شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله - الصفحة 3 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين إضغط هنا / وبإمكانكم التواصل معنا مباشرة عبر خدمة واتس اب - Whats App / 009613654576

 
اخر عشرة مواضيع :         نمورة (اخر مشاركة : سامية عبدالرحمن - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          غواكامولي (اخر مشاركة : سامية عبدالرحمن - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          دعاء النوم (اخر مشاركة : نجاة عبدالصمد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          دعاء الشفاء (اخر مشاركة : نجاة عبدالصمد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          اذكار النوم (اخر مشاركة : نجاة عبدالصمد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          حديث عن الوطن (اخر مشاركة : نجاة عبدالصمد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          طريقة عمل الكيكه (اخر مشاركة : سامية عبدالرحمن - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الاتجاهات الحديثة فى تدقيق وضبط مخاطر الإحتيال المالى [email protected] (اخر مشاركة : خولة عكام - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          التسويق الإبداعي [email protected] (اخر مشاركة : خولة عكام - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الأندلس من الفتح إلى السقوط (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 709 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21  
قديم 25-02-2019, 07:55 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,914
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(21)

باب رد السلام بعد الوضوء - باب النهي عن الاستطابة بالعظم

لقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى آداب كثيرة، ومن ذلك: أنه أرشدهم إلى تجنب الاستطابة بالعظم؛ لأنه طعام إخواننا من الجن، وكذلك مما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله عدم رد السلام أثناء قضاء الحاجة؛ لكونه ذكراً، ولا يجوز الذكر أثناء قضاء الحاجة.

رد السلام بعد الوضوء

شرح حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [رد السلام بعد الوضوء.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: (أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول؛ فلم يرد عليه حتى توضأ، فلما توضأ رد عليه) ].هنا أورد النسائي ترجمة أخرى وهي: رد السلام بعد الوضوء، والمقصود من ذلك: ما جاء في رد السلام بعد الوضوء، وأورد فيه حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول, فلم يرد عليه حتى توضأ فرد عليه السلام).وهذا الحديث تكلم فيه بعض العلماء من جهة أنه من رواية الحسن وهو البصري ، فقد رواه بالعنعنة، وهو يدلس ويرسل، وتكلم فيه بعض العلماء لهذه العلة، والشيخ الألباني قال: إن الكلام في رواية الحسن إنما هو عن الصحابة، أما روايته عن التابعين - وهنا يروي عن حضين أبي ساسان وهو تابعي - فلا تكون من هذا القبيل، وقال: إن للحديث شاهداً من طريق آخر فيه كلام، ولكنها تشهد لهذه الطريق التي جاءت من طريق الحسن، واعتبر الحديث صحيحاً، وقال: إنه يدل على أن رد السلام على غير طهارة مكروه، أو أنه خلاف الأولى، ومن باب أولى أن تكون قراءة القرآن كذلك، ومن المعلوم أن قراءة القرآن جائزة وسائغة إلا في حال الجنابة، فهو الذي يمنع من قراءة القرآن، أما غيره فإنه يقرأ القرآن وإن كان على غير وضوء ما دام أنه ليس جنباً، فله أن يقرأ القرآن وله أن يذكر الله عز وجل.فهذا الحديث أولاً فيه كلام في ثبوته، وإذا ثبت فيكون المراد منه: الإشارة إلى أن الأولى في السلام وفي ذكر الله عز وجل وفي قراءة القرآن أن يكون على طهارة، ولكنه لا يدل على التحريم، وأن ذلك غير سائغ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يرد وهو على غير طهارة، واتبع ما هو الأولى, وإلى ما هو الأفضل، وأما أن يكون حراماً والإنسان لا يذكر الله إلا على طهارة، أو لا يقرأ القرآن إلا وهو على وضوء؛ فهذا ليس بواضح.إذاً: فالحديث إذا ثبت ليس فيه إلا الإشارة إلى الأولوية وإلى الأفضل والأكمل، لا على التحريم والمنع، وقد عرفنا الحديث الذي مضى الذي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه، وقالوا: إن هذا فيه تأديب له، وفيه تنبيه له إلى أن الذي يبول لا يسلم عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه وهو يبول لما سلم عليه؛ لأن الذي يبول لا يذكر الله عز وجل، والسلام فيه ذكر لله عز وجل، والحديث هذا لا يتعارض مع ذاك إلا من ناحية أن الفرق بينهما: أن الكل فيه سلام إلا أن الأول ما فيه رد والثاني فيه رد بعد الوضوء وبعد الفراغ من البول، ولا شك أن ذكر الله عز وجل وكون الإنسان يكون على طهارة أولى، لكن كونه ممنوعاً, وكونه لا يسوغ فهذا ليس بواضح من الحديث إذا صح الحديث.

تراجم رجال إسناد حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ...)

قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].ومحمد بن بشار هو بندار ، وقد مر ذكره مراراً، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت فيما مضى: أن محمد بن بشار الملقب بندار ، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي هؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتوا في سنة واحدة وهي :سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري -الذي هو أول أصحاب الكتب موتاً- بأربع سنوات، فهم من صغار شيوخه الذين كانت وفاتهم قريبة من وفاته، وأما كبار شيوخه الذين أدركهم في صغره وفي كبرهم وماتوا في وقت مبكر, مثلاً: سنة مائتين وعشرة, أو مائتين وخمسة عشرة, أو ما كان قريباً من ذلك؛ فهؤلاء شيوخه الكبار، وأما شيوخه الصغار الذين هم مقاربون له في الطلب، ووفاتهم قريبة من وفاته؛ لأن أكثر حياته وهو مدرك لهم، أو كل حياته وهو مدرك لهم؛ لأنه ما بينه وبينهم إلا أربع سنوات، وأما الكبار الذين ماتوا سنة مائتين وعشرة, أو مائتين وخمسة عشر, فهؤلاء بينه وبينهم عشرات السنين في الوفاة.فـمحمد بن بشار لقبه بندار ، وهو شيخ لأصحاب الكتب، وهو من الثقات الحفاظ. [ حدثنا معاذ بن معاذ ].وهو: معاذ بن معاذ البصري ، وهو ثقة, من رجال الكتب الستة. [ حدثنا سعيد ].وفي بعض النسخ: شعبة بدل سعيد ، لكن إذا رجعنا إلى ترجمة معاذ بن معاذ في تهذيب التهذيب، واستعرضنا شيوخه نجد أن فيهم: سعيد بن أبي عروبة , وليس فيهم شعبة ، فعرفنا أنه سعيد وليس شعبة الذي جاء ذكره في بعض النسخ.وفي شيوخ معاذ بن معاذ ممن يسمى سعيداً واحد، وهو: سعيد بن أبي عروبة , وهو ثقة, حافظ, إلا أنه كثير التدليس, واختلط أيضاً, وهو من رجال الجماعة، وقيل: إنه أثبت الناس في حديث قتادة ، وهذا معناه: أنه متمكن في حديث قتادة .[ عن قتادة ].هو: ابن دعامة السدوسي الذي مر بنا قريباً في حديث البول في الجحر، وقيل له: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: إنه يقال: إنها مساكن الجن. وهو من رجال الجماعة، وهو حافظ متقن، وهو من الحفاظ المتقنين، وهو مدلس. [ عن الحسن ].وهو الحسن البصري بن أبي الحسن ، وهو ثقة, إمام, إلا أنه يرسل ويدلس، وهو من أصحاب الكتب الستة.فعندنا في هذا الإسناد: محمد بن بشار , ومعاذ بن معاذ, وسعيد بن أبي عروبة، وقتادة، والحسن البصري ،كل هؤلاء من رجال الجماعة، والخمسة كلهم من رجال أصحاب الكتب الستة.[ عن حضين أبي ساسان ].وأبو ساسان هذا لقب وليست كنيته، يقال: كنيته أبو محمد , ولقبه أبو ساسان ، وهو على صيغة الكنية، وهذا مثل أبي الزناد الذي يروي عن الأعرج فهو لقب وليس بكنية، وهذا مثله فـأبو ساسان لقب وليس بكنية، يعني: ليس له ابن اسمه ساسان، وإنما يلقب أبا ساسان ، وهو ثقة من الثانية، خرج حديثه مسلم, وأبو داود, والترمذي, والنسائي.وكونه لا يوجد إلا في مسلم فهذا غلط واضح؛ لأن الحديث في النسائي ، فهو من رجاله، فأنا كنت أظن أن رمز الميم هذه أربعة، يعني: أنه من رجال الأربعة، ولكن بعدما رجعت إلى الكتب الأخرى التي تترجم له في الخلاصة وفي غيرها وإذا هي: ميم دال سين قاف، يعني: مسلم, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجه، فالنسبة أو الرمز له هنا بالميم وحدها هذا لا شك أنه غلط، وهذا في الحقيقة من معايب الرموز في بعض الأحيان، وكما قلت لكم: المزي رحمة الله عليه لا يرمز للشخص الذي يترجم له، وإنما يذكر بعدما يدخل في الترجمة الذين خرجوا له بأسمائهم، فلان وفلان وفلان، فهذه طريقة المزي، ولكنه يرمز للشيوخ والتلاميذ عندما يقول: روى عن فلان وفلان وفلان فيذكر فوق الاسم رمز من خرج له، ولكن الشخص الذي يترجم له لا يرمز له، وإنما يأتي في آخر ترجمته ويقول: روى عنه فلان وفلان وفلان، ويذكر أصحاب الكتب الذين خرجوا حديثه بأسمائهم، بالألفاظ لا بالرموز، فالرمز خطأ واضح؛ لأن الحديث في النسائي فالإنسان عندما يجد الميم يعرف أن الأمر غلط واضح. [ عن المهاجر بن قنفذ ].والمهاجر بن قنفذ صحابي، ويقال: إن المهاجر وقنفذ لقبان، وأنهما ليسا اسمين، لكنهما مشهوران، ولهذا يذكرون الترجمة باسم المهاجر بن قنفذ ؛ لأنه مشتهر بذلك، سواء كان لقباً أو اسماً، لكن يقال: إنهما لقبان, واسمه عمرو بن خلف ولكنه مشهور بـالمهاجر بن قنفذ ، ويذكرون ترجمته في حرف الميم في المهاجر ولا يذكرونه بـعمرو بن خلف، وهو الصحابي الذي يروي الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
النهي عن الاستطابة بالعظم

شرح حديث: (إن رسول الله نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن الاستطابة بالعظم. أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح أنبأنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث) ].يقول النسائي رحمة الله عليه: النهي عن الاستطابة بالعظم.الاستطاب� � المراد بها: الاستنجاء أو الاستجمار، وهي: إزالة النجاسة وتطييب محلها وتطييب موضعها، فقيل لها الاستطابة؛ لأن فيها إزالة النجاسة, وجعل محلها نزيهاً نظيفاً، فهذه هي الاستطابة، وهي تكون بالحجارة وتكون بالماء.وهذه الترجمة هي النهي عن الاستطابة بالعظم، وقد أورد النسائي فيها: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث) ، وهو مشتمل على النهي عن الاستطابة بالعظم والاستطابة بالروث، وقد عقد ترجمة أخرى تتعلق بالاستطابة بالروث وأتى بحديث آخر يدل على ما دل عليه هذا الحديث، وهذا من طريقة النسائي رحمة الله عليه في إيراده الأحاديث المختلفة التي تشتمل على موضوعات، ويستدل على كل موضوع منها بالحديث، إما أن يكون الحديث واحدا ويأتي من طريقين، أو يكون الحديث جاء عن جماعة من الصحابة, فيورده عن صحابي في موضع ويورده عن صحابي آخر في موضع آخر.والنهي عن الاستطابة بالعظم عللها بعض العلماء بأن العظم قد يكون نجساً فتكون الاستطابة به بنجاسة، وهذا على أنه عظم ميتة، وهذا على القول بأن عظم الميتة تحله النجاسة، وفيه خلاف بين العلماء.ومنهم من قال: إنما نهي عنه لملاسته وكونه أملس -أي: العظم- فلا يحصل منه الإنقاء والتنظيف.ولكن التعليل الأوضح هو: الذي جاء في بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لما سئل عنها قال: (إن العظم طعام إخوانكم من الجن) فهذا هو الذي يدل على الحكمة, وعلى وجه المنع أنه طعام إخواننا من الجن، فالاستنجاء به أو الاستطابة به تقذره عليهم، فنهي عن الاستنجاء به، وقد جاء ذلك مبيناً في بعض الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث)

قوله: [ أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح ]. وهذا يأتي لأول مرة، اسم هذا الرجل الذي هو من شيوخ النسائي لم يسبق ذكره في الأحاديث الماضية، وهو مصري، وكنيته أبو الطاهر ، وقد روى عنه مسلم في صحيحه كثيراً، وكثيراً ما يقول مسلم : حدثنا أبو الطاهر بن السرح، فكثيراً ما يذكره مسلم بكنيته، وأحياناً ينسبه مع كنيته، وهو مصري, ثقة, أكثر عنه الإمام مسلم كما ذكرت، وقد خرج حديثه مسلم, والنسائي كما هو موجود عندنا، وكذلك أبو داود وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري, ولا الترمذي ، وهو شيخ لهؤلاء الأربعة الذين هم: مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه، فهو شيخ لهم رووا عنه وأخذوا عنه.[ أنبأنا عبد الله بن وهب ].هو عبد الله بن وهب المصري، المشهور الذي هو محدث وفقيه، وكثيراً ما يأتي ذكره في الأحاديث، وكثيراً ما يأتي ذكره في كتب الفقه، فهو ثقة ثبت، وهو محدث وفقيه، وهو مصري أيضاً كتلميذه أحمد بن عمرو بن السرح، فهما مصريان، وقد خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. [ أخبرني يونس ].وهو: يونس بن يزيد الأيلي هذا أيضاً مر بنا ذكره، وهو ثقة ومن رجال الجماعة أيضاً.[ عن ابن شهاب ].وابن شهاب مر ذكره مراراً، وهو المحدث, الفقيه, المعروف بجلالته وإمامته، وهو أول من جمع السنن بتوجيه وأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو الذي قال فيه السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروذكرت فيما مضى: أن ابن شهاب مشهور بنسبتين: بنسبته إلى شهاب وهو من أجداده وليس هو جده القريب، وإنما هو جد من جملة أجداده الذين هم في عمود نسبه، وكذلك أيضاً الزهري نسبة إلى جده زهرة بن كلاب بن مرة بن غالب بن لؤي ، يجتمع مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جده كلاب، وزهرة أخو قصي ، وهذا زهرة بن كلاب ، فهو مشهور بالنسبة إلى جده زهرة، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب، وسبق أن ذكرت لكم نسبه إلى زهرة، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، فهذا هو النسب الذي ينسب إليه بالنسبة الأولى. فهو ينسب إلى زهرة, ويقال له: الزهري، وينسب إلى جده, فيقال: ابن شهاب ، فأكثر ما يأتي ذكره ولا يكاد يعرف في الأسانيد إلا بهذين اللفظين: ابن شهاب, أو الزهري ، وهو محمد بن مسلم، ويوافقه في هذا الاسم من المحدثين: أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس ، وهو مكي يوافقه في اسمه واسم أبيه، هذا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله وهذا محمد بن مسلم بن تدرس.[ عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي ].وهو أبو عثمان بن سنة الخزاعي ، وأبو عثمان بن سنة هذا روى عنه الزهري كما هو هنا، وقد ذكر عنه الحافظ في التقريب أنه مقبول، ورمز بأن حديثه خرجه النسائي, وابن ماجه في التفسير، ورمز له بـ(س) للنسائي , وبفاء وقاف لـابن ماجه في التفسير؛ لأن القاف لـابن ماجه والفاء للتفسير، فإذا رمز له بالفاء والقاف معاً مقرونتان فهو ابن ماجه في التفسير.وكونه مقبولاً، فمن يوصف بأنه مقبول لا يقبل حديثه إلا إذا اعتضد، وإذا توبع أو شاركه غيره. ومن المعلوم أن الاستنجاء بالعظم والروث جاء فيه أحاديث كثيرة ثابتة في الصحيحين وفي غيرهما، فإذاً الحديث ثابت؛ لأنه لم يتفرد به، بل جاء من طريق غيره فيكون الحديث ثابتاً, فإنه لم ينفرد، بل جاء عن جماعة من الصحابة، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة عن أن يستطاب بالعظم والروث، ومن ذلك الحديث الذي بعد هذا.وما أدري إذا كان خرج له ابن ماجه في السنن, لأنهم لا يرمزون له بالفاء والقاف إلا إذا كان ليس في السنن، لأنه إذا كان في السنن فإنهم يكتفون به عنده، ولو كان عنده في خارجها، ولكن إن لم يرو له في السنن أتوا بالرمز له، وأنا لا أدري إذا كان خرج له ابن ماجه في السنن.[ عبد الله بن مسعود ].أما عبد الله بن مسعود فهو: ابن غافل الهذلي ، وهو من هذيل، ومن المهاجرين ومن السابقين الأولين، وهو من أهل العلم من علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم جميعاً، وقد خرج حديثه الجماعة، وقد ذكر في الخلاصة أن له ثمانمائة وثمانية وأربعين حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بواحد وعشرين، وانفرد مسلم بخمسة وثلاثين، فهو قد روى الكثير، ولكنه ما عد من السبعة المكثرين؛ لأنه دونهم وإن كان قد روى الكثير من الأحاديث، لأن ثمانمائة حديث شيء كثير، ولكن ذكر السبعة الذين تكرر ذكرهم لكونهم قد زاد حديثهم على الألف، وأما ابن مسعود رضي الله عنه فقد روى هذه الأحاديث الكثيرة, ولكنه ما عد فيمن بلغوا الغاية في الكثرة، حيث جاوز حديثهم الألف.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #22  
قديم 25-02-2019, 07:56 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,914
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(22)


باب النهي عن الاستطابة بالروث - باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

من الآداب التي ينبغي للمسلم مراعاتها عند قضاء الحاجة ألا يستجمر بالروث والرمة، لأنها لا تطهر موضع النجاسة؛ ولأنها طعام دواب الجن. ومن الآداب كذلك ألا يكتفي بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأن بها يكون الإنقاء والإيتار.
النهي عن الاستطابة بالروث

شرح حديث أبي هريرة في النهي عن الاستطابة بالروث

قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن الاستطابة بالروث.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى يعني ابن سعيد عن محمد بن عجلان أخبرني القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة) ].أورد النسائي هذه الترجمة: باب النهي عن الاستطابة بالروث؛ لأن الترجمة السابقة: النهي عن الاستطابة بالعظم، وهنا النهي عن الاستطابة بالروث، وكان بإمكانه أن يقول: النهي عن الاستطابة بالعظم والروث ثم يأتي بالأحاديث التي وردت في هذا وفي هذا، لكنه أراد أن يعدد المسائل الفقهية، والمسائل التي يستدل عليها، وأن يفرد كل مسألة بحديث، فمن أجل هذا فعل هذا، وإلا كان بإمكانه أن يضم، لكنه هذه طريقته -كما قلت لكم سابقاً- وهي مثل طريقة البخاري , وكتابه كتاب دراية كما أنه كتاب رواية: ففيه فقه وحديث، فيه سنة وما يستنبط من السنة الذي هو الفقه، والفقه في التراجم، ويقولون عن البخاري : إن فقهه في تراجمه، وكذلك يقال في النسائي أيضاً: إن فقهه في تراجمه، بل إنه يشبه البخاري في الدقة في التعبير, وفي الدقة في وضع الترجمة، ومما يدل عليه ما سبق أن مر من الأمثلة، وأوضحها الترجمة التي سبق أن مرت: الرخصة في الاستياك بالعشي للصائم، ويورد تحتها حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، النسائي أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الترجمة وحديث أبي هريرة يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم) وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم تمهيداً لما بعده من بيانه للأمور التي هي آداب قضاء الحاجة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد) بل هو أعظم من الوالدين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، يجب أن يكون أحب إلى كل مسلم من والديه وأولاده والناس أجمعين؛ لما ثبت في حديث أنس بن مالك في الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ، فهو عليه الصلاة والسلام ذكر أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم) وهو عليه الصلاة والسلام أحرص وأعظم من الوالدين في التعليم والبيان؛ لأنه أنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحاً, وأكملهم بياناً, وأفصحهم لساناً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكنه قال هذا التمهيد؛ لأن من شأن الوالد أن يكون حريصاً على تعليم ولده كل شيء، حتى الأمور التي يحتاج إليها مما يستحيا من ذكرها.فالرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه يبين لهم كل ما يحتاجون إليه، وأن الوالد هذا شأنه أن يحرص على تعليم ولده كل ما يحتاج إليه، ولو كان من الأمور التي يُستحيا منها، ومن ذلك: ما يتعلق بقضاء الحاجة, وما إلى ذلك.ثم بين عليه الصلاة والسلام ما بهذا التمهيد، فقال: ( إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها )، يعني: عند قضاء الحاجة لا يستقبل القبلة -أي: لا يتجه إلى الكعبة وهو يقضي حاجته- ولا يستدبرها، وقد مرت الأبواب في موضوع الاستقبال والاستدبار، لكن المقصود من إيراد الحديث هو ما يأتي من ذكر الروث والرمة.( ولا يستنجي بيمينه )؛ أي: لا يستعمل اليمين وهو يستنجي، وإنما يستعمل اليسار، وهذا سبق أن مر في أبواب عدم الاستنجاء باليمين والنهي عن ذلك.( وكان يأمر بثلاثة أحجار عند الاستنجاء )؛ أي: أمر بأخذ ثلاثة أحجار يستنجي بها عندما ينتهي من قضاء حاجته، ويزيل أثر الخارج بالحجارة، ويكون ذلك ثلاثاً، والأمر بالثلاثة ليكون جامعاً بين الإيتار والإنقاء؛ لأن الثلاثة تنقي وأيضاً هي وتر، وقد جاء في بعض الأحاديث التنصيص على الإيتار في الاستنجاء، وهنا ذكر أن الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار؛ لكونها وتراً، ولكونها تنقي ويحصل بها الإنقاء والتنظيف والتطهير والتطييب الذي عبر عنه بالاستطابة. (ونهى عن الروث والرمة) هذا هو محل الشاهد من النهي عن الاستطابة بالروث والرمة.والرمة: هي العظم، وقيل أن المراد بها: العظم البالي، قالوا: وإذا كان النهي ورد وإن كان بالياً فإن غيره من باب أولى، وقد جاء الحديث بالإطلاق في ذكر العظم، فسواء كان موصوفاً بأنه بالٍ أو غير بال كل ذلك يدخل تحت العظم المنهي عنه في الاستعمال، وقد عرفنا ما يتعلق بالاستنجاء بالعظم في الباب الذي قبل هذا، أما ما يتعلق بالروث -وهو الذي ترجم له في هذا الحديث- فقد جاءت أيضاً السنة في بيان الحكمة في المنع منه في الحديث الذي ورد فيه النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، فقال: ( إن العظم طعام إخوانكم من الجن، والروث طعام دوابهم ).فإذاً: التعليل الواضح الذي جاء به الحديث الصحيح أن النهي لحكمة وهي: عدم إفساد الطعام على الجن وكذلك عدم تلويث وتقذير الطعام الذي هو لدواب الجن, كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والعظم البالي هو: العتيق القديم الذي يؤكل ومضى عليه مدة طويلة حتى صار يتفتت. أما الاستقبال والاستدبار في غير قضاء الحاجة ما أعلم أن شيئاً يمنع منه، لا عند النوم ولا عند الجلوس، فكون الإنسان يمد رجله إلى القبلة لا أعلم شيئاً يمنع منه.

