الناس ساعتها هل نشق بطن الميت لاستخراج المال أو الجنين أم أن ذلك حرام ولا يجوز فعله ؟
حين نرجع إلى كتب الفقه التي بأيدينا نرى أن الفقهاء قد تحدثوا في باب الجنائز عن شق بطن من ماتت حاملاً وجنينها حي، وما إذا مات الجنين في بطن أمه وعن شق بطن الميت لاستخراج ما يكون قد ابتلع من مال قبل وفاته.
وفى هذا يقول فقهاء المذهب الحنفي. حامل ماتت وولدها حي يضطرب تُشق بطنها من الجانب الأيسر ويخرج ولدها، ولو بالعكس بأن مات الولد في بطن أمه حيه قُطع أو أُخرج وذلك لأنه متى بانت علامة غالبة على حياة الجنين في بطن الأم المتوفاة كان في شق بطنها وإخراجه صيانة لحرمة الحي وحياته وهذا أولى من صيانة حرمة الميت.
وفى شأن شق البطن لإخراج ما ابتلعه الميت من مال قالوا: أنه إذا ابتلع الإنسان مالاً مملوكاً له ثم مات فلا يشق بطنه لاستخراجه لأن حرمة الآدمي وتكريمه أعلى من حرمة المال فلا تبطل الحرمة الأعلى للوصول إلى الأدنى.
أما إذا كان المال الذي ابتلعه لغيره فإن كان في تركته ما يفي بقيمته أو وقع في جوفه بدون فعله فلا يشق بطنه لأن في تركته وفاء به ولأنه إذا وقع في جوفه بغير فعله … يكون متعدياً.
أما إذا ابتلعه قصداً فإنه يشق بطنه لاستخراجه لأن حق الآدمي صاحب المال مقدم في هذه الحالة على حق الله تعالى - لاسيما وهذا الإنسان صار ظالماً بابتلاعه مال غيره فزالت حرمته بهذا التعدي.
وفى فقه الشافعي: أنه إذا ماتت امرأة وفى جوفها جنين حي شق بطنها لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت. هذا إذا رجي حياة الجنين بعد إخراجه، أما إذا لم ترج حياته ففي قول لا تشق بطنها ولا تدفن حتى يموت، وفى قول تشق ويخرج.
وعن ابتلاع المال قالوا: إن بلع الميت جوهرة غيره وطالب بها صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة. أما إذا كانت الجوهرة له
ففيه وجهان:
- أحدهما: يشق لأنها صارت للورثة فهي كجوهرة الأجنبي.
- الثاني: لا يجب استهلاكها في حياته فلم يتعلق بها حق الورثة.
وفى الفقه المالكي:أنه يشق بطن الميت لاستخراج المال الذي ابتلعه حياً سواء كان المال له أو لغيره ولا يُشق لإخراج جنين وإن كانت
حياته مرجوة.
وفى فقه الحنابلة:أن المرأة إذا ماتت وفى بطنها ولد يتحرك فلا يشق بطنها ويخرجه القوابل من المحل المعتاد. وإن كان الميت قد بلع مالاً حال حياته فإن كان مملوكاً له لم يُشق لأنه استهلكه في حياته إذا كان يسيراً. وإن كثرت قيمته شق بطنه واستخرج المال حفظاً له من الضياع ولنفع الورثة الذين تعلَّق به حقهم بمرضه.
أما إذا كان المال لغيره وابتلعه بإذن مالكه فهو كحكم ماله لأن صاحبه أذن في إتلافه.
وإن بلعه غصباً ففيه وجهان:
1- لا يُشق بطنه ويغرم من تركته.
2- يُشق إن كان كثيراً لأن فيه دفع الضرر عن المالك برد ماله إليه وعن الميت بإبراء ذمته وعن الورثة بحفظ التركة لهم.
خلاصة القول:
أن فقه مذهب الإمامين أبى حنيفة والشافعي يجيزان شق بطن الميت سواء لاستخراج جنين حي أو استخراج مال. أما فقه مذهب الإمام مالك والإمام أحمد فالشق في المال دون الجنين، والذي اختاره الحنفية والشافعية كما جنح إلى هذا الرأي الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر- رحمه الله- وإن كان يجوز للطبيب الأخذ بأي الرأيين.
ما هي شروط نقل عضو من الميت ؟
من الشروط التي يجب مراعاتها عند قطع عضو أو جزء لنقله لمريض أن لا تتم عملية القطع إلا إذا تحققت وفاته. والموت كما في الفقه (هو زوال الحياة).
وليس هناك ما يمنع من استعمال أدوات طبية للتحقق من موت الجهاز العصبي حيث أنه قد ثبت حديثاً أن الإنسان لا يموت بعد توقف قلبه عن النبض ولكن العلامة الأكيدة لكي نحكم على إنسان بالموت هي توقف جهازه العصبي ومفارقة روحه جسده، على نحو ما سنذكر.
ولا إثم إذا وقفت الأجهزة التي تساعد على التنفس وعلى النبض متى بان للمختص القائم بالعلاج أن حالة المحتضر ذاهبة إلى الموت، لأنه يمتنع تعذيب المريض المحتضر باستعمال أي أدوات أو أدوية متى بان للطبيب أن هذا كله لا يجدي.
مسألة هامة :
ولعل من التتمة بيان حكم ما قد يُثار عن المفاضلة بين عدد من المرضى الذين تساوت حالاتهم في ضرورة نقل عضو أو نقل دم أو إعطائه دواء حالة أن الموجود هو عضو واحد أو كمية من الدم أو الدواء لا تكفى لإنقاذ الجميع.
هل تجوز المفاضلة بين المرضى في هذه الحالة المتعلقة بأمور الحياة والموت أم ماذا ؟
لا مراء في أن الآجال موقوتة عند الله سبحانه وتعالى وهذا أمر غيبي لا يصل إليه علم الإنسان. ولا مراء أيضاً في أن المرض ليس دائماً علامة على قرب الأجل أو على حتمية الموت عقبه … وغلبة الظن أساس شرعي تقوم عليه بعض الأحكام فإذا غلب على ظن الطبيب المختص بحكم التجربة والممارسة وبشرط إجادته وحذقه لمهنة الطب أن أحد هؤلاء المرضي يفيده هذا العضو أو تلك الكمية من الدواء كان إيثاره بذلك باعتبار أن العلامات والقرائن قد أكدت انتفاعه بهذا العضو أو بالدم إذا انتقل إليه … أما إذا لم يغلب على الطبيب ذلك بقرائن وعلامات مكتسبة من الخبرة والتجربة فإن الإسلام قد أرشد إلى اتخاذ القرعة
لإستبانة المستحق عند التساوي في سبب الاستحقاق وانعدام أوجه المفاضلة الأخرى.
وهذه القرعة قد فعلها الرسول r في أمور كثيرة منها الاقتراع لمعرفة من ترافقه من نسائه أمهات المؤمنين في سفره.
حكم نقل الدم :
يجوز مثل نقل عضو من شخص لآخر، وكذلك يحرم اقتضاء مقابل للدم لأن بيع الآدمي الحر باطل شرعاً كما سبق أن وضحنا.
خلاصة ما سبق شرحه:
نخلص مما سبق إلى أن هناك مبادئ وأساسيات يجب مراعاتها عند نقل عضو من شخص لآخر وكذلك عند نقل الدم ويمكن تلخيص هذه المبادئ فيما يلي:
1- الإيصاء ببعض أجزاء الجسم لا يدخل في نطاق الوصية بمعناها الشرعي
2- إرادة الإنسان بالنسبة لشخصه مقيدة بعدم إهلاك نفسه.
3- يجوز نقل عضو أو جزء من إنسان حي متبرع لوضعه في جسم إنسان آخر بشروط، كما يجوز نقل الدم بنفس الشروط متى غلب على ظن الطبيب استفادة المنقول إليه وعدم الضرر بالمنقول منه.
4- يُمنع تعذيب المريض المحتضر كما سبق.
5- يجوز المفاضلة بين المريض في حالة التزاحم على عضو واحد أو كمية من الدم.
6- يكون القطع بعد الوفاة إذا أوصى بذلك قبل وفاته أو بموافقة عُصبته إذا كانت أسرته معروفة أما إذا جُهلت شخصيته أو عُرفت وجُهل أهله فإنه يجوز أخذ جزء من جسده نقلاً لإنسان آخر يستفيد به في علاجه لتعليم طلاب كليات الطب وذلك بعد إذن النيابة العامة.
جراحات التجميل :
من يقرأ كتب " فقه الأحاديث الشريفة " وغيرها من الأحاديث الواردة في لتداوى يرى جواز إجراء جراحة يتحول فيها الرجل إلى امرأة والمرأة إلى رجل متى انتهى رأى الطبيب الثقة إلى وجود الدواعي الخلقية في ذات الجسد بعلامات الأنوثة المطمورة أو علامات الرجولة المغمورة باعتبار هذه الجراحة مظهرة للأعضاء المطمورة تداوياً من علة جسدية لا تزول إلا بهذه الجراحة كما جاء في حديث جابر قال ( بعث رسول الله (ص) إلى أبى بكر بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه) رواه أحمد ومسلم - منتقى الأخبار وشرحه نيل الوتار - الشوكانى حـ8 صـ200.
ومما يزكى هذا النظر ما أشار إليه القسطلانى والعسقلانى في شرحيهما حيث قالا ما مؤداه: أن على المخنث أن يتكلف إزالة مظاهر الأنوثة. ولعل ما قال به صاحب فتح الباري وأوضح الدلالة على أن التكلف الذي يؤمر به المخنث قد يكون المعالجة. والجراحة علاج بل لعله أنجح علاج. وقد أفاض في هذا الموضوع أطباء كثيرون ومن أراد المزيد في موضوع "الخنثى" فليراجع كتاب " خلق الإنسان بين الطب والقرآن " لمؤلفه الدكتور / محمد على البار الذي أفاض في هذا الموضوع وأفرد له باباً في كتابه.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الجراحة لا تجوز بمجرد الرغبة في التغيير من نوع الإنسان من امرأة إلى رجل أو العكس دون دواع جسدية صريحة غالبة وإلا دخل في حكم الحديث الشريف الذي رواه البخاري عن أنس في منتقى الأخبار وشرحه نيل الأوطار للشوكانى حـ 6 صـ 193 قال: ( لعن رسول الله المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم، فأخرج النبي rفلاناً، وأخرج عمر فلاناً) رواه أحمد والبخاري.
كذلك يجوز إجراء الجراحة لإبراز ما استتر من أعضاء الذكورة أو الأنوثة بل إنه يصير واجباً باعتباره علاجاً متى نصح بذلك الطبيب الثقة. وهنا نجد الفرق واضحاً بين الإسلام الذي أباح هذه الجراحات بشروطها وضوابطها الشرعية وبين الغرب الذي أباح هذا النوع من العمليات على إطلاقه... وكما والأول:بقاً فإن هذه النقطة من الفروق الجوهرية بين الطب الإسلامي والطب الحديث المتحرر من القيم والأخلاق الإنسانية.
جراحة التجميل بين التشريع الإسلامي والواقع المعاصر:
يفرق الإسلام بين عمليات التجميل ، ويفارق بين موقفه منها حسب هذا التفريق ، إلى قسمين :
القسم الأول :
الجراحات التجميلية التي تعالج عيباً في الإنسان - امرالعمر. أو رجلاً - يتسبب في إيذائه ، نفسياً أو بدنياً ويصاحبه - كذلك - إن لم يعالج ألم شديد ، لا يستطيع صاحبه تحمله ، كما قد يتسبب في إعاقته عن أداء وظيفته أو كمال قيامه بها . ولأن التشريع الإسلامي لا يهدف إلى: تعذيب الناس أو حرمانهم مما يحقق لهم فائدة، تُمكنهم من النجاح في حياتهم، وتعينهم على تحقيق إنسانيتهم دونما إطلاق لعنان فوضى الغرائز، ودونما إماتة لفطرة الأنوثة - التي خلقها المشرع سبحانه - في المرأة فقد أباح هذا النوع من عمليات التجميل.


يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
  #332  
قديم 19-04-2008, 04:14 PM
الصورة الرمزية القلب الحزين
القلب الحزين القلب الحزين غير متصل
& كــ الخواطــــر ــلـــم &
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: هنـــاك .. الحزن مدينة لا يسكنــــها غيري .. أنــــــــــــــــــــا ...!!!
الجنس :
المشاركات: 4,857
افتراضي

يتبــع موضوع ... قضايا طبية معاصرة من وجهة نظر إسلامية

القسم الثانى:
الجراحات التجميلية، التي لا تعالج عيباً في المرأة يؤلمها ويؤذيها، بل يكون الدافع لذلك:
- أنها أساساً رغبة المرأة في إشباع نزعة غرور تعتريها .
- أو تطلعها إلى فترة ثانية من الشباب، بعد تقدمها في العمر .
وأن المرأة عندما تقرر أن تعيد صنع وجهها، أو زيادة، أو تقليل حجم صدرها، أو رفع بطنها التي تدلت أو ارتخت … فمعنى ذلك: أنها تنشد معونة الطبيب في حل مشكلات نفسية تتعرض لها، قد تقودها إذا لم تحل إلى مآس في بعض الأحيان .
وهذا النوع: يحرم الإسلام القليل منه والبسيط ويحرم من باب أولى: الكثير منه والمعتقد كالأمثلة السابقة. ومن الأدلة على ذلك:
أولا : من القرآن الكريم :
دخوله في عموم قوله تعالى " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا "
ففي رواية مسلم: من صحيحة عن عبد الله بن مسعود أنه قال:
" لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بنى أسد، يقال لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله. فقال عبد الله:ومالي لا ألعن من لعن الرسول rوهو في كتاب الله ، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف ، فما وجدته ، فقال لئن كنت قرأته لقد وجدتيه، قال الله عز وجل " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فقالت المرأة :فأنى أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن ، قال : إذهبى فانظري قال - أي الراوي - فدخلت على امرأة عبد الله ، فلم تر شيئاً فجاءت إليه ، فقالت : ما رأيت شيئاً فقال أما لو كان ذلك لم نجامعها "
ثانياً: من السنة:
ما رواه: البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم.
وكله: يحرم المبالغة في عملية التزين، وينهى عن تغيير - أو محاولة تغيير - خلق الله تعالى.
وهى نصوص أكثر من أن يتسع لها المقام هنا والرجوع إليها في المصادر المذكورة ميسورة لمن أراد ذلك، بإذن الله تعالى.
ثالثاً : إجماع سلف هذه الأمة ، وعلمائها على : تحريم ذلك والالتزام باجتنابه.
(أ) فهذا: عبد الله بن مسعود، الصحابي الجليل، المتوفى سنة 32 هـ - 653م تتحداه أم يعقوب في بيته - كما رأينا - حتى تتأكد من براءته من الوقوع فيما حكم بحرمته، ونهى عنه.
وقد أخرج الطبراني هذا الحديث: وزاد في آخره، كما يقول ابن حجر في فتح الباري، فقال عبد الله: ما حفظت وصية شعيب إذا، يعنى: قوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ).
(ب) ومن الضروري أن يكون جل الصحابة رضوان الله عليهم - إن لم يكن كلهم - على شاكلة عبد الله بن مسعود، فهماً وتطبيقاً لهذا.
(جـ) ويرى الإمام الطبري، المتوفى سنة 310هـ، 922م أنه لا يجوز للمرأة تغيير شئ من خلقتها التي خلقها الله عليها، بزيادة أو نقص، إلتماساً للحسن، لا للزوج ولا لغيره. كمن تكون: مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما، توهم البلج، ومن تكون: لها سن زائدة فتقلعها أو طويلة فتقطع منها، أو لحية، أو شارب أو عنقفة فتزيلها بالنتف ومن يكون شعرها قصيراً أو حقيراً، فتطوله أو تغرزه بشعر غيرها، فكل ذلك: داخل في النهى، وهو من تغيير خلق الله.
ثم يقول: ويُستثنى من ذلك: ما يحصل به الضرر والأذية، كمن تكون لها: سن زائدة أو طويلة تعوقها في الأكل، أو إصبع زائدة، تؤذيها وتؤلمها، فيجوز ذلك... ( أنظر : صحيح مسلم بشرح النووى 14/106 ، 107 .
(د) لكن الإمام النووى ، المتوفى سنة 676 هـ 1277م يرى أنه إذا نبت للمرأة لحية أو شارب أو عنقفة ، فلا يحرم إزالتها ، بل يستحب. (أنظر المصدر السابق)
(هـ) ويعقب ابن حجر المتوفى سنة 852 هـ – 1448م على ما يراه النووى بقوله: وإطلاقه مقيد بإذن الزوج، وعلمه، وإلا فمتى خلا عن ذلك: منع، للتدليس. ( أنظر فتح البلوى 10/378)
ويقول في موضع آخر من فتح الباري: المذمومة، من فعلت ذلك - أي عمليات التجميل لأجل الحسن فلو احتاجت إلى ذلك لمداواة مثلاً جاز. (أنظر فتح الباري 10/37/3/3 ).
(و) وقال بعض الحنابلة: يجوز للمرأة الحف والتحمير ، والنقش والتطريف إذا كان بإذن الزوج لأنه سن الزينة .
وفى فتح الباري: أخرج الطبري من طريق أبى إسحاق عن امرأته: أنها دخلت على عائشة - أم المؤمنين - وكانت - أي: امرأة أبى إسحاق - شابة، يعجبها الجمال.. !!
فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها.. ؟ قالت عائشة أميطى عنك الأذى ما استطعت. ولكن الإمام ابن جحر قال عقب ذلك مباشرة: وقال النووى: يجوز التزين بما ذكر، إلا الحف، فإنه من جملة النماص . (أنظر فتح الباري 10/37/3/373 )
(ز) ولا نرى تعارضاً بين ما رواه الإمام الطبري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وما قاله الإمام النووى رضي الله عنه.
إذ أن السيدة عائشة - كما يفهم من العبارة - أباحت إزالة ما يسبب للمرأة الأذى والألم .
وأن الإمام النووى: منع الحف على إطلاقه، ولو كان بغير ضرورة، أم إذا وجُدت الضرورة: فإنه يتفق معها في الإباحة، بل يرى رضي الله عنه: أن ذلك مستحباً كما سبق في (د).
لمـــــــاذا … ؟
قد يعترض بعض الناس، أو يحلو لهم أن يتساءلوا: لماذا كان موقف التشريع الإسلامي على نحو ما سبق ذكره ؟
ولم لم يترك للناس الحرية في أمور مثل هذه، خاصة: وأنها أمور شخصية، يدخل التصرف فيها في نطاق الحرية الفردية، التي نثق أن الإسلام لا يحجر فيها على أهله ؟ .
ونقول لهؤلاء ، ونحن نخاف عليهم ونرجوا لهم الخير :
قال الإمام الخطابي المتوفى ( سنة 388 هـ – 1988 ) إنما ورد الوعيد الشديد، في هذه الأشياء، لما فيها من الغش والخداع، ولو رخص في شيء منها، لكان وسيلة إلى إستجازة غيرها من أنواع الغش، لما فيها من تغيير الخلقة (انظر فتح البارى 10 / 380).
كما يضاف إلى ذلك :
أن فتح الباب للنساء في هذه المبالغات، يؤدى إلى ارتمائهن في أحضان الشهوانية، والبعد - تدريجياً – عن رسالتهن الإنسانية.
وعدم النجاح بالتالي في خلافة الإنسان لله على هذه الأرض، بل فشله بسبب إغراقه في مثل ذلك، في عمارة الكون، وحسن الإفادة من كل ما سخره الله تعالى له.
ولشغله الوقوع الدائم في هذا المنكر الذي حرمه عليه لمصلحته التشريع الإسلامي عن عبادة الله تعالى، بل عن الإيمان نفسه.
وبالضرورة: عن الأمر المعروف، الذي لا يفعله هو، أو لا يعرفه أصلاً، وعن النهى عن المنكر، الذي يفعله هو، عن علم، أو عن جهل.
وهنا: يفقد ( خيريته ) التي خصه الله تعالى بها، والتي تؤهله لقيادة هذا العالم، الذي يعانى التخبط، ويقاسى الحروب، ويحاط
بالرعب، … و … و … الخ، والذي هو في أمس الحاجة إلى قيادة، حكيمة، عاقلة، راشدة.
ولن تكون هذه القيادة للعالم … إلا بتوجيه ممن خلق هذا العالم نفسه، وبإرشاد منه، وبالتزام لمنهجه، وتعاليمه، ولا يتوافر كل ذلك، أو بعض ذلك، إلا في أمة محمد.
أضف إلى ذلك أيضاً :
أنه لو عمت هذه العمليات: لكان الاعتراض الدائم على ما خلق الله، سبحانه وتعالى، والانشغال بتغييره عن الوظائف الحقيقية، والمهام الأساسية التي أنيطت بالإنسان في هذا الكون، ولصرفت المرأة بها عن الرغبة في الإنجاب، ولو أنجبت: لصرفت عن التنشئة والتربية، حتى لا يحرمها هذا الإنجاب من الجمال، أو تصرفها التنشئة وتشغلها عنه.
ومن هنا ولكل هذا :
فقد حرم التشريع الإسلامي هذا النوع من عمليات التجميل.
وليس التشريع الإسلامي في هذا: متجنياً على المرأة أو مانعاً لها من شيء فيه مصلحتها.
وإنما ينبه المرأة دائماً إلى: أن الجمال الحقيقي: هو جمال الروح والأفعال والأقوال لا في الأشكال والهيئات، وأن الذي ينبغي الحرص عليه: هو ما به يتحقق للمرأة إنسانيتها، وكرامتها، وحسن سيرتها، وهو جمال الخلق والطباع، وأن الجري وراء هذه المحاولات المستمرة للبحث عن الجمال الشكلي الزائف: لن تكسب الإنسان امرأة كانت أو رجلا شيئاً يستحق الذكر، بل لم يكسبه في عصوره الغابرة، سوى الانطلاق في طريق الشهوات والغرائز، الذي يشيع للفاحشة في المجتمع، ثم ينتهي به إلى: الانحلال، والدمار والهلاك.
خاتمـــــة
حقاً: إنه ما انتشرت هذه الأشياء في قوم، وألفها الناس، وأحبوها، إلا كانت دليلاً على انشغالهم بالوسائل دون الغايات، وعلامة بارزة على شيوع الفواحش، والموبقات، ونذيراً إلى اضمحلال حضارتهم، وطريقاً سريعاً إلى هلاكهم ودمارهم.
والتاريخ القديم والحديث يؤكد ذلك.
فقد قال النبي، فيما يرويه: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن، لأصحابه ونساء أمته: " إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم".
وهو نفس ما حدث للإمبراطورية الرومانية، وللإمبراطورية الفارسية، و … لكثير من الحضارات الغابرة.
ويذكر المؤرخون: أن فرنسا لم تهزم قريباً إلا لأن رجالها كانوا بين الكئوس وأفخاذ النساء، حين دخلتها جيوش الاحتلال.
ولأن المشرع :
لا يحب للحضارة الإسلامية الدمار … !!
ولا يحب للأمة الإسلامية الإبادة … !!
ولا يحب للجماعة الإسلامية الهلاك … !!
ولا يحب للفرد المسلم الضياع … !!
فقد حرم عليه: أن ينغمس في الشهوات، أو ينشغل بما يهيج غرائزه. حتى لا تتغلب شهواته على عقله، وينفصل في واقعه الذي يعيشه، على التشريع الذي يحفظ عليه آدميته، ويعلى من إنسانيته.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله: خلق الله الخلق على أقسام ثلاثة:
خلق الملائكة : وركب فيها العقل ، ولم يركب فيها الشهوة .
وخلق الحيوان : وركب فيه الشهوة ، ولم يركب فيه العقل .
وخلق الإنسان : وركب فيه العقل والشهوة معاً : فمن غلبت شهوته على عقله من بنى الإنسان : فالحيوان خير منه .
ومن غلب عقله على شهوته: فهو خير من الملائكة. ولن تكون المرأة، بل لن يكون الإنسان رجلاً كان أو امرأة خير من الملائكة، بل حتى إنساناً، إلا بمثابرته في البعد عن الشهوات المحرمة ، ومراقبته الدائمة لله تعالى في كل أوقاته، وأحواله ، وأفعاله .
ولن تتحقق في المسلم الخيرية: إلا بالنجاح في ذلك، ولن تتحقق للمسلم السيادة على الكون والحياة والأحياء: إلا بالنجاح في ذلك.
هل يجوز نقل أكباد المتوفين دماغياً ؟
فجَّر الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الجامع الأزهر قضية على جانب كبير من الأهمية في عالم طب زراعة الأعضاء، فقد أفتى فضيلته بجواز نقل أكباد المتوفين دماغياً بسبب مرض أو حادث إلى إنسان تتوقف حياته على الحصول على كبد سليم. (أنظر جريدة الأهرام القاهرية عدد 4/8/1995 )
والمتوفون دماغياً هم الذين يقر الأطباء بوفاتهم بالرغم من أن قلوبهم لا تزال تنبض وتضخ الدماء إلى عروقهم، ولكن هذا النبض يتم بفعل جهاز طبي يتم توصيله بالجسم لاستمرار عمل عضلة القلب. ولكن بمجرد فصل الجهاز فإن جميع هذه الأعضاء تتوقف تماماً.
ولقد قامت فعلاً المستشفيات السعودية بنحو حوالي 75% حالة زرع كبد من المتوفين دماغياً بعد أن صدرت هناك فتاوى لأكبر المجالس الفقهية السعودية تُجيز ذلك.
تساؤلات وشبهات :
وكما نرى فإن الفتوى سوف تفتح باباً جديداً للأمل أمام آلاف المرضى من أصحاب حالات فشل الكبد الميئوس منها بعد أن كان عدم وجود فتوى شرعية بذلك سبباً.
- وقد أثيرت التساؤلات حول فتوى المفتى وما يرتبط بها من مخاوف قد تفتح الطريق واسعاً للتجار في الأعضاء البشرية تحت مسمى التبرع.
وقد قال الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر
السابق - رحمه الله - في التعقيب على الذي نشرته جريدة الأهرام القاهرية بتاريخ 11/9/1995 الموافق 14 ربيع الأول تحت عنوان “ الموت لا يتحقق إلا بانتهاء مظاهر الحياة في كل أجهزة الجسم... " يدعى الأطباء أن " موت الدماغ أو الموت الإكلينيكي “ هي حالة يحكمون بها على موت الإنسان وانتزاع أعضائه، ولكن هذا القول غير صحيح لأن موت الجهاز العصبي ليس وحده علامة الموت بمعنى زوال الحياة، بل أن استمرار التنفس وعمل القلب والنبض كل أولئك دليل استمرار الحياة في الجسد وإن دلت الأجهزة الطبية على فقدان الجهاز العصبي - المخ - لخواصه الوظيفية إذ أن الإنسان لا يعتبر ميتاً بتوقف الحياة في بعض أجزائه بل يعتبر كذلك - أي ميتاً وتترتب الوفاة متى تحقق موته كلية ".
أما عن الموت الشرعي فيقول شيخ الأزهر السابق - رحمه الله -:
". الموت الذي تبنى عليه الأحكام الشرعية من إرث وقصاص ودية وانتهاء العقود وغير ذلك من الأحكام لا يتحقق إلا بمفارقة الروح للجسد وبهذه المفارقة تتوقف جميع أجهزة الجسد وتنتهي مظاهر الحياة من تنفس ونبض وتماسك عضلات وغير ذلك." .
وحول انتزاع كبد الإنسان بينما قلبه مازال ينبض بالحياة
يقول - رحمه الله - " إذا كان الله تعالى قد أمر بعدم قطع شئ من البهيمة قبل أن تموت تماماً وتبرد حركتها. ونهى النبيأن يتعجل موتها فتسلخ أو تقطع قبل أن تهمد وتبرد فأولى بذلك الإنسان الذي كرمه الله تعالى حياً وميتاً. فلا يجوز بحال أن يتعجل موته وتبقر بطنه لنأخذ كليته أو قلبه أو كبده قبل أن يموت تماماً ويبرد ".
ويضيف أنه لا يجوز الإقدام على إزهاق روح إنسان معصوم الدم على التأبيد وبه حياة مستقرة ولو كانت بعض الظواهر تشير إلى عدم استمرارها أو كان ميئوسا من بقائها بقصد أخذ بعض أعضائه لعلاج إنسان آخر.
ويؤكد شيخ الأزهر - رحمه الله - أن انتزاع كبد الإنسان ومازال قلبه ينبض بالحياة يُقَّيد جريمة قتل قائلاً إنه: " يحرم ويمتنع قانوناً التعرض للمحتضر بقطع أي جزء قاتل من جسده قبل انتهاء حياته بظهور علامات الموت سالفة الذكر، فإذا وقع هذا من أي إنسان على المحتضر قبل تأكد وقوع الموت به كان قاتلاً إذا انتهت الحياة أو بقيتها بهذا القطع ووجب محاكمته جنائياً ".
كما يؤكد - رحمه الله - أن الطبيب يعتبر قاتلاً إذا أنتزع عضواً من إنسان وأدى ذلك إلى موته حتى لو كان هذا الإنسان قبل انتزاع العضو منه " في حكم الميت " ويوضح ذلك بقوله أنه شق بطن إنسان وقطع حشوته وأصبح المصاب ملاقى الموت لا محالة بسبب جراحة ولكن بقيت فيه حياة فجاء آخر وفصل رأسه عن جسده فإن القتل ينسب لهذا الأخير ويكون الأول مسئولاً عن الجراح فقط لأن فعل الأخير هو الذي تبعه الموت وقطع رابطة السببية بين الفعل الأول وبين الموت. ومن ثم كان قطع أي عضو من الإنسان قد بدت عليه إمارات الموت دون أن يموت فعلاً قتلاً بغير حق إذا مات إثر هذا القطع أو مجرد الجرح.
رأى الأطباء :
ونشرت الجريدة نفسها في نفس العدد الأسبوعي رأى بعض الأطباء في هذا الموضوع فقد أكد الأطباء... صفوت حسن لطفي (طب القصر العيني)، حاتم سعد إسماعيل ( طب عين شمس)، جمال صبحي (معهد أبحاث العيون) أن انتزاع الأعضاء من جسد الذين يطلق عليهم. " موتى الدماغ " هو قتل للنفس وأوضحوا في تقصيهم أن ما يطلق عليه " موت الدماغ " أو " الموت الإكلينيكي " هو حالة يكون فيها المريض حياً وتظهر فيه كل مظاهر الحياة رغم توقف بعض وظائف المخ... حيث ينبض القلب نبضاً طبيعياً ويحتفظ الجسم بحرارته وتستمر معظم إفرازات الجسم كما هي، كما تعمل الكليتان بصورة طبيعية ويستمر التمثيل الغذائي
للكبد … كما أن المرأة الحامل التي تصاب بموت المخ تستمر في حملها ينمو الجنين نمواً طبيعياً حتى اكتماله وولادته.
يتبــــــــــــــــــــــع
  #333  
قديم 19-04-2008, 04:15 PM
الصورة الرمزية القلب الحزين
القلب الحزين القلب الحزين غير متصل
& كــ الخواطــــر ــلـــم &
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: هنـــاك .. الحزن مدينة لا يسكنــــها غيري .. أنــــــــــــــــــــا ...!!!
الجنس :
المشاركات: 4,857
افتراضي