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في النهي عن الاستطابة بالروث

قوله: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ].هو: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وقد ذكرت لكم قبل مدة: أن الدورقي يعقوب بن إبراهيم شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه، وذكرت لكم: أن هناك شخصين يماثلانه بكونهم شيوخ لأصحاب الكتب، وبكونهم ماتوا معه في سنة واحدة -وهي سنة مائتين واثنين وخمسين- وهما: محمد بن بشار الملقب بـبندار، ومحمد بن المثنى الملقب بـالزمن ، فإن هذين مع هذا الذي هو يعقوب كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكل منهم مات في سنة مائتين واثنين وخمسين، بل إن الاثنين الآخرين -وهما: محمد بن المثنى , ومحمد بن بشار- اتفقا في شيء أكثر من هذا؛ فإنهما اتفقا في سنة الولادة وسنة الوفاة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ، وهم في طبقة واحدة من البداية حتى النهاية، حتى قال الحافظ ابن حجر : وكانا كفرسي رهان؛ أي: لا أحد منهما يسبق الآخر، فكل واحد منهما بجوار الآخر.[ حدثنا يحيى يعني: ابن سعيد ].يحيى بن سعيد ، هو: ابن سعيد القطان الإمام, المحدث, الناقد الذي هو إمام في الجرح والتعديل، وهو من رجال الجماعة، وقد ذكرت فيما مضى فائدة تتعلق به عن الذهبي, ومعه شخص آخر يشاركه فيها؛ وهو عبد الرحمن بن مهدي ، يقول الذهبي عنهما في كتاب من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: إنهما إذا جرحا شخصاً؛ فإنه لا يكاد يندمل جرحه، ومعناه: أنهما إذا جرحاه؛ فإن جرحهما أصاب الهدف، وهذا يدل على تمكنهما، وأنهما إذا اجتمعا على شخص فمعنى ذلك: أنه يتمسك بكلامهما؛ لأن جرحهما لا يكاد يندمل إذا جرحا شخصاً واتفقا على جرحه.وذكرت أيضاً: أن هذا الشخص يأتي في طبقته شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد؛ لأنه من طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة, وهو يحيى بن سعيد الأموي ولكن الإكثار من الرواية هو عن القطان . ثم أيضاً من علامة الأموي أنه يروي عنه ابنه سعيد ، فإذا جاء في الإسناد: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثني أبي؛ فالمقصود به: الأموي ، أو قال: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثنا يحيى بن سعيد؛ فالمقصود به الأموي ، أما يحيى بن سعيد القطان فهو أكثر رواية وأكثر شهرة. وقوله: (يعني) هذا مثل (هو) الذي ذكرته فيما مضى، فإن هذه اللفظة (هو) و(يعني) يأتون بها؛ لأن التلميذ الذي هو يعقوب بن إبراهيم عندما روى عن شيخه يحيى اكتفى بكلمة (يحيى) ما قال: يحيى بن سعيد، فالذين جاءوا بعده -النسائي ومن دون النسائي- أرادوا أن يوضحوا يحيى فقالوا: (يعني ابن سعيد) فكلمة (يعني) قالها من دون الدورقي ، وفاعلها الدورقي ؛ لأن كلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل؛ لأن كلمة (يعني) فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر يرجع إلى الدورقي، والذي دون الدورقي أتى بكلمة (يعني) فهو قائلها، وليس قائلها الدورقي؛ لأن الدورقي لا يحتاج أن يقول: (يعني)، بل يقول: فلان بن فلان ويذكر اسمه إلى عشرة أجداد، فكلامه لا يحتاج إلى كلمة (هو) ولا يحتاج إلى كلمة (يعني).[ عن محمد بن عجلان ].محمد بن عجلان، هذا يأتي لأول مرة؛ ما سبق أن جاء ذكره في الأحاديث الماضية، ومن الأشياء اللطيفة التي ذكروها في ترجمته، قالوا: إن أمه حملت به أكثر من ثلاث سنوات؛ أي: بقي في بطنها أكثر من ثلاث سنوات. وهو صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة وهذا منها، وقد روى له البخاري تعليقاً, ومسلم, والأربعة رووا عنه. لكن -كما عرفنا- حديث العظم والروث جاء في أحاديث ثابتة، فلا يؤثر كونه اختلط في حديث أبي هريرة.

ترجمة القعقاع بن حكيم وأبي صالح

[ أخبرني القعقاع ].القعقاع هذا أيضاً يأتي لأول مرة ذكره في رجال النسائي، والقعقاع في رجال النسائي شخصان هما: القعقاع بن حكيم، والقعقاع بن اللجلاج، وهما في طبقة متقاربة، إلا أن ابن اللجلاج مجهول، وانفرد بالإخراج له النسائي. وأما ابن حكيم فهو ثقة. فكيف نعرف الاسم المبهم المهمل الذي ما نسب هنا؟ نقول: الحديث رواه أبو داود ورواه ابن ماجه ، وفي أسانيد ابن ماجه ذكر مرتين، وعند أبي داود من طريقه كلها يقول: القعقاع بن حكيم، ففي هذه الطرق الثلاث: طريق عند أبي داود، وطريقان عند ابن ماجه يقولون فيها: القعقاع بن حكيم، إذاً: عرف المقصود والمعني هنا بأنه القعقاع بن حكيم.والقعقاع بن حكيم ثقة، روى عنه البخاري في الأدب المفرد، وروى عنه مسلم والأربعة، فهو مثل ابن عجلان إلا أن ابن عجلان في الصحيح تعليقاً، وهذا روى عنه في الأدب المفرد. وكتاب الأدب المفرد كتاب مستقل، قيل: إنه سمي بالأدب المفرد؛ حتى يتميز عن الأدب الذي بداخل الصحيح؛ لأن في داخل الصحيح كتاباً اسمه كتاب الأدب، وخارج الصحيح كتاباً اسمه الأدب المفرد، إذاً: فهو كتاب مستقل سماه: الأدب المفرد؛ حتى يتميز عن الأدب الذي بداخل الصحيح؛ لأن جملة كتب البخاري في صحيحه سبعة وتسعين كتاباً، وأحد هذه الكتب السبعة والتسعين كتاب الأدب، فسمي كتاب الأدب المفرد لكي لا يلتبس بكتاب الأدب في داخل الصحيح.[عن أبي صالح ]. أبو صالح هو: السمان، ويقال له: الزيات، واسمه ذكوان الزيات, أو ذكوان السمان، وأحياناً يأتي ذكره باسمه فيقال: ذكوان، وأحياناً يأتي ذكره بكنيته -وهو كثير كما هنا- أبو صالح، وسمي بـالسمان؛ لأنه كان يبيع السمن والزيت، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة, حافظ, وكثيراً ما يروي عنه ابنه سهيل بن أبي صالح، لكن البخاري ما خرج لـسهيل بن أبي صالح، فليس من رجاله؛ لكن روى عن أبيه كثيراً. أما مسلم فقد أكثر من الرواية عن سهيل عن أبيه، فـسهيل بن أبي صالح عن أبيه موجود بكثرة في صحيح مسلم .[عن أبي هريرة ].أبو هريرة جاء ذكره كثيراً فيما مضى، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، فالمكثرون من الصحابة سبعة، وأكثرهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. وأبو هريرة هو نفسه جاء في صحيح البخاري عنه يقول: (لا أعلم أحداً من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب). لكن أجاب العلماء عما وجد من كثرة حديث أبي هريرة وقلة حديث عبد الله بن عمرو -حيث كان دون ما رواه أبو هريرة- بأجوبة عديدة؛ منها: أن أبا هريرة كان مقيماً في المدينة، وكانت المدينة يرد إليها الناس فيصدرون منها، ومن المعلوم أن من كان في المدينة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء الناس من خارجها إليها أنفس ما عندهم أن يبحثوا عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم, ويلتقوا بهم ويتلقوا عنهم العلم، فكثر الآخذون عنه، وهو أيضاً يأخذ عن الصحابة الذين يأتون، ومن المعلوم أن مراسيل الصحابة حجة، فهو إما أن يأخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان ملازماً من حين أسلم في عام خيبر للرسول صلى الله عليه وسلم في بقية حياته، وكان مقيماً في المدينة.ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دعا له كان يحفظ كل ما يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما يسمعه من غيره رضي الله عنه وأرضاه.
النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

شرح حديث سلمان في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: ( قال له رجل: إنَّ صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة؟! قال: أجل! نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأيماننا، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، هذه الترجمة عقدها النسائي بالرغم من أن الحديث الذي قبله مشتمل على ما استندت عليه هذه الترجمة، أو يدل على هذه الترجمة، وهو: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يستنجى بثلاثة أحجار )، لكن هنا أورد هذه الترجمة المشتملة على النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، وأورد فيها حديث سلمان: (أنه قال له رجل: إن صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة؟!) وهذا الرجل جاء في بعض الطرق عند ابن ماجه أنه من المشركين، وقال هذا على سبيل الاستهزاء, أو على سبيل العيب؛ لكن سلمان رضي الله عنه وأرضاه ما قابل ذلك الكلام بالذم أو التوبيخ، بل قابله بالإثبات, وأن هذه ممدحة ومحمدة، وهو أن ديننا كامل، وأن كل شيء علمناه حتى عند قضاء الحاجة، فما حصل تقصير في شيء ونقصان في شيء، بل الشريعة كاملة غاية الكمال، حتى أدب قضاء الحاجة علمنا إياها رسول الله عليه الصلاة والسلام. وعندما رد عليه سلمان (قال: نعم) فما قابله بالتوبيخ, أو السب, أو الشتم، أو قال: كيف تستهزئ؟ بل قال: نعم، علمنا كيف نقضي الحاجة؟! وكيف نجلس؟ ولا نفعل كذا ولا كذا.. إلى آخره، وكل هذه من آداب قضاء الحاجة. وهذا مما يستدل به أهل السنة -وكثيرا ما يأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية- في بيان العقيدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه في أمور العقيدة، وقال: كيف يقال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الناس دون أن يبين لهم أمور العقيدة, وتركهم يخوضون ويتخرصون فواحد يقول: المراد كذا والمراد كذا، والرسول ما بين لهم المراد؟ فكيف يبين الرسول عليه الصلاة والسلام آداب قضاء الحاجة ولا يبين أمور العقيدة؟! هذا كلام يعقل؟! وهذا الكلام ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية وفي غيرها، وبين فيه كمال الشريعة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بينها في العقائد كما بينها في الأحكام، بل بيانها في العقائد أتم وأكثر.ثم قال: كيف يعقل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بين للناس أمور قضاء الحاجة كما جاء في حديث سلمان, ثم لا يبين للناس أمور العقيدة؟ بل من باب أولى تبيينه، وهذا هو الذي وقع وحصل، فهذا المشرك أتى بهذه الكلمة يريد أن يستهزئ؛ ولكنه قوبل بعكس ما يريد، وأن هذه محمدة وليست مذمة؛ لأن شريعتنا كاملة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم بين لنا كل شيء، وهذا هو شأنه, وهذه مهمته صلى الله عليه وسلم ووظيفته ووظيفة الأنبياء من قبله، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ( ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم شر ما يعلمه لهم )، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين آداب قضاء الحاجة.( أجل! نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول )، يعني: أننا إذا جلسنا لقضاء الحاجة لا نتجه إلى الكعبة، وهذا من آداب قضاء الحاجة.( أو نستنجي بأيماننا )؛ أي: أن ننزه اليمين عن أن تتعرض للنجاسات، وإنما نخص الشمال بذلك، فنجعل الشمال هي التي تتولى هذه المهمة، ولا نستنجي باليمين، وهذا من آداب قضاء الحاجة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم.( أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار )؛ لكي يكون هناك شيئان: الإنقاء -وهو: التنظيف , والتطهير, والتطييب- والإيتار؛ لأن الثلاثة وتر، ومن المعلوم أن الحجر الواحد وتر، لكن ذكرت الثلاثة الأحجار ليحصل مع الإيتار الإنقاء؛ وهو حصول التطهير والتنظيف.

تراجم رجال إسناد حديث سلمان في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم هو: ابن راهويه عند المحدثين، وابن راهويه عند أئمة اللغة يعبرون براهويه, يقولون: إنه مختوم بـ(ويه)، يعني: الأسماء المختومة بـ(ويه)، كـ(نفطويه), (سيبويه), (راهويه)، أما المحدثون فإنهم ينطقون بها على أنها راهويه.و إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قد ذكرت فيما مضى فائدة تتعلق به ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ويستدلون بها على تمييزه عمن يشابهه في الاسم، فالمعروف عن ابن راهويه أنه يقول: أخبرنا، ولا يستعمل حدثنا، وقد استعمل حدثنا لكنها بندرة، ويماثله في هذه الطريقة النسائي الذي معنا، فكل ما عندنا (أخبرنا).وبعض العلماء يفرقون بين حدثنا وأخبرنا؛ فيجعلون (حدثنا) فيما سمع من لفظ الشيخ عندما يقرأ وهم يسمعون، فعند التعبير يقول: حدثنا، أما إذا كان الشيخ يسمع وواحد يقرأ فالسامعون عندما يتحملون عنه وعندما يروون عنه يقولون: أخبرنا، ومن العلماء من لا يفرق بينهما؛ مثل: النسائي , وابن راهويه، فهم يستعملون أخبرنا فيما سمعه وفيما قرئ على شيخه وهو يسمع.وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. فأصحاب الكتب الخمسة: الشيخان البخاري ومسلم، وأبو داود, والترمذي، والنسائي كلهم رووا عنه مباشرة، فهو شيخ للخمسة، أما ابن ماجه فلم يرو عنه شيئاً ولم يخرج له شيئاً، وهو ثقة, حافظ, كما عرفنا ذلك فيما مضى. [ أخبرنا أبو معاوية ].أبو معاوية هذا سبق أن مر ذكره، وقلنا: إنه مشهور باسمه ومشهور بكنيته؛ ولكن كنيته أكثر، واسمه محمد بن خازم -بالخاء المعجمة والزاي- الضرير, وهو من رجال أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الأعمش ].الأعمش، هو سليمان بن مهران، والأعمش لقبه، وهو مشهور بلقبه، وتأتي الرواية عنه باسمه، كما تأتي الرواية بلقبه، فيقال: سليمان بن مهران، ويقال: سليمان فقط، ويقال: الأعمش؛ ولكن بكلمة الأعمش لا يلتبس بغيره، وهو من رجال الجماعة, وهو ثقة.[ عن إبراهيم ].إبراهيم أيضاً سبق أن مر بنا، وهو: ابن يزيد بن قيس بن أسود النخعي، وهو محدث, فقيه، وسبق أن ذكرت لكم فائدة معروفة مشهورة بالإضافة إليه، وقيل: إنها من أولياته، فهو أول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة، قال ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد، قال: وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه) إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فصاروا يتداولونها ويعبرون بها. وما لا نفس له مثل الذباب, والجراد, وهذه الحشرات, التي ليس فيها دم، و(ما لا نفس)، يعني: ليس له دم، فهذه كلمة مشهورة عن إبراهيم النخعي، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة, حافظ, فقيه. [ عن عبد الرحمن بن يزيد ].سبق أن مر بنا أن إبراهيم النخعي يروي عن الأسود بن يزيد، وهنا يروي عن عبد الرحمن بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد أخو الأسود بن يزيد، وهما خالان له؛ لأنه يروي عن خاليه: الأسود , وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس النخعيين.وسبق أن مر بنا روايته عن خاله الأسود , وهنا يروي عن خاله عبد الرحمن بن يزيد، فهما أخوان يروي عنهما ابن أختهما إبراهيم بن يزيد النخعي.وعبد الرحمن بن يزيد ثقة، خرج حديثه الجماعة مثل أخيه الأسود بن يزيد، كل منهما من رجال الجماعة، وكل منهما من الثقات الحفاظ. [ عن سلمان ].سلمان هو: الفارسي رضي الله عنه، وقد أسلم في أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو الذي أشار على الرسول صلى الله عليه وسلم في عام الخندق بحفر الخندق، وحديثه في الكتب الستة، وله في الكتب الستة ستون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بواحد ومسلم بثلاثة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 01-03-2019, 07:22 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,914
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(23)


(باب الرخصة في الاستطابة بحجرين) إلى (باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها) -

الدين الإسلامي دين يسر، لم يقصد المشقة في التكليف، بل شرع الرخص والبدائل، فمن ذلك أنه يجوز للإنسان أن يستعمل الأحجار بدل الماء في الاستجمار، مع مراعاة طهارتها.ويصح الاستنجاء بحجر له ثلاثة أطراف بشرط الإنقاء، ويسن في ذلك أيضاً الإيتار.

الرخصة في الاستطابة بحجرين

شرح حديث ابن مسعود في الرخصة في الاستطابة بحجرين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في الاستطابة بحجرين.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا أبو نعيم عن زهير عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله رضي الله عنه يقول: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، وأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيت بهن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذه ركس).قال أبو عبد الرحمن: والركس طعام الجن].يقول النسائي رحمه الله: الرخصة في الاستطابة بحجرين.بعد أن ذكر النسائي ما تقدم من الترجمة التي فيها النهي عن الاستنجاء أو الاستطابة في أقل من ثلاثة أحجار، أورد هنا هذه الترجمة: الرخصة في الاستطابة بحجرين، يعني: في النقصان عن الثلاثة، وأورد في ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي يقول فيه: ( إنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الغائط فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فجاء بحجرين ولم يجد الثالث، وأخذ روثة، وأتى بالحجرين والروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروث وقال: إنه ركس ) ثم قال أبو عبد الرحمن النسائي رحمة الله عليه: والركس طعام الجن.ومحل الشاهد من إيراد الحديث: كون النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الحجرين وألقى الروثة؛ يعني: أنه اكتفى بحجرين، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه طلب الثالث بدل الروثة التي رماها وألقاها.وقول عبد الله بن مسعود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الغائط)، أي: ذهب إلى المكان الذي تقضى فيه الحاجة، وهو: في الخلاء، وقد تقدم ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ذهب أبعد المذهب )، يعني: يذهب بعيداً من أجل قضاء حاجته؛ حتى لا يكون في مرأى من الناس، وكان معه عبد الله بن مسعود في هذه المرة، فطلب منه أن يأتيه بثلاثة أحجار؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى أن الاستطابة لا تكون إلا بثلاثة أحجار، كما سبق أن تقدم ذلك في حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه.وابن مسعود رضي الله عنه نفذ ما أمر به، إلا أنه لم يجد حجراً ثالثاً، فاجتهد وأخذ مكانه روثة وأتى بها، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة، وعلى ظاهر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بالحجرين، فإذا صح أنه طلب الثالث لا يكون هناك وجه للاستدلال بهذا الحديث على الاكتفاء بحجرين.وقوله: (إنها ركس) فسرها العلماء: بأنها نجس، فقد قيل في بعض الروايات: (إنها روثة حمار) ومن المعلوم أن روث الحمار نجس؛ لأن ما لا يؤكل لحمه بوله وروثه نجس، أما ما يؤكل لحمه كالإبل، والبقر، والغنم؛ فإن أبوالها وأرواثها طاهرة، وليست بنجسة.أما قول أبي عبد الرحمن: ( الركس طعام الجن )، فقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وقد أغرب النسائي ففسر الركس: بطعام الجن، يعني: أن هذا يتوقف على معرفته في اللغة، ولم يأت في اللغة: أن الركس يطلق على طعام الجن، فلو جاء شيء من هذا لكان له وجه، ولكن كما عرفنا في ما مضى أن العلة في عدم الاستنجاء بالروث: أنه طعام دواب الجن كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، فالعظم طعام الجن، والروث طعام دواب الجن، فلعل أبا عبد الرحمن يريد هذا، ولكن التفسير بالركس وأنها طعام الجن هذا -كما قال الحافظ ابن حجر- يحتاج إلى ثبوت ذلك في اللغة.أما كون الروث منه ما هو طعام لدواب الجن فهذا قد جاء في الحديث، والمقصود من ذلك هو ما كان طاهراً، كأرواث الإبل، والبقر، والغنم؛ لأنها هي التي تكون طاهرة. أما الأرواث النجسة، فالنجس لا يستعمل، ولا يجوز استعماله لنجاسته، وأما هذه الأرواث التي هي أرواث الإبل، والبقر، والغنم التي يؤكل لحمها، وغيرها مما يؤكل لحمه؛ فإن العلة فيها، والحكمة فيها ما جاء في الحديث الصحيح: أنها طعام دواب الجن.

تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في الرخصة في الاستطابة بحجرين

قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو: أحمد بن سليمان بن عبد الملك أبو الحسين الرهاوي، نسبة إلى رها وهي بلد، وهو ثقة حافظ كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، وحديثه عند النسائي فقط، فهو أحد شيوخ النسائي فهو من رجال النسائي فقط.[حدثنا أبو نعيم].أبو نعيم هو: الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، حافظ، ثبت، من الحفاظ الأثبات، وهو من كبار شيوخ البخاري، ولهذا لم يدركه النسائي؛ لأن من الشيوخ من روى عنهم أصحاب الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، مثل ما ذكرنا في ما مضى: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، والثلاثة ماتوا سنة مائتين واثنين وخمسين قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فأدركهم النسائي وغيره وروى عنهم، وأما أبو نعيم فهو من كبار شيوخ البخاري الذي أدركه البخاري في صغره؛ لأن أبا نعيم توفي سنة مائتين وثمانية عشر أو مائتين وتسعة عشر، والنسائي ولد مائتين وخمسة عشر، وكان عمره خمس أو أربع سنوات، فلم يدركه؛ لذلك يروي عنه بواسطة.وهناك من يشاركه في الشهرة بهذه الكنية؛ وهو: أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية، وصاحب معرفة الصحابة، وصاحب الكتب الكثيرة، إلا أن ذاك متأخر جداً؛ لأنه توفي سنة أربعمائة وثلاثين، وهذا متقدم، وكلاً منهما يكنى بأبي نعيم، فالذي لا يعرف الأزمان يمكن أن يقع في باله هذا المعنى، فمعرفة الأزمان، ومعرفة الطبقات، ومعرفة المتقدم والمتأخر هذا يأمن معه من حصول الغلط الفاحش الذي قد يحصل، أو الظن الذي قد يحصل ممن لا يعرف.وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري ما عيب عليه شيء إلا أنه يتشيع، هذا هو الذي عيب عليه، ولهذا لما أورد الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري الأشخاص الذين تُكلم فيهم من رجال البخاري -وقد ذكرهم على حروف المعجم- وأجاب عن الانتقاد الذي انتقد إليه بأنواع من الأجوبة، فقال: إما أن يكون الشخص مثلاً تكلم فيه في شخص، وهو حديثه في البخاري ليس عن الشخص المتكلم فيه، أو أنه شورك، وأنه لم ينفرد مثلاً بالرواية، أو لغير ذلك من الأسباب، ولكن الذي قاله عن الانتقاد في أبي نعيم الفضل بن دكين، لما ذكره وذكر الثناء عليه، فقال: الثناء عليه يذكر، قال: وما عيب عليه إلا أنه يتشيع، ومع ذلك فقد صح عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. أي: أنه حفظ لسانه عن أن يتكلم في معاوية.ومن المعلوم أن الرافضة والشيعة أسهل الأشياء عليهم أن يتكلموا في معاوية، فالكلام في معاوية سهل ميسور عندهم، حتى الزيدية -الذين يقال: إنهم أعقل الشيعة- من السهل عليهم القدح في معاوية والكلام في معاوية. وهذا الذي قُدح فيه بأنه يتشيع، جاءت عنه هذه العبارة الجميلة؛ وهي قول الحافظ ابن حجر عنه: ومع ذلك فقد صح عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. والحفظة: الملائكة التي تكتب الحسنات والسيئات، والذين يكتبون الأقوال مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، فقوله: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية يدلنا على سلامته من هذا الذي وصف به، وهو التشيع، ولكن لعل التشيع الذي وصف به من قبيل تفضيل علي على عثمان، وهذه المسألة جاءت عن بعض السلف وعن أئمة كبار، ومثل هذا لا يقدح في الرجل، ولا يبدع من يقول به، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الواسطية، قال: إن تقديم علي على عثمان في الفضل لا يبدع من قال به؛ يعني: ليست من المسائل التي يبدع بها، وإنما الذي يبدع بها من قال: إنه أحق منه بالخلافة؛ لأن هذا اعتراض على الصحابة الذين قدموا عثمان على علي.أما أن يقدم علي على عثمان في الفضل، فمن المعلوم أن الولاية لا يلزم فيها أن يقدم الفاضل على المفضول، بل يمكن أن يقدم المفضول مع وجود الفاضل؛ لأنه قد يقوم في المفضول من حيث تدبير الأمور، وسياسة الأمة؛ لخبرته ولمعرفته بالسياسة والإمارة أكثر من الفاضل، قيقدم من هو مفضول على من هو فاضل.أما العيب والقدح والذي يبدع من يقول به هو تقديم علي بالخلافة؛ لأن معنى ذلك: أن الصحابة الذين اتفقوا عليه أن فعلهم غلط، وأنهم مخطئون، وأنهم أجمعوا على الخطأ، وهذا لا شك أنه أمر قبيح، فلعل ما نقل عنه أو ما ذكر عنه من هذا القبيل، وهذه الكلمة التي ذكرها عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري كلمة عظيمة تدل على سلامته في هذا الباب؛ لأن الشيعة من السهل عليهم ومن أسهل الأشياء عليهم أن يتكلموا في معاوية، ولهذا يقولون: إن معاوية يعتبر كالوقاية لأصحاب الرسول، لأن من اجترأ عليه يجترئ على غيره؛ لأن من تكلم فيه يمكن أن يتكلم في غيره، ومن لم يتكلم فيه صان لسانه -من باب أولى- عن الكلام في الأشخاص الذين لا يُذكرون إلا بالجميل، وهم أصحاب الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عنهم وأرضاهم.

ترجمة زهير بن معاوية وأبي إسحاق السبيعي

قوله: [عن زهير].هو: زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، وهو من رجال الجماعة أيضاً، وهو ثقة، حافظ، وهو من الحفاظ المتقنين، إلا أنه قيل: إن روايته عن أبي إسحاق كانت في آخر حياة أبي إسحاق، وأبو إسحاق اختلط في آخر أمره، وفي آخر حياته، فالكلام الذي في زهير بن معاوية؛ أن في روايته عن أبي إسحاق شيئاً؛ لأنه روى عنه بآخره بعد ما اختلط، فروايته عن أبي إسحاق فيها كلام، والحديث الذي معنا من روايته عن أبي إسحاق السبيعي، ولكن زهيراً لم ينفرد بالرواية عن أبي إسحاق، بل تابعه غيره على هذه الرواية، حيث جاءت من طرق عن أبي إسحاق من غير طريق زهير.إذاً: لم ينفرد زهير بن معاوية في الرواية عن أبي إسحاق السبيعي، وإنما شاركه غيره، ولهذا البخاري أورد الحديث في صحيحه، فقال: حدثنا أبو نعيم ثم ساقه بإسناده إلى آخره بنفس اللفظ الموجود في النسائي.قال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود.. إلى آخر الحديث بنفس اللفظ الذي ساقه به النسائي، إلا أن النسائي -كما هو معلوم- ما أدرك أبا نعيم، فرواه عنه بواسطة أحمد بن سليمان الرهاوي.فإذاً: ما ذكر من الوهن في رواية زهير عن أبي إسحاق زال بوجود من شاركه في الرواية عنه، وأنه لم ينفرد برواية هذا الحديث عنه، وإنما رواه عن أبي إسحاق غيره من العلماء.[عن أبي إسحاق].هو: عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، وهو ثقة حافظ ثبت، وهو من المكثرين من الحديث ومن رواية الحديث، وقد تغير بآخره، وكما عرفنا رواية زهير عنه بعد الاختلاط، ولكنه توبع، وأيضاً هو مدلس.[ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه].أبو عبيدة المراد به: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو إسحاق يروي هذا الحديث من طريق أبي عبيدة عن أبيه، ومن طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه الأسود عن ابن مسعود.فإذاً: الطريقان التي روى بهما أبو إسحاق : إحداهما عالية، والثانية نازلة؛ لأن رواية أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه، ليس بينه وبين ابن مسعود إلا ابنه أبو عبيدة، وأما روايته عن عبد الرحمن بن الأسود فبينه وبين ابن مسعود اثنان: عبد الرحمن بن الأسود وأبوه الأسود، فالأولى: عالية، والثانية: نازلة، إلا أن الأولى منقطعة؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، على خلاف بين العلماء، ويقول الحافظ ابن حجر: الراجح أنه لم يسمع من أبيه، وعلى هذا تكون الرواية منقطعة، فلما كان أبو إسحاق يروي الحديث من طريقين ذكر الطريق الأولى ثم أضرب عنها بذكر رواية عبد الرحمن؛ لأن رواية أبي عبيدة منقطعة، مع أنها عالية الإسناد، وانتقل إلى الرواية التي هي متصلة ولا انقطاع فيها؛ وهي رواية أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود. قال: (ليس أبو عبيدة ذكره لي) يعني: في رواية هذا الحديث، وإن كان ذكره في طريق أخرى أو في حديث آخر أو من طريق آخر، ولكنه هنا لا يريد أن يروي الحديث من طريق أبي عبيدة وإن كانت عالية، وأضرب عنها إلى طريق عبد الرحمن بن الأسود المتصلة وإن كانت نازلة.فـأبو عبيدة هذا ثقة، وهو لم يسمع من أبيه، وحديثه في السنن الأربعة، وليس له رواية في البخاري، وإنما هنا ذُكر ذكراً؛ لأنه قال: (ليس أبو عبيدة ذكره) إذاً: هو ليس من رجال الإسناد الذين يسند إليهم الحديث هذا، وإنما الذي يسند إليه في الحديث هذا عبد الرحمن بن الأسود؛ لأن قوله: ( ولكن عبد الرحمن بن الأسود )، يعني: هو الذي ذكر لي هذا الحديث.وهنا الرواية ليست بالتحديث، ولكن البخاري رحمه الله لما ذكر الحديث أورد طريقاً أخرى من طريق إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق يروي عن أبيه عن أبي إسحاق قال: حدثني عبد الرحمن، فصرح بالتحديث في الطريق الثانية التي أوردها البخاري بعدما أورد هذه الطريق، فالبخاري أورد طريقاً معلقة من طريق إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن، ولكنه قال: حدثني عبد الرحمن، يعني: يقولها أبو إسحاق.فإذاً: صرح بالتحديث في هذه الطريق الأخرى التي ذكرها البخاري بعد هذه الطريق التي هي موافقة للطريق التي ذكرها النسائي هنا.

ترجمة عبد الرحمن بن الأسود

قوله: [عن عبد الرحمن بن الأسود].هو: عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ابن الأسود بن يزيد الذي سبق أن مر بنا ذكره، الذي يروي عنه إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي يروي عن الأسود، والأسود وعبد الرحمن هما خالان لـإبراهيم النخعي ويروي عنهما، والأسود يروي عنه أخوه عبد الرحمن أيضاً كما ذكروا في ترجمته.إذاً: عندنا عبد الرحمن اثنان: أخو الأسود، وابن الأسود، والذي معنا ابن الأسود، والذي سبق أن مر بنا عبد الرحمن بن يزيد أخو الأسود بن يزيد، والأسود بن يزيد يروي عنه أخوه عبد الرحمن، ويروي عنه ابنه عبد الرحمن فهنا يروي عنه ابنه عبد الرحمن، ويروي عنه ابن أخته إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي يروي عن خاليه الأسود، وعبد الرحمن، وأما عبد الرحمن بن الأسود فهو يأتي لأول مرة، وهو يروي عن أبيه، وهو ثقة ثبت، وهو من رجال الجماعة.[عن أبيه].أبوه هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو من المخضرمين، وقد سبق أن مر ذكره، وهو محدث فقيه يروي عن كبار الصحابة؛ لأنه من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية وأدركوا الإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم.إذاً: هذا الإسناد: أحمد بن سليمان الرهاوي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي، عن زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، عن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، عن عبد الرحمن بن الأسود، وهو كوفي، عن أبيه الأسود وهو كوفي، عن ابن مسعود وهو كوفي، فكل رجاله كوفيون إلا أحمد بن سليمان شيخ النسائي فإنه رهاوي.
الرخصة في الاستطابة بحجر واحد

شرح حديث: (إذا استجمرت فأوتر)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في الاستطابة بحجر واحد.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا استجمرت فأوتر)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الرخصة في الاستطابة بحجر واحد، وأورد تحت هذه الترجمة حديث سلمة بن قيس: (إذا استجمرت فأوتر)، وأخذ من هذا أن أقل الوتر واحد؛ لأنه قال: (إذا استجمرت فأوتر).وقوله: (إذا استجمرت فأوتر) يعني: إذا أخذ الحجارة ليستجمر بها فإنه يوتر، يعني: بواحدة، أو ثلاثة، أو خمسة، وقد جاء في حديث سلمان المتقدم: ( وألَّا يستطيب بأقل من ثلاثة أحجار، ونهانا أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار ).وهنا النسائي استنبط من هذا الحديث: الاكتفاء بحجر واحد، ومن المعلوم أن المقصود هو الإنقاء مع الإيتار، وإذا حصل الإيتار بأن يكون حجراً كبيراً فيستعمله من جهات مختلفة ومن جهات متعددة؛ فإنه يحصل المقصود، ولكن كون الإنسان يحرص على أن يأتي بالثلاثة الأحجار، هذا هو الذي فيه قطع الشك باليقين، وإزالة الشك باليقين، والأخذ بالاحتياط، وإن كان يحصل الإنقاء بحجر كبير له شعب متعددة، كل شعبة بمثابة الحجر الصغير، ولكن كون الإنسان إذا كان في الخلاء واستنجى بالحجارة، فإنه يستعمل ثلاثة أحجار، وإن استعمل حجراً كبيراً يعادل ثلاثة أحجار، ويحصل به الإنقاء؛ فإن ذلك يكفي، ويدخل تحت عموم هذا الحديث.

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استجمرت فأوتر)

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو: إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الذي مر ذكره مراراً، وهو من رجال الجماعة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فأصحاب الكتب الستة كلهم رووا عنه مباشرة، وهو محدث فقيه، وإمام جليل، وله مسند، ومن طريقته -كما عرفنا- أنه يستعمل لفظ (أخبرنا) كما يستعملها النسائي.[ أخبرنا جرير].هو: جرير بن عبد الحميد، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من رجال الجماعة، وهو من الثقات.[عن منصور].هو منصور بن المعتمر، وهو من الثقات أيضاً، ومن رجال الجماعة، وقد سبق أن مر، وهو الذي يأتي ذكره مع الأعمش، وقد مر في بعض الأحاديث أنه يروي هو وإياه أحاديث يقول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى إلى سباطة قوم) فقال سليمان: (أنه مسح على خفيه)، ولم يذكر منصور المسح. فهو من طبقة الأعمش، وقد جاء ذكرهما معاً في بعض الأحاديث المتقدمة.[عن هلال بن يساف].هو: هلال بن يساف وهو ثقة، روى له البخاري تعليقاً، وروى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن سلمة بن قيس].هو صحابي وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُسأل عنهم، ويكفي كل واحد منهم أن يقال: إنه صحابي، ولا يحتاج بعد ذلك إلى أن يتكلم فيه بشيء؛ لأنه ليس هناك وصف أفضل من هذا الوصف، ولهذا لا يحتاج معه إلى غيره بأن يقال: هو ثبت، أو حافظ أو ما إلى ذلك، إلا إذا كان له بعض الصفات التي يتميز بها يمكن أن تذكر، أما من ناحية التعديل فلا يحتاج أحدهم إلى تعديل بعد أن أثنى الله عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم.وله سبعة أحاديث، وخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، فهؤلاء هم الذين خرجوا حديث سلمة بن قيس رضي الله تعالى عنه.
الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها

شرح حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار..)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها.أخبرنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، فليستطب بها فإنها تجزي عنه)].يقول النسائي رحمة الله عليه: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها.ومقصود النسائي من هذه الترجمة: أن الحجارة يمكن أن يستغنى بها عن غيرها، ويكتفى بها عن غيرها، وهو الماء، وأنه لا يتعين الماء لإزالة ما يخرج أو أثر ما يخرج، وإنما يمكن أن يكتفى بالحجارة، وإذا استعمل الماء فهو أولى؛ لأن الماء يزيل ما كان في محل الخروج أو ما تجاوز محل الخروج، بخلاف الحجارة فإنها تزيل ما كان في محل الخروج، أما لو انتشر الخارج إلى أماكن أخرى خارج محل الخروج؛ فإنه يحتاج في ذلك إلى الماء، ولا يستغنى عن الحجارة في ذلك.إذاً: الحجارة يمكن أن يكتفى بها عن الماء، ولكن إذا وجد الماء فاستعماله أولى من استعمال الحجارة؛ لأنه يزيل ما يكون على محل الخروج وما تجاوز محل الخروج، بخلاف الاستجمار؛ فإنه يمكن أن يكتفى به فيما إذا لم يتجاوز الخارج محل العادة، فلو انتشر عن محل الخروج فإنه لا بد فيه من الماء.إذاً: فمقصود هذه الترجمة أنه لا يتعين الماء، ولكن إذا وجد ما يقتضيه بأن تجاوز الخارج موضع العادة -أي: موضع الخروج- فعند ذلك لا بد من استعمال الماء، ولا يكفي استعمال الحجارة.وقد أورد النسائي في ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، وليستطب بها، فإنها تجزي عنه)، يعني: فإنها تجزي عن الماء، وتغني عن الماء وتكفي، ولا يحتاج إلى غيرها، لكن إذا كانت النجاسة تجاوزت محل الخارج فلا بد من إزالة النجاسة، فالنجاسة إذا جاوزت محل الخروج فلا بد من إزالتها بالماء، وأما إذا لم يتجاوز الخارج موضع الخروج؛ فإنه لا يحتاج إلى الاستنجاء، ويكفي الاستجمار بالحجارة عن الماء.

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار..)

قوله: [أخبرنا قتيبة].هو: قتيبة بن سعيد الذي تكرر ذكره، وهو الذي جاء في أول حديث من سنن النسائي: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى، وكلهم رووا عنه، وأخرجوا حديثه بدون واسطة، فهو شيخ لهم جميعاً، وهو ثقة ثبت.[حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم].وأبو حازم هو: سلمة بن دينار فـعبد العزيز هو: ابن سلمة بن دينار، ولكن أباه مشهور بالنسبة، وهو مشهور بالنسبة إلى أبيه مكنى، فهو عبد العزيز بن أبي حازم، وهو من رجال الجماعة خرجوا حديثه، وهو صدوق، وأبوه سلمة بن دينار أبو حازم ثقة ثبت، وهو من رجال الجماعة، خرج أصحاب الكتب الستة حديثه.إذاً: فعندنا قتيبة، وعبد العزيز بن أبي حازم، وأبو حازم، هؤلاء كلهم من رجال الكتب الستة.[عن أبيه].هو: أبو حازم يروي عن مسلم بن قرط، ومسلم بن قرط هذا قال عنه ابن حجر في التقريب: إنه مقبول، وذُكر أن ابن حبان وثقه وذكره في الثقات، وقد خرج حديثه أبو داود، والنسائي.ومن المعلوم أن المقبول لا يحتج بحديثه إلا إذا وجد ما يعضده ويساعده، والحديث ما جاء إلا من طريق مسلم بن قرط هذا، ولكن وجد له شواهد من حديث غير عائشة، منها ما هو بمعناه، ومنها ما هو بلفظه أو قريب من لفظه عن بعض الصحابة، فتكون هذه شواهد له، وعلى هذا فيكون الحديث صحيحاً وحسناً باعتبار أن هذا المتن أو هذا المعنى لم ينفرد به، وإنما جاء عن غيره، فهو ثابت لا من هذه الطريقة وحدها؛ لأن من وصف بأنه مقبول لا بد من اعتماد روايته في وجود ما يساعده ويؤيده، وهنا وجد ما يساعده ويؤيده من الشواهد عن بعض الصحابة؛ عن أبي أيوب وسلمان، وقد ذكرها الشيخ الألباني في إرواء الغليل.فإذاً: الحديث ثابت لا من هذه الطريق، ولكن بضميمة غيرها إليها، وضم الشواهد عن بعض الصحابة، فقد رووا ما يشهد لهذا الحديث الذي جاء من طريق مسلم بن قرط، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.[عن عروة].هو: عروة بن الزبير، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو من المكثرين من الرواية عن خالته عائشة وعن غيرها، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين الذين تقدم ذكرهم بمناسبات مختلفة عند ذكر جماعة منهم.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 01-03-2019, 07:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,914
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(24)

- باب الاستنجاء بالماء - النهي عن الاستنجاء باليمين

جاءت الشريعة المطهرة لترفع من مكانة الإنسان وقيمته، وترشده إلى الوسائل التي من خلالها يستطيع أن يطهر نفسه من النجاسات، وكيفية الاستنجاء من هذه الأدران، وعلمتنا بعض الآداب عند قضاء الحاجة وعند الشرب، وأن نستعمل اليد اليمنى في الأمور المحمودة والطيبة، واليد اليسرى في عكس ذلك، وتجنب التنفس في الإناء؛ لأن ذلك قد يكون سبباً في تقذره وعدم الشرب منه.
الاستنجاء بالماء

شرح حديث أنس في الاستنجاء بالماء

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاستنجاء بالماء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر أخبرنا شعبة عن عطاء بن أبي ميمونة سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي بالماء)].ثم أورد النسائي الاستنجاء بالماء؛ لأنه هناك ذكر الاستطابة، والاستطابة كما سبق أن عرفنا: هي إزالة النجاسة وتطهير محلها؛ يعني: بحيث يكون محلها طيباً بعدما كان فيه قذر ونجاسة. وأما الاستنجاء فهو مأخوذ من النجو وهو القطع، ومن المعلوم أن الماء هو الذي يقطع النجاسة ويزيلها، بخلاف الحجارة؛ فإنها لا تقطع، ولكنها قد يُكتفى بها؛ وقد لا يكتفى بها، يعني: إذا تجاوز الخارج محل الخروج بأن انتشر البول على غير محله من الذكر فهذا لا بد له من الماء، وأما إذا كان مجرد مكان الخروج فإن الحجارة تكفي، أما الماء فهو الذي يقطع نهائياً ويزيل، ويغني عن غيره، ولا يغني عنه غيره في إزالة النجاسة كلياً، ولكن الحجارة قد تجزئ فيما إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة، كما في الترجمة السابقة: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها؛ يعني: دون الماء، لكن هذا ليس على إطلاقه، فإذا تجاوز محل الخروج فلا بد من الماء.فالاستنجا� � هو: من النجو وهو القطع، وهو قطع أثر الخارج بالماء، بحيث يكون طاهراً ونظيفاً، وخالياً من النجاسة.ثم أورد النسائي حديث: أنس بن مالك وهو في الصحيحين -يعني جاء في الصحيحين وفي غيرهما- يقول: (كنت إذا دخل النبي صلى الله عليه وسلم الخلاء أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي بالماء).فقوله: (أحمل أنا وغلام نحوي)؛ يعني: مقارب لي، وكلمة نحوي؛ يعني: مشابه لي، ومقارب لي؛ يعني: أنه صغير مثله يقاربه في السن، والغلام قيل: إنه هو الصغير الذي يميز، وقيل: إنه إلى حد البلوغ، وقيل: إلى أن يلتحي؛ فهذه أقوال متعددة، ولكن قول أنس: (نحوي)، معناه: أنه مماثل له، ومعلوم أن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة كان عمره عشر سنوات، وقد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره عشرون سنة.قوله: (غلام نحوي)؛ يعني: أنه في حدود هذه السن؛ قد يكون في آخر أمره، وقد يكون في أول أمره.(إداوة)؛ يعني: إناء من جلد، أو وعاء من جلد.(من ماء)، يعني: مملوء بالماء، أي: فيه ماء، (إداوة من ماء)؛ أي: وعاء من جلد فيه ماء.(فيستنجي بالماء) هذا هو محل الشاهد؛ الاستنجاء بالماء، (فيستنجي بالماء)؛ يعني: يستعمله لإزالة ما يخرج، وما يحصل من أثر الخارج.فالحديث فيه: الاستنجاء بالماء، وفيه: خدمة الأحرار؛ لأن أنس بن مالك وهذا الذي معه كانوا يخدمون النبي صلى الله عليه وسلم، وهم من الأحرار، ففيه: خدمة الأحرار.