يتبــع موضوع ... قضايا طبية معاصرة من وجهة نظر إسلامية

ويرى هؤلاء الأطباء أن الحكم الشرعي في مثل هذا الأمر الخطير لابد أن يكون حاسماً ومحدداً. فالمريض الذي ينبض قلبه وتعمل أجهزة جسمه هو " إنسان حي " ولا يُحكم عليه بالموت إلا إذا توقف قلبه وزالت حرارته وتوقفت أجهزته، وهنا تسرى عليه أحكام الموت في الأمور الشرعية من الدفن والميراث وغيرها. وعلى ذلك فإن انتزاع الأعضاء من جسد من يسمون بـ " موتى الدماغ " هو عملية قتل لنفس حرم الله قتلها إلا بالحق.
نشرت جريدة الأهرام القاهرية في عدد الجمعة 20/8/1995 الموافق 27 ربيع الأول 1419هـ تعقيباً تحت عنوان “ قضية موت الدماغ تحتاج لمناقشات مستفيضة من أهل الاختصاص " وضح هذا التعقيب أن المدخل الصحيح لتناول هذه المشكلات هو المدخل العلمي بمعنى أن يلتقي أهل الاختصاص من الأطباء لمناقشة الأسس العلمية لهذا الموضوع حتى يتضح للجميع بداية ماهية محور الحديث والمناقشة ، والمقصود به ومفهوم الوفاة المخية ، وهذا الأمر يتطلب الإعداد لسلسة من الندوات لتدارس الجوانب المختلفة للموضوع على المستوى الأكاديمي أولاً ثم يلي ذلك مناقشات مستفيضة للنواحي الدينية والأخلاقية والقانونية والاجتماعية وغيرها وذلك بمشاركة مجموعة من المتخصصين في هذه المجالات .
وبالطبع فإن نتائج أعمال هذه الندوات في النهاية سوف تعرض على الرأي العام من خلال وسائل الإعلام المختلفة، حتى تصل من خلال المناقشات الموسعة واستبيان آراء أفراد مجتمعنا في مختلف القطاعات إلى ما فيه خير البلاد ونفع العباد.
- لهذا بات هذا الموضوع من الموضوعات التي يجب حسمها في ظل التقدم العلمي والطب الحديث.
رأى الأطباء في نقل أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام :
وقد أثارت مجلة "الأطباء" التي تصدرها النقابة العامة للأطباء بجمهورية مصر العربية في عددها رقم (111) السنة (37) إصدار ربيع الآخر 1413هـ – أكتوبر 1992 م هذا الموضوع، فبعد أن وضحت أن قضية نقل الأعضاء قضية متشعبة ومتشابكة ويتشابك فيها العلم والدين والتجارة، ووضحت أن نقابة الأطباء قد أصدرت قرارها بمنع نقل الكلى من غير الأقارب حتى الدرجة الثانية منعاً للتجارة، واستطردت: بأنه قد ظهرت موضة جديدة في موضوع نقل الأعضاء وهى نقل أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام وقد أيد المنادون بذلك كلامهم بأن هؤلاء الناس مهدر دمهم وأنهم سيعودون إلى التراب بدون الاستفادة منهم، فكتب أحد المؤيدين لذلك رسالة نشرتها له جريدة (الأهرام القاهرية) تحت عنوان " ماذا يستفيد التراب":
وأوردت مجلة " الأطباء" الرد على لسان أحد أساتذة الطب والذي أنكر ذلك ودافع بشدة عن حرمة الإنسان ووضح أن الإنسان ليس بآلة أو سيارة تفك ويُعاد تركيبها وتُباع مستعملة أو جديدة ولكنه أعظم ما خلق الله تعالى في هذا الوجود.
وأن هذا الكلام غير مقبول شرعاً ولا أخلاقياً ويتعارض مع صريح قول الله تعالى:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)الإسراء (70).
أما منطق أن الإنسان سيعود إلى التراب دون الاستفادة من جسده فإن التراب هذا منه خُلقنا وإليه سنعود مصداقاً لقول الله تع
(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) طه (55) .
وأما عن مبدأ أن هذا الإنسان دمه مهدر لجرمه فهذا قول فيه تعد على الشرع لأن الرسول أمر بإحسان القتل لمن يقتل ونهى التمثيل بأجساد الموتى. كما أن المستقر في الأعراف القضائية أن حق المجتمع يستوفى بتطبيق العقوبة على المتهم وليس بتمزيق أوصاله، وأما عن مبدأ المحكوم عليهم قد أقر بموافقته على ما تم فهذا الإقرار باطل لأنه تنازل فيما لا يملك، لأن هذا لجسد مملوك لله تعالى بإجماع جميع الأئمة والفقهاء ولا يجوز لأحد التصرف فيه بالبيع أو الشراء أو الهبة أو الوصية... وهذه نقطة خلاف بعض مشايخنا وفضيلة مفتى جمهورية مصر العربية على نحو ما أوردنا سالفاً.
ومن هنا نعود فنؤكد - والكلام لمجلة " الأطباء " أن قرار السيد النائب العام بإيقاف عمليات نقل الأعضاء من المحكوم عليهم بالإعدام هو قرار إنساني عظيم يتفق مع ما أمرت به الشريعة الإسلامية وما أقرَّه العرف والقانون والأخلاق.
زراعة خلايا الأجنة لعلاج أمراض خطيرة :
وقد طالعتنا مجلة " طبيبك الخاص " القاهرية ببشرى لمرضى الشلل الرعاش والسكر والعقم وأمراض المخ والخلل والأنزيمي ، حيث نشرت في عددها رقم (292) صدور أكتوبر 1993م في مقال لها بعنوان
" متجر الجسم البشرى.... معجزة القرن الواحد والعشرين " تقول فيه: " أخيراً... تحقق الأمل في الشفاء لعشرات الملايين من المرضى بأمراض مستعصية طالما وقف العلماء عاجزين عن وضع حد لها ولآلامها أو وقف تدهورها إلى أن تأتى النهاية الطبيعية وهى الموت ".
والمدهش في تقنية العلاج الجراحى الجديد والتي تتمثل في العلاج بزرع خلايا وأنسجة الأجنة... أن العلماء رغم اعتقادهم في القدرة على علاج الأمراض المستعصية على اختلافها عن طريق استخدام خلايا الأجنة الصغيرة إلا أنهم خاضوا معركة تحدى نحو 65 عاماً.

لماذا خلايا الأجنة
يذكر دكتور (أندروكمبرل) في كتابه بعنوان " متجر الجسم البشرى " أن اختيار خلايا وأنسجة الجنين لعمليات الزراعة يرجع لسرعة نموها وانقسامها بوضوح بيد أن الاكتشاف الأول لمثل هذا الاختيار من وجهة نظر " كمبرل " يرجع لجهود العلماء الكنديين الذي اكتشفوا - بحقن أنسجة الأجنة في حيوانات التجارب - أن العضلات تماثلت للشفاء سريعاً وعادت تبنى نفسها من جديد. على أنه من الأمور العلمية البحتة التي تميز خلايا وأنسجة عن غيرها من الخلايا هي أن هذه الخلايا الجنينية لا تشمل على علامات سطحية حتى يميزها النظام المناعي للمريض فيرفضها كأجسام غريبة.. فضلاً عن مرونة هذه الخلايا وقابليتها الشديدة للتشكل في صور كلية أو خلايا كبد أو أي عضو أخر... فالخلايا التي يتم بها العلاج هي في الأصل من داخل الجسم البشرى كما أنها تحقن في جسم بشرى أيضاً. ومن هنا صارت تسمية دكتور كمبرل لكتابه الجديد " متجر الجسم البشرى ".لهذا يؤكد دكتور " كمبرل " أن الحل لابد وأن يأتي من داخل الجسم البشرى. أما استخدام المواد الصناعية في العلاج فلن يقدم الكثير في مجال العلاج الجراحي الناجح.
ولهذه الأسباب مجتمعة كان اختيار العلماء لخلايا الأجنة لعلاج الأمراض المستعصية بل وإصرارهم على نجاح هذا النوع من العلاج.
الشلل الرعاش :
شكَّل هذا المرض القاتل لغزاً أمام العلماء طيلة عشرات السنين... من أهم أعراضه عدم القدرة على السيطرة على الحركة مع الرعشة ثم تصلب الجسم وأخيراً حدوث الشلل. ويتسبب المرض عن عدم وصول مادة الدوبامين (Dopamine) إلى الجزء الخاص بالتحكم في الحركة بالمخ بانتظام. وقد ثبت أن العقاقيرسيئة، تحدث خلايا المخ على تكوين الدوبامين اللازم للمخ لها تأثيرات جانبية مخيفة بعضها له أعراض نفسية سيئة، فضلاً عن قلة تأثير مثل هذه العقاقير مع مرور الوقت.
وعبر سنين من مشوار علاج هذا المرض اللعين استطاع العلماء أن يتوصلوا لفكرة زرع خلايا عصبية جنينية في مخ المريض بالشلل الرعاش.
ويمثل عام 1988 أول محاولة ناجحة لزراعة الخلايا العصبية التي تم استخلاصها من أجنة صغيرة من مخ المريض بالشلل الرعاش. وقد قام بالمحاولة الناجحة د/ كورت فريد بمركز العلوم والصحة التابع لجامعة "كولورادو" بالولايات المتحدة الأمريكية .
وقد كتب دكتور ( آندر جوز كلوند ) السويدى الذي قاد فريقاً من العلماء بجامعة (أوول ليندفال) بالسويد لعلاج مثل المريض.لات ... كتب أن خلايا الجنين تستمر حية وتدفع الدوبامين لمخ المريض المستقبل بعد أن يتم زرعها في مكانها بدلاً من العضو المريض . وأكد أن خلايا المخ المستخلصة من جنين يتراوح عمره بين 6: 8 أسابيع تستطيع أن تنمو داخل مخ المريض وتُكون خلايا مخ كاملة النمو والوظيفة.
داء البول السكري :
وقد جرت أول محاولة ناجحة لعلاج هذا المرض جراحياً بزراعة خلايا الأجنة عام 1987 حيث قاد (د. كيفن لاقرنى) فريقاً من العلماء بجامعة (كولورادو) الأمريكية وتمكنوا من زرع أنسجة بنكرياس من أجنة صغيرة في 16 مريض بهذا الداء . وقد تحولت خلايا البكرياس الجنينية في أسابيع إلى خلايا كاملة النمو وتمكنت أجسام المرضى من إفراز الأنسولين بصورة معتادة.
عقم السيدات :
في عام 1990 قام (د. مايكل ماكون ) مدير الأبحاث بهيئة
" بالوألتو " بالولايات المتحدة الأمريكية باستخلاص أجزاء من خلايا الكبد والخلايا الليمفاوية من أجنة أشخاص وزرعها في فأر مولود يفتقر إلى جهاز المناعة. وبعد شهرين نمت الأجزاء المزروعة حتى أصبحت في حجم بذرة الفول وكونت خلايا بشرية خاصة بالمناعة . وعقب هذا النجاح قام ( د. روجز جوسدن) الباحث بجامعة (إدنبورج) بالعديد من الأبحاث الخاصة بعلاج العقم عند السيدات ... وقام بعملية زرع البويضات من جنين يبلغ عمره أسابيع قليلة وتمت تلك البويضات وكونت خصوبة كاملة داخل السيدة العاقر .
مرض الزهيمر :
يعد واحداً من الأمراض الخطيرة التي تصيب الإنسان حيث تعانى الخلايا العصبية بالمخ من عدم القدرة على الاتصال.. الأمر الذي يدمرها في النهاية وتضيع معها الذاكرة تماماً. ويقول العلماء أن عمليات زرع أجنة في مخ مريض بهذا الداء سوف تكون متشابكة وغير
سهلة... فالخلايا العصبية التي يتم ترتيبها بسبب هذا المرض غير محددة الأماكن بالمخ بل هي منتشرة، لذا فإن عملية تحديد الموضع الذي يجب إجراء عملية الزرع فيه تعتبر صعبة حتى الآن.. غير أن التطورات العلمية السريعة والتي لا تتوقف يمكن أن تصل إلى حل لهذه المشكلة مهما كانت معقدة.
آفاق جديدة :
ويتوقع العلماء لهذا النجاح الجراحى آفاقاً رحبة في رحلة العلاج الطويلة مع الأمراض … ويقولون... من يدرى فقد يأتي اليوم الذي يتمكن فيه الإنسان من تكوين (كلية) مثلاً كاملة النمو والوظائف من خلايا الكلية الجنينية .
ويتوقع فريق آخر منهم أن تنجح زراعات خلايا الأجنة في علاج الحبل الشوكى الذي يصيب سنوياً بالولايات المتحدة وحدها نحو 180 ألف مريض.
وقد توصل العلماء حتى الآن لعلاج الخلايا الليفية العصبية في الحيوانات وذلك بتطعيمها بخلايا عصبية مأخوذة من أجنة ونجحت العملية … كما قد ينجح العلماء مستقبلاً في علاج حالات تلف النخاع … وهى أمراض تضع الإنسان على حافة الموت.
أعضاء الخنازير … هل تصلح بديلاً للأعضاء البشرية ؟؟
تحت هذا العنوان أثارت " المجلة العربية " في عددها رقم (242) للسنة (21) إصدار ربيع الأول 1418 هـ – يوليو / أغسطس 1997 – هذه القضية فتقول المجلة : لقد نشرت الصحف مؤخراً عن إمكانية استبدال الأعضاء البشرية بأعضاء من الخنازير لحل مشكلة نقل الأعضاء حيث نجح علماء سويسرا في استخدام أعضاء الخنازير بديلاً للأعضاء البشرية في الجراحات وذلك بعد إخضاع الخنازير لمعالجات تعتمد على الهندسة الوراثية .
ونوقش هذا الموضوع في المؤتمر الدولي لزراعة الأعضاء الذي عقد مؤخراً في برشلونة، وأكد هذا المؤتمر أن استخدام الهندسة الوراثية والمناعية يجعل أعضاء الخنازير صالحة تماماً للنقل إلى الإنسان بدون الحاجة إلى الأدوية المثبطة للمناعة ولأن أنسجة الخنزير أقرب إلى أنسجة الحيوان.
وسنعرض لبعض آراء الأطباء وعلماء الدين في هذه القضية لمعرفة مدى صلاحية أعضاء الخنازير كبديل للأعضاء البشرية من الناحية الطبية والبشرية.