تراجم رجال إسناد حديث أنس في الاستنجاء بالماء

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم مر ذكره مراراً، وهو: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المشهور بـابن راهويه، وقلت لكم: إن المحدثين يقولون: راهويَه، واللغويين يقولون: راهويْه؛ يعني: مختوم بويه، وهو من الثقات الأثبات، ومن الفقهاء، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه كما عرفنا ذلك فيما مضى، وقد رووا عنه مباشرة، فكل واحد منهم خرج حديثه، وكل واحد منهم يعتبر إسحاق شيخاً له.فأصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه هم من تلامذته، أما ابن ماجه فلم يخرج له شيئاً، وذكرنا فيما مضى أن من عادته وطريقته: أنه يستعمل (أخبرنا) كما هو موجود هنا، فيقول: أخبرنا. والنسائي هذه طريقته يقول: أخبرنا، وطريقة إسحاق بن راهويه كذلك يقول: أخبرنا؛ وهذه العادة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وقال: الذي عرف بالاستقراء أن من عادته أنه يستعمل أخبرنا، حتى إن الحافظ ابن حجر إذا روى ابن ماجه عن شخص اسمه إسحاق ولم ينسبه، يستدل على أنه ابن راهويه بتعبيره بـ(أخبرنا)، كما ذكر هذا في مواضع، أحد هذه المواضع كما في الجزء السادس صفحة أربعمائة وواحد وتسعين عند حديث نزول عيسى بن مريم من السماء؛ حيث ينزل حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ففي إسناد هذا الحديث ذكر الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث الذي جاء عن إسحاق غير منسوب، قال ابن ماجه : حدثنا إسحاق، وما قال: ابن راهويه، ولكن ابن حجر عندما شرح الحديث جزم بأنه ابن راهويه، وذكر الدليل على ذلك: أنه من عادته أن يستعمل أخبرنا، وذكر أدلة أخرى أيضاً تدل على أنه ابن راهويه، ولكن هناك بعض المواضع جاءت عنه -كما دونتها عندي- يقول فيها: (حدثنا) وهذا قليل ونادر، وأما الغالب عليه فهو استعمال (أخبرنا) كما ذكره الحافظ.قوله: [أخبرنا النضر].والنضر يأتي لأول مرة في رجال النسائي، والنضر يطلق على جماعة، ولكن المزي في تهذيب الكمال في الذين رووا عن شعبة ممن يقال لهم: النضر، لم يذكر إلا النضر بن شميل. فإذاً: الراوي عن شعبة في هذا الإسناد الذي لم ينسب هو النضر بن شميل.والنضر بن شميل ثقة ثبت، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.ويطلقون على الرجل الذي يذكر ولا ينسب: المهمل، ومعرفة المهمل يكون بالرجوع إلى شيوخه وإلى تلاميذه.وكما ذكرت: الحديث في سنن النسائي، ورجال النسائي وغير النسائي من أصحاب الكتب وهم موجودون في تهذيب الكمال، وتهذيب الكمال يذكر الشيوخ، والتلاميذ، ويستقصيهم على حروف المعجم؛ فيذكر الشيوخ على حروف المعجم، والتلاميذ على حروف المعجم في كل ترجمة، فعندما ذكر الذين أخذوا عن شعبة لم يذكر فيهم ممن يسمى النضر إلا النضر بن شميل.فإذاً: النضر المهمل هنا هو النضر بن شميل، وهو ثقة ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة[ أخبرنا شعبة]. وهو: ابن الحجاج الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من رجال الكتب الستة، فكلهم خرجوا حديثه.[عن عطاء بن أبي ميمونة].وعطاء بن أبي ميمونة هذا من الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه الجماعة إلا الترمذي فإنه لم يخرج حديثه. وأما البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه فقد خرجوا حديثه. إذاً: عندنا في الإسناد إسحاق روى له الجماعة إلا ابن ماجه ، وعطاء بن أبي ميمونة روى له الجماعة إلا الترمذي، والباقون خرج حديثهم أصحاب الكتب جميعاً.[عن أنس بن مالك].أنس بن مالك، هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنه، وعن الصحابة أجمعين.

شرح حديث: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء..)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله)].ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، التي تقول فيه للنساء: (مرن أزواجن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله). قولها: (إن النبي كان يفعله)؛ يعني: يستطيب بالماء، ويستنجي به، والمقصود من ذلك: إرشادها للنساء أن يذكرن أزواجهن بما هو الأفضل والأكمل، لا أن غيره لا يجزئ، بل إن هذا هو الأولى؛ الذي هو الماء، أما غيره فإنه يجزئ عنه، فهو يجزئ عن غيره، وغيره قد يجزئ وقد لا يجزئ، كما ذكرت ذلك من قبل فيما إذا تجاوز المحل الخارج فهنا لازم من الماء، وإذا لم يتجاوز فإنه تكفي الحجارة.وقولها: (إني أستحييهم منه) يعني: أنها تستحي أن تتكلم معهم، وأن تبدأهم بمثل ذلك، لكن كونها تأمر النساء بأن يذكرن أزواجهن، وأن يتحدثن مع أزواجهن، وأن يروين عنها هذا الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله فليس فيه حياء، لكن ليس ذلك على سبيل اللازم، وأنه متعين، بل هو إرشاد إلى ما هو الأولى والأكمل.

تراجم رجال إسناد حديث: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء..)

قوله: [أخبرنا قتيبة].قد مر ذكره قريباً.[حدثنا أبو عوانة].وأبو عوانة يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو مشهور بكنيته، ويأتي ذكره كثيراً في الأسانيد بهذه الكنية: أبو عوانة، في الصحيحين وفي غيرهما، وهو ثقة، ثبت، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاته بعد المائة والسبعين؛ مائة وأربعة وسبعين أو خمسة وسبعين، وهناك شخص يقال له: أبو عوانة مشهور بهذه الكنية، وهو صاحب المستخرج، أو المسند أو الصحيح، يقال له: صحيح أبي عوانة، ومسند أبي عوانة، ومستخرج أبي عوانة، وقد طبع منه بعض الأجزاء، وهو مشهور بكنيته، وهو شخص آخر غير هذا، وهو يعقوب بن إسحاق الإسفراييني المتوفي سنة ثلاثمائة وستة عشر، وهو صاحب هذا الكتاب الذي له ثلاثة أسماء، يقال له: مسند؛ لأنه مسند؛ حدثنا فلان إلى آخر الإسناد، ويقال له: مستخرج؛ لأنه مستخرج على صحيح مسلم، ويقال له: صحيح؛ لأنه مبني على صحيح مسلم.إذاً: أبو عوانة الذي معنا هو من طبقة شيوخ ابن ماجه، ومسلم، وهو من طبقة شيوخ شيوخهم؛ لأنه يروي عن قتيبة، عن أبي عوانة، فـأبو عوانة في القرن الثاني الذي هو اليشكري، وهو من رجال الجماعة، أما أبو عوانة الإسفراييني صاحب المستخرج، فقد توفي في القرن الرابع سنة ثلاثمائة وستة عشر.ومعرفة الأسماء المتشابهة إذا تذكرها الإنسان يسلم من الخطأ الفاحش؛ لأن بعض الناس الذي لا يدري يمكن أن يقع في باله أبو عوانة الذي هو صاحب الصحيح، وصاحب الصحيح هو متأخر؛ يعني: وفاته كان في القرن الرابع الهجري بعد النسائي بثلاث عشرة سنة.[عن قتادة ].وهو: ابن دعامة السدوسي الذي سبق أن مر، وحديثه في الكتب الستة، وهو من الثقات الحفاظ. [عن معاذة].هي: معاذة بنت عبد الله العدوية، وهي ثقة، خرج حديثها أصحاب الكتب الستة، فهي من الراويات اللاتي خرج عنهن أصحاب الكتب، ولا نقول: من رجال الجماعة؛ لأنها امرأة، ولكن نقول: هي من الراويات اللاتي خرج لهن أصحاب الكتب الستة، وهي من الثقات، وهي التي جاءت في حديث في الصحيحين أنها سألت عائشة قالت: (ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: أحرورية أنتِ؟ قالت: لا، ولكني أسأل)، وكانت السائلة هي معاذة العدوية التي سألت عائشة هذا السؤال، فهي تروي عن عائشة، وحديثها في الكتب الستة.[عن عائشة].عائشة تقدم ذكرها مراراً.

النهي عن الاستنجاء باليمين

شرح حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن هشام عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه)].يقول النسائي رحمه الله: النهي عن الاستنجاء باليمين. وهذه الترجمة أوردها النسائي، وأورد تحتها أحاديث، ومقصوده من ذلك: بيان أن اليد اليمنى لا تستعمل عند قضاء الحاجة، وإنما التي تستعمل الشمال، فلا يمس الذي يقضي حاجته ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه؛ معناه: أنه لا يستعمل اليمين عند قضاء الحاجة، وإنما يستعمل الشمال.وقد أورد النسائي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، الذي يقول فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه).فقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه)، يعني: عندما يريد التنفس، يبعد الإناء عن فمه، ويزيحه عن فمه، ويتنفس خارج الإناء، وهذا من آداب الشرب: أن الإنسان لا يتنفس في الإناء، وإنما يشرب بدون تنفس يخرج على الماء، فإذا احتاج إلى التنفس فإنه يقطع الشرب ويزيل الإناء عن وجهه، ثم يتنفس، ثم يعود إلى الشرب.وإنما نهي عن التنفس في الإناء؛ لأنه قد يخرج شيء من أنف الإنسان، فيكون سبباً في تقذره، وكذلك غيره إذا رآه يتنفس، ويخرج نفسه إلى الماء وهو بحاجة إلى الشرب بعده فإنه قد لا يقبل إذا حصل منه ذلك. وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه)، اليمنى لا تستعملها عند قضاء الحاجة، لا للاستنجاء ولا للمس، بحيث تكون بعيدة عن مس الذكر، والاستنجاء عند قضاء الحاجة، وإنما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين النهي عن التنفس في الإناء، وبين النهي عن مس الذكر باليمين، والاستنجاء باليمين؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ذكر آداب الشرب، وذكر آداب الاستنجاء، فناسب الجمع بين هذه الأمور؛ لأنها عند دخوله وعند خروجه، وعند شربه لا يتنفس وهو عند الشرب، وعند خروجه لا يستعمل اليمين.

تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين

قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وإسماعيل بن مسعود هذا من شيوخ النسائي، وهو بصري ثقة، ويكنى بـأبي مسعود؛ يعني: وافقت كنيته اسم أبيه، ومن أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، والفائدة من معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه من الرواة هي كوننا نعرف الرجل إذا كانت وافقت كنيته اسم أبيه حتى لا يظن التصحيف؛ وسبق أن مر لهذا نظائر، مثل هناد بن السري وهناد أبو السري، وكذلك عدد كبير يأتي ذكرهم من الرواة، وافقت كناهم أسماء آبائهم.وإسماعيل هذا من رجال النسائي فقط، خرج له النسائي وحده، ولم نخرج له أصحاب الكتب الباقين.[حدثنا خالد].وهو: ابن الحارث، وهو بصري ثقة، وهو من رجال الجماعة. [عن هشام].وهو: ابن أبي عبد الله الدستوائي الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة.[عن يحيى].وهو: ابن أبي كثير الذي سبق أن مر ذكره، والأحاديث كلها وهذا الحديث تدور عليه؛ يعني: طرق هذا الحديث -الذي هو حديث النهي- من حديث أبي قتادة عن ابنه عبد الله، عن يحيى كلها تأتي عن يحيى بن أبي كثير وتتفرع عنه، وقد سبق أن مر بنا الحديث فيما مضى عن أبي معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، وأما هنا عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير.ويحيى بن أبي كثير هذا ثقة من رجال الجماعة، وسبق أن ذكرت لكم أنه قال كلمة عظيمة في بيان طلب العلم، والحث عليه، والصبر عليه، قد ذكرها مسلم عنه في صحيحه، وهي قوله: لا يستطاع العلم براحة الجسد. هذه كلمة جميلة من كلمات هذا الرجل الذي هو يحيى بن أبي كثير.قوله: [ عن عبد الله بن أبي قتادة].وعبد الله بن أبي قتادة، ثقة من رجال الجماعة، وسبق أن مر ذكره.قوله: [عن أبيه].وأبوه هو: أبو قتادة الأنصاري، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسبق أن مر ذكره. وعلى هذا؛ فإن رجال الإسناد كلهم من رجال الجماعة إلا إسماعيل بن مسعود شيخ النسائي؛ فإنه من رجال النسائي وحده، والباقون من رجال الجماعة، وكلهم من الثقات، إسماعيل بن مسعود، ثم بعده خالد بن الحارث، ثم بعده هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ثم يحيى بن أبي كثير، ثم عبد الله بن أبي قتادة، كل هؤلاء من الثقات، وكلهم خرج حديثهم الجماعة، إلا شيخ النسائي؛ فإنه لم يخرج له إلا النسائي.

شرح حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن ابن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه)].ثم أورد النسائي هذا الحديث؛ حديث أبي قتادة من طريق أخرى، إلى يحيى بن أبي كثير، وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه ).وهذه الرواية مطلقة؛ وهي قوله: (وأن يمس ذكره بيمينه)، ليس فيها: عند قضاء الحاجة، بخلاف الرواية السابقة، وكذلك الرواية التي سبقت فيما مضى.ومن العلماء من قال: إن المطلق محمول على المقيد؛ يعني: معناه أن النهي إنما هو عند قضاء الحاجة، ووجه هذا: أن الأحاديث كلها تدور على يحيى بن أبي كثير، وكل الطرق تأتي عنه، والقصة واحدة، والحديث واحد، إذاً: فالتي فيها التقييد وأن النهي عن مس الذكر عند قضاء الحاجة، تقيد الرواية المطلقة، فيحمل المطلق على المقيد، فيكون النهي في هذا محمولاً على ما جاء من التقييد؛ لأن الحديث واحد، وهو جاء عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبي قتادة.وذكرت في ما مضى: أن السبب في هذا أن قضاء الحاجة تكون اليد اليمنى عرضة للنجاسة، ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بأن تُستعمل اليمين في الأمور المحمودة، والأمور الطيبة، والشمال تستعمل بخلافها، فالنهي عن مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة؛ لما فيه من التعرض للنجاسة.ومن العلماء من قال: إن النهي يكون على إطلاقه، وأنه إذا نهي عن مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة فهو عند غير قضاء الحاجة من باب أولى، وذكرت فيما مضى: أن هذه الأولوية ليست واضحة؛ لأن النهي عند قضاء الحاجة إنما هو لخوف النجاسة، وأما إذا لم يكن هناك قضاء حاجة فليس هناك ما يدل على الأولوية؛ يعني: أن مسه عند عدم الحاجة من باب أولى؛ لأن هناك مظنة نجاسة، وهنا ليس فيه مظنة نجاسة، ومن المعلوم أن الإنسان يستنثر بيساره، ولا يستنثر بيمينه؛ يعني: عندما يخرج ما في أنفه يخرجه باليسار، ولا يخرجه باليمين، لكن كونه يلمس أنفه بيمينه في غير حاجة الاستنثار ليس فيه مانع، فكذلك مس ذكره بيمنيه في غير قضاء الحاجة لا يكون ممنوعاً، فمن العلماء من حمل المطلق على المقيد، ومنهم من قال: إنه يكون مطلقاً، ويقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث طلق بن علي سأله عن مس الذكر؟ قال: (هل ينقضه؟ قال: هل هو إلا بضعة منك)؛ معناه: أن اللمس كما يكون بالشمال يكون باليمين، وأطلق هنا في السؤال، وأطلق في الجواب.وقوله: (وأن يستطيب بيمينه)؛ يعني: يستنجي بيمينه، أو يستجمر بيمينه، فكلها لا تكون باليمين، وإنما تكون بالشمال.

تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن].وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بصري، صدوق من رجال الجماعة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، يعني الخمسة رووا عنه مباشرة، وابن ماجه ما خرج له في صحيحه شيئاً.[حدثنا عبد الوهاب].هو: ابن عبد المجيد الثقفي، وهو من الثقات ومن رجال الجماعة.[عن أيوب].وهو: ابن أبي تميمة السختياني، وهو من الثقات الأثبات، ومن رجال الجماعة.[عن يحيى بن أبي كثير].وعند يحيى بن أبي كثير، التقى الإسناد مع الأسانيد السابقة ومع الطرق السابقة؛ لأنها كلها تدور على يحيى بن أبي كثير وهي أسانيد حديث أبي قتادة يرويه عن ابن أبي قتادة عبد الله، وعبد الله يرويه عن أبيه أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 01-03-2019, 07:24 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,914
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(25)


تابع باب النهي عن الاستنجاء باليمين - باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء

من آداب قضاء الحاجة دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء لإزالة ما علق بها من أوساخ ونجاسات، وينوب عنها مواد الغسل الحديثة من الصابون وغيره.

تابع النهي عن الاستنجاء باليمين

شرح حديث سلمان في النهي عن الاستنجاء باليمين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي وشعيب بن يوسف واللفظ له عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان رضي الله عنه، أنه قال: (قال المشركون: إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة، قال: أجل، نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، ويستقبل القبلة، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار)].أورد النسائي: حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، أنه قال المشركون: (نرى صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة، فقال: أجل، نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، وأن نستقبل القبلة) يعني: عند قضاء الحاجة، (ألّا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)، فحديث سلمان هذا سبق أن تقدم فيما مضى، وأورده هنا من أجل ما اشتمل عليه مما ترجم له وهو: المنع من الاستنجاء باليمين.والمشرك� �ن قالوا لـسلمان الفارسي رضي الله عنه: (نرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة)، وكأنهم قالوا هذا على سبيل العيب، فـسلمان رضي الله عنه وأرضاه، لم يقل: إنكم تعيبون، وسب، وعاب، وذم، وإنما أثبت هذا الذي قالوه، وبين أن هذا من محاسن هذه الشريعة ومن كمالها، وفيه بيان أن نبينا عليه الصلاة والسلام بين لنا كل شيء حتى آداب قضاء الحاجة، فما تركها دون أن يبينها لنا، فصار ذلك على سبيل المدح، وعلى سبيل بيان كمال هذه الشريعة، وبيان كمال نصح الذي جاء بها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأنه بين للناس ما يحتاجون إليه.وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم شر ما يعلمه لهم)، وقد بين عليه الصلاة والسلام أصول الدين وفروعه، وبين للناس ما يحتاجون إليه، وهذا الحديث- كما سبق أن ذكرت فيما مضى- يستدل به أهل السنة والجماعة على المؤولين في آيات الصفات، والذين يقولون: إنه ليس لله يدان حقيقيتان، وإنما المراد باليد النعمة، أو القدرة، ويقولون: الاستواء هو الاستيلاء، ويقولون: إن كذا هو كذا، ويأتون بمعان لآيات وأحاديث الصفات، فيستدل عليهم أهل السنة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين آداب قضاء الحاجة كما جاء في حديث سلمان فكيف يبين آداب قضاء الحاجة ويترك أمر الأصول والعقيدة غير مبين، ويجعل الناس يتخرصون، فهذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، والمراد كذا، والمراد كذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما بين ذلك على قولهم وعلى زعمهم، بل النبي صلى الله عليه وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه، والرسول صلى الله عليه وسلم خاطب أناساً عرباً، فهموا ما خوطبوا به.وقد قال ابن القيم: إن من قال: إن عقيدة السلف التفويض في المعاني، وأنهم لا يعرفون المعاني فإنه قد جهل مذهب السلف، ونسبهم إلى الجهل، جهل مذهبهم وجهلهم بأن قال: إنهم جهال لا يعرفون معاني ما خوطبوا به، وأيضاً كذب عليهم إذ أضاف إليهم شيئاً ما قالوه.إذاً: فمعاني الآيات وأحاديث الصفات فهمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم ممن سار على منوالهم، كما جاء عن الإمام مالك حيث قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