التحريم مقتصر على لحم الخنزير :
في البداية يقول الدكتور أحمد شوقي الفن جرى (طبيب): إن القرآن الكريم لم يحرم إلا لحم الخنزير بنص الآية حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير المائدة آية (3).
وتحريم لحم الخنزير لا يعنى عدم الاستفادة منه في أي شيء آخر غير الأكل فمن الممكن استخدام شعره أو جلده في حالة الحروق لأن الخنزير أقرب شيء إلى الإنسان، فالجينات لديه قريبة من جينات الإنسان، فالآن ينقلون كبداً من الخنزير إلى الإنسان وينقلون العظام، وآخر تجربة قاموا بها هي نقل قلب الخنزير إلى الإنسان ولم يلفظه الجسم، وهناك الأنسولين لمرضى السكر فهو خنزيري المنشأ حيث يستخلص من بنكرياس الخنزير.
وحول الحكمة من تحريم لحم الخنزير يؤكد الدكتور الفن جرى أن أي حيوان يأكل من نفس فصيلته يصاب بالجنون مثل (جنون البقر) كما حدث في الخارج لأن البقر بدأ يأكل من نفس فصيلته وذلك عندما صنعوا العلف من مخلفات البقر (الدم - الأحشاء – الفضلات) ووجدوا أنها تسمنه بسرعة ولكنها تصيب أفراده بجنون البقر، كذلك الأمر بالنسبة للإنسان، فالإنسان إذا أكل لحم البشر يصاب بالجنون، ولأن الخنزير قريب من الإنسان فقد حرمه الله لأن لحمه يصيب الإنسان بكثير من الأمراض ومنها جنون البقر وحزواته " أي يصبح الإنسان مثل الحيوان " وغيرها مما هو ثابت ومعروف في ديننا الإسلامي الحنيف.
جائز عند الضرورة :
ويرى الدكتور عبد المعطى بيومي – العميد السابق لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر – أن الخنزير نجس العين فكله نجس بأعضائه وشعره ولحمه وكل ما فيه ولا يجوز استخدام شيء منه للجسم البشرى.
ولكن في حالة الضرورة إذا تعلقت حياة الإنسان باستبدال عضو من أعضائه بعضو من الخنزير جاز ذلك للضرورة إعمالاً للقاعدة الشرعية
" الضرورات تبيح المحظورات " ولقوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ومعنى الضرورة أن تتوقف حياة المريض على عضو الخنزير، فإذا كان من الممكن استبدال عضو آخر من غير الخنزير بالعضو الآدمي فإنه يحرم استبدال عضو الآدمي بعضو الخنزير. وإذا لم تتوقف حياة الشخص بحيث لا تكون معرضة للهلاك المحقق فلا يحل استبدال عضو الآدمي بعضو الخنزير لقوله (ص) " ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها ".
ويؤكد الدكتور بيومي أن الضرورة الوحيدة لاستخدام أعضاء الخنازير أن يكون الجسم معرضاً للهلاك المحقق.
أما في غير الضرورة فإن استبدال الأعضاء البشرية بأعضاء الخنزير محرمة قياساً على تحريم أكله، فإذا كان أكله يعطى الإنسان طاقة هي من الخنزير فإن الاستبدال يعطى الإنسان قوة بالعضو الجديد. ولذا نقول أن الأكل كالاستبدال فإذا حرم ذلك فقد حرم ذاك إلا لمن اضطر.
ويتفق مع هذا الرأي الدكتور محمد نبيل غنايم – رئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة .
النقل غير جائز شرعاً :
- وعلى الجانب الآخر يرى الدكتور عبد الرحمن العدوى عضو مجمع البحوث الإسلامية والأستاذ بجامعة الأزهر أن الانتفاع بعضو من الخنزير غير جائز شرعاً لسببين: الأول أن الخنزير نجس العين بمعنى أن كل عضو فيه هو قطعة من النجاسة لا يجوز استخدامه في أي غرض من الأغراض والسبب الثاني أن الأطباء قد قرروا أن نقل عضو من حيوان إلى إنسان يؤدى إلى التأثير في طباع الإنسان وتصرفاته وحركاته بما يتلاءم مع هذا العضو، فقد أجريت تجربة لنقل كلية قرد إلى إنسان وبعد فترة تغيرت أفعاله وحركاته وصار يميل في تصرفاته إلى تصرفات القرود – فالعضو – وكما أكدت المؤتمرات الطبية والعلمية يؤثر في الجسم ولا يكون قاصراً على وظيفته الأساسية التي يقوم بها.
وفى حالة الاستعانة بأعضاء الخنازير فإنه سيحدث أن تنتقل إلى الإنسان صفات الخنزير وحركاته وهى صفات فيها من الدناءة والخسة مما جعل الشرع يحرم أكله حتى لا تنتقل عن طريق الطعام ومن الأولى أن نمنع نقل الأعضاء لأنها في التأثير في البدن أكثر من تأثير الأكل عن طريق الفم وفى البدن أخطر من تأثير الأكل عن طريق الفم:
الإنسان طاهر … والخنزير نجس:
- ويؤكد الشيخ محمود عبد الوهاب فايد - الرئيس العام للجمعيات الشرعية - ما ذكره الدكتور العدوى ويقول: لا أرى صحة نقل أعضاء الخنازير إلى الإنسان من الناحية الشرعية، فالإنسان طاهر والخنزير نجس فلا يجوز أن نعالج الإنسان بالنجاسة كما لا يجوز أن نضيف إلى الإنسان الذي كرمه الله وطهره ما هو نجس العين. فإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حرم لحم الخنزير فإن أعضائه جزء من لحمه وهى محرمة ولا يجوز استعمالها في الجسد البشرى.
كلمة أخيرة :
وبعد أن أثارت " المجلة العربية " هذه القضية التي عرضها الأستاذ الزميل أحمد أبو زيد قالت: هذه مسألة من المسائل المستجدة ونازلة من نوازل العصر تطرق لبحثها والحديث عنها أطباء وعلماء متخصصون كل أدلى بدلوه ونحسب أن الموضوع لم ينته بعد، وهو قابل للنقاش وطرح المزيد من الآراء، ولا ندرى عن مدى صحة ونتيجة الجراحات التي استخدمت فيها أعضاء من الخنازير للإنسان وهل الذين نقلت إليهم ما زالوا أحياء أم أنهم ما توا ؟
ولعل المجال يبقى مفتوحاً لمزيد من الآراء التي تثرى الحوار من المختصين ولا سيما ما تساءلنا عنه عن حالة المنقولة لهم أعضاء الخنازير.
هذا عن ما حدث ويحدث من محاولات مستميتة وبحوث متواصلة في هذا المضمار على المستوى العالمي. ولكن بقى أن نعرف موقف الإسلام من هذه الجراحات في حالة نجاحها وتطبيقها على المرضى الآدميين … لهذا يجب على المختصين من علمائنا قراءة هذه البحوث جيداً والبت فيها من وجهة النظر الإسلامية حتى يتسنى لنا كأطباء أن نلم بها ونجيب عنها إذا ما تعرض أي منا لسؤال من هذا النوع.
وبعد فهذه بعض التساؤلاتوالشبهات المثارة التي يتعرض لها الطبيب في هذه الأيام قصدت من وراء إيرادها لفت نظر أطباء المسلمين إليها حتى يكونوا على بينة منها ومن أمثالها لكي يكونوا على علم بأمور دينهم فيما يخص مهنتهم ولا يكونوا عرضة للحرج أو الإثم حينما يتعرضون لمثل هذه القضايا.
  #334  
قديم 19-04-2008, 04:17 PM
الصورة الرمزية القلب الحزين
القلب الحزين القلب الحزين غير متصل
& كــ الخواطــــر ــلـــم &
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: هنـــاك .. الحزن مدينة لا يسكنــــها غيري .. أنــــــــــــــــــــا ...!!!
الجنس :
المشاركات: 4,857
افتراضي

وفي أنفسكم أفلا تبصرون

بقلم الدكتور محمد السقا عيد
إن هذه الآية التي صيغت في كلمات قلائل تحمل بين طياتها أحلى المعاني وأدق التعبيرات ففيها يلفت الله سبحانه وتعالى أنظارنا إلى ما تحتوى عليه أجسامنا من الآيات والمعجزات والتي تدل دلالة واضحة على عظمة الخالق وجمال الخلق.

ففي هذه الأجسام البشرية نلمس دقة التكوين وتماسك البناء وحسن المظهر وهو مالا نستطيع إدراكه إلا بعد دراسة واعية لتركيب أجسامنا وما تحتوى عليه من أسرار وألغاز قد لا يتصورها عقل إنسان.
فالجسم البشرى بناء ضخم معقد دقيق التركيب إلى درجة تدعو إلى الدهشة والإعجاب.
إنني أحس كلما قرأت هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى قد أراد أن يوجه أنظارنا إلى العلم والمعرفة بكل ما يحيط بنا من بدائع الخلق وجمال التكوين حتى ما كان موجوداً منها في أنفسنا.
كثيراً منا لا يعرف أن جسم الإنسان (وكذلك جميع الكائنات الحية الأخرى من نبات أو حيوان) قد بُنى على أساس محكم وتنظيم دقيق لم يتوصل إليه إنسان إلا بعد دراسات شاقة وبحوث مضنية قام بها لفيف كبير من علماء البيولوجيا في مختلف بلاد العالم.
وكان من نتيجة هذه البحوث والدراسات أننا نعرف اليوم أن جسم الإنسان يتركب من وحدات أساسية دقيقة للغاية يطلق على كل منها اسم الخلية (Cell). ويحتوى جسم كل واحد منا على ما يقرب من 350 بليون خلية (350 ألف مليون خلية) ويدل وجود هذا العدد الضخم من الخلايا التي تدخل في بناء الجسم على أن الخلية في حد ذاتها ضئيلة للغاية وعلى جانب كبير من الدقة. وأن معظم هذه الخلايا - إن لم يكن كلها – لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، لذلك فلم يكن من المستطاع التعرف على التركيب الخلوي للجسم إلا بعد اختراع المجهر (الميكروسكوب ).
وتشكل الخلايا الموجودة في جسم الإنسان مجتمعاً على أرقى المستويات من حيث التخصيص والانسجام والتعاون فيما بينها لما فيه مصلحة الجسم كله. وتوجد هذه الخلايا البشرية في طبقات متراصَّة على أحسن ما يكون البناء.
والواقع أن خلايا الجسم ليس كلها على نمط واحد من حيث الشكل أو الحجم أو الوظيفة، بل إنها تختلف فيما بينها اختلافات واضحة كما أنها تتنوع بشكل يثير الدهشة والإعجاب.
ومن أمثلة هذا التنوع:
كرات الدم الحمراء : دقيقة الحجم ومستديرة ويبلغ قطرة الواحدة منها 8 ميكرونات.
خلايا الكبد : مكعبة الشكل تقريباً ويبلغ قطر الواحدة منها 25 ميكروناً
الخلايا العضلية : مغزلية الشكل أو أسطوانية يصل طولها إلى 3000/ ميكرون ( 3 ملليمترات ).
الخلايا العصبية : وهى أطول الخلايا على الإطلاق وقد يصل طولها مع أليافها (التي تمتد عبر الجسم كما تمتد أسلاك التليفون) إلى مليون ميكرون ( متر ) أو أكثر.
ولا يقتصر تنوع الخلايا على الحجم فقط، بل يمتد إلى الشكل أيضاً، فقد تكون الخلية على شكل قرص أو مكعب أو عامود أو شظية دقيقة. كما أنها قد تشبه النجم أو الهلال أو العنكبوت أو الخيط الطويل أو الشجرة كثيرة التفرع.
ومثل هذه الأشكال كثيرة الانتشار على وجه الخصوص في الجهاز العصبي، إذ أنه وظيفة الخلية في هذا الجهاز هي الاتصال بغيرها من الخلايا العصبية الأخرى القريبة منها أو البعيدة.
والخلايا الجسدية: برغم هذا التنوع الشديد في الشكل أو الحجم مبنية وفق صورة أساسية عامة إذ تتكون الخلية النموذجية من كتلة صغيرة من مادة البروتوبلازم ( Protoplasm ). و (البروتوبلازم ) مصطلح علمي يتألف مع كلمتين إغريقيتين هما: " بروتو " بمعنى أولى و "بلازم" بمعنى مادة.
ومن ذلك نرى أن البروتوبلازم تبعاً لهذا الاشتقاق معناها " المادة الأولية " ويطلق عليها أيضاً اسم " المادة الحية ".
وقد بُذلت محاولات عديدة بعد تقدم البحوث العلمية في عصرنا الحاضر لعمل مادة تشبه (البروتوبلازم) ويكون لها مثل خصائصه فباءت جميعها بالفشل الذريع وهو ما نستطيع أن نتلمسه في تلك الآية الكريمة:
(إنا الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) سورة الحج 73
فالذباب الذي ورد ذكره في تلك الآية الكريمة، والحيوان الأولى الذي ورد ذكره من قبل، والإنسان نفسه تتركب أجسامهم جميعاً من تلك المادة الحية المشتركة وهى مادة ( البروتوبلازم ) تلك المادة التي عجز جميع علماء الكيمياء الحيوية على إنتاج مثلها في معاملهم في أي بلد من البلدان المتقدمة، فهي مادة فريدة في نوعها، معقدة في تركيبها تستقر بداخلها الحياة، وذلك بالرغم من أنها تتكون في دقائقها من العناصر العادية التي يكثر وجودها في الطبيعة.
وهناك عبارة مأثورة يذكرنا بها عالم التاريخ الطبيعي المشهور جودريتش ( Goodrich ) في كتابه " الكائنات الحية " وهى :
" لا حياة بدون البروتوبلازم، ولا بروتوبلازم بدون الحياة "
ومعناها أن الحياة توجد على الدوام داخل البروتوبلازم وأن البروتوبلازم لا يتكون إلا في أجسام الكائنات الحية ولذلك كانت الحياة والبروتوبلازم مرتبطين معاً بأدق الروابط وأوثق الصلات.
وقد عُملت التحليلات الكيميائية الدقيقة لمادة البروتوبلازم للتعرف على مكوناتها الأساسية فكانت تلك المكونات هي الأكسجين والكربون والأيدروجين والآزوت بصفة أساسية مع بعض الكميات الضئيلة من الكبريت والفسفور والكالسيوم وغيرها من العناصر الكيميائية التي توجد في الطبيعة.
معنى ذلك أننا إذا قمنا بتحليل " البروتوبلازم " تحليلاً كيميائياً داخل المعمل لحصلنا على تلك العناصر السابقة بالنسب الواضحة في الشكل وهى بطبيعة الحال عناصر ميتة لا حياة فيها، ولكننا إذا أردنا تجميعها بعد ذلك بقصد الحصول على البروتوبلازم الحي لكان الفشل نصيبنا، فلا يستطيع ذلك سوى الله سبحانه وتعالى. كما هو واضح في تلك الآية الكريمة.
( يُخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) " سورة الروم آية (19)
وفيها إشارات واضحة إلى تلك المعاني السابق شرحها، فالبروتوبلازم الحي يتخلق من عناصر ميتة توجد في التربة، وعند موت هذا البروتوبلازم الحي يعود إلى التربة مرة أخرى حيث يتحلل إلى تلك العناصر الميتة.
ويغلف الخلية من الخارج غشاء رقيق، كما توجد في وسطها نواة وتسيطر النواة على كل نشاطات الخلية فهي بمثابة القلب من الجسد.
وقد أثبت الباحثون بالطرق التجريبية العديدة أن النواة إذا انتزعت من جسيم الخلية فإن الخلية سرعان ما تموت.
وتحيط بالنواة في مختلف الاتجاهات المحتويات الأخرى للخلية ومنها جهاز جولجى والجسم المركزي والميتوكوندريا والمنتجات غير الحية (مثل الكريات الدهنية وحبيبات الجليكوجين أو النشا الحيواني) وبعض الفجوات المملوءة بالسوائل وغيرها.

صورة توضيحية للخلية الحية
إن هذه الوحدات الأساسية ( الخلايا ) التي يتركب منها جسم الإنسان لا تبقى منفصلة بعضها عن بعض بل تعيش معاً في تنظيمات محددة، ويقوم كل واحد من هذه التنظيمات بأداء عمل خاص من الأعمال العديدة التي تتطلبها حياة الإنسان.
وذلك لأن الخلية الواحدة ضئيلة للغاية - كما ذكرنا آنفا - لا تستطيع أن تقوم بمفردها بعمل واضح للعيان.
فالخلية المفرزة مثلاً يكون إنتاجها قليلاً للغاية إذا قورن بالاحتياجات اليومية للجسم، ولكن إذا اجتمعت الخلايا المفرزة في تنظيم واحد متكامل كان إفرازها واضحاً تماماً. هذا التنظيم المتجانس يطلق عليه علماء الأحياء اسم النسيج Tissue ". ويتركب النسيج من عدة آلاف بل من عدة ملايين من الخلايا التي تندمج بعضها مع بعض، وهى تتشابه جميعاً في كُلٍ من الشكل والحجم والوظيفة.
ولا تبقى الأنسجة منفصلة بعضها عن بعض بل إنها تندمج في تنظيمات أكبر يطلق عليها أسم الأعضاء. Organs ".
فالمعدة مثلاً – وهى عضو هام من أعضاء الجسم نعرفه جيداً – تتركب من عدة أنسجة منها النسيج الإفرازي الذي تتدفق منه العصارات الهضمية لكي يستطيع هضم الطعام ومنها النسيج العضلي المتمركز داخل جدار المعدة والذي تؤدى حركاته المنتظمة المتتالية إلى خلط الطعام المبلوع مع العصارات الهاضمة.
وهناك أيضاً النسيج الدموي الذي يحمل إلى خلايا المعدة احتياجها من الأكسجين وغيره من المواد الضرورية كما ينقل ثاني أكسيد الكربون وغيره..
كذلك يوجد في المعدة النسيج الضام الذي يربط الأنسجة السابقة بعضها مع بعض رباط محكم لتتكون منها وحدة متماسكة وقادرة على أداء وظيفتها أحسن ما يكون الأداء.
وتندمج الأعضاء والتركيبات التي تؤدى وظيفة حيوية واحدة في جسم الإنسان في تنظيم واحد كبير يطلق علية اسم الجهاز System وهو أكبر التنظيمات الجسدية وأكثرها تعقيداً على الإطلاق.
وكما تعلم - عزيزي القارئ – فإن الأجهزة الموجودة في جسم الإنسان هي: الجلد والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والجهاز الدوري والجهاز العصبي والجهاز الحسي والجهاز الهيكلي والجهاز العضلي وجهاز الإفراز الداخلي ( المكون من الغدد الصماء ).
ومن مجموعة هذه الأجهزة التي تختلف اختلافات جوهرية في سلوكها ووظائفها وصفاتها التشريحية يتركب جسم كل واحد منا.
ويتضح مما تقدم أن المكونات الجسدية للإنسان تتدرج من البساطة إلى التعقيد على الوجه التالي:
الخلايا – الأنسجة – الأعضاء – الأجهزة
وسنحاول بمشيئة الله تعالى – أن نعالج ما نستطيع معالجته من هذه الأجهزة على صفحات هذا الكتاب مع ذكر بعض التفصيلات التي قد يستفيد منها القارئ العادي.
قد تتساءل معي عزيزي القارئ – عن ماهية " العلق " الذي اقترن ذكره في تلك الآية بخلق الإنسان أعز المخلوقات وأكرمها عند الله سبحانه وتعالى.
لقد جاء في " معجم ألفاظ القرآن الكريم " الذي أصدره مجمع اللغة العربية بمصر أن " العلق هو الدود الأسود الذي ينتشر في الجلد "، كما جاء به أيضاً أن العلق هو الدم الجامد الغليظ الذي يعلق بما يمسه، والقطعة منه " علقة "
كما جاء في " المعجم الوسيط " الذي أصدره هذا المجمع أيضاً أن
" العلقة طور من أطوار الجنين، وهى قطعة الدم التي يتكون منها ".
وفى التنزيل العزيز فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة) الحج آية (5)
يتضح من تلك الآية الأخيرة أن بدء ( التسلسل ) الخلقي كان من التراب وهو أديم الأرض التي نسير عليها.
كما أن هناك آيات أخرى كثيرة تشير إلى تلك المواد العادية البسيطة التي تربط بين الإنسان والأرض منها على سبيل المثال لا الحصر:
ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم تنتشرون الروم (20 )
إنا خلقناكم من طين لازب الصافات آية (11)
خلق الإنسان من صلصال كالفخار الرحمن آية (14)
هو الذي خلقكم من طين الأنعام آية (2)
نستدل من تلك الآيات البينات أن قدرة الخالق سبحانه وتعالى قد امتدت إلى تلك المواد الميتة – وهى التراب أو الطين أو الفخار أو غيرها فأحالتها إلى مخلوقات حية تعيش وتسعى على سطح الأرض جيلاً بعد جيل.
ومن الواضح أن تكون الإشارة إلى خلق الإنسان من التراب أو الطين أو الصلصال أو غير ذلك مما ورد في تلك الآيات الكريمة السابق ذكرها أو في غيرها من الآيات هي في الواقع إشارة رمزية لتلك العناصر الكيميائية وهى الكربون، والأكسجين، والنيتروجين، والأزوت، والكالسيوم، والفسفور والكبريت، وغيرها مما سبق ذكره، وهى المواد التي يكثر وجودها في القشرة الأرضية وما يحيط بها من غلاف جوى.
هذا هو أساسك أيها الإنسان المغرور …
فلماذا إذن التعالي والتكبر ؟
ومن إعجاز الخالق سبحانه وتعالى أن مادة " البروتوبلازم " بها من الصفات والمزايا مالا يتوفر لأية مادة أخرى على الإطلاق، وأول هذه الصفات وأكثرها أهمية أن البروتوبلازم لا يبقى على حالة واحدة بل هو دائم التجدد والتغير، فهو يحصل مما حوله على بعض العناصر الميتة الموجودة في التربة ويعمل على تحويلها إلى مادة حية مشابهة لمادته هو نفسه ويتم ذلك فيما يعرف بعملية التغذية.
وتضاف تلك المادة الحية الجديدة إلى المادة البروتوبلازمية الأصلية فتتم بذلك عملية النمو فينمو الطفل تدريجياً حتى يصل إلى الحجم المألوف.
وعندما يصل إلى سن معينة وهى سن البلوغ يكون قادراً على التزاوج وإنتاج نسل جديد وهو ما يطلق عليه في عالم الأحياء اسم عملية التكاثر.
ومن ذلك تتضح القدرات الأساسية للبروتوبلازم وهى التي لا توجد على الإطلاق في غير الكائنات الحية، وتلك القدرات أو الميزات هي التغذية والنمو والتكاثر، وهى صفات مشتركة لجميع الكائنات الحية بدءاً من الحيوان الأولى ( الذي يتركب جسمه من خلية واحدة ) وانتهاءاً بالإنسان سيد المخلوقات جميعاً وأرقاها على الإطلاق، فهي جميعاً قادرة على التغذية والنمو والتكاثر.
وبعد التكاثر وإنتاج أجيال جديدة تحل محل الأجيال السابقة لا تلبث تلك الكائنات على اختلاف أنواعها أن تفنى وتتلاشى من عالم الوجود كما تلاشت قبلها أجيال وأجيال.
ولكن هناك حقيقة يجب التنويه عنها فيما يتعلق بالبروتوبلازم أو المادة الحية. إن تلك المادة (المعجزة) التي ظهرت على سطح الأرض منذ ملايين السنين لا تزال موجودة إلى يومنا هذا، ولم تخلق بعدها مادة جديدة أخرى وذلك لأن جميع صور الحياة التي تشكلت من تلك المادة قد استمر وجودها عبر الأزمنة المتتالية لتطالعنا بصورها المختلفة في العصر الذي نعيش فيه.
كما أن جميع صور الكائنات الحية - من نبات أو حيوان – هي من سلالات تلك المادة (الأم) التي هي في الواقع المادة الأساس.
(فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق) سورة الطلاق
ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين
بعد الجماع تنتقل الحيوانات المنوية من خلال الرحم إلى قناة فالوب.
ومن بين ملايين الحيوانات المنوية 350 مليون حيوان منوي في القذفة الواحدة يصل تقريباً 1000 – 3000 حيوان منوي بالقرب من البويضة. أي أن الحمل يحدث نتيجة إندماج البويضة من الأم مع حيوان منوي من الأب في قناة فالوب.
إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج
أي أخلاط. قال ابن عباس: يعنى ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا.
تتحد نواة البويضة مع نواة الحيوان المنوي وينتج عن ذلك الزيجوت (Zygot) فالزيجوت هو أول خلية في الكائنات الجديدة.
وهناك ثلاثة أطوار رئيسية في الحمل.
(ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً) سورة نوح( 14،15)
الطور الأول : مرحلة البويضة وهى تستمر من 10 – 14 يوماً
الطور الثاني : مرحلة الجنين الأنسجة المختلفة وأجهزة الجسم الهامة (مثل الجهاز الدوري والهضمي) تبدأ في النمو وتستمر 6 أسابيع.
الطور الثالث : مرحلة تكوين الجنين خلال 30 أسبوع. هي طول هذه الفترة تنمو جميع أجهزة الجسم استعداداً للميلاد.
(الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبه يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) سورة الروم 54
يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً النساء (28)
الإنسان هو الإنسان منذ آدم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إلا اختلاف في التكوين المادي أو النفسي وإن ظهر سطحياً نوع من التباين، لكن الحقيقة أنه ليس هناك تغير في جوهر وأصل السلوك والانفعال. فكل مرحلة لها أنماط سلوكها وانفعالاتها ومعاني الإدراك فيها.
إن الضعف الإنساني سمة تلازم الإنسان من لحظة البداية في خلقه … هل تَذكَّر الإنسان ذلك ؟ هل فكر الإنسان في أصل تكوينه ؟ إنه تراب الأرض! هل أدرك الإنسان أنه خُلق من عدم ولم يكن شيئاً ؟ هل فكر الإنسان بالقدرة التي أوجدته من العدم وكَّونته من التراب ؟ هذا هو الأصل الإنساني الضعيف! هل فكر الإنسان لحظة واستشعر مراحل ضعفه ووهنه ؟


يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
  #335  
قديم 19-04-2008, 04:21 PM
الصورة الرمزية القلب الحزين
القلب الحزين القلب الحزين غير متصل
& كــ الخواطــــر ــلـــم &
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: هنـــاك .. الحزن مدينة لا يسكنــــها غيري .. أنــــــــــــــــــــا ...!!!
الجنس :
المشاركات: 4,857
افتراضي