تراجم رجال إسناد حديث سلمان في النهي عن الاستنجاء باليمين

قوله: [أخبرنا عمرو بن علي وشعيب بن يوسف].عمرو بن علي هذا هو: الفلاس الذي مر ذكره مراراً، وهو من الثقات الحفاظ النقاد، المعروفين بالكلام في الرجال والجرح والتعديل، وهو من رجال الجماعة.أما شعيب بن يوسف شيخ النسائي فهو ثقة، خرج له النسائي فقط، فهو من رجال النسائي، وهو من الثقات.قوله: (واللفظ له) يعني لما ذكر شيخين بين أن هذا اللفظ هو لفظ شعيب، وليس لفظ عمرو بن علي؛ لأنه كما هو معلوم أن الرواة يختلفون في سياق الحديث، فيكون فيه اختلاف في التعبير، فقال: هذا اللفظ الموجود هو لفظ شعيب، وسبق أن ذكرت أن النسائي أحياناً يذكر شيخين، لكن ما يبين لمن له اللفظ، وأحياناً يبين ذلك، وقد مر بنا في مواضع تبيين من له اللفظ وهو للثاني منهما، يقول: واللفظ له، فأظنه يرجع إلى أقرب مذكور، أما مسلم فهذه طريقته، فإنه يذكر عدداً من الشيوخ ثم يقول: واللفظ لفلان، حدثنا فلان، وفلان، وفلان، واللفظ لفلان؛ يعني مثل طريقة النسائي فهذه مثلها في الجملة، أما البخاري فقد ذكرت فيما مضى أن عادته أنه لا يذكر: واللفظ لفلان، ولكن الذي عرف بالاستقراء من صنيعه كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر: أن اللفظ المذكور هو للشيخ الثاني من شيخيه، قال الحافظ ابن حجر: هذا هو الذي عرف بالاستقراء من صنيع البخاري، وقد ذكر هذه الفائدة في شرح حديث جابر بن عبد الله: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء: نصرت بالرعب مسيرة شهر) عند شرح هذا الحديث بين هذه الفائدة وهي أنه قد عرف بالاستقراء من صنيع البخاري أنه عندما يذكر شيخين فإن اللفظ الذي يذكره يكون للثاني منهما، قال: والدليل على هذا: أن الأول الذي ما ذكر اللفظ له يأتي به في موضع آخر من الصحيح، ولفظه يختلف عن اللفظ الذي أثبته، فإذاً: يكون هو للثاني لا للأول. أما النسائي: فكونه يذكر اثنين من شيوخه ولا يذكر من له اللفظ لا أدري ما هي طريقته، هل اللفظ للثاني، أو اللفظ للأول؟ ولعله يتبين لنا فيما ندرسه من الأحاديث في المستقبل ما يفيد طريقته، أو يرشد إلى طريقته رحمه الله.[عن عبد الرحمن بن مهدي].و عبد الرحمن بن مهدي هذا يأتي ذكره لأول مرة، لكن جاء ذكره فيما مضى مقروناً مع يحيى بن سعيد القطان بمناسبة ذكر الذهبي للاثنين، وأنهما إمامان من أئمة الجرح والتعديل، وأنهما إذا اتفقا على جرح شخص فمعناه: أنه لا يسأل عن جرحه، وأنهما أصابا الهدف، وعبر عن ذلك بعبارة جميلة حيث قال: إذا اتفقا على جرح شخص، فلا يكاد يندمل جرحه. هذا كلام الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل.و عبد الرحمن بن مهدي هذا هو إمام، قال عنه الحافظ: ثقة، حجة، حافظ، عارف بالرجال والعلل، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن سفيان].و سفيان هذا غير منسوب، جاء في الإسناد غير منسوب، وفي ترجمة عبد الرحمن بن مهدي روى عن سفيان بن عيينة وروى عن سفيان الثوري، ولهذا قالوا: روى عنه السفيانان: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وروى عنه الحمادان: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة. وفي ترجمة كل من سفيان بن عيينة وسفيان الثوري قالوا: رويا عن الأعمش وعن منصور، الذي روى عنهم هنا في الإسناد.إذاً: سفيان هنا محتمل لأن يكون هذا وهذا، لكن أيهما بالنسبة للتلاميذ، فـعبد الرحمن بن مهدي موجود هنا وهو تلميذ لـسفيان الثوري ولـسفيان بن عيينة، وأنا أقول روى عنه السفيانان.ولم يتبين لي أو ما تمكنت في البحث أن أعرف أي الاثنين هو. وقد ذكرت فيما مضى أن الطريقة التي يعرف بها أي الاثنين يعتبر هو المراد عند الإطلاق فيما إذا كان الاثنان تلميذين لشخص، فإن ذلك المبهم يعرف بمن يكون أكثر رواية وأكثر ملازمة. فمن ناحية الملازمة وأيهما أكثر رواية لا أعرف ذلك حتى الآن، ولكن كما ذكرت: أن عبد الرحمن يروي عن السفيانين، والسفيانان يرويان عن الأعمش وعن منصور، فيحتاج معرفة أيهما أكثر ملازمة، ومن يكون أكثر رواية، وهذا ما لم أتوصل إليه الآن، ولعلي أبين ذلك فيما بعد إن شاء الله.[عن الأعمش].وهو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وقد مر ذكره وهو من رجال الجماعة، فالسفيانان هما من رجال الجماعة أيضاً، الذي يحتمل أن يكون هذا أو هذا فكل منهما من رجال الجماعة، ومنصور بن المعتمر أيضاً كذلك من رجال الجماعة، وهما في طبقة واحدة: منصور، والأعمش، وقد سبق أن مر ذكرهما معاً، وسليمان الأعمش يأتي ذكره بلقبه، ويأتي ذكره باسمه، وقد ذكرت ذلك فيما مضى مراراً. [عن إبراهيم].وهو: إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الذي سبق أن مر ذكره، وهو يروي عن خاله عبد الرحمن بن يزيد هنا؛ يعني: إبراهيم النخعي يروي عن خاليه: الأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد، وهنا يروي عن عبد الرحمن، وقد سبق أن مرت روايته عن الأسود بن يزيد فيما مضى.[عن سلمان].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق أن مر الحديث عنه، ومر ذكر ما له من الأحاديث، وسلمان هو الذي يقول فيه الشاعر وهو يبين فضل الإسلام، وأن من كان قد ظفر بالإسلام وهداه الله للإسلام، فهو الذي ظفر بكل خير، يقول الشاعر:لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على النسبفقد رفع الإسلام سلمان فارسوقد وضع الشرك النسيب أبا لهبفـأبو لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن هذا النسب وهذا القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينفعه، وإنما هذا الرجل الفارسي الذي ليس من العرب وليس من قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم رفعه الله تعالى بالإسلام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).وقد وضع الشرك -أي: حط الشرك هذا، ورفع الإسلام هذا-، فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا إنسان من الفرس، لكن الله تعالى رفعه بالإسلام.
دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء

شرح حديث: (أن النبي توضأ فلما استنجى دلك يده بالأرض)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء.أخبرن� � محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما استنجى دلك يده بالأرض)].يقول النسائي رحمه الله: باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء. والمقصود من ذلك: هو التحقق من إزالة ما علق بها وما باشرته من النجاسة، فيكون ذلك زيادة في التحقق والاطمئنان إلى ذهاب ما علق بها.ومن المعلوم أن هذا فيما إذا كان الإنسان يستنجي على الأرض، أو في مكانه تراب، أما حيث لا يكون ذلك فإنه يمكن أن يكون بعد الاستنجاء فيغسل إما بالصابون، أو بغير الصابون، وبذلك يحصل التحقق من النظافة بعد مباشرتها للاستنجاء.وأورد النسائي فيه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما استنجى دلك يديه بالأرض)، قوله: (فلما استنجى) يعني: لما استنجى قبل الوضوء دلك يديه بالأرض؛ يعني: بعد الاستنجاء وعند الاستنجاء.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي توضأ فلما استنجى دلك يده بالأرض)

قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي].ومحمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي هو: ثقة حافظ، قال عنه الحافظ في التقريب: خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا وكيع].وهو: ابن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو ثقة، حافظ، إمام، من المتمكنين، ومن الثقات المعروفين، ومن المؤلفين والمصنفين في الحديث، وقد مر ذكره في الأحاديث الماضية. [عن شريك].وهو: ابن عبد الله القاضي النخعي وأيضاً سبق أن مر ذكره أيضاً في الأحاديث الماضية، وهو صدوق يخطئ، واختلط بعد أن ولي القضاء، وقد خرج له البخاري تعليقاً، وروى له مسلم والأربعة. [عن إبراهيم بن جرير].وهو: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي ، صدوق، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن أبي زرعة].وهو: ابن عمرو بن جرير البجلي؛ يعني: ابن أخي الذي قبله؛ لأن إبراهيم بن جرير عم أبي زرعة بن عمرو بن جرير، الراوي عنه عمه؛ لأن عمراً وإبراهيم أخوان، وأبو زرعة هذا ثقة، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب. وأبو زرعة هذه كنيته، وقد اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً، ولكنه مشهور بكنيته، وأبو زرعة من التابعين، بل هو من كبار التابعين، وهو يروي عن عدد من الصحابة، وهو في القرن الأول، ويوافق أبا زرعة في هذه الكنية عدد من العلماء والمحدثين، ومن هؤلاء الذين يوافقونه في الاشتهار بهذه الكنية: أبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي. وأبو زرعة الرازي هو أحد الحفاظ النقاد الذين لهم كلام كثير في الجرح والتعديل، وابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل كثيراً ما ينقل عن أبيه أبي حاتم، وأبي زرعة الرازي، ويأتي ذكرهما كثيراً مقرونين في الكلام في الرجال، وكثيراً ما يذكرهما ويقرن بينهما عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل، فيقول: عن أبيه وعن أبي زرعة.إذاً: فهو مشهور بالجرح والتعديل، وقد خرج له مسلم حديثاً واحداً في الدعاء رواه عنه مباشرة، واسمه عبيد الله بن عبد الكريم وكانت وفاته سنة أربع وستين ومائتين، بعد وفاة الإمام مسلم بثلاث سنوات؛ لأن مسلماً توفي سنة إحدى وستين ومائتين، وأبو زرعة الرازي توفي سنة أربع وستين ومائتين.وأبو زرعة الدمشقي أيضاً مشهور بهذه الكنية، وهو: عبد الرحمن بن عمرو النصري الدمشقي، وهو محدث مؤرخ، له تاريخ دمشق، وهو من الثقات الحفاظ، وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين ومائتين، فأبو زرعة الرازي وأبو زرعة الدمشقي كلاهما من علماء القرن الثالث.وممن اشتهر بكنية أبي زرعة من المتأخرين: ابن العراقي ولي الدين الذي يأتي النقل عنه كثيراً في كلام السيوطي في حاشيته على النسائي حيث يقول: قال الشيخ ولي الدين، فـولي الدين أبو زرعة بن العراقي هو: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين أيضاً كنيته أبو زرعة، وهو مشتهر بهذه الكنية، يقال: أبو زرعة العراقي، ويقال له: ولي الدين، ولأبيه: زين الدين الذي هو عبد الرحيم صاحب الألفية، وصاحب الكتب، وأيضاً هذا المؤلف الذي هو ابنه يكنى أبا زرعة، وقد توفي سنة ست وعشرين وثمانمائة، وكنيته أبو زرعة العراقي أو ابن العراقي. فهذان مشهوران بهذه الكنية وهي: أبو زرعة.ومن المعلوم أن أزمانهم متفاوتة، فـأبو زرعة بن جرير من التابعين ومن كبارهم، فهو يروي عن الصحابة ويروي كثيراً عن أبي هريرة، ويأتي ذكره في الصحيحين وهو الراوي عن أبي هريرة آخر حديث في صحيح البخاري: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فإن هذا الحديث يرويه أبو زرعة عن أبي هريرة، وهو كما ذكرت من رجال الجماعة وهو متقدم.أما الرازي والدمشقي فهما في القرن الثالث، ومسلم روى عن أبي زرعة الرازي حديثاً واحداً، وروى عنه أيضاً بعض أصحاب الكتب، أما أبو زرعة الدمشقي فلم يخرج له إلا أبو داود.[عن أبي هريرة].و أبو هريرة هو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث، وسبق أن مر ذكره مراراً.

شرح حديث: (... فاستنجى بالماء، وقال بيده فدلك بها الأرض)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن الصباح حدثنا شعيب؛ يعني: ابن حرب حدثنا أبان بن عبد الله البجلي حدثنا إبراهيم بن جرير عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى الخلاء فقضى الحاجة، ثم قال: يا جرير! هات طهوراً، فأتيته بالماء، فاستنجى بالماء وقال بيده، فدلك بها الأرض).قال أبو عبد الرحمن: هذا أشبه بالصواب من حديث شريك، والله سبحانه وتعالى أعلم].ذكر النسائي حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الخلاء، وقضى حاجته ثم قال: ( هات طهوراً فأتاه بالماء فاستنجى ودلك بيده على الأرض ) وهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا، لكون المصنف مراده من ذلك الاستدلال على دلك اليد بعد الاستنجاء، وهو دال على ما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم قبله.

تراجم رجال إسناد حديث: (... فاستنجى بالماء، وقال بيده فدلك بها الأرض)

قوله: [أخبرنا أحمد بن الصباح].وهو شيخ النسائي، وهو ثقة، وقد خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.يعني: ثلاثة في هذين الإسنادين كلهم من رجال البخاري، وأبي داود، والنسائي: شيخ النسائي في الإسناد الأول، وشيخه، وشيخ شيخه في الإسناد الثاني، فشيخ النسائي في الإسناد الأول: محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي وأحمد بن الصباح، وشعيب بن حرب هؤلاء الثلاثة كلهم من الثقات.[حدثنا شعيب؛ يعني ابن حرب].و شعيب بن حرب كما قلت: هو ثقة، وقد خرج حديثه الثلاثة: البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا أبان بن عبد الله].وأبان بن عبد الله البجلي صدوق، فيه لين، وخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [حدثنا إبراهيم بن جرير].و إبراهيم بن جرير وهو الراوي عن ابن أخيه في الإسناد الأول، فهنا إبراهيم بن جرير يروي عن أبيه جرير، وهو صدوق قيل: إنه لم يسمع من أبيه، قال الحافظ: وقد جاء أنه صرح بالتحديث عن أبيه، قال: وهذا إنما هو من غيره؛ يعني: العهدة، أو الغلط من غيره؛ يعني: ممن هو دونه هو الذي غلط فنسب إليه التحديث، وإلا فإن روايته عنه بالعنعنة وهو لم يسمع منه، بل هو يرسل عنه، وقد جاء في بعض المواضع التصريح بالتحديث عن أبيه، وسبق أن عرفنا أنه خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [عن أبيه].وهو: جرير بن عبد الله البجلي، وهو والد إبراهيم هذا الذي روايته عنه مرسلة وليست متصلة، وجرير من الصحابة المشهورين، وكان كبيراً في قومه، ووجيهاً في قومه، ولما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبايعه روى عنه كما في الصحيحين قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) وقد قالوا: إنما بايعه على النصح لكل مسلم؛ لأنه كان كبيراً في قومه، وكان عليه الصلاة والسلام عندما تحصل المبايعة يخص بعض الأشخاص بما يمكن أن يفيد فيه، ولما كان جرير كبيراً في قومه، وزعيماً في قومه، وله تأثير فيهم كان مما بايعه عليه: النصح لكل مسلم، حتى يجد ويجتهد في الدعوة إلى الإسلام وفي النصح للمسلمين، قالوا: هذا من وجه كون النبي صلى الله عليه وسلم عندما بايعه، بايعه على النصح لكل مسلم، وهو الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لهدم ذي الخلصة، فهدمها ومعه جماعة من قومه (أحمس) وهم من بجيلة، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولقومه، وهو الذي كان لا يثبت على الخيل، ولما أراد أن يرسله قالوا له: إنه لا يثبت فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فكان بعد ذلك لا يتحرك من الخيل ويثبت عليها بعد أن دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان رضي الله عنه جميلاً وسيماً، وكان يوصف ويلقب بأنه يوسف هذه الأمة؛ يعني لجماله وحسنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وقد قال في الخلاصة: إن له مائة حديث، اتفق البخاري، ومسلم على ثمانية منها، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بستة أحاديث.والنسائي لما أورد الحديثين قال بعد الحديث الأخير: وهذا أشبه بالصواب؛ يعني: كونه أشبه بالصواب من حديث جرير؛ يعني الحديث متقدم؛ لأن عنده حديثين: حديثاً عن أبان عن إبراهيم، وحديث عن شريك عن إبراهيم قال: وهذا الحديث يعني: حديث أبان أشبه بالصواب من حديث شريك؛ أي: أنه من مسند جرير، وقد قال بعض العلماء: إن الحديثين لا تنافي بينهما، بل يمكن أن يكون الحديث عن إبراهيم من طريقين بإسنادين، بإسناد عن ابن أخيه أبي زرعة عن أبي هريرة، وبإسناد آخر عن أبيه جرير بن عبد الله، فلا تنافي بين الإسنادين، ولا محذور فيهما، فيمكن أن يكون الحديث عند إبراهيم بن جرير من طريقين: من مسند أبي هريرة، ومن مسند جرير بن عبد الله البجلي.ومن المعلوم أن إبراهيم لم يسمعه من أبيه، وروايته عنه مرسلة، لكن إذا ضم إليه الحديث المتقدم فإنه يرتقي إلى درجة الاحتجاج، ويزول عنه ذلك المحذور الذي هو الإرسال، فإذا ضم الحديثان بعضهما إلى بعض فيكون الحديث حسناً، ويكون حجة فيحتج به.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #26  
قديم 06-03-2019, 06:59 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,914
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(26)


باب التوقيت في الماء - باب ترك التوقيت في الماء

من حرص الشريعة على الطهارة أن فرقت بين الماء القليل والماء الكثير، فجعلت الماء القليل يتأثر بالنجاسة ولو لم تظهر عليه, وأما الكثير فإنه لا ينجس حتى يظهر أثر النجاسة في لونه أو طعمه أو ريحه، كما أنه من القواعد الشرعية المهمة أن أدنى المفسدتين ترتكب لأجل دفع أعظم المفسدتين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بترك الأعرابي يتم بوله في المسجد.
التوقيت في الماء

شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التوقيت في الماء.أخبرنا هناد بن السري والحسين بن حريث عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) ]. يقول النسائي رحمه الله: باب التوقيت في الماء, والمقصود من ذلك: التحديد، يعني: ما هو مقدار الماء الذي إذا وقعت فيه النجاسة تؤثر فيه؟ وما هو الذي لا تؤثر فيه النجاسة؟وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن الماء يكون في الفلاة تنتابه السباع والدواب، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).فالرسول عليه الصلاة والسلام سئل عن الماء يكون في الفلاة تأتي إليه السباع فتشرب منه وتخوض فيه، فهل ينجس أو لا ينجس؟ فأجاب النبي عليه الصلاة والسلام ببيان تحديد للماء إذا بلغه لا تؤثر فيه النجاسة، وإذا نقص عنه وقل عنه فإن النجاسة تؤثر فيه.والمقصود من هذا: أن الماء إذا بلغ أكثر من قلتين فإذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً، فإنه يكون طاهراً ولو وقعت فيه النجاسة، أما إذا غيرت لونه أو طعمه أو ريحه فإنه يكون نجساً، وقد جاء في ذلك حديث آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، ولكن جاء في ذكر تغير الطعم واللون والريح زيادة على هذا الحديث جاء زيادة: (إلا ما غلب على لونه وطعمه وريحه) وهذه الزيادة في أحد رواتها ضعف، ولكن العلماء أجمعوا عليها، فهي محل إجماع من العلماء، يعني: ما تقتضيه هذه الزيادة، وما تدل عليه الزيادة هو محل إجماع، فلا خلاف بين العلماء أن النجاسة إذا وقعت في الماء, وأثرت فيه لوناً أو طعماً أو ريحاً فإنه يعتبر نجساً.والحديث الذي معنا يدل على أن ما قل عن القلتين, ولم يبلغ القلتين فإنه يكون نجساً, ولو لم يتغير لونه وطعمه وريحه؛ لوقوع النجاسة فيه، ولا يحتاج الأمر فيه إلى التغير، وما زاد على القلتين، وهو الماء الكثير لا تؤثر فيه النجاسة ما لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً، أما إذا وقعت فيه وهو دون القلتين فإنه ينجس وإن لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً، أما إذا غيرت لونه وطعمه وريحه وهو قليل فهو مثل الكثير، وأما إذا لم تغير فحديث القلتين هذا يدل على أنه ينجس، وقد جاء في بعض روايات حديث القلتين بدل (لم يحمل الخبث)، (لم ينجس).وحديث القلتين رواه أصحاب السنن الأربعة, والإمام أحمد, والدارمي وغيرهم، وصححه جماعة من أهل العلم منهم: الطحاوي, وابن خزيمة, وابن حبان, والحاكم, والنووي, والذهبي, وابن حجر، فكل هؤلاء صححوا الحديث.وأما ابن القيم فإنه في كتابه تهذيب السنن ضعفه، وأطال الكلام في تضعيفه، وبيان ضعفه، وأنه لم يثبت، وقد أعل بالاضطراب، يعني: أن الوليد بن كثير أحد رواته قالوا: إنه اضطرب، فكان يرويه مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة عن محمد بن عباد بن جعفر، وفي بعض الطرق عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وفي بعضها عن عبيد الله بن عبد الله، قالوا: وهذا اضطراب يؤثر فيه، والذين صححوه قالوا: إن الاضطراب لا يؤثر؛ لأن هؤلاء ثقات، وسواءً كان عن هذا أو هذا ، وممن صححه من المتأخرين: الشيخ الألباني في إرواء الغليل، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي، وقد قال الشيخ أحمد شاكر: إن ما ذكر من اضطراب الوليد بن كثير فيه وأنه يرويه أحياناً كذا وأحياناً كذا، قال: إنه يرويه عن محمد بن عباد بن جعفر ومحمد بن جعفر بن الزبير، وكل منهما يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، قالوا: وهذا لا يؤثر ولا يعتبر اضطراباً.وقوله: (لم يحمل الخبث) يعني: أنه يدفع الخبث عن نفسه, ويأبى النجاسة، إذا بلغ هذا المقدار، وهو بمعنى: (لم ينجس) في الرواية الأخرى، وفي بعض الروايات: (لم ينجس) ، وفي بعضها: (لم يحمل الخبث)، وهي بمعنى هذه، ومعناها: أنه يدفع النجاسة ولا تؤثر فيه النجاسة إذا كان كثيراً، هذا هو معنى (لم يحمل الخبث).والقلتان قيل في تقديرهما: إنهما بمقدار خمس قرب، وقيل غير ذلك.