يتبــع موضوع ... وفي أنفسكم أفلا تبصرون

إن الإنسان هو أضعف المخلوقات من حيث القوة العقلية والجسمانية، يحس بهذه الحقيقة في قرارة نفسه وحين يستعرض مشوار حياته منذ خلقه من الماء المهين مروراً بالحمل والمخاض وخروجه طفلاً ضعيفاً يستمد العون والمساعدة من غيره. أنظر جريدة " العالم الإسلامي "
السعودية – العدد (1383).
(الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبه)
في الآية الكريمة يشير الحق سبحانه وتعالى إلى صفة الضعف تلك الصفة التي تلازم الإنسان طوال حياته وهى السمة المميزة للإنسان في مقتبل العمر وفى خريف حياته.
وسبحان الخالق العظيم جعل مشوار حياة الإنسان يبدأ بالضعف وينتهي به حتى وإن كان في ريعان شبابه وقمة عنفوانه فهو ضعيف.
إنه صريع أمام دوافع النوم (الموتة الصغرى) لا غلبة له عليه يطرحه أرضاً حتى وإن كانت قوة تصارع وتقهر العتاة.
أليس الإنسان ضعيفاً حتى في أوج قوته، وها هو المرض في أوهن أشكاله ومسبباته يقهر الإنسان ويوهن صحته ويحد من نشاطه وقد ينال من جسده ويضعف من قوته فيصبح عاجزاً لا يقوى على رعاية نفسه ؟ أليس المسلم ضعيفاً أخي المسلم حتى في لحظات ومراحل القوة والغطرسة التي قد تخدع أكثر الناس وتحيد به عن سواء السبيل ؟.
ونحن نتأمل صفة الضعف التي تلازم الإنسان فإننا لا نرى سوى سبيل واحد فريد هو مصدر كل قوة حقيقية وهو مبعث كل طمأنينة. وهو المصدر المنيع الذي يدافع عن النفس ويحميها من كل خطب وضلال وهوان. إنه الإيمان بالله.. فهو القوة الحقيقة في النفس البشرية ومادون ذلك فهو ضعف وهوان وإن كان ظاهره القوة.
تأمل أخي المسلم مرحلة الطفولة لحظة خروج الإنسان للحياة ثم طفلاً رضيعاً يستمد الغذاء والعون من أمه.
إنها لحظات الضعف والوهن الغامر الذي مر به كل مخلوق وأولهم الإنسان.
تذكر أخي المسلم الشاب المسلم هذه اللحظات وأرجع شريط مسيرة حياتك وتخيل كيف كنت لا تقوى على الحركة والجلوس والمشي ولا تقدر على التعبير والنطق ولا تدرك أسباب الحياة وحركتها...
تفكيرك محدود وقوتك ضعيفة وعزمك واهن وإرادتك تابعة وتطلب العون والمساعدة ثم تدرجت في قدراتك وتطور نموك وارتقت مفاهيمك واتسع إدراكك واشتد عودك وانتصب قوامك والتفت عضلاتك وتكونت شخصيتك وأصبحت رجلاً يتمتع بالقوة وتحتل مكانة وتتبوأ مركزاً مرموقاً أو تتحمل أعباء وتدير حركة الحياة وتعمر الأرض.
هل فكرت أخي المسلم كيف كنت ؟ وإلى أين أصبحت ؟ وهل استحضرت حقيقة كيف كنت ؟ وأين أصبحت ؟
أخي المسلم عليك أن تستلهم من مسيرة حياتك وتأخذ العبرة من لحظات الضعف التي كنت بها قبل أن تصبح رجلاً قوياً. فتكرس قوتك وتسخرها لعبادة الله وطاعته وتنتهز لحظات القوة لكي تؤدى واجب الطاعة والعبادة للخالق الذي أمدك بالقوة ووهبك العقل والفكر والبصيرة.
فلا تضيع قوتك التي سوف تزول لا محالة في هوى النفس وشهواتها ولا تفنى هذه القوة في معصية الله وفى غير ما أُهلت له.
تذكر أخي المسلم أن لحظات حياتك عجلة دائرة فأنت بين ضعف وقوة وعجز وقدرة. (جريدة " العالم الإسلامي " – السعودية – العدد "1389" ).
يُولد الإنسان متجها إلى نهايته. فكل دقيقة تمر تدنيه من أجله لا ينحرف عن هذه الغاية أبداً ولا يتخلف عن موعدها. أنفاسُُ معدودة وخطواتُُ محدودة فإذا اكتمل العدد كانت النهاية... ويُسدل الستار على إنسان كان....
خلق الله تعالى آدم من تراب من عناصر الأرض... من الحديد والكالسيوم والماغنسيوم والكربون وغيرها. واختار له الصورة التي أراده عليها وبث فيه الحياة وزوده بمواهب وطاقات تساعده على إعمار الأرض واستخراج مكنوناتها. وزوده بالعقل والسمع والبصر وشرع له المنهج الذي تستقيم به حياته وأمره بالسير في هذا الطريق وتجنب إغراءات الشيطان ونزعات النفس حتى لا يضل.

وخلق سبحانه حواء من ضلع آدم فهي جزء منه فلا ينطفئ حنينه إليها أبداً لأنها منه خرجت، فلا يهدأ إلا إذا كانت بجانبه. كل منهما شديد الحنين إلى صاحبه...
ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة...
الروم (21)
هذا آدم وهذه حواء، ذكر وأنثى وجعل منها الذرية عن طريق التزاوج فصار التكوين من ماء الرجل مع بويضة الأنثى. كان أول مرة من طين ثم من ماء.
لا غرابة في ذلك فمكونات جسمه من لحم ودم وعظم من عناصر الأرض من حديد وكالسيوم وفسفور وماغنسيوم وغيرها. وليس الإنسان بدعاً في ذلك. فكل ما على الأرض من حياة نباتية وحيوانية هي كذلك من عناصر الأرض … أثبتت المعامل ذلك. ولنرجع إلى جسم الإنسان لنرى ما قالت :
إن جسم الإنسان العادي يحتوى على مائة وأربعين رطلا من الماء ومن الدهون ما يكفي لصنع سبع قطع من الصابون ومن الرصاص ما يكفي لصناعة ستة آلاف قلم رصاص ومن الملح ما يملأ ملعقة صغيرة ومن الفسفور ما يكفي لصناعة ألفين ومائتي عود ثقاب ومن الماغنسيوم ما يكفي لجرعة من الأملاح الملينة. ومن الحديد ما يكفي لصنع مسمار طويل ومن البوتاسيوم ما يكفي لقدح زناد مدفع من مدافع الأطفال ومن السكر ما يملأ زجاجة عادية
هذا هو الإنسان. خلق من تراب فإذا مات عاد إلى الأرض وتحلل جسمه إلى هذه العناصر ودخل في تركيب أجسام أخرى حيوانية ونباتية. وصدق الله العظيم.
(منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)(طه : 55).
فالإعجاز في نهايته أن يخرج من التراب بل من العدم إنسان حتى تنبض كل خلية فيه بالحياة يحس ويتألم ويفكر سبحانه وتعالى:
" يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي " ( الروم : 19)
نزلت طفلا لا حول لك ولا قوة ولا علم لك ولا خبرة فألهمك مولاك ما يعوضك العلم والخبرة. ألهمك إلتقام ثدي أمك كأنك على علم به، تمتص من حلمته ما يغذيك... من علمك !... ومن هداك ؟….
أنظر كيف تتهيأ الأم لاستقبالك عند بداية الحمل ترى العجب العجاب ؟
يخرج من مبيض الأم هرمونات مهمتها تجهيز الغدد لإفراز اللبن الذي يلقاك عند الولادة.. يزيد الثدي نمواً، ويزيد عدد ما فيه من فصيصات... وتحمل هذه الهرمونات النبأ إلى الأجهزة بأن الحمل قد بدأ فيستعد كل لمهمته حتى الولادة...
عندئذ يصدر من الغدة النخامية " Pitutary gland " إشارة بأن المولود نزل إلى الدنيا فيبدأ الثدي في الإفراز... ماذا يفرز ؟
يفرز عصارات تبدأ قبل اللبن وظيفتها تطهير الأمعاء والجهاز الهضمي وتحصينه من الأمراض ؟ ثم ينزل اللبن بعدها لغذاء ك في عمرك المبكر...
ويتغير اللبن في الوجبة الواحدة فيكون خفيفاً في أولها وتاما في أوسطها، بل إنه يتغير في كل رضعة يتغير تركيبه بتغير مراحل العمر حتى ينتهي إلى الطعام ويكون حينئذ قد وصل إلى درجة تقارب ما يتغذى عليه خارج الثدي.
من فعل هذا ؟ هل يدعي أحد من ذلك شيئاً ؟
أعد السؤال وتفكر... إن الذي فعل هو الذي خلق سبحانه وتعالى.
مقومات الدولة شعب ورئاسة و أجهزة وحدود وتصبح الدولة إذا قام كل فرد فيها بواجبه كاملاً رئيساً ومرؤوساً فالرئاسة تخطط وتراقب التنفيذ. فلا تفريط ولا تكاسل ولا محاباة ولا استثناء بذلك تصبح الدولة ويستقيم أمرها.
تعالى معي - عزيزي القارئ - لنقف سويا على معجزات تدل على قدرة فائقة فوق قدرات البشر أجهزة لا دخل لأحد في تكوينها وإدارتها. بل إن كثيراً من الناس لا يعلمون عنها شيئاً... لكل جهاز عمل خاص
به... الكل يتجه لهدف واحد هو الحفاظ على بنية الجسم وحمايته.
أجهزة للدفاع وأجهزة للترميم وأجهزة للنقل والمواصلات وفرق للإنقاذ والإصلاح الشامل ومولدات كهربية تروح وتجيء ثم جهاز رئاسي يتلقى أخبار مرءوسيه فور حدوثها فيصدر التعليمات لمواجهة ما يجد فتتحرك الأجهزة المختصة لتنفيذ الأوامر وصاحب الجسم لاهِ عن ذلك لا إرادة له بل لا علم له بما يجرى في داخله.
وللدولة حدود فلا بد من حمايتها من المغيرين والمتسللين. ولا تكون الدولة آمنة إلا إذا أحكمت تحصين حدودها ؟
وكذلك لابد للدولة من أجهزة استطلاع واستخبار تستطلع أحوال جيرانها...
تسالم من تأنس منه حسن الجوار وتصد أو تستعد لمن تتخوف منه على أمنها... كل هذه المقومات قائمة في جسم الإنسان...
وفي هذه المقالة المتواضعة سوف نتناول بالإشارة بعضها لنلفت النظر إلى ما في صنعة الإنسان من دقة وإحكام وحكمة تستدعى منا أن نحني الجباه لخالق الموت والحياة متذللين خاشعين أمام قدرته سبحانه في خلق الإنسان وفي تقويمه، فسبحان من خلق فأتقن وصور فأبدع وكون فنظّم كل شيء بدقة ونظام وتقدير وإتقان.

فمركز الرئاسة يتمثل في المخ والمخيخ والنخاع الشوكي.
والوزارات والهيئات تتمثل في أجهزة الهضم التي تتكفل بتحويل الطعام إلى سائل يسهل امتصاصه ليتحول إلى طاقة تمد أجهزة الجسم وخلاياه بما يلزمها منها.
والمواصلات تتمثل في الجهاز العصبي، حيث يصل المخ بجميع الأجهزة والأفراد التي تتمثل في الخلايا... ترد إليه أخبار الرعية وتصدر منه الأوامر والتعليمات...
وهذه تمثل المواصلات السلكية والكهربية.
وتتمثل المواصلات أيضاً في جهاز النقل الذي ينقل الغذاء والتموين إلى جميع الأجهزة والخلايا ويقوم الدم بهذا الدور.
والجهاز البولي يمثل هيئة النظام فيقوم بتطهير الجسم من المخلفات.
ويمثل الجلد الحدود الرسمية لدولة الجسم البشرى.
أما أجهزة الاستطلاع والاستخبار فتتمثل في السمع والبصر واللمس والشم.
وإليكم إلمامه بسيطة بوظيفة بعضها، فليس المجال مجال بسط فيها:
وهو يمثل المخ والمخيخ والنخاع الشوكي كما قلنا سابقا وهو يتلقى أحبار مرءوسيه فور حدوثها فيصدر الأوامر والتعليمات لمواجهة الأحداث فتتحرك الأجهزة المختصة لتنفيذ الأوامر كل فيما يخصه.
ترى الثعبان مقبلاً نحوك فسرعان ما يصل الخبر إلى المخ فيزن الخبر بما لديه من المعلومات ويتخذ القرار فيصدر الأوامر فتتحرك العين واليد والرجل لتتناول حجراً أو عصا في جزء من الثانية فيحاول إصابة الثعبان ويحاوره حتى يقضى عليه أو ينتهي أمره بالفرار منه. فكل جزء تحرك فيه بناء على أوامر القيادة فلا يتلكأ عضو في التنفيذ... لا تسويف ولا تأجيل...
أما إذا كانت القيادة أو الرئاسة بليدة أو غائبة فلابد أن تكون النتيجة خسارة فادحة على الجسم. ولأهمية الرئاسة تحصنت داخل جمجمة قوية صلبة تمنع عنها الأخطار.
فالمخيخ والمخ أحيطا بهذه الجمجمة ثم أنه تحت الجمجمة مغطى بطبقة جلدية متينة يوجد بها سائل يحمى المخ في حالة الاهتزاز. ويوجد في قاع الجمجمة فراغ يمر به الحبل الشوكي الذي هو امتداد مباشر لمادة المخ، يمتد هابطاً في وسط الظهر داخل غلاف عظمى واحد يعرف بالعمود الفقري.
ويرتبط مركز الرئاسة هذا بجميع أجهزة الجسم بخيوط دقيقة تنتشر في الجسم انتشاراً عجيباً في خطين متقابلين أحدهما يحمل الإشارة إلى المخ والآخر يحملها من المخ... وهو ينسق عمل الأجهزة ويدير أمرها بواسطة هذه الخيوط التي تسمى بالأعصاب وتتمثل الرعية في الخلايا التي تكون مجتمعاً هائلاً يبلغ مقداره في الجسم العادي 300 ألف مليون خلية ومهمته خطيرة جداً إذ يمكن رعاية هذا العدد الضخم وإمداد كل خلية بحاجتها والدفاع عنها أو إعدامها.
ولكثرة الرسائل يصعب فرزها وتبويبها، فقد خصص لكل منها مجموعة من خلاياه يتولى كل قسم منها نوعاً من الرسائل... فقسم يتولى شئون الحركة وضبطها... وقسم يتولى شئون الإحساس كالرؤية والسمع واللمس والشم... وقسم يختص بالانفعالات... وقسم لربط الخبرة بالخبرة والانطباع بالانطباع ويختزلها فيما تسمى بالذاكرة ويرجع إليها في الأحوال المشابهة... وغير ذلك من الأقسام... كل ذلك لحم ودم... فسبحان من خلق فسوى !
ومع ذلك يحتفظ المخ بفائض من الخلايا على سبيل الاحتياط أولما يجد من معلومات.وتقدر هذه الخلايا بعدة مليارات من الخلايا الرمادية التي لا عمل لها. فإذا تم تشغيلها في المستقبل فمن المنتظر الكثير بالقياس إلى ما تم تحقيقه من تقدم حتى الآن.
وهذه الوزارة من اختصاص الجهاز الهضمي الذي يتولى معالجة الطعام من الخبز واللحم والفاكهة وتحويله إلى سائل لبنى سهل الامتصاص، ثم يتركه لأجهزة أخرى تتولى توزيعه على خلايا الجسم وأجهزته. ويكون ذلك بأن تقوم المعدة بإفراز العصارات الهاضمة وشرح الطعام حتى يذوب ثم تفرغه في الأمعاء. وتفرز الأمعاء عصارات أخرى هاضمة تكمل عملية الهضم وتحوله إلى السائل اللبني السهل الامتصاص.
وتمتصه شعيرات دقيقة مبطنة للأمعاء وتسلمه بدورها إلى شعيرات الدم الذي يأخذه في التو لتوزيعه على أجهزة الجسم وخلاياه... لا يستثنى من ذلك خلية فتأخذ كل منها ما تحتاجه وتترك باقية لغيرها. وفي نفس الوقت تطرد إلى الدم نفاياتها لتحمله إلى أجهزة الإخراج في البول أو العرق أو البراز أو الزفير...
كل ذلك يحدث في أحشائك... تحليل وتركيب وامتصاص وتصفية وتصعيد... لا تعرف عنه شيئاً ولا دخل لك في حدوثه بل لا علم لك به.
تعال معي نتحسس جهاز الاستخبار والاستطلاع والذي يتمثل كما قلنا في السمع والبصر والشم واللمس.
يستطلع جيران الجسم من جماد أو حيوان مما يستشعر منه الخطر... انظر إلى المعجزات البالغة في هذه الأجهزة...
البصر... تبصر وما تدرى ما يحدث في بللورية عينيك من التحدب والانبساط على حسب المرئيات ولما يحدث من الضيق والاتساع مع قلة الضوء وقوته.
وفي مقدمة العين توجد العدسة بوسطها دائرة ضيقة تسمى " إنسان العين " يتوليان تنسيق الأشعة الضوئية التي تصل من أي شيء خارج العين ثم ينقلانه إلى البؤرة وهى مؤخرة العين... وتترجم الأشعة الضوئية في العصب البصري إلى صورة.
وتعمل آلة التصوير بعض عمل العين.
فالجزء الأساسي في آلة التصوير يتكون من عدسة و" إنسان" Pupil والجزء الخلفي لوح حساس تسقط فوقه موجات الضوء الصادرة من الجسم فتلتقطها معكوسة في الهيئة واللون.
ثم إن العصب البصري يبعث بالصورة المعكوسة إلى المخ فيترجمها ويستبينها ويختزنها في الذاكرة.
أما السمع... فإن الأذن الخارجية تلتقط اهتزازات الموجات الصوتية التي تخترق الهواء وتنقلها إلى الأذن الداخلية.. ويوجد بينهما غشاء رقيق يغطى المجرى الضيق بينهما وهو طبلة الأذن وهذه الطبلة تطرق بواسطة جهاز شديد الاتقان والتعقيد يتكون من عظام دقيقة ملتحمة. فإذا وصلت الموجات إلى الأذن الداخلية تحولت إلى حوافز عصبية ترتد إلى الجزء المخصص من المخ فيترجمها إلى أصوات ونبرات.
أما التركيب الذي يُحدث هذا التغير الكيميائي فيتكون من عدد كبير جداً من الخيوط الدقيقة مشدودة بطريقة تشبه شد أوتار الكمان. ولكل وتر طول يستقبل بموجبه موجات معينة وهذا الوتر يميز بين الموجات الصوتية من طبقة معينة فيعرف أنها صادرة من الكمان أو العود... سبحان الخلاق العظيم.
وهناك موجات صوتية في الجولا تلتقطها هذه الأوتار فليس كل الأصوات يستقبلها السمع الإنساني.
والمتمثل في الدم فهو الذي ينقل المكونات الغذائية إلى خلايا الجسم كلها وهو نسيج ككل الأنسجة غير أنه نسيج متحرك بخلاف الأنسجة الثابتة التي تلتزم مكاناً واحداً.
يبلغ تعدادها في الميلليمتر المكعب في الرجل البالغ خمسة بلايين وأربعمائة ألف وفي القطرة الواحدة منه خمسة وعشرون مليون خلية وعددها ثابت لا يتغير.
فإذا حدث تغيير في هذه النسبة لأي طارئ فإن الجسم به كمية إضافية يخزنها في (الطحال) فإذا لم تف هذه الكمية الاحتياطية فإن بداخل العظام نخاع يكمن بداخله المصنع الذي تصنع فيه الخلايا الحمراء، ويستطيع النخاع أن ينتج عدداً كبيراً منها بالإضافة إلى قدرته على صنع خلايا بيضاء كثيرة.
فإذا كان الفاقد أكثر من الإنتاج أو حدث تعطل في المصانع حدث في الجسم اختلال يظهر في شكل الأنيميا " Anaemia ".
ووظيفة الخلايا الحمراء هي حمل الغذاء من الجهاز الهضمي وحمل الأكسجين من الرئتين إلى خلايا الجسم. ويتحرك الجسم بفعل المضخة القوية التي تبدأ عملها من وقت أن تدب الحياة في الجسم إلى أن تنتهي منه الحياة وهى القلب. فهي التي تتدفق في الشرايين وتتلقاه من الأوردة لتدفعه إلى الرئتين لتنقيه ثم تسترده منها لتعيده إلى أجهزة الجسم وخلاياه.
وهى خلايا مجهرية لا ترى إلا بواسطة الميكروسكوب المجهر" إذ يبلغ قطر الواحدة منها ( سبعة من الألف (007, ) من الملليمتر وسمكها (002,)2 من الألف من الملليمتر.
ومع هذه الأرقام المتناهية في الصغر فإن مجموع تلك الخلايا يؤلف مساحة إجمالية تعادل تقريباً حجم شبكة الهدف لكرة القدم.
وهذه المساحة السطحية لها أهميتها الخاصة في حمل الأكسجين من الرئتين إلى الأنسجة لأن تبادل الأكسجين يتم من خلال سطوح الخلايا ويجب إتمامه عاجلاً في أثناء المرور بها. وهذا من تدبير العليم الخبير
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
ويزيد عدد كريات الدم الحمراء في الأشخاص الذين يعيشون في الجبال عن عددها في أولئك الذين يعيشون قريباً من البحر. وسبب ذلك أن نقص الأكسجين في المرتفعات العالية يدفع الجسم إلى تكوين المزيد من تلك الكريات وذلك المزيد يزيد من كفاية الدم في حمل الأكسجين وبذلك يعوض نقصه في الجو.
وكلما ارتفع الإنسان في الفضاء قل الضغط الجوى تدريجياً حتى يبلغ 800 أو100,000 متر فوق سطح البحر قل ضغط الهواء بحيث يصبح التنفس مستحيلاً.