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)

قوله: [ أخبرنا هناد بن السري والحسين بن حريث ].أما هناد بن السري فهو: هناد بن السري أبو السري، وذكرنا: أن كنيته توافق اسم أبيه، وذكرنا فيما مضى: أنه خرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وخرج له مسلم, والأربعة.وأما الحسين بن حريث، فقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فقد خرج له البخاري, ومسلم, وأبو داود, والترمذي, والنسائي، ولم يخرج له ابن ماجه ، ويماثله أحد الرواة الذين خرج عنهم أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه , وهو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه، فهذا مثل هذا، فقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[ عن أبي أسامة ].وأبو أسامة هذه كنية، وصاحب هذه الكنية حماد بن أسامة، وهو مشهور بكنيته، ويأتي كثيراً بالكنية، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو حماد بن أسامة، وكنيته أبو أسامة، وهو من جنس هناد بن السري، كنيته توافق اسم أبيه، وقد عرفنا فيما مضى أن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه هذا من أنواع علوم الحديث, حتى لا يظن التصحيف فيما لو جاء بدل (ابن)، (أبو) فإن هذا صحيح وهذا صحيح، فهو حماد أبو أسامة وحماد بن أسامة، وهو من الثقات, ومن رجال أصحاب الكتب.[ عن الوليد بن كثير ].أما الوليد بن كثير فقد خرج حديثه أصحاب الكتب، وقال الحافظ عنه: إنه صدوق، وقد جاء في الإسناد عنه في بعض الروايات: محمد بن عباد بن جعفر، وفي بعضها: محمد بن جعفر بن الزبير، وكل من الاثنين ثقة، وكل منهما من رجال الجماعة، محمد بن جعفر بن الزبير مدني، وهذا مكي، فسواءً كان هذا أو هذا لا يؤثر، فـالوليد بن كثير روى عن هذا وعن هذا.[ عن محمد بن جعفر ].الذي يروي عنه محمد بن جعفر، هو في بعض الروايات: عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وقد أخرج النسائي في كتاب المياه هذا الحديث من طريق الحسين بن حريث؛ لأن النسائي روى هنا عن شيخين: هناد بن السري والحسين بن حريث، وفي أبواب المياه أورده عن الحسين بن حريث بنفس الإسناد، إلا أنه قال هناك: عبيد الله بن عبد الله، وقال: محمد بن جعفر بن الزبير، نص على ابن الزبير، وأما هنا فقال: عبد الله بن عبد الله، وقد ذكرت لكم أن الشيخ أحمد شاكر قال: إن الوليد بن كثير يروي عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر، وأن كلاً منهما يروي عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه.وعبد الله بن عبد الله بن عمر هو ثقة، وخرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه، مثل: الحسين بن حريث لم يخرج له ابن ماجه, وخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات.أما أخوه عبيد الله بن عبد الله بن عمر الذي جاء ذكره في بعض الروايات، فخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات.وأما عبد الله بن عمر راوي الحديث، وصحابي الحديث، مر ذكره مراراً، وأنه أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.ثم إن الحديث لم ينفرد به الوليد بن كثير، بل جاء من يرويه غير الوليد بن كثير، جاء من طرق أخرى غير طريق الوليد بن كثير، فالحديث صحيح, صححه جمع من أهل العلم كما ذكرت لكم, فقد صححه الطحاوي, وابن حبان, وابن خزيمة, والحاكم, والنووي, والذهبي, وابن حجر العسقلاني، ومن المعاصرين: الشيخ الألباني, والشيخ أحمد شاكر.
ترك التوقيت في الماء

شرح حديث: (إن أعرابياً بال في المسجد... فلما فرغ دعا بدلو فصبه عليه)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ترك التوقيت في الماء.أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن أعرابياً بال في المسجد، فقام عليه بعض القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه, لا تزرموه، فلما فرغ دعا بدلو فصبه عليه).قال أبو عبد الرحمن: يعني: لا تقطعوا عليه ].ثم ذكر النسائي ترك التوقيت في الماء؛ يعني: أنه ذكر في الباب الأول التوقيت في الماء، وأنه يكون قلتين، وأن ما زاد عليه لا تؤثر فيه النجاسة إذا وقعت فيه, إلا إذا غيرت له لوناً وطعماً وريحاً, فهذا بالإجماع, أما إذا نقص عن القلتين فإنه لا يحمل الخبث، يعني: لا يدفع النجاسة عن نفسه، ولو لم تغير له لوناً وطعماً وريحاً، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ولوغ الكلب قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه) يعني: أن الماء صار نجساً، ثم أيضاً الإناء يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب, أو إحداهن بالتراب، فإذا كان قليلاً تؤثر فيه النجاسة, ولو لم تغير له لوناً وطعماً وريحاً.وهنا قال: ترك التوقيت في الماء، ثم أورد حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن عرابياً دخل المسجد فبال, فقام إليه بعض القوم -يزجرونه ويمنعونه وينكرون عليه- فقال: دعوه، لا تزرموه، فلما فرغ أمر بدلو من ماء فصب عليه) ثم إن أبا عبد الرحمن النسائي فسر قوله: (لا تزرموه) يعني: لا تقطعوا عليه بوله؛ يعني: دعوه يكمل البول، هذا هو معنى: لا تزرموه، أي: دعوه يعني: اتركوه.المقصود من هذا: أنه لما وجد البول وحصلت المضرة فإن المضرة لا تدفع بمضرة أضر منها؛ لأنه لو منعوه, أو استمروا في زجره وقام فإنه سيقع البول في أماكن متعددة في المسجد لا ينتبه لها وسيقع على جسده, وعلى ثيابه, وعلى أماكن في المسجد لا يهتدى إليها، بخلاف لو ترك يكمل بوله ثم يصب عليه ماء، فإن النجاسة تكون محصورة ومعروف مكانها، فيصب عليها الماء فتطهر الأرض.ولهذا فالحديث يدل على قاعدة من قواعد الشريعة، وهي: أنه يرتكب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما؛ يرتكب أخف الضررين إذا وجد ضرران وحصلا، ولا بد من أحدهما، فارتكاب أخف الضررين في سبيل دفع أشدهما هو المطلوب، وهذا هو الذي تقتضيه قواعد الشريعة، وهذا الحديث يدل لهذه القاعدة؛ لأنه لما وجد البول حصل ضرران، وقوع البول في المسجد ضرر، وقطعه فيه ضرر آخر، وهو أن هذا الرجل عندما يمنع ويزجر يصيب البول ثيابه وجسده ويقع في أماكن من الأرض لا يهتدى إليها، فكونه يستمر في بوله وينتهي من البول أولى من كونه يقطع عليه فعله، ثم ينجس ثيابه وجسده, وتقع النجاسة في أماكن من الأرض لا يهتدى إليها، فهذا دليل لهذه القاعدة وهي ارتكاب أخف الضررين في سبيل دفع أشدهما، وعند وجود الضررين يرتكب أخفهما ويدفع أشدهما.ومن أمثلة هذه القاعدة: قول الله عز وجل: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا [الأنعام:108]، فلما كانت مسبة المسلمين لمعبودات الكفار ولمن يعبدهم الكفار حقاً ومصلحة, لكن قابلتها مفسدة أشد منها، وهي: كون المشركين يسبون الله فإنه لا تسب آلهتهم لئلا يسبوا الله، فسب آلهتهم مصلحة، ولكن إذا ترتب عليها مفسدة أكبر فإنها تترك، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة أخرى من قواعد الشريعة، وهذه الآية تدل عليها.أما الحديث الذي معنا فهو يدل على أنه إذا وجد ضرران فإنه يترك أشدهما بارتكاب أخفهما، وارتكاب الأخف هو ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الأعرابي يبول حتى يفرغ، والأشد الذي ترك هو أنه بالإضافة إلى ما حصل من نجاسة في المسجد يضاف إلى ذلك وقوع قطرات من البول في أماكن من المسجد لا يهتدى إليها، وكذلك وقوعها على جسده وعلى ثيابه، وهذه مفسدة أكبر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ارتكاب المفسدة الأخف في سبيل التخلص من المفسدة الأكبر.وفي الحديث دليل على أن الأرض تطهر إذا وقعت فيها النجاسة بصب الماء عليها، وأنه لا يحتاج إلى حفر الأرض، وإلى حفر التراب، ونزع التراب الذي وقعت عليه النجاسة وإخراجه من المسجد، وإنما يكفي أن يصب عليه ماء، فإنه يطهر بذلك.ومقصود النسائي من قوله: ترك التوقيت في الماء، أنه في الترجمة الأولى قال: إن الماء إذا كان دون القلتين تؤثر فيه النجاسة، وهنا دلو من ماء صبت على نجاسة فلم ينجس ذلك الماء الذي أضيف إلى تلك النجاسة بسبب اتصاله بالنجاسة، وإنما طهرها، ففيه عدم التوقيت بالقلتين, وهذا فيه دليل على أن النجاسة إذا كانت في الأرض فماء قليل أكثر من النجاسة يصب عليها يطهرها، ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من قلتين تصب عليها حتى تطهر، وإنما يصب عليها دلواً من ماء، وهو دون القلتين بكثير، ومع ذلك تطهر النجاسة، ولم يحصل التطهير بقلتين فأكثر، وإنما حصل التطهير بما دون القلتين، وهو صب الماء على الأرض التي وقعت فيها النجاسة، بحيث يكاثر عليها الماء، ويكون الماء أكثر من النجاسة التي وقعت في الأرض، فتصب عليها فيطهرها.وفي الحديث: بيان ما كان عليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من الرفق بأمته عليه الصلاة والسلام، فإنه رفق بهذا الأعرابي وأمر بالرفق به، وفي بعض الروايات: (فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).وهذا بالنسبة للأرض، فقد دل الحديث على أنها تطهر بصب الماء عليها، أما لو أن إنساناً بال في إناء، أو في قدر, ثم أتي بدلو من ماء وصب على هذا البول، فلا يقال: إنه طاهر؛ لأنه يحمل الخبث, فهناك فرق بين وقوع النجاسة في الماء, وصب الماء على النجاسة, والبلاط أيضاً يصب عليه ماء يكاثر ثم يزول ويطهر, لكن لو أن إنساناً بال في قدر وصبينا عليه دلواً فلا نقول: إن هذا الدلو الذي صببناه يصير طاهراً؛ لأنه خالطته النجاسة.

تراجم رجال إسناد حديث: (إن أعرابياً بال في المسجد... فلما فرغ دعا بدلو فصب عليه)

قوله: [ أخبرنا قتيبة ]. هو قتيبة بن سعيد، وقد مر ذكره مراراً في الأسانيد المتقدمة، وهو من رجال الجماعة، وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني.[ حدثنا حماد].وهنا حماد غير منسوب، والذي اشتهر بهذا اثنان، وهما في طبقة واحدة: حماد بن زيد, وحماد بن سلمة، ولهذا يقولون في بعض الرواة عندما يترجمون لهم: روى عن الحمادين، أو روى عنه الحمادان؛ إذا كان هو تلميذاً لهما. وهنا جاء مهملاً؛ لأنه قال: حماد غير منسوب، فيحتمل أن يكون حماد بن زيد، ويحتمل أن يكون حماد بن سلمة، ولكن حماد بن سلمة قالوا عنه: هو أثبت الناس في حديث ثابت، وهنا يروي عن ثابت البناني، فهو حماد بن زيد. وهذا النوع يسمونه: المتفق والمفترق. ولكن إذا حصلت تسميته في بعض الطرق فهو المعول عليه؛ لأن من طرق معرفة المهمل أن يسمى في بعض الطرق، فإذا كان مسمى عند البخاري, ومسلم فهو المعتبر، وهو: حماد بن زيد ، وحماد بن زيد سبق أن مر بنا ذكره، وهو حماد بن زيد بن درهم، وهو ثقة, ثبت, حافظ, من رجال الجماعة.وأما حماد بن سلمة فقد سبق أن ذكرت لكم أنه مماثل لـحماد بن زيد أنه ثقة, ثبت, حافظ، إلا أن الحافظ أشار إلى أنه عابد؛ الذي هو: حماد بن سلمة، أضاف إليه وصف كونه عابد، ولكن البخاري لم يخرج له إلا تعليقاً، وخرج له مسلم, والأربعة, ولم يخرج له البخاري إلا تعليقاً، بخلاف حماد بن زيد؛ فإنه خرج له أصحاب الكتب كلهم, والبخاري خرج له في الصحيح.فالذي في الإسناد حماد بن زيد وليس حماد بن سلمة؛ لكونه مسمىً ومنسوباً عند البخاري, ومسلم في إسناديهما.وهذا -كما قلت- يسمى المتفق والمفترق، أن تتفق أسماء الرواة, أو أسماؤهم مع أسماء آبائهم, وتختلف أشخاصهم، فإذا اتفق الراويان في الاسم، واختلفا في اسم الأب، أو اتفقا في الاسم واسم الأب واختلفا في الجد, فهذا يسمونه المتفق والمفترق، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث.[عن ثابت].هو ثابت بن أسلم البناني، وهو من الثقات، وهو من رجال الجماعة، وخرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أنس بن مالك].صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وقد مر ذكره مراراً في الأحاديث الماضية.وهذا الإسناد: قتيبة عن حماد عن ثابت عن أنس هو أقصر الأسانيد، أومن أقصر الأسانيد التي هي عند النسائي؛ لأن أقصر الأسانيد عند النسائي الرباعيات، فليس عنده أحاديث ثلاثيات، فهذا من أقصر الأسانيد عنده.
حديث: (بال أعرابي في المسجد فأمر النبي بدلو من ماء فصب عليه) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا عبيدة عن يحيى بن سعيد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (بال أعرابي في المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصب عليه)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وهي بمعنى الطريق السابقة: (أن رجلاً بال في المسجد فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصب عليه)، فهو بمعنى الحديث المتقدم، والصحابي واحد. قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو المتقدم في الإسناد الذي قبله، وفي أول إسناد عند النسائي؛ لأن أول حديث عند النسائي شيخه فيه قتيبة بن سعيد، وقد جاء ذكره كثيراً في الأسانيد، وهنا في هذين الطريقين شيخ النسائي فيهما قتيبة بن سعيد. [حدثنا عبيدة].هو عبيدة بن حميد بن صهيب، وليس عُبيدة كما في بعض النسخ مضبوط بضم العين , فهذه النسخة التي معنا هو ليس عبيدة وإنما هو عبيدة، بل ليس في رجال النسائي شخص يقال له: عبيدة، بالضم، فكل من عند النسائي فهو عبيدة، بالفتح. وعبيدة بن حميد بن صهيب هذا صدوق, نحوي, ربما أخطأ, أخرج له البخاري والأربعة, ولم يخرج له مسلم. [عن يحيى بن سعيد].هو: الأنصاري، وعبيدة هذا ذكروا في ترجمته أنه روى عن قتيبة، وروى عنه قتيبة، وروى هو عن يحيى بن سعيد الأنصاري. و يحيى بن سعيد الأنصاري هو المدني الثقة الذي خرج حديثه الجماعة، وهو من طبقة التابعين؛ لأنه يروي عن أنس بن مالك وفي طبقته شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد بن حيان أبو حيان.فـيحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد التيمي هما في طبقة التابعين، ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن سعيد الأموي في طبقة شيوخ شيوخ البخاري، يعني: شيوخ البخاري يروون عنهم، فهناك أربعة أشخاص من رواة الصحيحين، وهما اثنان في طبقة، واثنان في طبقة، يحيى بن سعيد القطان, ويحيى الأموي في طبقة شيوخ شيوخ الشيخين، ويحيى بن سعيد الأنصاري , ويحيى بن سعيد التيمي هذان في طبقة التابعين، في طبقة متقدمة.

حديث: (جاء أعرابي إلى المسجد فبال... ثم أمر بدلو فصب عليه) وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن يحيى بن سعيد قال: سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: (جاء أعرابي إلى المسجد فبال، فصاح به الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتركوه، فتركوه حتى بال، ثم أمر بدلو فصب عليه) ].أورد النسائي حديث أنس من طريق أخرى عن يحيى بن سعيد غير الطريق الأولى؛ لأن الطريق الأولى عن قتيبة عن عبيدة بن حميد، وهنا عن سويد بن نصر عن عبد الله وهو ابن المبارك.والحديث هو الحديث السابق من طريق أخرى؛ حديث بول الأعرابي في المسجد، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب دلو من ماء عليه. قوله: [ أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله ].سويد بن نصر المروزي ثقة، خرج حديثه الترمذي , والنسائي، ويقال: إنه راوية عبد الله بن المبارك، ولهذا لما أبهم عبد الله هنا عرف بأنه عبد الله بن المبارك؛ لأنه هو الراوي عنه، وهو راويته الذي هو سويد بن نصر، وهما مروزيان: عبد الله بن المبارك المروزي وسويد بن نصر المروزي. فإذاً: عبد الله هذا المهمل الذي لم يسم هو عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن المبارك قد مر بنا ذكره، وقال عنه الحافظ : إنه ثقة, حافظ, حجة, جواد, مجاهد، جمعت فيه خصال الخير. هذا ما يتعلق بهذا الحديث من طريق أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهذه الطرق الثلاثة التي ذكرها النسائي هي لحديث أنس بن مالك.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 06-03-2019, 07:00 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,914
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(27)


تابع باب ترك التوقيت في الماء - باب الماء الدائم

الماء بطبيعته يحتوي على قوة دافعة للنجاسة، ولهذا جعله الشرع مزيلا للنجاسات؛ ولكن هذا الماء يتأثر بالنجاسة إذا وردت عليه؛ ولهذا نهى الشرع عن البول في الماء الدائم الذي لا يتحرك حتى لا يتأثر بالنجاسة الواردة عليه، خاصة إذا كان الماء دون القلتين.
تابع ترك التوقيت في الماء

شرح حديث أبي هريرة في بول الأعرابي في المسجد

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك التوقيت في الماء.أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم عن عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه, وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) ].فهذا الحديث: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هو أحد الأحاديث التي أوردها النسائي في باب: ترك التوقيت في الماء، وعرفنا في الدرس الفائت المراد بالتوقيت، وأنه التحديد الذي يفصل به بين الماء القليل والماء الكثير؛ الماء الكثير الذي لا تؤثر فيه النجاسة إذا وقعت فيه, إلا إذا غيرت له لوناً وطعماً وريحاً، والماء القليل الذي تؤثر فيه ولو لم تغير له طعماً ولا لوناً ولا ريحاً.وقد عرفنا أن التوقيت, أو التحديد, أو التفريق بين الماء القليل والكثير جاء في حديث ابن عمر : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ، وأن ترك التوقيت جاء في هذا الحديث، أي: بالنسبة لتطهير الأرض المتنجسة ببول أو غيره مما هو نجس؛ فإنها تطهر بصب الماء عليها، ولو لم يكن ذلك الماء الذي يصب كثيراً يبلغ القلتين فأكثر؛ فإن الماء القليل الذي هو دون القلتين كالدلو إذا صب على بول حصل في الأرض حصل له التطهير، وعلى هذا فيكون مثل هذا مستثنى من عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، بمعنى: أن دلواً من ماء إذا صب على نجاسة في الأرض فإنه يطهرها، ولا يقال: إن الماء قليل فيتنجس؛ لكونه باشر النجاسة في الأرض, لأنه قليل فتؤثر فيه النجاسة, فإن البول أو النجاسة إذا كانت على الأرض صب عليها ماء بمقدار الدلو, كما جاء في هذا الحديث: أن أعرابيا بال في أرض المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصب عليه، فحصل له التطهير بذلك، فلو أنه لا يحصل التطهير إلا بالقلتين فأكثر لكان صب دلو على بول أصاب الأرض يجر النجاسة من البول إلى الماء؛ لكن الذي جاء في الحديث هو التطهير، وأن الأرض تطهر.ومعنى هذا: أن الماء إذا وقع على النجاسة، أو صب على النجاسة التي في الأرض فإنه يطهرها.أما العذرة فإنها تزال, ثم يصب على مكانها، والبول يصب عليه الماء وبذلك يحصل التطهير، وهذا هو معنى قول النسائي : ترك التوقيت في الماء، بمعنى, أن ماءً دون القلتين صب على نجاسة في الأرض فحصلت لها الطهارة، ولم يحصل لهذا الماء القليل الذي صب على نجاسة في الأرض أن انتقلت النجاسة إلى الماء, فصار الماء متنجساً كما كانت الأرض متنجسة، بل النجاسة التي على الأرض زالت بالماء الذي صب عليها, وهو دون القلتين.وقد عرفنا أن كون الماء يرد على النجاسة فيما إذا كان على الأرض أنه يطهرها، وليس معنى ذلك أنه كلما ورد ماء على نجاسة يطهرها؛ فإنه لو كان البول في القدر, ثم صب عليه دلو من ماء فإن الماء ينجس، ولا يقال: إنه يكون طاهراً، بخلاف البول إذا كان على الأرض, ثم صب عليه دلو, فإنها تطهر الأرض بذلك.إذاً: فلا يقال: إن ورود الماء على النجاسة مطلقاً يطهرها، بل يطهرها إذا كانت على الأرض، وأما إذا ورد الماء عليها وهي في قدر والماء قليل, فإن الماء يتنجس تبعاً للنجاسة التي في القدر.وحديث أبي هريرة هذا مثل حديث أنس بن مالك الذي تقدم من ثلاث طرق عنه، وكلها تدور على أن أعرابياً جاء وبال في المسجد، والناس تناولوه، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعوه ويتركوه، ثم إنه أرشدهم بأن يصبوا عليه دلواً من ماء, فحصل التطهير للأرض بذلك.فحديث أبي هريرة هذا يقول فيه: (جاء أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس) يعني: تكلموا عليه وصاحوا به؛ لأنه حصل منه أمر منكر، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فقد عرفنا أن هذا الحديث يدل على قاعدة عظيمة من قواعد الشرع: وهي أنه يرتكب أخف الضررين في سبيل دفع أشدهما، فإذا اجتمع ضرران: خفيف وأشد؛ فإنه إذا كان لا بد من ارتكاب واحد من الضررين, فيرتكب الأخف في سبيل التخلص من الأشد، وهنا لما وجد البول في المسجد, تعارض ضرران: أحدهما: أن المسجد حصلت له نجاسة، وذلك بحصول هذا البول من الأعرابي. والضرر الثاني: أنه إذا صيح به ومنع, فإنه يحصل بالإضافة إلى البول الذي حصل في الأرض أن تتنجس ثيابه ويتنجس جسده، ثم يقع على أماكن من المسجد قطرات من البول لا يهتدى إليها حتى تطهر، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى ارتكاب الضرر الأخف, في سبيل التخلص من الضرر الأكبر.وفيه -كما عرفنا- رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته. وكذلك أيضاً في هذا الحديث قوله: (إنما بعثتم ميسرين, ولم تبعثوا معسرين) التنبيه إلى هذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرفق، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أرسل أحداً يوصيه بالرفق ويقول: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإنما بعثتم ميسرين) إما أن يكون معناه: أنهم مبعوثون منه ومأمورون منه بالتيسير وعدم التعسير، والرفق وعدم الشدة، حيث يتطلب الأمر ذلك. فإذاً كونهم بعثوا لأنهم مأمورون منه بأن يأمروا بالمعروف, وينهوا عن المنكر, لكن بالرفق واللين وبالتي هي أحسن.ويحتمل أن يكون المراد: ما ذكره الله عز وجل بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] وأن هذا وصفهم وهذا شأنهم، وأن الله تعالى جعلهم كذلك، ومطلوب منهم أن يكونوا كذلك.وهذا التعليل: وهو قوله: (فإنما بعثتم) قاله بمناسبة كونهم تناولوه, وتكلموا عليه بشدة, وصاحوا به، فقال: (دعوه وأهريقوا عليه دلواً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في بول الأعرابي في المسجد

قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم].عبد الرحمن بن إبراهيم هذا هو الملقب بـدحيم الدمشقي، وهو من رجال البخاري , وأبي داود , والنسائي , وابن ماجه ، يعني: لم يخرج له مسلم , ولا الترمذي ، ولقبه دحيم، وهذا اللقب من الألقاب التي تشتق من الأسماء، وتؤخذ من الأسماء؛ لأن الألقاب أحياناً تكون مأخوذة من الأسماء، فـعبد الرحمن أخذ منها دحيم.ومن أمثلة ذلك: عبدان الذي كان يأتي ذكره كثيراً في أسانيد البخاري ، تقول البخاري : حدثنا عبدان قال: حدثنا عبد الله بن المبارك ، فـعبدان لقب لـعبد الله بن عثمان المروزي، وأخذ من اسمه عبد الله : عبدان. وكذلك هدبة بن خالد شيخ البخاري ومسلم ، اسمه هدبة ولقبه هداب ، يعني: مأخوذ من الاسم، يعني: تجد اللقب منحوتاً من الاسم ومأخوذاً من الاسم ويدل على الاسم، وأحياناً تكون الألقاب لا علاقة لها بالأسماء، مثل: الأعرج والأعمش ، فـالأعمش سليمان بن مهران ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز .ودحيم هذا دمشقي, خرج له أصحاب الكتب الستة إلا مسلماً والترمذي, وهو أحد الثقات.[عن عمر بن عبد الواحد].عمر بن عبد الواحد هو شيخ دحيم هذا وهو دمشقي أيضاً، وهو أيضاً ثقة من الثقات، وقد خرج له الذين خرجوا لـدحيم إلا شخصاً واحداً، وهو البخاري ، فالأول خرج عنه الأربعة: البخاري , وأبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، والثاني: خرج له الثلاثة من الأربعة الذين خرج منهم البخاري , فلم يخرج له إلا ثلاثة من أصحاب السنن، وهم: أبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، وهو أحد الثقات، وهو دمشقي كالذي قبله، كتلميذه عبد الرحمن بن إبراهيم.[عن الأوزاعي].والأوزاعي هو إمام أهل الشام، وفقيه أهل الشام، ومحدث أهل الشام المعروف، الذي إذا ذكر الشام وذكر المحدثون فيها والفقهاء, ففي طليعة من يذكر: الأوزاعي ، وهو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي ، وكنيته أبو عمرو، وأبوه عمرو، وجده يعرف بـأبي عمرو .إذاً: الأوزاعي وافقت كنيته اسم أبيه، وهذا من الأنواع الذي ذكرته مراراً أنه من أنواع علوم الحديث: أن تتفق كنية الراوي مع اسم أبيه، وأن فائدة معرفة ذلك: دفع التصحيف فيما لو جاء في الإسناد: حدثنا عبد الرحمن أبو عمرو الأوزاعي بدلاً من عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، وإن جاء ابن عمرو فهو على الصواب. وهو من الثقات, الأثبات, الحفاظ، وقد خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن الوليد].محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، وهو شامي أيضاً، إذاً: فالأربعة الذين مضوا كلهم من أهل الشام: عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم , وعمر بن عبد الواحد , والأوزاعي , ومحمد بن الوليد بن عامر الزبيدي فهؤلاء كلهم من أهل الشام، وهو ثقة ، وهو من رجال الجماعة إلا الترمذي ، مثل الأول، إلا أنه أضيف إليه مسلم ، يعني: الأول الذي هو دحيم خرج له الأربعة ويضاف إلى الأربعة مسلم عند هذا. إذاً: فـالترمذي لم يخرج لـعبد الرحمن دحيم ، ولا خرج لشيخه عمر بن عبد الواحد ، ولا خرج لـمحمد بن الوليد الزبيدي ، فهؤلاء الثلاثة لم يخرج لهم الترمذي.[عن الزهري].والزهري هو الإمام المشهور الذي جاء ذكره مراراً وتكراراً، والذي ذكرت لكم أنه مشهور بلفظين: إما الزهري, وإما ابن شهاب، والزهري نسبة إلى زهرة بن كلاب أخي قصي بن كلاب ، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب؛ لأن زهرة أخو قصي ، وقصي وزهرة ابنا كلاب بن مرة ، أو ابن شهاب وهو جد من أجداده، وقد عرفنا فيما مضى أنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب ، فهو مشهور بالنسبة إلى أحد أجداده، وهو شهاب ، ومشهور بالنسبة إلى جده الأعلى وهو زهرة بن كلاب ، فيقال له: الزهري, ويقال له: ابن شهاب ، وهو أحد الأئمة الحفاظ المعروفين المشهورين في المدينة.[عن عبيد الله بن عبد الله].هو ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، الذين إذا جاءت مسألة من المسائل واتفقوا عليها قالوا: قال بها الفقهاء السبعة، يعني: اكتفاءً بهذا اللفظ دون أن يفردوا أسماءهم، كما يقال في أربعة من الصحابة: العبادلة الأربعة، ويقال: الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب الأربعة: أبو حنيفة , ومالك , والشافعي , وأحمد. والفقهاء السبعة، هذا لفظ مجمل يشمل هؤلاء جميعاً، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا أحدهم، وقد ذكرتهم لكم مراراً، وأن ابن القيم جمعهم في بيت من الشعر، وذكر قبله بيتاً تمهيدياً، قال في البيتين:إذا قيل من في العلم سبحة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل: هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفـعبيد الله هو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .[عن أبي هريرة].وأبي هريرة هو الصحابي الجليل الذي هو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أكثر السبعة الذين وصفوا بأنهم مكثرون من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيوله في الكتب خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً، واتفق البخاري ومسلم على ثلاثمائة وخمسة وعشرين حديثاً، وانفرد البخاري بتسعة وسبعين، وانفرد مسلم بثلاثة وتسعين، فهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
الماء الدائم

شرح حديث: ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الماء الدائم.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه) .قال عوف: وقال خلاس : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله].أورد النسائي الماء الدائم، أي: ما يتعلق به من حيث البول والاغتسال أو الوضوء، وقد أورد فيه النسائي حديثين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ أولهما: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم يتوضأ منه). والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم يغتسل منه).هذا الحديث من هذين الطريقين فيه النهي عن البول في الماء الدائم، وحصول التوضؤ منه، وكذلك الاغتسال منه، والمقصود من ذلك: الماء القليل؛ لأن الماء القليل إذا حصل البول فيه نجسه، فلا يتوضأ منه هو ولا غيره؛ لأنه إذا وقعت فيه النجاسة وهو قليل فإنه ينجس, وإن لم يتغير له لون أو طعم أو ريح كما عرفنا ذلك.وفائدة معرفة الماء القليل والكثير: أن الماء الكثير لا يتنجس إلا إذا تغير لونه, أو ريحه, أو طعمه بالنجاسة، وأما القليل فإنه يتنجس بالنجاسة, وإن لم يتغير له لون أو طعم أو ريح، فالماء القليل إذا بال فيه الإنسان تنجس وبذلك يحرم نفسه من الوضوء منه، ويحرم غيره من الوضوء منه؛ لأنه صار نجساً بوقوع النجاسة فيه, ومن المعلوم أن الذي يرفع الحدث ولا ينجس إلا بالتغير هو الماء الكثير، وأما الماء القليل فينجس وإن لم يتغير.إذاً: فكون الإنسان يبول ثم يحرم نفسه منه، معناه: أن هذا لا يفعله إنسان عاقل؛ لأنه يضيع هذه الفائدة, ويضيع هذا الماء, ويحرم نفسه ويحرم غيره منه, وهذا لا يفعله إنسان عاقل، فنهى عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام.ثم إن قوله: (يغتسل) مرفوع، يعني: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم هو يغتسل، أو ثم هو يبول، معناه أنه في نهاية أمره وآخر أمره يحتاج إلى الماء فيكون قد أفسده على نفسه، ويكون هو الذي جنى على نفسه؛ بحيث إذا احتاج إلى الماء للوضوء أو الاغتسال لم يجد إلا الماء الذي نجسه فيكون قد حال بينه وبين استعماله ببوله فيه، وقد جاء النهي عن البول دون ذكر الاغتسال، وجاء النهي عن الاغتسال دون ذكر البول، وهذا يدل على أنه لا يبال فيه, ولا يغتسل فيه.وفي الحديث: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد ), دون أن يذكر معه وضوءاً أو غسلاً، وجاء في الحديث أيضاً: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) يعني: نهي عن الاغتسال بمفرده، وهذا إنما هو في الماء القليل، أما الماء الكثير فيختلف حكمه عن الماء القليل؛ ولكن الذي ينبغي أن يتجنب البول في الماء الراكد ولو كان كثيراً, إلا إذا كان هناك حاجة تقتضيه, أو أمر يدعو إليه، وإلا فما دام أن في الأمر سعة, فعليه أن يبول في غير الماء، لكن التنجيس لا يكون إلا للماء القليل، وأما الكثير فإنه لا تؤثر فيه النجاسة، ولكن فيه تقذير له على غيره، مثل ما جاء في الحديث الآخر الذي سبق: (أنه لا يتنفس في الإناء)؛ لأنه قد يترتب على ذلك أن غيره يستقذره, وهو بحاجة إلى الماء، فتنفسه فيه يجعل غيره يعزف عنه ولا تقبله نفسه، ولا تشتهيه نفسه.

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه)

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو الذي جاء ذكره كثيراً، وهو: ابن راهويه الحنظلي ، وقد عرفنا أنه أحد الثقات الأثبات، وأنه خرج له الجماعة إلا ابن ماجه .[أخبرنا عيسى بن يونس].وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي هذا قد مر، وهو ثقة, من رجال الجماعة.[حدثنا عوف].عوف هو: ابن أبي جميلة الأعرابي ، وهو أحد الثقات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب. [عن محمد].وهو ابن سيرين ، وهو أحد الثقات الأثبات العباد، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. فرواة هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه لم يخرج له ابن ماجه ، وأما الباقون فخرج حديثهم أصحاب الكتب. وبعد أن ذكر الإسناد قال: وقال عوف ، يعني: عوف الأعرابي وهو في الإسناد الأول؛ لأن الحديث فيه طريقان إلى عوف ، أحد الطريقين: عن عوف عن ابن سيرين عن أبي هريرة ، والطريق الثاني: عن خلاس بن عمرو عن أبي هريرة. قوله: [مثله]. وكلمة: (مثله) يقصدون بها: المماثلة في المتن، يعني: أن رواية عوف عن خلاس عن أبي هريرة مثل رواية عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، ورواية ابن سيرين موجودة بنفس المتن، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه) ، ورواية خلاس عن أبي هريرة هي مثلها تماماً.وهذا هو الفرق بين: (مثله) و(نحوه)؛ لأنه إذا جاء التعبير بنحوه معناه أنه ليس اللفظ مطابقاً، وإذا قيل: مثله فاللفظ مطابق؛ فإذا ذكر الإسناد بعد الإسناد والمتن, ولم يذكر المتن في الثاني, وقيل: مثله معناه أنه مطابق للمتن الأول, ومماثل له تماماً، وأما إذا قيل: نحوه فإن معناه: أن المعنى واحد؛ ولكن فيه اختلاف في الألفاظ، فهذا هو معنى نحوه، إذاً فمثله تعني: المطابقة والمماثلة في اللفظ. ونحوه تعني: المطابقة في المعنى, مع عدم الاتفاق في اللفظ.[ وقال خلاس ].هو خلاس بن عمرو ، وهو ثقة، ويقال: إنه كان على شرطة علي رضي الله تعالى عنه.

حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) .قال أبو عبد الرحمن : كان يعقوب لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار].ثم ذكر النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى, الأول: فيه ذكر الوضوء, والثاني: فيه ذكر الاغتسال، وكلاهما فيه رفع حدث، يعني: الحدث الأصغر, والحدث الأكبر. قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].ويعقوب بن إبراهيم هو: الدورقي الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من الثقات الحفاظ, وهو من رجال الجماعة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكلهم رووا عنه مباشرة وأخذوا عنه. [حدثنا إسماعيل]. هو ابن علية ، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية ، المشهور بــابن علية نسبة إلى أمه، وقد مر ذكره، وهو أحد الثقات الحفاظ الأثبات، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن عتيق].ويحيى بن عتيق ثقة، وقد خرج حديثه البخاري تعليقاً, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجه. [عن محمد بن سيرين].ومحمد بن سيرين أحد الثقات الأثبات العباد، وهو من رجال الجماعة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وهنا الإسناد مثل الإسناد الأول، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال النسائي في آخره: كان يعقوب بن إبراهيم الدورقي لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار، فلا أدري ما المقصود من هذا؟ يعني: هل أنه كان يأخذ على الحديث أجراً؟ لا أدري ماذا يريد النسائي بقوله هذا الكلام؟!

مسألة أخذ الأجرة على الحديث

مسألة أخذ الأجرة على الحديث, هذه من المسائل التي تكلم فيها العلماء في حق من يأخذ على الحديث أجراً، وقد قالوا: إنه إذا كان محتاجاً فلا بأس أن يأخذ، وقد ذكروا في بعض ما انتقد على بعض العلماء أخذ الأجر على الحديث، وأذكر منهم: الحارث بن أبي أسامة ، فقد ذكره الذهبي في الميزان، وغيره: أنه كان يأخذ على الحديث أجراً، فعابوا عليه كونه يأخذ على الحديث أجراً، ولكن قال: واعتذروا له أنه كان فقيراً كثير البنات، فكان بحاجة إلى ذلك.ومن المعلوم أنه إذا احتاج إلى ذلك، وكان الأمر يتطلب أنه يجلس يحدث ويترك العمل -لأنه إما أن يجلس للتحديث, أو يترك التحديث ويبحث عن عمل- فإذا لم يتمكن من أن يبحث عن عمل، واضطر إلى أن يأخذ؛ فإن هذا لا بأس به للحاجة وللضرورة التي تقتضي ذلك.

تحديد (سفيان) الوارد في سند حديث سلمان: (... إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة...)

مر بنا فيما مضى إسناد حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه: ( قال المشركون: إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة... ) برقم تسعة وأربعين، وقد مر في موضعين, والكلام في الموضع الثاني الذي فيه عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور و الأعمش وذكرت فيما مضى: أنني لم أتمكن من معرفة أي السفيانين؛ لأنه هنا غير منسوب، و عبد الرحمن بن مهدي في ترجمته في تهذيب التهذيب يقول: روى عن السفيانين.إذاً: عبد الرحمن يروي عن الاثنين: سفيان بن عيينة و سفيان الثوري ، وفي ترجمة سفيان الثوري روى عن الأعمش وعن منصور ، وفي ترجمة ابن عيينة روى عن الأعمش وعن منصور .فإذاً: بالنسبة للشيوخ والتلاميذ ليس هناك اختصاص؛ لأن عبد الرحمن يروي عن الاثنين، والاثنان يرويان عن منصور و الأعمش ، فليس هناك اختصاص؛ بحيث إن هذا من التلاميذ وهذا ليس من التلاميذ.إذاً: ما هي الطريقة التي يعرف بها أحدهما من الآخر؟قيل: إما أن يكون بملازمة، أو بكثرة رواية، ولكن الذي أفهمه الآن, ولم يتضح لي غيره: لما كان عبد الرحمن بن مهدي بصري, والبصرة قريبة من الكوفة، وسفيان الثوري كوفي, والأعمش كوفي, ومنصور كوفي ، إذاً: هم من أهل بلده، و سفيان بن عيينة مكي، فإذاً الأقرب أن يكون سفيان الثوري ، وقد ذكر لي بعض الطلاب هنا: أنه رأى في السنن الكبرى للنسائي أنه قال: رواه الثوري عن منصور و الأعمش ، وأنا بحثت في النسائي في الكبرى فما اهتديت إليه، فإن كان موجوداً, فليدلني على المكان الذي وجده فيه في السنن الكبرى، وإذا تبين بالتنصيص عليه فهذا يوضح الأمر ويبينه أكثر، ولكن كون سفيان الثوري من أهل الكوفة, والأعمش من أهل الكوفة, ومنصور بن المعتمر من أهل الكوفة, و عبد الرحمن بن مهدي من أهل البصرة, والبصرة قريبة من الكوفة, وسفيان بن عيينة من أهل مكة, فهذا يشعر ويستأنس به على أن المقصود هو: سفيان الثوري ، وإذا وجد أن سفيان الثوري هو الذي يروي هذا الحديث في كتب أخرى تبين هذا, فيكون الأمر أوضح وأوضح.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 06-03-2019, 07:01 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,914
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(28)

(باب ماء البحر) إلى (باب الوضوء بماء البرد)

جعل الله تعالى الماء طاهراً مطهراً إذا كان باقياً على أصل خلقته، ومن هذا ماء البحر، فهو مع ملوحته وطعمه المتغير إلا أنه طاهر مطهر، وكذلك ماء الثلج وماء البرد وإن كان متجمداً إلا أنه طاهر مطهر.
ماء البحر

شرح حديث: (... هو الطهور ماؤه الحل ميتته)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في ماء البحر.أخبرنا قتيبة عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ].يقول النسائي رحمه الله: باب في ماء البحر.وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ويكون معنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .هذه الترجمة معقودة لبيان حكم التوضؤ بماء البحر، وأنه طهور يتوضأ به كما يتوضأ بالمياه الأخرى، وأن ماء البحر كغيره من المياه, فهو طهور يحصل به التطهر.وسأل هذا الرجل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر هل يتوضئون منه؟ وكان عندهم شك في عدم طهوريته، ولعلهم فهموا ذلك، أو ظنوا ذلك من كونه مغايراً لسائر المياه في ملوحته الخاصة، فسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام عن هذا الذي وقع في نفوسهم من التردد بماء البحر؛ لمغايرته لسائر المياه بملوحته الشديدة، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن البحر ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ).ولم يجب النبي صلى الله عليه وسلم السائل بقوله: نعم، مع أنه يكفي في الجواب أن يقول: نعم؛ لأن السؤال: أنتوضأ بماء البحر؟ فالجواب يكون: نعم، لكنه عدل عليه الصلاة والسلام إلى التنصيص على طهوريته؛ لأنه لما رأى هذا التردد فيهم أراد أن يبين لهم أنه طهور، وأن وصف الطهورية موجود فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه) .ثم قوله: (هو) الضمير يرجع إلى مكان البحر, وليس إلى الماء؛ لأنه لو كان يرجع إلى الماء لكان سياق الكلام: ماء البحر طهور ماؤه، وهذا لا يستقيم، ولكن المقصود منه: المكان الذي فيه البحر.ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى هذا التردد منهم في طهوريته, بين أمراً آخر قد يترددون فيه، وهو حل الميتة، فأضاف عليه الصلاة والسلام في الجواب بيان حكم آخر وهو: حل ميتة البحر، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .وقوله عليه الصلاة والسلام: (الحل ميتته) المقصود بالميتة: الحيوانات التي لا تعيش إلا فيه، هذا هو المقصود من الميتة التي تكون حلالاً، وهذا واضح، ولا يدخل فيه ما لو جاءت حيوانات البر وماتت في البحر, فإنها وإن قيل: إنها ميتة بحر إلا أنها لا يشملها الحديث؛ لأن الحديث يشمل ما لا يعيش إلا بالماء، هذا هو الذي يكون ميتته حلالاً.أما ما مات فيه من الحيوانات التي لا تعيش فيه وهي التي تعيش في البر، وقعت في البحر فماتت فيه فهي وإن صدق عليها أنها ميتة بحر؛ لأنها ماتت في البحر إلا أنها ليست الميتة التي عناها رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه حكمها واحد، سواءً ماتت بماء البحر أو ماتت بماء غير ماء البحر فهي حرام.وقد بين عليه الصلاة والسلام هذا الحكم في هذا الحديث الذي لم يسأل عنه, ولكنه أضافه في الجواب؛ لأن المقام يقتضيه، وهذا من كمال بيانه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا قالوا: في الحديث دليل على أن المسئول إذا سئل عن أمر وكان هناك شيء يقتضي المقام إضافته في البيان فإن ذلك جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء بماء البحر فأجاب وأضاف إلى الجواب أمراً يقتضيه المقام.
تراجم رجال إسناد حديث: (... هو الطهور ماؤه الحل ميتته)

قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني الذي مر ذكره كثيراً، وهو من رجال الجماعة، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى.[عن مالك].إمام دار الهجرة، مالك بن أنس الإمام المشهور، العلم الذي قال عنه البخاري : إن أصح الأسانيد على الإطلاق: مالك عن نافع عن ابن عمر .[عن صفوان بن سليم].ثقة, خرج حديثه الجماعة.[عن سعيد بن سلمة].ثقة, خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار].ثقة, خرج حديثه الأربعة, وهو كتلميذه الذي روى عنه وهو سعيد بن سلمة ، كل من الاثنين روى لهم أصحاب السنن الأربعة, ولم يرو لهم البخاري , ومسلم .والحديث صحيح، وهو من الأحاديث الصحيحة التي صححها البخاري وهي خارج الصحيح، وهنا يدل على أن البخاري ليس كل ما كان صحيحاً يودعه في كتابه الجامع الصحيح، فإنه إنما أودع بعض الصحيح, ولم يودع كل الصحيح، ولهذا فإن حديث أبي هريرة في الوضوء بماء البحر صححه البخاري ، ونقل عن البخاري تصحيحه ومع ذلك لم يورده في صحيحه.وقد صححه كثيرون من أهل العلم، وابن حجر العسقلاني في ترجمة المغيرة بن أبي بردة هذا في تهذيب التهذيب عزا تصحيحه إلى عشرة من المحدثين, وسرد أسماءهم: فلان, وفلان, وفلان، ثم قال: وآخرون، بعدما سرد عشرة أسماء من المحدثين صححوا حديث أبي هريرة هذا قال: وآخرون؛ يعني: أنه صححه غير العشرة هؤلاء الذين سماهم، ومنهم: الطحاوي , الترمذي , ابن خزيمة , وابن حبان , وعدد كبير من المحدثين صححوا هذا الحديث.
الوضوء بالثلج