ويحدث عند تسلق الجبال إلى ارتفاع 2200 متراً أن يقل ضغط الهواء وتقل نسبة الأكسجين في الجو تباعاً لذلك إلى 13% (النسبة العادية 21%) أي خمس حجم الهواء تقريباً.
وينتج عن ذلك أعراض مزعجة مثل صعوبة التنفس والإحساس بالغثيان والقيء والهبوط العام.
وهنا يجب أن نقف خاشعين أمام قول الله عز وجل:
(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره حرجاً كأنما يصعد في السماء) سورة الأنعام.
ولنسأل أنفسنا: هل يتأتى لبشر عادى أن يحيط علماً بهذه الظواهر الفسيولوجية من غير دراسة لتركيب الدم أو صعود في الفضاء ؟ اللهم لا ولكنه يتأتى لرسول عليه السلام لأن الذي علمه واحد هو مكون الأكوان ومنزل القرآن.
وإذا كان القرآن كتاباً مسطوراً فإن الكون كتاب منظور كلما تأملت فيه ازددت يقيناً أن مكون الأكوان هو منزل القرآن.
يتبـــــــــــــــــع

  #336  
قديم 19-04-2008, 04:23 PM
الصورة الرمزية القلب الحزين
القلب الحزين القلب الحزين غير متصل
& كــ الخواطــــر ــلـــم &
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: هنـــاك .. الحزن مدينة لا يسكنــــها غيري .. أنــــــــــــــــــــا ...!!!
الجنس :
المشاركات: 4,857
افتراضي

يتبــع موضوع ... وفي أنفسكم أفلا تبصرون

(إلا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) سورة الملك
تتكون هذه الكريات في النخاع العظمى الأحمر (Red Bone marrow) بالضلوع وعظم الصدر الأوسط (عظمة القص) والجمجمة وعظام الحوض والفقرات ونهايات العظام الطويلة في الأطراف الطويلة. ولا تتكون هذه الكريات إعتباطاًَ ولكن الخالق الحكيم زود الجسم بجهاز دقيق لضبط هذه العملية فإذا كان الجسم في حاجة إلى مزيد منها كما في حالات النزف والصدمات أرسل ذلك الجهاز إشارة إلى نخاع العظم طالباً منه المدد.
وإذا كان هناك فائض كانت الإشارة: يكفي ذلك.
وهذا الجهاز موجود بالكلية وفي مكان أمين من تركيبها الداخلي. أما الإشارة التي يرسلها إلى نخاع العظم فهي عبارة عن هرمون الأريثروبوتين " Erythropotin. الذي ينشط النخاع لتكوين المزيد من الكريات الحمراء.
وهكذا يعتبر نخاع العظام الأحمر هو المصنع الضخم الذي يزود الجسم بالكريات الحمراء ولكي تدرك مدى طاقته الإنتاجية يكفي أن تعرف أن عدد الخلايا الحمراء التي تتفسخ في الدم كل دقيقة يبلغ عشرين مليوناً (20,000,000) ولابد أن يتكون مقابل ذلك عشرين مليوناً أخرى حتى يظل العدد ثابتاً لأداء الوظائف التي أرادها الله لها.
وهكذا نرى الله سبحانه وتعالى:) يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحي ذلكم الله( (الأنعام : 95).
ويصل عمر الكرية الحمراء إلى 120 يوماً. وعلى ذلك فإن الكريات الحمراء في الدم تتبدل كلها في مدى 120 يوماً. أما عدد الكريات التي تتجدد في اليوم الواحد فهو يصل إلى 240 مليار كرية حمراء أي عدد ما يتجدد في فترة 120 يوماً يساوى 240 × 120 = 28800 مليار كرية حمراء في الدم الكامل !! أليس ذلك من أمر الله سبحانه.
وهذه الطاقة الإنتاجية الهائلة لنخاع العظام الأحمر هي الطاقة العادية في الظروف العادية ولكن الجسم يتعرض لظروف غير عادية يحتاج معها إلى ضعف هذه الطاقة.
ولم يتركه الذي خلق كل شيء فقدَّره تقديراً للضياع في هذه الظروف غير العادية بل وهب ذلك النخاع طاقة تصل إلى ستة أو سبعة أضعاف طاقته العادية قبل أن يصاب الجسم بالأنيميا ( فقر الدم ) الذي ينتج عن نقص في عدد كريات الدم الحمراء.
وعلى ذلك تكون طاقة النخاع القصوى في حالة الطوارئ هي: 240 مليار × 7= 1680 مليار كرة حمراء !!
ولابد أن نقف أمام هذه الأرقام - الفلكية - أيها القارئ متسائلين: أيكون ذلك الإبداع والتقدير الرائع من صنع المصادفة العمياء التي يقول بها من عميت بصائرهم وأذنابهم ؟ كلا والله.
وتتغير أيضاً عدد الكريات الحمراء على مر اليوم. ففي أول اليوم يكون منخفضاً نوعاً ما أما في آخره فإنه يزداد نوعاً ما، كما يزداد أثناء المجهود البدني العنيف.
وتختزن الكريات الزائدة في الطحال الذي يقوم بوظيفة " الخزان"
أو المستودع الذي يطلق الخلايا في تيار الدم حسب الحاجة كما أنه يتولى
أيضاً جمع طعام تلك الخلايا بعد موتها فهي مستودع ومقبرة في
وقت واحد !.
أما الهيموجلوبين المتخلف من الكريات المتحللة فإنه يتحلل أيضاً وينقل إلى الكبد حيث يختزن ما يحتويه من حديد للانتفاع به. أما الهيموجلوبين المتبقي منه فإنه يخضع لتفاعلات معينة تنتهي به إلى أن يخرج مع الصفراء والبول والبراز.

( Blood Platelets)
وهى ثالثة الجزيئات التي تسبح في البلازما مع كريات الدم البيضاء والحمراء. وهى أجسام صغيرة رائعة يصل عددها من 150,000 إلى 300,000 في الملليمتر المكعب من الدم ولا يزيد طول الواحدة منها على 003, ( 3 من الألف) من الملليمتر.
وهذه الصفائح لها أهميتها في تجلط الدم لإيقاف النزيف الناتج عن جرح ونحوه. فهي تسارع إلى الوعاء الدموي الذي يتسرب منه الدم ثم تتفسح وتلتصق بجداره لتسده.
منح الله تعالى تلك الكريات خاصية المرونة التي تساعدها على دخول أصغر وأدق الأوعية الشعرية. ولغلافها خاصية اختيار المواد التي تنفذ منه إلى داخل الكرية الدموية الحمراء ومنع مواد أخرى من دخولها، ولهذه الخاصية فوائد منها المحافظة على قوام الكرية الدموية وكيانها ومنها مساعدة الكرية الدموية على تأدية وظائفها.
ويبلغ عدد الدورات التي تدورها تلك الكرية العجيبة 1500 دورة يومياً داخل الجسم. وتقطع رحلة يبلغ طولها حوالي 1150 كم خلال عمرها الذي يبلغ 120 يوماً. وهكذا لا تترك جهازاً أو نسيجاً أو خلية إلا مرت به وزودته بما يكفيه من الأكسجين.
ولكي تدرك أهمية هذه الوظيفة يكفي أن تعرف أن حرمان المخ من هذا الغاز لدقائق معدودة لا تزيد عن الخمس يؤدى إلى إتلافه إتلافاً كاملاً أما بقية أعضاء الجسم فقد تقاوم الحرمان مدة أطول ولكنها في مجموعها لا تزيد عن الساعة الواحدة.
وكلما زاد التفاعل والاحتراق زادت الكرية من عطائها للأكسجين. وفي نفس الوقت ساعدت الخلايا على التخلص من مخلفات ذلك التفاعل وفي مقدمتها غاز ثانى أكسيد الكربون لينتفع به جسم الإنسان لحفظ التفاعل الحمضى القلوى أو ينتفع به النبات.
ويتمثل في كرات الدم البيضاء التي لا لون لها وهى تتحرك في الدم بطاقة ذاتية بمعنى أنها تتحرك بحركة الدم أو بعكس حركته وهى في حالة تأهب واستعداد... وهى التي يعتمد عليها الجسم في صد المعتدين أوسد الثغور عند تسيب الدم خارج الجسم. فإذا هاجم الجسم ميكروب فما أسرع ما تظهر لمحاصرته وتطويقه وتدافع العدو المتسرب حتى الموت. فإذا انفتحت ثغرة في الجسم أسرعت الصفائح العالقة بالدم حول الثغرة تتجمد أو تتجلط لتكون سداً يمنع تسرب الدم إلى خارج الجسم.
وكريات الدم البيضاء ( Leucocytes) هي ممرضات أجسامنا ذات المعاطف البيضاء ويسميها البعض " بوليس الدم " لأنها تطارد المجرمين بنجاح فإنه يلزم عدد كبير جداً من كريات الدم البيضاء والتي ينتجها الجسم بكميات كبيرة ( هائلة ).
ولم يستطع العلماء للآن تحديد طول عمرها، لأن هذه الكريات جنود، والجنود عامة لا تعمر كثيراً بل تقضى نحبها أثناء القتال في سبيل الإبقاء على أجسامنا سليمة.
وكريات الدم البيضاء لا تتجول فحسب في داخل مجرى الدم بل وتستطيع تركه بسهولة عند الضرورة متوغلة في الأنسجة لملاقاة الميكروبات التي دخلتها.
فبالتهامها للميكروبات الضارة للجسم تتسمم كريات الدم البيضاء بسمومها شديدة الفعالية وتقتل ولكنها لا تستسلم وتندفع نحو بؤرة المرض في موجات... الموجة وراء الموجة كحائط صد متماسك إلى أن تنكسر مقاومة العدو.
ولا تتصارع الكريات البيضاء مع الميكروبات فحسب فهي منوط بها وظيفة أخرى هامة جداً وهى القضاء على جميع الخلايا التالفة والتي استهلكت، فهي تقوم دائماً داخل أنسجة الجسم بعمل تفكيك وتنظيف المكان للإفساح لبناء خلايا جديدة للجسم.
ومما لا ريب فيه أن كريات الدم البيضاء بمفردها لا يمكنها أن تقي الجسم من الميكروبات التي تنفذ إليه حيث أنه يوجد في دم أي إنسان مواد عديدة مختلفة لها القدرة على لصق وقتل وإذابة الميكروبات التي تدخل الجهاز الدوري أو تحويلها إلى مواد غير قابلة للذوبان وإبطال مفعول السموم التي تفرزها والتي نحصل على بعضها من الأباء بالوراثة.
الجهاز المناعي لديه قدرة عجيبة يستطيع من خلالها أن يفرق بين " العدو" و" الحبيب " ففي الوقت الذي لا يهاجم أي عضو من أعضاء الجسم نجده يهاجم أي جسم غريب مهما كان حجمه إذا تجرأ ودخل إلى حصن الجهاز المناعي العتيد.
والسر في ذلك يكمن في " كلمة سر الليل " أو البصمة الجينية الموجودة في تكوين كل خلية من خلايا الجسم والتي يطلب الجهاز المناعي إبرازها في حالة نشاطه وهجومه، فإذا أفلحت الخلية أو العضو في إبراز بطاقتها أو هويتها الحقيقية أو كما نطلق عليها " كلمة سر الليل " فإن الجهاز المناعي يعرف من خلال ذلك أن هذا العضو أو الخلية من الأصدقاء الذين لا ينبغي مهاجمتهم، أما إذا فشل العضو أو الخلية في إبراز ( كلمة سر الليل ) فإن الجهاز االمناعى يعامله معاملة الأعداء ويهاجمه ويدمره مما يؤدى إلى مضاعفات خطيرة في الجسم قد تؤدى في النهاية إلى الموت.
وقد يحدث هذا الخلل في عضو أو أكثر من عضو في الجسم مما يتسبب في حدوث مرحلة أو مجموعة من الأمراض سميت بأمراض.
" المناعة الذاتية ".
فإذا هاجم الجهاز المناعي المادة البيضاء في المخ والنخاع الشوك وهى المادة المكونة للغلاف الميلينى المحيط بأعصاب الجسم كله فإن ذلك يتسبب في حدوث شلل في كل أعصاب الجسم وهو ما يعرف بمرض "Multiple Sclerosis " أو اختصاراً ( M.S).
وإذا هاجمت خلايا الجهاز المناعي خلايا جزر لانجرهانز
(Langerhans Cells) في البنكرياس فإنها تدمرها وبالتالي تعجز عن إفراز الأنسولين اللازم لحرق الجلوكوز مما يتسبب في إصابة الشخص بالسكر.
ويحدث هذا غالباً مع حالات السكر المعتمد على الأنسولين. وقد يأتي هجوم الجهاز المناعي على مكان اتصال الأعصاب بالعضلات مما يسبب إرتخاء العضلات في الجسم كله وهو ما يعرف بمرض " Myasthenia gravis " وقد يأتي أيضاً في الغدة الدرقية فيتسبب في إفراز كميات كبيرة من هرمون " الثيروكسين " السام فيما يسمى "Gravis Disease " الذي يؤثر على سائر أعضاء الجسم. أما إذا حدث الهجوم على البروتين المبطن للمفاصل فإن ذلك يؤدى إلى حدوث إلتهابات الروماتويد التي قد تشمل بعض أعضاء الجسم الأخرى مثل الجلد والكبد والكلى والطحال مثلما يحدث في حالات الذئبة الحمراء " L.E " وإذا حدث وهاجم الجهاز المناعي الجلد فقد يسبب ذلك مرض " الصدفية " وأحيانا مرض " ذو الفقاعة ".
وقد يحدث هذا الهجوم على صمامات القلب أو الكلى كما في حالات الحمى الروماتيزمية ويسبب مضاعفات خطيرة وهكذا يتبين أن فهمنا لأمراض المناعة الذاتية وكيفية حدوثها ومحاولة منع حدوثها إنما يمثل خطوة ضخمة في مجال الطب وعلاج الكثير من الأمراض التي استعصت على العلاج حتى الآن.
كما نعلم فإن جهاز المناعة في الجسم هو المسئول عن حمايته من الجراثيم والميكروبات... فهو أشبه بجيش يمتلك أعظم الأسلحة الحديثة لمواجهة الأعداء.
ولجهاز المناعة في الجسم دفاعات شبيهة بدفاعات جيوش الدول بل تتفوق عليها... فهي لا تترك ثغرة يتسلل منها عدو يقل حجمه عن الواحد على مليون من (المتر)... وهو أمر يستحيل على أحدث جيوش العصر تحقيقه.
وهناك ثلاثة خطوط للدفاع:
الأول : يتمثل في الجلد وإفرازاته التي تقاوم الفطريات ودموع العين التي تحتوى على أملاح مقاومة لبعض الميكروبات... تعبر أيضا عن قدرة هذا الجهاز. كما يملك الجهاز الهضمي والتنفس أسلحته المناعية.
وخط الدفاع الثاني : يتمثل في الخلايا الليمفاوية التي تعمل على مدار الساعة بيقظة ونشاط وكأنها فرق من الشرطة الحارسة للجسم عن طريق اختراق الجراثيم لخط الدفاع الأول.
أما خط الدفاع الثالث : فهو يتمثل في نوع من الخلايا المقاتلة تتم صناعتها بسرعة بعد الحصول على معلومات دقيقة عن نوع العدو الذي عجزت خطوط الدفاع عن مواجهته لتكون قادرة على هزيمته.
ورغم كل ما يتسم به جهاز المناعة من قدرات فإن أخطاء التمييز بين العدو والصديق وتوجيه قذائفه أحيانا ضد جسمه المسئول عن حمايتها يشكل معضلة صعبة ما تزال تخضع لأبحاث تستهدف معرفة خفاياها.
لهذا فإن مدافع وصواريخ جهاز المناعة تصاب أحياناً بخلل يفقدها الاتجاه الصحيح... فتنطلق بعض قذائفها ضد أحد أعضاء الجسم بدلاً من تصويبها نحو العدو... الأمر الذي يسفر عن كوارث أليمة يدفع الجسم ثمنها الباهظ. وأخطاء جهاز المناعة تختلف عن أمراضه أو إصابته بالعجز الخلقي أو المكتسب...
فعند إصابة هذا الجهاز بالمرض أو العجز تتسلل إلى الجسم الميكروبات بلا حاجز أو رادع بسبب عجزه عن مواجهتها.
ولعل مرض الإيدز خير مثال على هذا فلا يمكن محاسبة جهاز المناعة عن هجوم فيروس الإيدز عليه لأنه يكون في حالة عجز أليم عن مواجهة الميكروبات.
لكن الأخطار المميتة لهذا الجهاز تحدث وهو في عنفوان قوته ودون أن يتعرض لمرض يعجزه عن المقاومة... بل إنه يندفع نحو هذا العضو من الجسم أو ذاك يهاجمه بشراسة إلى أن يصيبه بأضرار أليمة قد تصل إلى حد الموت.
ففي بعض أمراض الحساسية يكون جهاز المناعة هو المسئول الأول عن الإصابة حيث ينتج عن نشاطه ردود فعل ضارة تصيب الأوعية الدموية الدقيقة مما يسفر عن ظهور أعراض الحساسية بمختلف درجاتها.
وهناك ظاهرة محيرة في جهاز المناعة تثير الجدل بين العلماء... وهى اختلاط أوراق اللعب وعجز جهاز المناعة عن التمييز بين العدو والصديق أو القريب.
فيتوهم أحد أن أحد أجزاء الجسم دخيلة عليه أو عدو فيعلن التعبئة العامة ويحشد جيوشه لتبدأ أغرب مأساة داخل الجسم الواحد... إذ ينهمك جهاز المناعة في الحرب ضد جزء من كيانه بسبب اضطراب في التمييز بين العدو والصديق أو بين ما هو جزء من الجسم وما هو من
الغرباء....
لذلك ظهرت مجموعة أمراض اسمها أمراض المناعة الذاتية يصعب حصرها في مقال قصير كما أن الدراسات العلمية تحمل كل عام جديد أيضاً إلى قائمة هذه الأمراض.
ومن أشهر أمراض المناعة( الروماتويد) حيث تهاجم أسلحة جهاز المناعة المفاصل وغضاريفها مما يسفر عن آلام صعبة. وغالباً ما يتركز الهجوم المناعى على الأطراف وخاصة مفاصل اليد وأصابعها وكأن جهاز المناعة يريد تقييد جسمه عن طريق استخدام يديه وأصابعه ليكون العجز مدمراً.
والأمر لا يقف عند هذا الحد. فبعض الدراسات الحديثة التي أجريت في عدد من المراكز العلمية الكبرى أشارت إلى اتهام جهاز المناعة بمسئوليته عن الإصابة بمرض السكر فهو الذي يهاجم الخلايا الحيوية في البنكرياس المسئولة عن إفراز هرمون الأنسولين.
واقترحت بعض هذه الدراسات حماية ضحاياه المتوقعين أي الذين يرثون المرض عن الأبوين منذ الصغر بواسطة استخدام أحد العقاقير التي تواجه هجوم المناعة ضد خلايا البنكرياس... وكأن هذا العضو الحيوي قد أصبح عضواً مزروعاً غريباً يتعين حمايته بعقاقير القمع المناعي رغم أنه جزء ضئيل من أعضاء الجسم.

يتبــــــــــــــــــــــــع
  #337  
قديم 19-04-2008, 04:24 PM
الصورة الرمزية القلب الحزين
القلب الحزين القلب الحزين غير متصل
& كــ الخواطــــر ــلـــم &
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: هنـــاك .. الحزن مدينة لا يسكنــــها غيري .. أنــــــــــــــــــــا ...!!!
الجنس :
المشاركات: 4,857
افتراضي

يتبــع موضوع ... وفي أنفسكم أفلا تبصرون

وحيث أن لكل إنسان ( محيطه الذاتي) اضطر إلى الاهتمام بتنظيم فرقة خدمات طوارئ للإنقاذ من الحوادث في حالة حدوث (تلف) في شواطئه.فإذا حدث وأصيبت السفن بثقب فإن طاقمها يجتهد في سد الفجوة المتكونة بأية مواد موجودة. فالدم يحتوى على كميات كبيرة من رقع تسمى " الصفائح الدموية " " Thrombocytes " وهى عبارة عن خلايا خاصة ذات شكل مغزلي متناهية في الصغر 2-4 ميكرون فقط. لذلك فإن سد أي ثغرة كبيرة نسبياً بمثل هذه السدادة الصغيرة يكون مستحيلاً إذا لم يكن ( للثرمبوسيتس Thrombocytes) القدرة على الالتحام ببعضها تحت تأثير إنزيم يسمى (الثرمبوكينيز Thrombokinase). وتحتوى الأنسجة المحيطة بالأوعية الدموية والجلد والأعضاء الأخرى على كميات كثيرة منها خاصة في الأماكن التي تتعرض للجروح.
وعند حدوث أقل جرح بالأنسجة يفرز أنزيم ( الثرمبوكينيز ) للخارج ويلامس الدم فتبدأ ( الثرمبوسيتس ) في الالتحام مباشرة مكونة خثرة (Thrombus) يحمل إليها الدم مواد بناء جديدة باستمرار. ويحتوى الملليمتر المكعب من الدم على 150-400 ألف صفيحة دموية. وأمام هذه الصفائح مهمة واحدة وهى الالتحام وقت الخطر.
ومن الواضح تماما أهمية وجود ( فرقة للطوارئ) بالدم مجهزة جيداً لإحداث التجلط ولكنها تهدد الجسم بخطر رهيب.
ماذا يحدث لو أن هذه الفرقة بدأت لسبب ما للعمل في الوقت غير المناسب ؟ مثل هذه الأفعال العشوائية تؤدى إلى وقوع حوادث خطيرة، فقد يتجلط الدم داخل الأوعية الدموية ويسدها …
لذلك فإن الدم به ( فرقة إنقاذ أخرى ) - جهاز مضاد للتجلط - وهذا الجهاز يحافظ على أن لا يكون بالدم ( ثرومبين ) Thrombin.
وهو عبارة عن الأنزيم الذي يتفاعل مع مادة ( الفيبر ينوجين Fibrinogen ) ويؤدى إلى ترسب ( الفيبرين Fibrin). فبمجرد أن يظهر (الثرومبين Thrombin ) يقوم الجهاز المضاد للتجلط بإبطال نشاطه فوراً وتعمل ( فرقة الإنقاذ الثانية ) بنشاط كبير تحت تأثير المخ ولا تعمل بدون أوامره... أما الأولى فتعمل تلقائياً... سبحان الله.
علاوة على فرق الإنقاذ التى ذكرت أعلاها، يحتوى الدم على فرقة أخرى ( للإصلاح الشامل ). فعندما يحدث تلف بالدورة الدموية فليس مهماً تكوين سريع للجلطة فحسب، بل من الضروري أيضاً استبعادها في الوقت المناسب. وطالما أن الوعاء الدموي مسدود بالجلطة فهي تمنع التئام الجرح... وتذيب فرقة الإصلاح هذه الجلطة تدريجياً وتمتصها أثناء قيامها بتجديد الأنسجة المقطوعة.

وهكذا رأيت معي - عزيزي القارئ - كيف أن هذه الفرق العديدة تقوم بخدمات الحراسة والتحكم والإنقاذ لدولة ( محيطنا الداخلى ) - الدم - من جميع ما هو متوقع وتحقق ضماناً لحركة أمواجه وعدم تغير تركيبه والإبقاء عليه ثابتاً.
وكما تتنوع الأسلحة في الحروب كذلك تتنوع خطوط الدفاع.
فإذا وخزتك إبرة فإن الأعصاب تحمل الألم إلى مركز الرئاسة في المخ فيحدد نوع الاعتداء ويحدد السلاح الذي يدافع به فيصدر الأوامر للعضو بالابتعاد أو الصبر إن كانت حقنة من الطبيب، وقد تدخل الشوكة في إصبعك فتؤلمك فتصدر الإشارة إلى كرات الدم البيضاء وهى المخصصة للدفاع في مثل تلك الحالة فتتزاحم حول الشوكة مكونة الاحتقان فينتفخ الجزء الذي حولها ويمتلئ بالصديد... وما الصديد إلا خلايا بيضاء تساقطت صرعى في المعركة وبعد فترة يزول الألم ويهبط الانتفاخ وتبرز الشوكة خارجة من الجسم... حاصرتها الكرات البيضاء فأوقفتها عند حدها ثم رفضها الجسم فلفظها.
أما إذا غزت الميكروبات الجسم فتزداد حرارة الجسم من أثر الحرب القائمة بين وسائل الدفاع وبين الجسم الغازي وتشتد الحرارة كلما حمى وطيس المعركة وذلك من أثر السموم المتخلفة من القتلى من الجانبين، فإذا غلبت كرات الدم البيضاء انتهت المعركة وأبلى المريض بلاءً حسناً وشفي. أما إذا غلبت الميكروبات وانهزمت الكرات البيضاء استلزم الأمر الاستعانة بمساعدات خارجة عن الجسم.
يحس الجسم بالحر فيصدر الأمر إلى مسام الجلد أن تتفتح لإخراج المختزن في الجسم من الحرارة ويصدر الأمر إلى غدد العرق أن تفرز العرق فوق الجلد فيرطبه فتخف الحرارة.
وإذا أحس الجسم بالبرودة فتصدر الأوامر إلى المسام أن تنغلق حتى لا تتسرب الحرارة المختزنة فيحتفظ بالحرارة داخله.
وإذا أرهق الجسم لأي سبب وفقد طاقته فتصدر الأوامر إلى جميع الأجهزة بأن تبطئ من حركتها حتى توفر الطاقة لحفظ الحياة فيكون الإغماء حيث تبطؤ الحركة فتشبه الحياة بالموت.
هذه الأجهزة تعمل بتناسق تام لهدف واحد هو الحفاظ على سلامة الجسم التي إن دلت على شيء فإنما تدل على قدرة فائقة تفوق قدرات البشر وذات غاية وقصد. فتقوم مستغنية بإرادتك وتعمل بغير توجيهك بل بدون علمك، تحمل عنك عبء إداراتها لتتفرع لما خلقت من أجله.
صدق الله العظيم خلقنا في أحسن صورة وصورنا في أجمل هيئة نمشى بقوام معتدل وجسم مكتمل يتحرك في ديناميكية يسبح فيها الخيال ويحار فيها العقل.
فإذا نظرنا إلى الإنسان من ناحية أبعاده أو شكله أو تركيبه الداخلي أو تركيب أعضائه الداخلية نجده حقاً كما قال المبدع الخالق في أحسن تقويم.
ولننظر سوياً إلى تركيبنا الداخلي... ماذا نجد ؟
نجد أن القلب والرئتين داخل قفص عظمى يتكون من العمود الفقري وضلوع الصدر. في حين نجد الأعضاء الرقيقة كالمخ والنخاع تحتويها صناديق عظمية مبطنة بأغشية ومواد سائلة لزجة.
وإذا دققنا النظر نجد أن الأعضاء الزوجية تقع على بعد متساو تماماً سواء أكانت هذه الأعضاء ظاهرة أم باطنة ومن منتصف الجسم.
فالكليتان والمبيضان والخصيتان من الداخل والحاجبان وفتحتا العينين والأنف والأذنين والثديين والرجلين واليدين كل واحدة منها على بعد متساو من منتصف الجسم.
فإذا مر خط وهمي رأسي من منتصف الرأس ليقسم الإنسان إلى قسمين نرى أن كل عين على مسافة متساوية من هذا الخط مع العين الأخرى وكذلك الأنف والأذن وغير ذلك.
أما الأعضاء الفردية فنرى أن الفم مثلاً يقع في منتصف هذا الخط... وفي التركيب الداخلي نجد أن القلب في ناحية يقابله في الأخرى الكبد والطحال.
وإذا ما نظرنا إلى وضع أعضاء الجسم نرى أن هذا الوضع يحقق أحسن تقويم للإنسان فالأذنان بوضعهما يسمع الإنسان بهما أي صوت سواء أكان الصوت من اليمين أو اليسار... ولو كانت فتحتا الأنف كالأذنين مثلاً... لما استطاع الإنسان أن يشم أي رائحة إذ تختلط رائحة من الشمال مع أخرى من اليمين فلا يمكن الحكم عليها... وكذلك لا يكون الشم بنفس الدقة إذا ما قورنت بوضع الأنف الطبيعي.
ترى لو كانت العين مثلاً في أسفل الجسم... فهل يمكن أن يرى الإنسان ما قد يصيب رأسه ؟ وهل كانت العيون ستسلم من الأذى وقد اقتربت من الأرض حيث التراب والأوساخ ؟.… ولو كانت العينان في فتحة واحدة فكيف يكون الضرر إذا ما أصاب العين عطب ؟…
إن الإنسان يستطيع أن يعمل إذا ما أصيبت عينه فلديه أخرى وكذلك بالنسبة لليد والقدم …الخ.
كذلك فمن حسن تقويم الإنسان أن لعينه جفناً يحميها من الأذى... وكذلك للجفن شعر يعكس الشمس عنها... وللعين ماء تفرزه غدد يجعلها لا تجف ويحميها من الإصابة بالأمراض المختلفة وذلك لأن الله تعالى أودع في هذا الماء مواد كيميائية تحمى العين من غزو الميكروبات لها. وفي الأنف شعيرات تحجز الأتربة وتدفئ الهواء.
كيف لو كانت شعيرات الأنف في العين وغدد العين في الأنف... ؟
أنظر يا أخي إلى أي عضو في جسمك … وركز النظر مثلاً على بقعة صغيرة من الجلد ترى العجب … إنك ستجد أن مسام الجلد الدقيقة تخرج السوائل والإفرازات من داخل الجسم إلى خارجه ولا تسمح بدخولها إلى الداخل … أنظر وتأمل كيف لو كان العكس ؟ أكانت تقوم للإنسان حياة ؟
هذه الأوعية الدموية التي تجعل الدم يسير في اتجاه واحد مهما تغيرات أوضاع الإنسان ؟ كيف لو تركت وشأنها ؟؟
هناك حارس في اللهاة عند مدخل المريء اسمه لسان المزمار Epiglottis يعمل مثل رجال البوليس لتنظيم المرور عند قاع الفم.
وكما نعلم أن الله جلت قدرته قد جعل القصبة الهوائية مفتوحة على الدوام بأن خلقها على هيئة حلقات غضروفية مفتوحة باستمرار.
وعند ازدراد الطعام أو احتساء الشراب لو لم ينغلق الممر التنفسي لتسرب فيه بعض أجزاء الطعام أو الشراب ومن ثم يصاب المرء باختناق وقد يموت على الفور.
وفى أقل من ربع ثانية تحدث في أسرع ما يمكن وفى تنسيق دقيق ثلاث عمليات هي:
2- ينفتح المدخل التنفسي للقصبة الهوائية بواسطة لسان المزمار.
2- ينفتح مدخل المريء.
3- يتوقف الجهاز التنفسي لفترة قصيرة جداً.
وهذه الحركات الثلاث تتم في اليوم الواحد آلاف المرات ولا يكاد الإنسان يشعر بها لأنها خاطفة ولتعوده عليها.
وهى حركات لاإرادية ولا شعورية تبدأ مع السطور الأولى للحياة منذ أن كان المرء طفلاً … جلت قدرتك يا الله.
وأمام هذه الحركة الأوتوماتيكية يقف الطب مشدوهاً.
وإذا أردت أن تحس بذلك فاصرف حسك وشعورك ركزهما عند حركات فمك الداخلية عند بلع الريق أو أن تبلع الريق مركزاً الانتباه لما يحدث عند قاع الفم، ستشعر أن مجرى قد انفتح وآخر قد انغلق وأنك لا يمكنك أن تخرج أو تدخل النفس في تلك اللحظة … تعالت قدرة الخالق الحكيم.
وتتكرر نفس العملية حركياً وديناميكياً بنفس الطريقة وبنفس الدقة والتمام والكمال أثناء المعاشرة الجنسية عند قذف السائل المنوي في رحم الأنثى أو في مهبلها عند بلوغ المرء قمة الشهوة والنشوة الجنسية.
في تلك اللحظة يكون الجهاز التناسلي كله محتقناً وإفرازات البروستاتا جاهزة وعندما تتوتر العضلات ويأذن لها المؤثر الخارجي بالإفراغ يعطيها العصب السمبثاوى الإشارة بالضربة فيقوم صمام المثانة في التو بغلق ممر البول وفتح ممر البروستاتا والسائل المنوي من برتخ الخصبة.
فتحدث عمليتان في لحظة طردهما:
- غلق ممر الماء.
- فتح قناة البروستاتا.
ولا يمكن أن يختلط الماء والسائل المنوي، فلا ينفتح المجريان في لحظة واحدة كما لا ينغلقان في نفس الوقت. وهذا الحارس يقظ حازق لا يضطرب عمله في الظروف العادية ولا يتوانى عنه ولا يقصر فيه.
وللتأكد من ذلك يلاحظ المرء أنه بعد الممارسة الجنسية بعيد عملية القذف مباشرة لو حاول التبول لوجد شبه احتباس بولي مؤقت ويحتاج الشخص إلى شيء من الضغط حتى ينزل البول من مثانته، لأن الصمام البولي للمثانة يكون آنذاك تحت تأثير الإشارات العصبية القوية مغلقاً بإحكام وبحسم وحزم ولا يأذن للبول بالمرور إلا بعد بضع دقائق.
ويطول بنا المقام لو تتبعنا عمل الأجهزة المختلفة في جسم الإنسان وما فيها من خوارق ومعجزات ففيها المجلدات الضخمة فمن أرادها فليطلبها في مظانها. إنما نضرب الأمثلة تنبيهاً إلى بعض المعجزات التي يحتويها جسمك.
فلو أطلقنا لأنفسنا العنان في هذا المجال لن ننتهي منه أبداً... ولكن هذه ما هي إلا قطرة من هذا البحر الزاخر... جسم الإنسان الذي ينطق بالإعجاز الرباني والإبداع الإلهي...
وفي أنفسكم أفلا تبصرون سورة الذاريات
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم سورة التين
آيات قليلة الكلمات أجهد العلماء أنفسهم للبحث عما تستوعبه من علوم وإبداع. وقد رأينا هذه القطرة التي وصل إليها التقدم العلمي الحديث... وما زال البحث مستمراً للكشف عما تحتويه كلمات القرآن والذي ستكشفه لنا الأيام القادمة بإذن الله تعالى.
وأجهزة الجسم - عزيزي القارئ- مثال لما يجب أن تكون عليه في مجتمعك... ألا ترى كل عضو بل كل خلية تقوم بدورها على أحسن وجه فلا تمرد ولا عصيان ولا تشاحن ولا استثناء ولا تهرب من المسئولية. كل جهاز مستيقظ ساهر على أداء عمله جاهز عند الطلب... حتى وقت ينام الإنسان ويذهب عن الوعي فلا يتوقف التنفس ولا تنام الدورة الدموية...
كل هذه الظواهر تشير إلى أن وراءها عقل يعمل ويدبر للحفاظ
على سلامة الجسم... من وراء هذا ؟ وقد ثبت عجز صاحبها عن إدارتها ؟؟...
هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ( لقمان : 11)
فأفق يا غافل وضع نهاية لغيك وغفلتك قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله. أفق قبل أن يأتي يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله...
لا شفاعة... ولا نسب... ولا جاه...
  #338  
قديم 19-04-2008, 05:08 PM
الصورة الرمزية القلب الحزين
القلب الحزين القلب الحزين غير متصل
& كــ الخواطــــر ــلـــم &
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: هنـــاك .. الحزن مدينة لا يسكنــــها غيري .. أنــــــــــــــــــــا ...!!!
الجنس :
المشاركات: 4,857
افتراضي

العدوى ومشروعية الوقاية

بحث للدكتور محمود ناظم النسيمي
جاء الإسلام الحنيف ومعظم العرب يعتقدون أن الأمراض المعدية إنما تعدي بطبعها وبخاصة ذاتية فيها مستقلة عن إرادة الله تعالى . واعتقادهم في ذلك كان كاعتقادهم في كل العلاقات بين المسببات وأسبابها، بأن السبب هو علة وجود المسبب دون دخل لإرادة الله تعالى ومشيئته .
ولم تكن المعارف في ذلك الزمان واضحة حول الأمراض التي تعدي والتي لا تعدي. فقد يصدق حكمهم على مرض بالسراية إذا بنوه على كثرة المشاهدة كحكمهم على الجرب بأنه مرض معدي. وقد يحسب بعضهم أن الأمراض كلها تسري. وقد يتهم مرض غير سار بالسراية كما هو ظنهم بالبرص .
ولا عجب في اضطراب حكمهم وتفريقهم للأمراض السارية، لأن الطب في زمانهم كان بدائياً، وكان القول في منشأ معظم الأمراض قائماً على الظنون والأوهام.
بدأ اكتشاف الجراثيم في أوئل القرن التاسع عشر الميلادي (الثالث عشر الهجري) . ثم في خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر والرابع الأول من القرن العشرين استكملت المعلومات حول الأمراض السارية وجراثيمها الممرضة وطرق تشخيصها واستخدام التحاليل المخبرية لوضع التشخيص وتفريق الأمراض الملتبسة بعضها مع بعض.
جاء الإسلام والمعارف الطبية في الجزيرة العربية ضئيلة بل وفي العالم أجمع . جاء وليس من مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوضح دقائق الطب والعلوم المختلفة، فتبين مثلاً أنواع الأمراض وطرق تشخيصها وآلية حدوثها والأنواع المعدية منها. وإنما ذلك متروك لجهد البشر وتطور العلوم الكونية . ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بتعليم الله تعالى له، وبيّن حقائق العلوم كلها لما أدرك الناس ما يحدثهم به، لأن مستوى العلوم الدنيوية لما يبلغ بعد درجات عليا، ولأن إفهام تلك الحقائق يتطلب عشرات السنين، بل إن التخصص في فرع من فورع العلوم الدينية أو الدنيوية يستهلك عمر الباحث، ولا يزال ينال فهما جديداً وتطوراً واكتشافاً، ولو أن الله تبارك وتعالى جعل العلوم والصناعات تثبت عند حدٍ لا تتعداه، لما ترك الإنسان لذة البحث العلمي لبلوغ أفكار ومجالات ومبتكرات جديدة أفيد وأعلى .
ولذلك كله قضت الحكمة الربانية أن تكون العلوم الكونية متروكة لجهد البشر تنمو وتتطور، كلما بلغ الإنسان فيها مرحلة جديدة أقر بأنه " وفوق كل ذي علم عليم " وأخذ يتطلع إلى مرحلة أعلى ولسان حاله يقول : " وقل ربي زدني علماً " معترفاً بأن العلم المطلق والحقيقة المطلقة إنما هما لله تبارك وتعالى وصدق الله العظيم : " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " .
وبما أن تعاليم الإسلام جاءت لدين وللدولة ومن مهمات الدولة الأخذ بوسائل الطب الوقائي، فليس من المستغرب أن نرى في تلك التعاليم أنظمة صحية توافق كل زمان وكل قوم بدائيين كانوا أم حضاريين. فجاءت تعاليم الرسول الكريم صلوات الله عليه تثبت وجود العدوى والسراية في بعض الأمراض وتوجب الحجر في الأمراض الوبائية وسيأتي تفصيل ذلك .
ولكن بعض الأحاديث النبوية أتت بلفظ (لا عدوى ) فذهب العلماء الأولون إلى التوفيق بين الشطرين السابقين من الأحاديث وكانت لهم ـ جزاهم الله خيارً ـ آراء مختلفة ، وذهب معظمهم إلى أن نفي العدوى إنما هو نفي لمعتقد العرب فيها لا لوجودها كما سيأتي تفصيل ذلك .
وكان السبب الرئيسي لاختلاف فهمهم وتأويلهم عدم وضوح الناحية الطبية في ذلك في عصرهم فهم معذورون ولسعيهم مشكورون .وقد توسع في ذكر آرائهم وأوج الجمع بين أحاديث هذا البحث الحافظ ابن حجر المتوفي سنة 852هـ كتابه الواسع (فتح الباري بشرح البخاري)، وبما أن بعض تلك المفاهيم والأوجه مفرقة في بطون الكتب، وأن علماء عصرنا قد ينقل أحدهم هذا القول أو ذاك خلال حديثه أو خطبته أو جوابه لسؤال يعرض عليه، فقد رأيت من واجبي أن أدرس مجموعة الأحاديث الواردة في موضوع العدوى وفي الأمراض السارية وما قاله الشراح في ذلك وأن أقابل ذلك بالحقائق الطبية الثابتة اليوم، ليكن فهمي للحديث الواحد منها منسجماً مع مجموعها ولأختار من أقوال العلماء وشراح الأحاديث الأبرار ما ينسجم مع حقائق الطب الحديث. ثم أقدم نتيجة بحثي إلى القراء الكرام مستعيناً بالله تعالى العليم الخبير.
أ‌. لمحة طبية :
سأورد من المعلومات الطبية ما يوضح معنى العدوى والسراية وما يساعد على فهم الأحاديث الشريفة المتعلقة بمقالي هذا .
إن أسباب الأمراض مختلفة جداً كالسقوط والجروح أو التخمة أو الإنسمام أو سوء التغذية أو القرحة الهضمية أو تشمع الكبد وغير ذلك . ومن هذه الأسباب تلك العوامل الحية التي تسمى بالجراثيم وتسمى الأمراض التي تحدث عنها بالإنتانات . إن العناصر الأساسية في حصول الإنتانات هي :
1. الجراثيم المرضية .
2. البدن المستعد
وكثيراً ما تكون هذه الإنتانات الجرثومية سارية أومعدية أي تنتقل من مريض إلى سليم مباشرة أو بوسيلة ما وتسمى عندئذ بالأمراض المعدية أو الأمراض السارية .
ثم إن الأمراض المعدية إما أن تظهر بشكل محدود منفرد وفي أحوال عارضة، وهي الأمراض المعدية الأفرادية كالسل والتيفوئيد … الخ .. وإما أن تظهر بشكل دائم مستمر في مجموعة صغيرة من البلاد المتاخمة وهي الأمراض المستوطنة. مثال ذلك الطاعون والكوليرا وهما مرضان وبائيان ولكنهما قد يصبحان من الأمراض المستوطنة كما هو الحال في الهند. وإما أن تعم بلواها جمعاً غفيراً من الأنفس والبلاد في أوقات طارئة ومناسبات مختلفة وتسمى عندئذ بالأمراض الجائحة أو الوبائية كالهيضة الأسيوية (الكوليرا) والطاعون .
وإن كانت الجائحة واسعة الانتشار جداً سميت بالجائحة الطامة أو الوباء العام.
فالعدوى أو السراية هي اتصال جرثوم مرضي بإنسان صحيح وحدوث أثره المرضي[1]. وبما أن في الأحاديث النبوية التي سأوردها في هذا المقال وفي كلام الشراح ذكراً للأمراض التالية : الطاعون ـ الجذام ـ الجرب ـ البرص، رأيت من المفيد أن أقدم أيضاً تعريفاً بكل مرض منها بالمقدار الذي يساعد على فهم ما ورد فيه في كتب السنة المطهرة متجنباً الإسهاب الذي هو من اختصاص المواضيع الصحية والطبية الصرف.
الطاعون :
مرض مشترك بين الإنسان والجرذ يتصف بالتهاب العقد اللنفاوية وباندفاعات وبأعراض رئوية أحياناً، عاملة عصية يه رسن.
ينتشر الطاعون من القاضمان الوحشية إلى الفأر الأهلي (أو بالعكس) ومنه إلى الإنسان وبين المريض والصحيح من البشر أيضاً، وأكثر الإصابات تنتقل من الفأر والجرذان بواسطة البراغيث . وعند إصابة الجرذ بالطاعون تتركه براغيثه السليمة، فإن لم تجد حيواناتها المعتادة أو صادفت إنساناً علقت به ولقحته بدائها، فتبدأ الجائحة البشرية عندئذ وتستمر ما وجدت تلك الحشرات الملوثة فرصة للوصول إلى الإنسان السليم.
وسأبين في مقال خاص (توافق الأحاديث النبوية والطب الحديث في مرض الطاعون ) .
الجذام :

هو مرض إنتاني مزمن وسار (معدي ) عامله الجرثومي عصية هانستن.
يتصف سريرياً بآفات جلدية واضطرابات عصبية وقد يصيب العظام والأحشاء . وقد عرف منذ العصور القديمة وجاء ذكره في التوراة . ويلاحظ أن انتشاره كان كبيراً في العصور السابقة، بينما أصبحت إصاباته في العصر الحاضر قليلة، يقع معظمها في البلاد الحارة والمعتدلة الحارة .
سراية الجذام ضعيفة، وعدواه أخف من عدوى السل، ولابد من التماس الصميم والمديد لينتقل المرض. ولذلك تكون أكثر حوادث الجذام أسرية، أي تظهر بين أفراد الأسرة التي تعيش معاً في مكان واحد. ثم إن مدة دور الحضانة غير معلومة ولكنها على كل حال طويلة ويعتبر الحد الوسط فيها بين (6ـ 8)سنين .
إن الغشاء المخاطي لطرق التنفس هو المدخل الغالب لرذاذ القطران الأنفية البلعومية الصادرة عن المريض والحالمة للعامل الممرض . وقد يكون الانتقال من الأورام المتقرحة إلى الجلد المجروح ، تلوث الأورام الأرض فيطأها قدم مجروحة فتمس مفرزات التقرح الجرح من الجراثيم. وتبدأ أعراض الجذام خفية كما هو في السل.
وللجذام شكل ورمي وشكل نظير الدرني. ففي الشكل الورمي يصبح منظر الجبهة والخدين والأنف والذقن كتلة مرتشحة عميقة الأخاديد عليها عقيدات تعطي الوجه منظر وجه الأسد فيقال لذلك السحنة الأسدية[2].
كتب بعضهم في إحدى رسائله نقلاً عن إحدى المجلات : إن الطب اكتشف أن جرثومة الجذام تشبه الأسد، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد " . ثم تواجهت معه سنة 1950 في دمشق أيام دراستي في كلية الطب وقلت له هلاّ سألت الأطباء عن شكل جراثيم الجذام قبل أن تنقل في رسالتك ما هو خطأ.. فقال لي ليقل من بعدي أخطأ فلان
إن تشبيه الفرار من المجذوم بالفرار من الأسد، إنما هو بجامع الخوف من كل، ولا يشترط في هذا التشبيه التماثل والتشابه بين جرثوم الجذام والأسد ولا بين المجذوم والأسد، وإن كان الواقع يثبت أن سحنة بعض المجذومين تشبه سحنة الأسد.
الجرب:
داء جلدي حاكّ ومعدٍ، يتظاهر بآفة جلدية خاصة وواسمة هي الثلم. وهو يعرف في بلادنا باسم حكاك لسبب الحكة الشديدة التي ترافقه . سبب طفيلي يسمى هامة الجرب.
أما الجرب الحيواني فهو يصيب القطط والكلاب والخيل والإبل وغيرها من الحيوانات، وقد ينتقل إلى الإنسان مسبباً عنده حكة حطاطية شبيهة بالأكال الحاد، إلا أنه لا يحدث إتلافاً مطلقاً. إن إصابة الإنسان بالجرب الحيواني تشفى من نفسها وبسهولة بواسطة الصابون العادي.
البرص:
ويعرف في الطب بالبهق أيضاً، وهو ظهور بقع صريحة الحدود في قلب منطقة مفرطة الصباغ، وإصابته مكتسبة تصيب الجنسين في مختلف الأعمار.
إن أسباب وآلية حدوثهلا تزال غامضة وإذا كان الواجب يقضي بالتحري عن الإفرنجي في كل حادثة بهق، إلا إنه يجب عدم اعتبار كل حادثات البهق من منشأ إفرنجي . أ هـ .
أقول : نقل شراح الحديث رأي الأطباء الأقدمين بأن البرص يعدي وأنه يورث نقيض رأي الطب الحديث. ولا يزال البدو يتخوفون منه ولا يتزوجون من أسرة فيها مصاب بالبرص. وقد أدهشني ما قاله والد شابة مصابة بالبرص في عيادتي أمامها بأنهما يرغبان لها الموت، لأنه إذا شاعت إصابتها بالبرص امتنع الناس من زواج أخواتها وبنات عمها أيضاً، فوضحت لهم خطأ الناس في ذلك وأرشدتهم إلى اختصاصي بأمراض الجلد.
ب ـ مشروعية الوقاية من الأمراض السارية :
كما اعتنى الإسلام بتصحيح الإنسان بخالقه العظيم وتصحيح عبادته له إلى شرعة يرضاها، وكما اعتنى بتحرير عقله وتفكيره من الأوهام والخرافات والتقليد الأعمى والإمّعية الهوجاء، ومن أثر جهالة الشهوات وطغيان العواطف على المحاكمة والحكم العقلاني . وكما أعنتى أيضاً بمكارم الأخلاق وبوضع أسس التعامل بين الناس والرقي الحضاري القويم، طالما اختلف علماؤهم وعباقرتهم في رسم الطريق السويّ وتحقيق التلاؤم وعدم التضاد بين مبادئ وقوانين شعب الحياة المختلفة، كما أعتنى الإسلام بذلك كله، لأنه شرعة الله تعالى، اعتنى أيضاً بصحة الإنسان، فوضع له كثيراً من التعاليم والمناهج الصحية لحفظ جسمه وأجهزته ووقايتها من الأمراض السارية وغير السارية .
فجاءت تعاليم محمد صلوات الله عليه أعلى من المستوى الصحي الذي كان يحيا به العرب وغيرهم في صدر الإسلام، دافعة أتباعه إلى دراسة الطب والعلوم النافعة المختلفة مما توصلت إليه الأمم السابقة، لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها، وكانت تلك التعاليم حافزة للأتباع على بذلك الجهد في البحث لتنظيم وتطوير فن الصحة وطرق الوقاية بما يتلاءم مع تطور العلوم والمعارف.
وما يهمنا في موضوعنا هذا هي التعاليم الخاصة بالوقاية من الأمراض السارية وهاكم نماذج منها:
1. إن من حكمة التمسك بالتعاليم الإسلامية المتعلقة بالنظافة والطهارة هي البعد عن مواطن الجراثيم والأخذ بأسباب الوقاية من الأمراض السارية .
كما أن من حكمتها الأخذ بوسائل صحة البدن ونظافة المظهر . وتلك التعاليم معروفة لدى جميع المسلمين، فإن لفظ الطهارة هو العنوان الجامع لأبوابها التي ملئت بها كتب الفقه .
ويكفي في بيان منزلتها قول الله تبارك وتعالى : " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الطهور شطر الإيمان " [3] .
2. وفي الشرع الإسلامي تعاليم كثيرة تثبت مشروعية الأخذ بأسباب الوقاية من المخاطر والأضرار ووصول الحشرات ناقلات الأمراض، وهاكم مثال عنها: أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إطفاء المصابيح الزيتية قبل النوم (السراج ) وفي ذلك وقاية من فساد هواء التنفس على النائم، ووقاية أيضاً من حدوث حريق أثناء الليل إن جرّت الفأرة فتيل المصباح الزيتي، وأرشد صلى الله عليه وسلم إلى تغليق الأبواب قبيل النوم وقاية من سارق أو سبع كاسر وحيوان ضار. وأرشد صلى الله عليه وسلم إلى ربط سقاء الماء وإلى تغطية وعاء الطعام والشراب لئلا يصل إليه الغبار أو الهوام السامة أو الحشرات الناقلات للجراثيم كالذباب، أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم وغلقوا الأبواب وأوكوا الأسقية وخمِّروا الطعام والشراب ولو بعود تعرضه عليه " [4]فترى في هذا الحديث الشريف إرشاد الرسول الأعظم إلى الأخذ بالأسباب الوقائية يتعلق بصحة البيئة .
3. وردت أحاديث نبوية معناها المتبادر الأول إثبات وجود العدوى وشرعية الوقاية من الأمراض المعدية .
1. الحديث الأول : عن عبد الله بن عامر أن عمر رضي الله تعالى عنه خرج إلى الشام، فلما كان بسرغ، بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه" .
2. الحديث الثاني : عن إبراهيم بن سعد قال : سمعت أسامة بن زيد يحدث سعداً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها " فقال : أنت سمعته يحدث سعداً ولا ينكره ؟ قال نعم [5]
يثبت هذان الحديثان وما يشبههما وجود العدوى، ويدلان على مشروعية الوقاية من انتشار الأمراض السارية والوبائية، وبهذين الحديثين وأمثالهما يتلاءم مع حقائق الطب وفن الصحة ومع المستوى العلمي الطبي والإمكانيات العملية في زمانه صلى الله عليه وسلم . ثم بعد أن عرفت جراثيم الأمراض السارية ومدة حضانة المرض ووسائل تشخيصه، وبعد أن عرفت اللقاحات الواقية من بعض الأمراض ومدى تمنيعها ومدة فائدتها وبعد أن عرفت طرق التأكد من أن الصحيح في الظاهر غير حامل لجراثيم الوباء حددت مدة الحجر بالنسبة لكل مرض وبائي وبالنسبة للمصابين به أو المخالطين لهم وبالنسبة للمدينة أو القرية الموبوءة وبالنسبة للقطر الموبوء.
3. الحديث الثالث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يوردنّ ممر ض على مُصحّ " [6]فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك صاحب الإبل أو الماشية المريضة بمرض سار كالجرب أن يأتي بها إلى جانب إبل ماشية سليمة . ولولا أن العدوى تحدث بمشيئة الله كحدوث كل المسببات عند أسبابها، لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك لمجرد رفع الشك والوسواس كما قال بذلك بعضهم. وقد أشار السلف رحمهم الله تعالى إلى هذا الفهم من إثبات العدوى بهذا الحديث الشريف، فقد روى البخاري عن الزهري قال : حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا عدوى " قال أبو سلمة بن عبد الرحمن سمعت أبا هريرة عن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا توردوا الممرض على المصح " .
فكان أبو سلمة التابعي يشير إلى أن نفي العدوى ليس عاماً، فإن أبا هريرة رضي الله عنه الذي يروي ذلك، يروى ما يثبتها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
4. الحديث الرابع : قال صلى الله عليه وسلم : " .. وفرَّ من المجذوم كما تفرُّ من الأسد " فالابتعاد عن المجذوم سبب لاتقاء رذاذ القطرات الأنفية البلعومية الصادرة عن المريض أثناء الكلام والسعال والعطاس، والحاملة غالباً لجراثيم الجذام . وسيأتي تمام الحديث.
5. الحديث الخامس : " كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّا قد بايعناك فارجع "[7].
وبمشروعية الوقاية من الأمراض السارية وتجنب مكان الأوبئة، وإن ذلك لا يتنافى مع الإيمان بالقدر بلغنا فهم عمدة الصحابة رضوان الله عليهم .
فهم ذلك سيدنا عمر بن الخطاب ومشيخة قريش من مهاجرة الفتح، وعلى رأسهم عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم[8]. وبذلك ايضاً كان فهم سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه حين قال : " إن هذا الطاعون قد وقع فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل، واحذروا اثنين : أن يقول قائل خرج خارج فسلم، وجلس جالس فأصيب، فلو كنت خرجت لسلمت كما سلم فلان، أو لو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان[9]. انتبه لقوله رضي الله عنه فمن أراد أن يتنزه عنه حيث المعنى فمن أراد أن يتوفى منه.
شروط العدوى :
بما أن إيضاح معنى " لا عدوى " سيتطرق إلى عقيدة هامة من عقائد المسلم، وهي أن مشيئة الله تعالى ركن أصيل وشرط أساسي وعلة العلل في نجاح أي سبب وأي شرط في بلوغ النتيجة المسببة، وذلك ما يعبر عنه الاختصاصيون في علم التوحيد بأن المسببات تأتي عند الأسباب لا بها، فرأيت أن أقدم بحثاً موجزاً عن شروط العدوى في الطب، ثم أوضح صلة تلك العقيدة مع هذه الشروط قبل الشروع بإيضاح معنى " لا عدوى " .
بينت سابقاً أن العدوى هي اتصال العامل المرضي ( من جراثيم أو طفيليات ) بإنسان صحيح وإحداثه أثره المرضي.
يثير التعرف السابق للعدوى الأسئلة التالية : ما هي تلك العوامل الممرضة وأين كانت؟ ثم كيف خرجت من مكمنها؟ وبأي واسطة وصلت إلى الإنسان الصحيح؟ ومن أي منفذ دخلت جسمه؟ وهل كلما وصلت إليه أو دخلت جسمه أحدثت فيه المرض الساري؟ تلك أسئلة تجيب عليها شروط العدوى وهي:

1. العوامل الممرضة : وهي أنواع مختلفة، منها الجراثيم بالخاصة كعصيات الطاعون وضمات الكوليرا وعصيات الجذام، ومنها طفيليات حيوانية كهامة الجرب، أو نباتية كطفيليات الفطور الجلدية، ومنها عوامل غير مرئية أو حمات راشحة كحمة الأنفلونزا.
2. أما مكمن العوامل الممرضة، الذي يحفظها ويساعد على نموها وتكاثرها، والذي يعتبر مصدر العدوى في الأمراض السارية في البشر، فهو الإنسان نفسه غالباً كما في الجذام، أو بعض الحيوانات التي تحيط به كالجرذ والقاضمات الوحشية فإنها مكن الطاعون .
3. تخرج تلك العوامل من مكامنها بواسطة المفرزات أو المفرغات.
وتختلف طرق خروجها باختلاف أنواع الأمراض السارية واختلاف توضعاتها.

يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
  #339  
قديم 19-04-2008, 05:10 PM
الصورة الرمزية القلب الحزين
القلب الحزين القلب الحزين غير متصل
& كــ الخواطــــر ــلـــم &
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: هنـــاك .. الحزن مدينة لا يسكنــــها غيري .. أنــــــــــــــــــــا ...!!!
الجنس :
المشاركات: 4,857
افتراضي

يتبــع موضوع .... العدوى ومشروعية الوقاية

وتلك السبل هي الطريق الرئوي كما في السل، والطريق المعوي كما في الكوليرا والتيفوئيد، والطريق البولي كما في البلهارزيا، وأحياناً تكون الآفات ظاهرة على سطح البدن فيسهل انتشار العدوى كما في الآفات الفطرية الجلدية والجرب.
4. أما وسائل انتقال العامل الممرض من مكمنه إلى مثواه الجديد فتقسم إلى ثلاثة أقسام :
1. مباشرة من إنسان مريض أو حامل للجرثوم، وإن لم يكن مريضاً، إلى آخر مستعد للعدوى كما في الأنفلونزا.
2. وغير مباشرة وذلك بواسطة الماء أو الغذاء أو الحوائج الملوثة كما في الكوليرا.
3. بواسطة الحشرات وهذه الواسطة يمكن حشرها في عداد الوسائل غير المباشرة . فالبراغيث تنقل جرثوم الطاعون، والقمل تنقل جرثوم التيفوس.
4. أما مداخل العوامل الممرضة إلى بدن السليم فهي كل طرف منه كالجلد والأغشية المخاطية وطرق التنفس والهضم والطرق التناسلية والدم والمشيمة .
5. الشرط السادس لحدوث العدوى هو استعداد الإنسان لقبول ذلك العامل الممرض، أما إذا كان الإنسان ذا مناعة فإنه لا يتأثر من فعل الجرثوم المرضي، العامل بنفسه أو بذيفانه، ولو تحققت الشروط الخمسة السابقة .
وإذا تمت حلقات العدوى ولم تكن مناعة الجسم كافية لإيقاف الجرثوم وشل عمله أو إهلاكه، وتمكن الجرثوم من النمو والتكاثر، فإن المرض الساري يحدث ويأخذ الجسم بوسائله الدفاعية بمقاومة ذلك الجرثوم فتحصل بينهما معركة تقصر مدتها نسبياً في الأمراض الإنتانية الحادة وتطول في المزمنة . كما يختلف أمدها بحسب سرعة تغلب إحدى الجهتين، فإذا كانت النتيجة النهائية للبدن الحي كان الشفاء، وإن كانت للجراثيم كان الموت.
فالمرض المعدي إذاً هو حادثة كفاح بين عاملين مختلفين : العامل المرضي من جهة ومقاومة جسم الحي من جهة أخرى . وكل منهما يتكاثر بالشروط أو الأحوال التي يقع هذا الكفاح فيها.
الوقاية من العدوى :
إذا تمكنا من توجيه وسائل المكافحة الفعالة، التي توصي بها كتب الصحة والطب، ضد حلقات العدوى، وخاصة إذا وجهت لأضعفها، فإن الظفر والوقاية أكيدة بعون الله تعالى .
أما الوسائل المكافحة فهي كثيرة ومتنوعة ويمكن حصرها في أقسام ثلاثة:
1. توقي السراية بالسعي في إبادة الجراثيم، وتنزيه المصاب عنها بالمعالجة المناسبة وصيانة الآخرين بالفصل بينهم وبين المرضى، ومكافحة وسائل الانتقال في كل ذلك.
2. العمل على زيادة المقاومة في الإنسان المعرض للعدوى بدعمه بشيء من أنواع المناعة كاللقاحات والمصول وما إلى ذلك .
3. إضعاف الآثار المرضية التي لم يمكن توقيها والعمل على تلطيف شدة الإصابة.
إن تفصيل سبل الوقاية من الأمراض السارية هو اختصاص مباحث الصحة الوقائية، ارجع إذا شئت إلى الجزء الثالث من كتاب فن الصحة والطب الوقائي للأستاذ الدكتور أحمد حمدي الخياط .
مشيئة الله تعالى شرط في حدوث العدوى:
تعتبر الشروط الستة لحدوث العدوى أسباب تتكامل مع بعضها لإحداث المرض الساري. وبما أن بعض تلك الشروط تابعة لبدن الإنسان المعدىّ من جديد، وبعضها تابع للمكمن، فإن الأسباب الظاهرة لحدوث المرض المعدي هي :
1. العامل الممرض .
2. مكمنه الإنساني أو الحيواني .
3. واسطة انتقال العامل الممرض إلى السليم إن وجدت.
4. استعداد البدن للإصابة
وبعد فهل هناك شرط رئيسي غير الشروط الستة لحدوث العدوى، يحكم عليها ولا تفعل بدونه، وهل هناك سبب للأسباب الظاهرة الأربعة لحدوث المرض المعدي. وبتعبير صريح هل يشترط أن تكون المشيئة الربانية مسيطرة على كل شرط من تلك الشروط والأسباب، فلا يستطيع أن يأخذ مكانه السببيّ إلا برضاها.
من أجل إيضاح ذلك عقدت عنوان هذه الفقرات :
إن العلوم الطبية، كإحدى مجموعات العلوم الكونية، تبحث في الشروط المادية لحدوث العدوى، ومع ذلك فإنها لا تنكر الظروف المعنوية الحسنة التي تزيد في مقاومة الجسم وتمنع حدوث بعض العراقيل، كما أنها تقر بأن درجة استعداد المريض للعدوى مجهولة في الغالب، لا يمكن التنبؤ عنه بالوسائل العلمية في كثير من الأمراض السارية، فيما عدا حوادث التمنيع باللقاح أو المصول.
أما بحث الإذن الإلهي أو المشيئة الربانية، فإن بحث في أمر غيبي لا نعلمه ولا ندركه، إنه بحث فيما وراء الطبيعة، ليس من اختصاص العلوم الكونية، لأن هذه تبحث فيما هو خاضع للحواس والتجارب وتطبيق الوسائل العلمية المكتشفة. وإننا نجهل مشيئة الله تعالى في أمر ما، فلا نعلمها إلا بعد حصوله.
ولكن النصوص الشرعية، ويؤيدها العقل، تدل على أن المشيئة الربانية هي ركن أصيل في نجاح أي سبب للوصول إلى مسببه، وفي حديث العدوى لدى وجود أسبابها. وقد جرت سنّة الله تعالى في خلقه أن تؤدي الأسباب إلى مسبباتها عادة بإذن الله تعالى، عند اكتمال شروط حدوث المسبب.
إن مشيئة الله تعالى في اعتقاد المسلمين وكذلك حكمته وقدرته وعدله وكل صفاته حاكمة معاً [10]في حدوث العدوى أو عدم حدوثها كحكمها على كل العلاقات بين الأسباب ومسبباتها، فقد تزيد مشيئة الله تعالى مناعة إنسان ومقاومة جسمه بكلمة كن فلا يصاب بالمرض على الرغم من تحقق الشروط الخمسة الأولى للعدوى. وقد تحدّ مشيئة الله تعالى مناعة إنسان وتثبط مقاومته وتزيد من فوّعتها الجراثيم فيصاب، بل قد يصاب بكلمة كن. ولا يعني هذا أن تهمل وسائل الوقاية والمكافحة، لأن كما ذكرت جرت سنة الله تعالى في خلقه أن تؤدي الأسباب إلى مسبباتها عادة بإذن الله تعالى عند اكتمال شروط حدوث المسبب، وأن يكون الشذوذ عن ذلك نادراً لحكمة يريدها جل وعلا.
وذلك لتنبيه العقل لئلا يقف مع حواسه واختباراته المادية الصرفة غافلاً عن وجود خالق عظيم، ولئلا يقف عند حد علمي دون تطلع إلى الأعلى .
وفي حدوث خوارق العادات حكم أخرى من تأييد رسول بالمعجزات أو تكريم وليّ له تعالى أو إعانة مؤمن أو زيادة تمكينه بالإيمان أو إهانة معاند أو استدراج فاسق أو كافر.
ومثال سلب السبب خاصيته سلب النار خاصية الإحراق وقد أعدت لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى : " يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " فلم تؤد النار في تلك الحادثة إلى مرض الحروق بل كانت برداً وسلاماً.
إن المسلم الحق يسلّم بوجود العدوى في الأمراض السارية، وبأن عواملها تحدث في السليم مرضاً إذا كانت فوّعتها مناسبة لإحداث المرض، وكانت المناعة في السليم مفقودة والمقاومة ضعيفة، إنه كما يسلم بذلك أخذاً بحقائق العلم، ويسلّم بمشروعية الوقاية ولزومها طاعة لأمر الشرع ولمقتضيات العقل السليم، فإنه يؤمن بأن ما يجري في الكون لا يجري استقلالاً عن تدبير خالقه وقدرته، لأن ذلك الخالق العظيم الذي نؤمن به يملك ويحكم الحكم الكامل المطلق، له الخلق وله الأمر، وهو على كل شيء قدير " لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون " .
إن من عقيدة المسلم بالله تعالى أنه مبدع الكائنات وأن استمرار وجودها وقيامها إنما هو بالله سبحانه، وأنّ خواص الأشياء وارتباط المسببات بالأسباب إنما يرجع إليه، فهو القيّوم الصمد الذي لا يزال يمد المخلوقات بتدبيره وربوبيته . وصدق الله العظيم : " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا" " ولا يؤوده حفظهما وهو العليّ العظيم".
أما الذي يدعي أنه يؤمن بإله خالق قدير عليم خبير، ثم ينفي عنه تعالى التصرف في مخلوقاته، ويدعي أنها تفعل بذاتها وخواصها دون أية علاقة، بإذن تعالى ومشيئته وحكمتة وتقديره، فإنه يرتكب بتلك الدعوى جهالة كبرى حيث يصف ذلك الخالق العظيم بأنه يملك ولكن لا يحكم كبعض ملوك الأرض. تعالى الله الواحد القدُّوس الصمد على ذلك علواً كبيراً .
إن تلك الغباوة في الحكم الطائش البعيدة عن المنطق العقلي هي أخت الغباوة المكتفية بالإيمان بإله خالق دون الإيمان برسله أي دون الإيمان بشرع الله الذي يبين فيه الصواب والحق فيما اختلفت الناس وعلماؤهم فيه، والذي يبن الأوجه الصحيحة لعبادة الخالق وواجبات البشر تجاه خالقهم وتجاه بعضهم .
فهذا الاعتقاد باطل أيضاً، لأنه يعني الإيمان بإله يملك ولا يحكم، وهو يدل على غباوة وسفاهة في تفكير صاحبه. وإذا لم يكن ذلك الاعتقاد غباوة فهو طريق من طرق النفاق، حيث يريد القائل به ستر كفره بالله تعالى وما هو بمستطيع تجاه المؤمنين أصحاب البصائر.
وليست دعوى الاعتقاد هذه بجديدة العهد فقد أشار إليها القرآن الكريم حيث قال تعالى : " إن الذين يكفرون بالله ورسوله، ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً. أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً [11].
إن اعتقاد المسلمين المؤمنين بأن تأثير السبب إنما يجري بإذن الله تعالى ومشيئة، ولا يدل على جحود للخواص الكيماوية والفيزيائية، في أنواع المادة، ولا يدل على أن حوادث الكائنات فوضى لا رباط بينها ولا نظام. فالمؤمن الواعي يعتقد بوجود تلك الخواص وبالقوانين الكونية، ولكنه يستدل بغايات تلك الخواص على وجود خالق مريد لتلك الغايات، ويستدل بإرتباط المسببات بأسباب وبشروط حدوثها على أن ذلك الخالق عليم خبير، ويستدل بانسجام قوانين العالم وارتباط هذا الكون كوحدة(مثلاً قانون الجاذبية العالمية لنيوتن ) على وحدانية خالقه. وصدق الله العظيم : " ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور" .
إن المسلم الحق يتأدب مع الحكمة الإلهية التي وزعت خصائص الأشياء وربطت بين المسببات وأسبابها، ويأخذ بتعاليم الوقاية والتداوي وقد قامت الأدلة على مشروعيتها، وهو في كل حال يعتمد على القدرة الربانية معتقداً أن المشيئة الإلهية حاكمة على كل معلولية، وأن المسببات تأتي عند الأسباب بإذن الله تعالى، وبذلك جرت سنته في خلقه ولن تجد لسنة الله تعالى تبديلاً . وإن خوارق العادات ممكنة نادرة، يأذن بها الله تعالى لحكمة يريدها.

معنى " لا عدوى " :
بينت في البحث الأول الأحاديث التي تثبت وجود العدوى ومشروعية الوقاية من الأمراض السارية، ونبّهت في مقدمة ذلك المقال أن هناك أحاديث يفيد ظاهرها نفي العدوى، وأحاديث تفيد النفي والإثبات معاً دالة على أن النفي ليس على عمومه، بل له معنى فهمه خواص الصحابة ممن سمع ذلك الحديث الشريف، أو حضر مناسبة وروده. وأشرت إلى أن أئمة العلماء السابقين رحمهم الله تعالى وضعوا جهدهم في فهم الشريعة الإسلامية وأحاديث سيد الأنام.
كما أشرت إلى أن الفهم الكامل للأحاديث المتعلقة بالطب يتوقف على معرفة الحقائق الطبية الثابتة، وإلى أن الطب في زمانهم كان قاصراً، وخاصة فيما يتعلق بالأمراض الإنتانية المعدية، حيث لم تكن عواملها الجرثومية مكتشفة بعد وبالتالي لم تكن الأمراض مفرّقة بالتشخيص بعضها عن بعض، وكثيراً ما كانت تحشر أمراض عديدة تحت اسم مظهر مرضيّ واحد، ذلك المظهر الذي يعرف في الطب الحديث باسم تناذر مرضيّ، فاقتضى ذلك مني أن أختار من أقوال علماء المسلمين المتقدمين ما يأتلف مع كل زمان وما يوافق الحقائق الطبية الثابتة في زماننا، وذلك في سبيل الجمع والتوفيق بين الأحاديث التي تثبت العدوى والأحاديث التي جاء فيها نفي العدوى. أقول أوجه الجمع والفهم لمجموعها ولا أقول بترجيح بعضها على البعض الآخر، لأنه يمكن الجمع والتوفيق كما سأبين . ومن المقرر الثابت في علم مصطلح الحديث أن (طريق الترجيح لا يصار إليه إلاّ مع تعذر الجمع )[12]
أ‌. أما الأحاديث التي ينفي ظاهرها العدوى ففي ما يلي نماذج منها:
1. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا عدوى ولا هامة ولا صفر " [13]
2. وقال صلى الله عليه وسلم : " لا عدوى ولا هامة ولا صفر ولا نوء "[14]
3. وقال صلى الله عليه وسلم : " لا عدوى ولا صفر وغول " [15]
4. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة ثم قال : كل بسم الله ثقة بالله وتوكلاً عليه" [16]
5. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا عدوى ولا صفر ولا هامة فقال أعرابي : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها ؟ فقال : فمن أعدى الأول؟ " [17]
ب . وأما الأحاديث التي في نصها نفي العدوى وفيها ما يدل على إثباتها فمنها الحديثان التاليان:
1. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفرّ ن المجذوم كما تفرُّ من الأسد" [18]
2. وقال صلى الله عليه وسلم : "لا عدوى وإذا رأيت المجذوم ففرَّ منه كما تفرّ من الأسد "[19].
جـ . وأما أوجه الجمع والتوفيق بين الأحاديث السالفة فقد ذكرها الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري عند شرحه لحديث لا عدوى في باب الجذام. واخترت منها ثلاثة مسالك لقوة الحجة فيها ولتلاؤمها مع ما توصل إليه العلم الحديث من معلومات طبية قطعية، ولإمكان العمل بالأوجه الثلاثة معاً. وسأضيف وجهاً أو مسلكاً رابعاً في الجمع ذهب إليه بعض العلماء وهو ينسجم مع شطر من أحاديث الباب وله فائدة عملية في التطبيق أيضاً.
1. المسلك الأول : (وهو الخامس في تفح الباري ) : إن المراد بنفي العدوى أن شيئاً لا يعدي بطبعه، نفياً لما كانت الجاهلية تعتقده بأن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله تعالى . فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم [20]ليبين لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي ونهاهم عن الدنو منه ليبين أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تقضي إلى مسبباتها . ففي نهيه صلى الله عليه وسلم إثبات الأسباب، وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل، بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها فلا يؤثر شيئاً، وإن شاء أبقاها فأثرت ويحتمل أيضاً أن يكون أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم أنه كان به أمر يسير لا يعدي مثله في العادة، إذ ليس الجذمى كلهم سواء ولا تحصل العدوى من جميعهم.
ومن الاحتمال الأول جرى أكثر الشافعية. قال البيهقي بعد أن أورد قول الشافعية ما نصه: الجذام والبرص بزعم أهل العلم بالطب والتجارب أنه يعدي الزوج كثيراً [21]
وقال : أما ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا عدوى " فهو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من هذه العيوب سبباً لحدوث ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وقال : " لا يوردنَّ ممرض على مصح "، وقال في الطاعون :" من سمع به بأرض فلا يقدم عليه "، وكل ذلك بتقدير الله تعالى . وتبعه على ذلك ابن الصلاح في الجمع بين الحديثين من بعده وطائفة ممن قبله أ هـ .
ذلكم ما قدمه الحافظ ابن حجر. وهاكم ما قاله ابن الصلاح في مقدمته في بحث (معرفة مختلف الحديث) : اعلم أن ما يذكر في هذا الباب ينقسم إلى قسمين : أحدهما أن يمكن الجمع بين الحديثين، ولا يتعذر إبداء وجه ينفي تنافيها فيتعين حينئذ المصير إلى ذلك والقول بهما معاً ومثاله حديث " لا عدوى ولا طيره " مع حديث :" لا يورد ممرض على مصح " وحديث " فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد" . وجه الجمع بينهما أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، ولكن الله تبارك وتعالى جعل مخالطة المرض بها للصحيح سبباً لأعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب، ففي الحديث الأول نفي صلى الله عليه وسلم ما كان يعتقد ه الجاهلي من أن ذلك يعدي بطبعه، ولهذا قال : " فمن أعدى الأولى ؟ "وفي الثاني أعلم بان الله سبحانه جعل ذلك سبباً لذلك وحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله سبحانه وتعالى أ هـ.
إن هذا المسلك في الجمع هو المعتمد لدى المحققين ومعظم العلماء المتقدمين، وهو الذي يصلح للجمع والتوفيق بين كافة الأحاديث الواردة في العدوى والأمراض السارية على مستوى العلوم الكونية الطبية في زمانهم وزماننا، ولذا أوردته كمسلك أول في الترتيب. كما أنه يتعين في فهم الحديث الذي أجاب فيه النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي بقوله :" فمن أعدى الأول ؟ " .
وإذا كان هذا المسلك الأول يتلكم على المرض المعدي بأنه لا يسري إلى آخر إلاّ بمشيئة الله تعالى ولو اجتمعت شروط العدوى، مع التسليم بأن سنة الله في خلقه جرت أن تقع العدوى عادة لدى تكامل شروطها، فإن المسلك الثاني يبين أن الأمراض ليست كلها معدية فهناك أمراض معدية وأمراض غير معدية، كما تقرر كتب الطب والصحة.
2. المسلك الثاني : (وهو الثالث في فتح الباري ) : قال القاضي أبو بكر الباقلاني : إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى.
يتبــــــــــــــــــــــع
  #340  
قديم 19-04-2008, 05:15 PM
الصورة الرمزية القلب الحزين
القلب الحزين القلب الحزين غير متصل
& كــ الخواطــــر ــلـــم &
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: هنـــاك .. الحزن مدينة لا يسكنــــها غيري .. أنــــــــــــــــــــا ...!!!
الجنس :
المشاركات: 4,857
افتراضي

يتبــع موضوع .... العدوى ومشروعية الوقاية

قال : فيكون معنى قوله : " لا عدوى" أي إلاّ من الجذام والبرص والجرب مثلاً.. وقد حكى ذلك ابن بطال أيضاً .
فنفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " لا عدوى " عام، وأما قوله : " وفرَّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد " وكذلك باقي الأحاديث التي تثبت وجود العدوى في أمراض معينة، كالأوبئة عامة والطاعون منها بشكل خاص والجرب، فإنها تخصص ذلك العام.
هذا والمعتمد عند الأصوليين أن " العام قطعي ولكنه يصير بالتخصيص حجة ظنية إذا كان قد خصص بقول وبذلك يكون عرضة لأن ينسخ بخبر الواحد وبالقياس . وحجتهم في ذلك أن دليل التخصيص قابل للتعليل، والتعليل من شأنه توسيع محل الحكم فصار العام بذلك محلاً لاحتمال أن يكون المراد به أقل مما يبقى بعد ما دل المخصص على عدم إرادته "[22].
فبتعليل تخصيص الجذام من لا عدوى بأنه مرض سار فيمكننا والله أعلم تخصيص كل الأمراض السارية التي يحددها الطب من قوله صلى الله عليه وسلم " لا عدوى " العام الذي يشمل كل الأمراض، وذلك قياساً على الجذام والجرب والطاعون والأوبئة الوارد فيها ما يثبت أنها أمراض معدية سارية.
ولو أن الجراثيم والأمراض السارية معروفة قديماً، لقال القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى : فيكون معنى قوله : " لا عدوى " أي إلاّ من الأمراض السارية، ولما قال : إلاّ من الجذام والبرص والجرب مثلاً. لاحظ قوله مثلاً، فإنه في غاية الدقة العلمية حيث يشير إلى أن الأمراض المعدية لم يرد حصر لها في السنة المطهرة .
إن هذا المسلك وإن اختلف مع الأول من حيث معنى النفي إلاّ أنه يمكن العمل بهما معاً، لأن المسلك الثاني يدفع التوهم عن الناس ويبين خطأ الاعتقاد بعدوى كل الأمراض، الذي يؤول إلى الوسوسة وتجنب كافة المرضى، ولذلك نفى العدوى عن غير الأمراض السارية. أما الأمراض السارية فالعدوى بها سبب من الأسباب له شروطه لينتج المسبب عادة . ولكن الشرط الأول الخفيّ عنا والذي لا ندركه إلا بعد حدوث المسبب هو إذن الله تعالى ومشيئته، لأن الخالق العظيم كما يملك فإنه يحكم.
فإذا أيقنا بكل ما سبق فهل معنى وجود العدوى في الأمراض السارية أن يتجنب الناس كلهم المرضى بمرض سار تجنباً مطلقاً يؤدي إلى إهمالهم وتناسي الواجبات الإنسانية تجاههم؟ لا فإن صحيح البنية وصحيح التفكير الخالي من الوسوسة، وكذلك أصحاب اليقين بالله تعالى، هؤلاء يأخذون بأسباب الوقاية الصحية العامة والخاصة بمرض من يحتاج إلى تطبيب وتمريض ورعاية، ويقدمون الخدمات الإنسانية كل في حدود اختصاصه. وهذا ما يشير إليه المسلك الثالث التالي.
3. المسلك الثالث (وهو الثاني في فتح الباري ) : هو حمل الخطاب، بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين، فحيث جاء لا عدوى كان المخاطب بذلك من قوى يقينه وصح توكله بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد، لكن قوى اليقين لا يتأثر به، وهذا مثل ما تدفع قوة الطبيع[23]العلة فتبطلها. وعلى هذا يحمل حديث جابر في أكل المجذوم من القصعة وسائر ما ورد من جنسه.
وحديث جابر " فرَّ من المجذوم" كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه ولم يتمكن من تمام التوكل، فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى، فأريد بذلك سد باب اعتقاد العدوى عنه بأن لا يباشر ما يكون سبباً لإثباتها.
وقريب من هذا كراهيته صلى الله عليه وسلم الكيّ مع إذن فيه، وقد فعل هو صلى الله عليه وسلم مع إذنه فيه، وقد فعل هو صلى الله عليه وسلم كلاً من الأمرين ليأسّى به كل من الطائفتين أ هـ .
أقول والله أعلم : إن هذا المسلك الذي ذكره الحافظ بن حجر يجب ألا يستقل تماماً عن المسلك الأول السابق، بل يؤخذ المسلك الأول كإيضاح لعقيدة المسلم في العدوى كسبب، ويؤخذ المسلك الثالث كخطة للعمل تجاه المصابين بالأمراض السارية، على أن توضح تلك الخطة بالحقائق الطبية الثابتة.
فحريّ بالطبيب والممرض أن يقوى يقينهما بالله تعالى واعتمادها عليه لتبتعد عنهما الوساوس والأوهام حينما يخالطان المرضى ويزاولان المهنة مع أخذهما بالوسائل الوقائية التي خلقها الله تعالى وجعلها بحكمته وسائل، وبذلك يتأدبان مع الحكمة الإلهية ويعتمدون على القدرة الربانية.
إن الكثير من المرضى بمرض سار أناس بان عجزهم ووضح ضعفهم، يحتاجون في معظم الحالات إلى الخدمة والرعاية فضلاً عن التطبيب والتمريض.
فقوة اليقين بالله وصحة التوكل عليه مطمئنة للنفس رافعة للروح المعنوية مشجعة عل القيام بالمعونة والواجب، ولو كان في أدائهما مصاعب ومخاطر .
أما ضعيف البنية والمقاومة أو ضعيف الاتكال على الله تعالى أو ضعيف النفس صاحب الأوهام سريع الوسواس، فليس بملزم على الاحتكاك بالمرضى، بل عليه في هذه الأحوال أن يبتعد عن أسباب العدوى حفاظاً على سلامة توحيده وعقيدته بالله تعالى، وحفاظاً على صحته الجسمية والنفسية.
وإذا كان المسلك الثالث يبحث في خطة العمل عند التسليم تجاه المريض بمرض سار، فإن المسلك الرابع يبحث في واجب هذا المريض ليحدّ من انتشار مرضه المعدي إلى الآخرين .
4. المسلك الرابع : سمعته من فضيلة أحد العلماء الأعلام وهو أن النفي في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا عدوى " هو نفي بمعنى النهي على غرار قوله " لا ضرر ولا ضرار [24]فإن الضرر بين الناس أمر واقع، فليس المقصود نفي وجوده وإنما المراد النهي عن إيقاعه أ هـ .
إن إيراد النهي بصيغة النفي يدل على المبالغة في النهي، فقولك : لا ضرر أبلغ في النهي من قولك : لا تضرّ وقولك : لا مزاح والأمر جد أبلغ في النهي من قولك : لا تمزح والأمر جد. وكذلك قول المعلم للتلميذ: لا لهو في الصف أبلغ من قوله لا تله.
فمعنى لا عدوى في هذا المسلك نهي عن مباشرة الأسباب التي تؤدي إلى سراية المرض إلى الآخرين . فعلى المصاب بالجرب مثلاً ألا يلمس الآخرين وألاّ ينام في فراش غيره، كما عليه أن يكافح مرضه. ومن كانت إبله مصابة بالجرب فعليه ألاّ يضعها إلى جانب إبل سليمة. ومن كان مصاباً بآفة سليّة مفتوحة على القصبات فعلية ألاّ يخالط الناس وأن يضع أمام فمه ما يصدّ به رذاذ سعاله عنهم إلخ.
إن النهي في مثل تلك الحالات مصرح به في أحاديث أخر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يورد ممرض على مصح" . وقال في الوباء : " وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" إن النهي عن الخروج واضح الحكمة بالنسبة لمرضى الوباء، لئلا ينشروا عدواهم إلى أماكن خالية من الوباء .أما حكمة النهي بالنسبة للأصحاء ظاهراً فلأن منهم من يكون حاملات للجرثوم، وهو غير مصاب لمناعته، أو يكون حاملاً للحشرات المحملات بجراثيم الوباء في ثيابه وحوائجه . وكثيراً ما يضطرب في الطب الحديث إلى حجر وعزل فئة أو حيّ أو بلدة أو قطر، وإلى حظر الناس من مغادرة المكان المحجور والدخول إليه، منعاً لانتشار الوباء إلى الأصحاء أو إلى أماكن سليمة. بل قد تضطر الدولة إلى إغلاق حدودها خوفاً من انتشار الوباء إليها كما فعلت بلغارية تجاه جائحة الكوليرا عام 1970، ولا يستثني من ذلك الحجر إلاّ من تسمح له الشروط الصحية التي تختلف بحسب نوع الوباء. وقد يكتفي بحجر السليم حجراً موقتاً بمدة حضانة الوباء ثم يسمح له بالانتقال إذا ثبتت سلامته مع تعقيم ثيابه وحوائجه حسبما يقتضي ذلك الوباء.
إن هذا المسلك الرابع في فهم " لا عدوى " يمكن تطبيقه في قوله صلى الله عليه وسلم " ولا طيره " المعطوف على " لا عدوى " فإن نفي الطيرة وهي التشاؤم لا يمكن أن يكون نفياً لوجودها بالجملة والكلية فإن كثيراً من الناس يتشاءموا .
وإبقاء معنى النفي في " ولا طيرة " يحتاج إلى تأويل هو : لا ارتباط بين وقوع ما تتوقعون من شر بما تتشاءمون منه. وما لا يحتاج إلي تأويل مقدم على ما يحتاج[25].
لقد ورد لبعض العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " لا عدوى " القول بأنه نهي عن الاعتداء ز قال في فتح الباري في آخر إيراده حديث باب لا هامة (الثاني ): وقيل معنى قوله (لا عدوى ) النهي عن الاعتداء، ولعل بعض من أجلب عليه إبلاً جرباء أراد تضمينه فاحتج عليه في إسقاط الضمان بأنه إنما أصابها ما قدر عليها وما لم تكن تنجو منه أ هـ .

أحببت أن أشير إلى هذا القول لتأكيد أن النفي في لغة العرب قد يراد منه النهي .
الخلاصة :
مما سبق يتبين أن الإسلام توسع في أسس الطب الوقائي بأحكامه التي تتعلق بالنظافة والطهارة في البدن والملبس والمأكل والمشرب والمكان، وبتحريمه ما يؤول إلى ضرر الإنسان كفرد أو عضو في المجتمع .
كما أن الإسلام أكد وجوب الابتعاد عن المصابين بالأمراض السارية (المعدية) . ووضع أسس العزل والحجر الصحي، وبيّن أن العدوى ليست في كل الأمراض، لأن منها ما هو سار ومنها ما ليس كذلك، وأن الأمراض السارية لا تعدي بطبعها مستقلة عن الإرادة الربانية . فإن الخالق الذي يؤمن به المسلم هو إله له الخلق وله الأمر، له الملك وله الحكم، لا كملوك الأرض التي قد تملك ولا تحكم . ولكنه تعالى شاء، وهو المتصف بأنه حكيم عليم خبير، ان تكون لكل مادة خواص وأن تكون علائق المخلوقات محكمة بقوانين ومقادير، وأن يجري كل ذلك بمشيئته تعالى، وأن تكون خوارق العادات نادرة تجري بإذنه تعالى لحكمة يريدها.
هذا وقد بيّن الإسلام أن المصاب هو أو بهائمه بمرض سار عليه أن يتجنب ما يسبب العدوى لغيره باتباع الطرق المعروفة في زمانه في حصر المرض ومنع انتشاره.
أما من يعرف سبل الوقاية من الأمراض، فلا بأس عليهم في الاقتراب من المرضى بالأمراض السارية وذلك لغاية صحية كتقديم العون والتمريض والمعاينة والمداواة، بل رفع الإسلام معنوية المؤمنين لأداء واجبهم في هذا المضمار على أكمل وجه، وبيّن أن فعل ذلك يجب أن يكون مقروناً بقوة التوكل على الله وسلامة النفس من الوساوس والأوهام، وإلاّ فليدع الإنسان المتوهم الموسوس تلك المهمات لمن هو أقوى يقيناً وأكثر اطمئناناً .
وختاماً : أرجو من المؤمنين المثقفين أن يثبتوا الوعي الصحي بين صفوف الأمة، وأن يبيّنوا لهم سبل الوقاية من الأمراض السارية عملاً بالإيجابية الإسلامية التي عبر عنها أسوة المسلمين رسول الإنسانية محمد صلوات الله عليه وسلامه بقوله :
" لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق"[26].

وإني قصدت في بحثي المطول جلاء المعاني في أحاديث العدوى والأمراض السارية، وإثبات مشروعية الوقاية، ليكون المؤمن المثقف على بينة من دينه وعلى حجة ساطعة حينما يتعرض لنقاش من غافل أو جاهل بالدين أو ملحد مغالط .
إيضاح:
لقد جاء في الأحاديث النبوية التي تنفي العدوى نفي لستة أمور يراد منه تصحيح العقيدة في الله تعالى وتخليصها من شوائب المعتقدات الجاهلية، كما يراد منه تصحيح الفكر وتحرير العقل وإبطال الخرافات التي كانت تسود المجتمع الجاهلي . إن هذه الأمور الستة المنفية هي : العدوى والطيرة والهامة والصفر والنوء والغول. وقد فصلت المراد من نفي العدوى، وأوضحت معنى نفي الطيرة، وهاكم معاني نفي الأمور الأربعة الباقية لخصلتها من فتح الباري إتماماً للفائدة :
هامة: هو نفي لحقيقة خرافة اعتقدها عرب الجاهلية، ونهي عن ذلك الاعتقاد في أن القتيل إذا لم يؤخذ بثأره تدور حول قبره هامة، زعم بعضهم أنها دودة تخرج من رأسه وزعم آخرون أن عظام الميت أو روحه تصير هامة، فتطير فذلك ما يسمونه بالطائر الصدى . ونقل القزاز زعماً آخر لبعض العرب فقال : الهامة طائر من طير الليل كأنه يعني البومة، لأنهم تيشاءمون منها، فإذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له نفسه أو بعض أهله، وهذا تفسير أنس بن مالك .
لا صفر : اختلف في معنى الصفر أيضاً، لاختلاف معتقدات القبائل العربية في جاهليتهم، فقيل المراد به شهر صفر، وذلك أن العرب كانت تحرم صفر وتستحل المحرَّم وهو النسيء، وبهذا قال مالك وأبو عبيدة، وقيل هو حيَّة تكون في البطن تصيب الماشية والناس وهي أعدى من الجرب عند العرب.
وقيل دود يكون في الجوف . وقيل كانوا يعتقدون أن في البطن دابة(دودة) تهيج عند الجوع وربما عضت الضلع أو الكبد فقتلت صاحبها، ورجح الإمام البخاري أن الصفر داء في البطن حيث عنون الحديث الخامس الذي ذكرته في نفي العدوى بقوله : باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن. أقول والله أعلم : إن المراد بنفي الصفر( على اختلاف معتقدات العرب في الجاهلية ) هو نفي لخرافات ولتوهمات في تشخيص مرض، ونهي عن اعتقاد ذلك وعن تبديل مكان الأشهر الحُرم، وعن اعتقاد استقلال تأثير الأسباب بطبائعها عن مشيئة الله تعالى .
لا نوء هو تكذيب لمعتقد عرب الجاهلية حيث كانوا يقولون : (مُطرنا بنوء كذا ) فأبطل صلى الله عليه وسلم ذلك، لأن المطر إنما يقع بإذن الله تعالى،لا بفعل الكواكب، وإن كانت العادة جرت بوقوع المطر في مناسبات زمانية وشروط جدية معينة، لكن بإرادة الله تعالى وتقديره، لا صنع للكواكب في ذلك .
لا غول : هي نفي لزعم عرب الجاهلية أن الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولاً، أي تتلون تلوناً، فتضلهم عن الطريق لتهلكهم وقد كثر في كلامهم غالته الغول أي أهلكته أو أضلته فأبطل صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا قول الجمهور .
والحمد لله رب العالمين .

[1] فقرات اللمحة الطبية السابقة مقتبسة عن كتاب فن الصحة للأستاذ الدكتور أحمد حمدي الخياط .

[2] إن فقرات الطاعون والجذام مقتبسة من كتاب فن الصحة للدكتور أحمد حمدي الخياط ومحاضرات الأمراض الإنتانية للدكتور بشير العظمة . أما فقرات الجرب والجرب الحيواني والبرص فمقتبسة من كتاب أمراض الجلد للدكتور حنين سياج.

[3] صدر حديث خرجه مسلم في أبواب الوضوء وغيرها كما خرجه النسائي وخرجه الترمذي بلفظ (الوضوء شطر الإيمان) وخرجه ابن ماجة بلفظ " إسباغ الوضوء شطر الإيمان" والصحيح الذي عليه الأكثرون أن المراد بالطهور ها هنا التطهير بالماء من الأحداث . ثم إن كل شيء تحته نوعان فأحدهما نصف له سواء كان عدد النوعين على السواء أو أحدهما أزيد من الآخر أ هـ . عن كتاب جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم لأبي الفرج عبد الرحمن الحنبلي البغدادي من علماء القرن الثامن الهجري.

[4] رواه البخاري : في كتاب الأشربة باب تغطية الإناء، ومعنى خمِّروا الطعام والشراب : غطوها.

[5] الحديثان في صحيح البخاري ـ كتاب الطب ـ وسعد الذي يحدثه أسامة هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه والد إبراهيم المذكور.

[6] رواه مسلم في السلام والبخاري في الطب وأبو داود وأحمد في مسنده .

[7] أخرجه مسلم من حديث عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه أ هـ فتح الباري .

[8] انظر الحديث الطويل عن خروج سيدنا عمر إلى الشام في البخاري كتاب الطب باب ما يذكر في الطاعون .

[9] أخرجه الهيثم بن كليب والطحاوي والبيهقي بسند حسن عن أبي موسى الأشعري أهـ فتح الباري.

[10] لأنها صفات لذات واحدة .

[11] سورة النساء ـ 149ـ 150 ـ انظر معنى هذه الآية في كتب التفسير .

[12] هذه القاعدة مشهورة لدى المحدثين ومدونة في كتب مصطلح الحديث. انظر شرح حديث لا عدوى في باب الجذام من كتاب الطب في فتح البار بشرح البخاري، وانظر بحث معرفة مختلف الحديث في كتب مصطلح الحديث كمقدمة ابن الصلاح، ولقد لاحظت أن هذه القاعدة غفل عنها بعضهم في عصرنا فتراه في رسائله يحكم على حديث بالشذوذ لمخالفة رواية الثقة من هو أوثق منه مع إمكانية الجمع بين حديثيهما بوجه صحيح . أو تراه يسلك في قسم من رسالته مسلك الترجيح بين حديثين متضادين في المعنى بحسب الظاهر مع إمكانية الجمع بينهما بوجه صحيح ثم تراه في قسم آخر يطبق تلك القاعدة .

[13] رواه البخاري في كتاب الطب عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[14] رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه

[15] رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه

[16] رواه الترمذي في كتابه الأطعمة، وأخرجه أبو داود وقال الترمذي عنه : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد وقد روى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن أبي بريدة أن ابن عمر أخذ بيد مجذوم وحديث شعبة أثبت عندي وأصح أهـ . وهكذا فإن الترمذي رجح وقفه على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

[17] رواه البخاري في باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن.

[18] رواه البخاري في باب الجذام عن أبي هريرة رضي الله عنه

[19] أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوكل من حديث عائشة رضي الله عنها كشاهد لحديث أبي هريرة السابق أ هـ فتح الباري عند شرح أحاديث باب الجذام وسأذكر في نهاية البحث إن شاء الله تعالى أيضاحاً لمعنى ما ورد في الأحاديث السابقة من نفي الهامة والصفر والنوء والغول .

[20] سبق أن بينت أن الترمذي رجح وقفه على ابن عمر وقال عن رواية رفعه إنها ضعيفة غريبة .

[21] بينت عند كلامي عن البرص أنه لم تثبت عدواه في الطب الحديث، ولا تزال آلية حدوثه مجهولة، هذا وإن عبارة البيهقي تدل على أنه لفهم الأحاديث الطبية يرجع إلى علوم الطب والأطباء ذوي الخبرة والتجارب.

[22] أصول الفقه للمرحوم الشيخ محمد الخضري ـ بحث حجية العام المخصص.

[23] قوة طبيعة الجسم هي مقاومة الجسم ومناعته في العرف الطبي الحديث.

[24] هو الحديث الثاني والثلاثون من الأربعين النووية قال عنه الإمام النووي حديث حسن رواه ابن ماجة والدار قطني وغيرهما مسنداً عن أبي سعيد الخدري وله طرق يقوي بعضها بعضاً وقال ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم لم يخرجه ابن ماجه، وإنما أخرجه الدار قطني والحاكم والبيهقي .

[25] أترك بحث التشاؤم وأثره على النفس وخطة العمل للتخلص منه، أتركه إلى المؤمنين المختصين بعلم النفس والمطلعين على تعاليم الإسلام ودراسة أعلامه السابقين

[26] رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنهما
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 13 ( الأعضاء 0 والزوار 13)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الى ملقى الشفاء عبر الفيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 291.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 285.17 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (2.02%)]