شرح حديث: (... اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بالثلج.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) ].أورد النسائي باب: الوضوء بالثلج، وأورد بعده ترجمة: باب: الوضوء بماء الثلج، والمقصود من هذا: بيان أن الثلج طاهر مطهر، وماؤه إذا ذاب فهو أيضاً طهور مطهر، وأنه تحصل الطهارة به ويتوضأ به.وهنا قال: الوضوء بالثلج؛ ومعنى هذا: أن الإنسان إذا استعمل الثلج في الوضوء سواء كان الثلج جامداً ,أو غير جامد, كالذي يسقط ويركب بعضه على بعض, فيكون مثل القطن، والناس يخوضون فيه ويمشون في هذا الثلج الذي بعضه فوق بعض؛ فإنه تحصل الطهارة بالثلج، فلو أن إنساناً استعمل قطعة من الثلج وأجراها على جسده وذابت وهو يتوضأ بها فإن الوضوء بذلك صحيح؛ لأنه وضوء من ماء.وأورد فيه حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا كبر في صلاته - في الصلاة الجهرية- سكت هنيهة, ثم بدأ في القراءة، فسأله أبو هريرة رضي الله عنه قائلاً: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول بين التكبير والقراءة؟) يعني: بين تكبيرة الإحرام والقراءة؛ لأنه يسكت بينهما، فسأله ما الذي يقوله في ذلك، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من السؤال عن أمور الدين، وأنهم قاموا بنقل الشريعة والبحث عما يحتاج الناس إليه, حيث سأل أبو هريرة هذا السؤال لرسول الله عليه الصلاة والسلام, فأخبره عليه الصلاة والسلام بأنه يقول هذا الدعاء: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) . فهذا دعاء من أدعية الاستفتاح، ومن أدعية الاستفتاح: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض). ومنها: (سبحانك اللهم وبحمدك..)، فهذه أنواع من الاستفتاحات، وكلها حق، وكل ما ثبت منها فهو حق لا تعارض بينها، وإذا أخذ بهذا أو بهذا أو بهذا فكله حق، فالأخذ بأي واحد منه حق، والاختلاف فيه اختلاف تنوع، وكون الواحد يختار هذه الصيغة وهذا يختار هذه الصيغة, فلا يقال: إنهم مختلفون اختلاف تضاد؛ لأن هذا ثابت وهذا ثابت، فأي واحد منها يحصل به المقصود، فالخلاف فيه خلاف تنوع، ليس خلاف تضاد، خلاف التضاد: هو الذي فيه نفي وإثبات في شيء واحد, مثل: أكل لحم الإبل هل ينقض الوضوء أو لا ينقض؟ فأحدهم يقول: ينقض, والآخر: يقول: لا ينقض، فهذا خلاف تضاد، وأيضاً واحد يقول: إنه لا تصلح الصلاة لمن أكل لحم إبل حتى يتوضأ، والآخر يقول: لا ينقض الوضوء بل يصلي ولا يتوضأ، فهذا اختلاف تضاد.واختلاف التضاد هو الذي يسوغ فيه الاجتهاد، فللمجتهد المصيب أجران, وللمجتهد المخطئ أجر واحد، أما اختلاف التنوع فكله حق؛ لأن كله ثابت عن رسول الله، فهو أنواع، فهذا اختار هذا, وهذا اختار هذا، لكن ليس اختلاف تضاد، والتضاد نفي وإثبات، وتحليل وتحريم، هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟ فهذا اختلاف التضاد، أما اختلاف التنوع فهو مثل: اختلاف أنواع التشهد، فهذا ثابت، وهذا ثابت، وهذا ثابت، فإن أتيت بهذا فأنت محق، وإن أتيت بهذا فأنت محق، وإن أتيت بهذا فأنت محق، ومثله ألفاظ الأذان,كل هذا مما ثبتت فيه السنة من أي لفظ صح وثبت, فإن الأخذ بأي واحد منها حق.والرسول صلى الله عليه وسلم أجاب بهذا الجواب، والمقصود منه ما جاء في آخره: (اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) فإذاً: هذا يدل على أن الثلج طهور يطهر به، والمقصود من ذلك: أن الذنوب ينقى منها ويطهر منها, ويتخلص منها, كما يحصل التطهير الحسي، والتطهير المحسوس بالماء والثلج والبرد، يحصل التنقية بها، قيل: وإنما نص على البرد والثلج وهي باردة؛ لأن الذنوب تؤدي إلى النار، والنار فيها الحرارة , وفيها الإحراق، فناسب أن يأتي ذكر التطهير بالثلج والبرد وهما باردان.والمقصود من إيراد النسائي للحديث: هو الإشارة إلى أن التطهير الشرعي الحسي يكون بالثلج, ويكون بالبرد, ويكون بالماء، وأنه يحصل به التطهير، وأن الثلج مثل الماء السائل يحصل به التطهير وإن كان جامداً، وإن كان أيضاً غير جامد, ولكنه ليس ذائباً.

تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)

قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو: علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، وهو من رجال البخاري , ومسلم , والترمذي, والنسائي .[أخبرنا جرير].هو: ابن عبد الحميد الذي مر ذكره مراراً، هو الذي روى عنه علي بن حجر السعدي ، وكذلك فإنه نسب في الذين روى عنهم علي بن حجر ، وهو ثقة, وهو من رجال الجماعة, وخرج حديثه أصحاب الكتب.[عن عمارة بن القعقاع].هو: عمارة بن القعقاع الضبي ثقة, خرج حديثه الجماعة، وهو من رجال الكتب الستة، وهو الذي يروي عن أبي زرعة ، وقد روى عنه هنا, وروى عنه في صحيح البخاري حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن..) من رواية عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة وهو آخر حديث في صحيح البخاري بهذا الإسناد.[عن أبي زرعة].هو: ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي حفيد جرير بن عبد الله صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عن جرير , وسبق أن مر بنا ذكره فيما مضى في رواية عمه إبراهيم بن جرير عنه في حديث مضى، يروي فيه إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.وأبو زرعة هذا معروف بكنيته، وهو من التابعين الذين رووا عن الصحابة، وقد ذكرت فيما مضى أنه يوافقه في هذه الكنية بعض المحدثين الذين اشتهروا برواية الحديث من المتقدمين والمتأخرين: أبو زرعة الرازي , وأبو زرعة الدمشقي، أبو زرعة الرازي هو: عبيد الله بن عبد الكريم توفي سنة مائتين وأربع وستين بعد وفاة الإمام مسلم بثلاث سنوات، وقد روى عنه مسلم في صحيحه حديثاً واحداً في الدعاء، أظنه: (اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء).وأبو زرعة الدمشقي هو: عبد الرحمن بن عمرو النصري الدمشقي ، اسمه واسم أبيه مثل الأوزاعي ، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو وأبو زرعة الدمشقي هو: عبد الرحمن بن عمرو ، وهما من أئمة أهل الشام إلا أن الأوزاعي متقدم في القرن الثاني، والدمشقي متأخر في القرن الثالث، وكانت وفاته سنة مائتين وإحدى وعشرين, ولم يخرج له إلا أبو داود في سننه, وأما الرازي فقد خرج له مسلم وبعض أصحاب السنن كما ذكرت ذلك فيما مضى.ومن المتأخرين الذين اشتهروا بـأبي زرعة : ابن العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الأثري أبو زرعة ، ويقال له: ولي الدين ، ولأبيه: زين الدين ، وكنيته أبو زرعة الذي هو أحمد بن الحسين ، وهو مشهور بذلك، ومشهور بهذه الكنية، وهو متأخر؛ لأنه في القرن التاسع، وفاته سنة ثمانمائة وست وعشرين، فهؤلاء يوافقون أبا زرعة ابن عمرو بن جرير في هذه الكنية.وأما صحابي الحديث فهو الصحابي الذي تكرر في الأحاديث، وذكرنا في الدرس الماضي أن له في الكتب خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً.
الوضوء بماء الثلج

شرح حديث: (...اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء بماء الثلج.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: الوضوء بماء الثلج، فهناك الوضوء بالثلج, وهنا بماء الثلج؛ يعني: الثلج إذا ذاب وتحول إلى ماء سائل؛ لأنه إذا كان في حال كونه ثلجاً ليس سائلاً حتى يذوب، فإذا ذاب صار ماءً, فيقال له: ماء ثلج، والترجمة السابقة فيها ذكر الثلج دون الماء، والمقصود بها: التوضؤ بالثلج، وكما قلت لكم كون الإنسان إذا كان الثلج بعضه فوق بعض فيأخذ منه ويتوضأ فهو يتوضأ بماء، وكذلك لو أخذ قطعة من الثلج جامدة فجعل يجريها على جسده, وهي تذوب ويتوضأ بها فهو وضوء بالثلج، وكل ذلك وضوء بالماء.أما هذه الترجمة فهي: وضوء بماء الثلج؛ يعني: الماء السائل الذي ذاب، فالثلج عندما ينزل في الليل في الأماكن التي تنزل فيها الثلوج ويركب بعضها فوق بعض قد يصل أحياناً إلى متر في الارتفاع عن الأرض، ويسد الطرق ولا يستطيعون المشي؛ لأنهم لا يعرفون أثر الطريق؛ لأنه قطعة مثل الزرع مرتفع عن الأرض، فيصل أحياناً إلى متر، فإذا طلعت عليه الشمس ذاب وصار ماء، فإذا ذاب وصار ماءً فهذا هو مقصود النسائي بالترجمة: الوضوء بماء الثلج، وقد أورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد) , وهو مثل ما تقدم في حديث أبي هريرة : (بالثلج والماء والبرد) .

تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ...)

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي ابن راهويه , الذي تقدم ذكره كثيراً، والذي ذكرنا فيما مضى عن الحافظ ابن حجر أنه يقول: يعبر بـ(أخبرنا) ولا يعبر بـ(حدثنا) وأنه خرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وقد خرجوا عنه ورووا عنه مباشرة، وهو فقيه, محدث, حافظ, ثقة.قوله: [أخبرنا جرير].هو: ابن عبد الحميد الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، ومر في مواضع متعددة فيما مضى.قوله: [عن هشام بن عروة].هو هشام بن عروة بن الزبير ، وهو من الثقات الأثبات، وهو من رجال الجماعة، وهو يروي عن أبيه.قوله: [عن عروة بن الزبير].وعروة بن الزبير هو أحد الثقات الأثبات, الذين خرج لهم الجماعة، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين يتكرر ذكرهم في الأسانيد، والذين قال عنهم ابن القيم :إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةفـعروة بن الزبير هو أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين الذين كانوا في عصر التابعين، والذين يرجع الناس إلى علمهم وإلى فقههم، وإذا جاءت مسألة اتفقوا عليها قالوا: وهذه المسألة قال بها الفقهاء السبعة، بدل ما يسردون أسماءهم يكتفون بأن يقولوا: الفقهاء السبعة.قوله: [عن عائشة].عائشة أم المؤمنين, تقدم ذكرها مراراً.
الوضوء بماء البرد

شرح حديث: (... واغسله بالماء والثلج والبرد...) في الدعاء للميت

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بماء البرد.أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معن حدثنا معاوية بن صالح عن حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير قال: شهدت عوف بن مالك رضي الله عنه يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على ميت، فسمعت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي قوله: باب: الوضوء بماء البرد، ولم يأت بذكر ماء البرد, ولكنه جاء في الحديث البرد، والذي يناسبه تماماً في المطابقة هو الحديث الذي قبله، وهو قوله: (بماء الثلج والبرد) حديث عائشة ، لكن كما هو معلوم أن الثلج هو ماء إلا أنه ماء متجمد، فيصدق أن يقال عليه: ماء برد، ويصدق أن يقال عليه: برد؛ لأنه لا فرق بين تسميته ماء برد؛ لأنه يطلق على ذائبه وعلى جامده، هو أيضاً ماء وإن كان جامداً, فالبرد في حال قبل ذوبانه , فالذي يطابق الترجمة الحديث الذي قبله؛ لأن فيه ماء البرد وماء الثلج، لكن كونه أتى بماء البرد وأتى بهذا الحديث الذي فيه برد فلا فرق بين البرد وماء البرد، فالنتيجة واحدة، كله طهور، سواءً كان في حال ذوبانه وكونه سائلاً, أو كونه جامداً عند نزوله من السماء قبل أن يذوب، كل ذلك يقال له: ماء برد, كما يقال له: برد.والمقصود من ذلك: الوضوء به، وأن الوضوء يكون بالبرد كما يكون بالثلج، وهو طهور مطهر, يحصل به التطهر ويحصل به التوضؤ، ومن أجل ذلك عقد له هذه الترجمة وهي: باب: الوضوء بماء البرد، وأورد حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أنه شهد صلاة جنازة على ميت، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد) ، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث هنا: (واغسله بالماء والثلج والبرد) .

تراجم رجال إسناد حديث: (... واغسله بالماء والثلج والبرد...) في الدعاء للميت

قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله ].هارون بن عبد الله البغدادي, شيخ النسائي , وهو ثقة، خرج له مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ حدثنا معن ].هو ابن عيسى ، وهو من أجل أصحاب الإمام مالك ، وهو ثقة, حافظ, ومن رجال الجماعة.[ حدثنا معاوية بن صالح ].هو معاوية بن صالح بن حدير ، وهو من الثقات، وقد خرج حديثه الجماعة.[ عن حبيب بن عبيد ].هو حبيب بن عبيد الرحبي, وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة، وهو ثقة. [ عن جبير بن نفير ].وهو من التابعين المخضرمين، وهو من الثقات، وقد خرج له البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة, مثل تلميذه الذي روى عنه وهو حبيب بن عبيد ، كل من الاثنين خرج لهم البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة.[ عن عوف بن مالك] .هو عوف بن مالك الأشجعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد جاء في بعض طرق الحديث أن عوفاً لما سمع دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للميت قال: (تمنيت أن أكون أنا الميت).وعوف بن مالك ذكر عنه في الخلاصة: أن له في الكتب سبعة وستين حديثاً، اتفق البخاري , ومسلم على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديث ، وانفرد مسلم بخمسة أحاديث.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 09-03-2019, 06:54 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,914
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(29)

(باب سؤر الكلب) إلى (باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب)

لقد حضت الشريعة على الطهارة والنظافة والبعد عن النجاسة, ومن ذلك أنها أمرت بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب.
سؤر الكلب

شرح حديث: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [سؤر الكلب.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات) ].يقول النسائي رحمه الله: سؤر الكلب.السؤر في الأصل هو: البقية، وذلك عندما يحصل الأكل, ثم يبقى فضلة، فالفضلة يقال لها: سؤر، ولهذا يقولون: إن كلمة (سائر) في اللغة لا تستعمل إلا بمعنى الباقي، وقد قال بعضهم: إنها لا تكون بمعنى الجميع، ولهذا يأتي كثيراً في الاستعمال عند ذكر الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم: فصلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، يعني: على باقيهم. والجوهري في الصحاح يقول: إن سائر تكون بمعنى الجميع، ولا يلزم أن تكون بمعنى الباقي.والمقصود من الترجمة هو بيان حكم سؤر الكلب، وهو ما يبقى في الإناء إذا شرب منه فما حكمه؟ وحكمه: أنه نجس وتجب إراقته، ثم يغسل الإناء الذي شرب فيه الكلب، ويغسل سبع مرات، ولو لم يمس لسانه الإناء, وإنما ولغ في الماء الذي في الإناء, ولكن النجاسة تنتقل إلى سائره.وقد أورد النسائي في هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم, فليغسله سبع مرات) فجاء في هذه الطريق بلفظ الشرب، وجاء في بعض الطرق الأخرى بلفظ الولوغ، والشرب كما هو معلوم واضح بأن المراد به فيما إذا شرب، أما الولوغ فإنه يشمل الشرب وغير الشرب، بمعنى: أن يدخل لسانه في الماء ويحركه سواء شرب, أو لم يشرب، هذا يقال له: ولوغ.والحكم كما جاء في الحديث: أن الولوغ- وهو: إدخال الكلب لسانه في الماء وتحريكه فيه, سواء شرب منه أو لم يشرب- فإنه ينجسه، وتجب إراقته، وذلك فيما إذا كان الإناء صغيراً، والماء قليلاً. وأما الماء الكثير وهو ما فوق القلتين فهذا لا تؤثر فيه النجاسة كما عرفنا ذلك فيما مضى لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وهنا التعبير بالإناء في الغالب أن المقصود به إناء يكون صغيراً ولا يبلغ القلتين، ولهذا فإن النجاسة تؤثر فيه، وينجس الماء بوجود النجاسة فيه.إذاً: فلفظ الشرب كما جاء في هذا الحديث ليس الأمر خاصاً بالشرب, وأنه لو أدخل لسانه ولم يشرب فإن الحكم يختلف, لا، بل لو أدخل لسانه ولم يشرب, فإن النجاسة حاصلة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم, فليغسله سبع مرات) لأن لفظ الولوغ يشمل الشرب وغير الشرب، والحديث جاء بذكر الشرب وجاء بذكر الولوغ، فلا تنافي بين ذكر الشرب وذكر الولوغ؛ لأن الشرب بعض ما يندرج تحت الولوغ، فالولوغ أعم من الشرب، والشرب جزء من الولوغ.إذاً: فالحكم لا يختص بالشرب، بل بالولوغ, شرب أو لم يشرب، تحصل النجاسة وتجب إراقة الماء، ويجب غسل الإناء سبع مرات.والحديث دل على أنه يجب غسل الإناء سبع مرات، وهذا جاء في هذه النجاسة الخاصة، وهي ولوغ الكلب في الإناء فإنه ينجسه، وتطهيره يكون بغسله سبع مرات، وما جاء في بعض الروايات من الأمر بالإراقة، وفي بعض الروايات: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات) يدل على أنه يتنجس، وأن الأمر بالغسل سبعاً إنما هو للنجاسة، وليس لمجرد التعبد كما قال ذلك بعض العلماء؛ لأن الأمر بالإراقة يدل على النجاسة، وقوله: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً) يدل على النجاسة. إذاً: فيجب الغسل سبع مرات.وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم) هذا القيد لا مفهوم له، أنه لا يغسل إلا إذا كان الإناء للإنسان، أما إذا كان لغيره فلا, هذا لا مفهوم له, سواء كان له أو لغيره، وإنما هذا جرى على الغالب من أن الإنسان يكون إناؤه معه، وكونه يكون معه إناء غيره فهذا قليل وليس له مفهوم، بمعنى أن هذا الحكم يختص فيما إذا كان الإناء له، أما إذا كان الإناء لغيره فيختلف، لا مفهوم لهذا القيد في الإضافة في قوله: (إناء أحدكم).وكذلك في قوله: (فليغسله) أيضاً لا مفهوم له، فيمكن أن يغسله غيره، وليس بلازم أن يغسله هو بنفسه، فقوله: (فليغسله) ليس الأمر متعيناً بأن يكون الغسل من صاحب الإناء، بل المطلوب هو غسله سبع مرات، سواءً كان ذلك بفعله أو بفعل غيره، وليس له مفهوم, بمعنى: أن صاحبه هو الذي يتولاه, كما جاء في لفظ الحديث: (فليغسله)؛ لأن المطلوب هو التطهير، والمطلوب الغسل، وليس المطلوب أن يتولاه بنفسه، فلو قام غيره بالنيابة عنه أو أعطى غيره ليغسله فإن الطهارة تحصل، والمقصود يحصل.قوله: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)، لفظ الكلب هذا لفظ عام يشمل جميع الكلاب، فجميع الكلاب تدخل فيه سواءً كانت كلاب صيد، أو كلاب ماشية، أو كلاب زرع, التي أذن في استعمالها، أو من الكلاب التي لم يؤذن باستعمالها؛ لأن (أل) في الكلب للجنس، أي: لجنس الكلاب، وليس المقصود من ذلك كلاباً معينة, أو الكلاب التي جاء الشرع في الإذن باستعمالها وهي: للزرع, وللصيد, وللماشية، فكل الكلاب هذا حكمها, وهذا شأنها، ولا يختص الأمر بنوع منها دون نوع، بل هو عام في جميع الكلاب.

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)

قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هذا تكرر ذكره كثيراً، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني من رجال الجماعة، وهو ثقة حافظ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.[عن مالك].مالك هو إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة المشهورين الذين صار لهم مذاهب, واعتني بفقههم وبجمعه, وصار لهم أصحاب يدونون مذاهبهم ويعتنون بها، فهو أحد الأئمة الأربعة، وهو محدث فقيه، ومن أجلة العلماء وكبارهم، وقد قال البخاري : إن أصح الأسانيد على الإطلاق: رواية مالك عن نافع عن ابن عمر ، فـهذه عند البخاري السلسلة الذهبية التي تعتبر أصح الأسانيد، ومالك هو أحد رجالها رحمة الله عليه.[عن أبي الزناد].أبو الزناد سبق أن مر بنا ذكره أيضاً وهو عبد الله بن ذكوان ، وأبو الزناد هذا لقب بصيغة الكنية، وهو من الثقات, الحفاظ, ومن رجال الجماعة.[والأعرج].هو عبد الرحمن بن هرمز ، مشهور بلقبه، ويأتي ذكره أحياناً باللقب, وأحياناً بالاسم، فيقال: عبد الرحمن بن هرمز ، ويقال: عبد الرحمن ، ويقال: الأعرج .وقد سبق أن عرفنا أن من الأمور المهمة في علوم الحديث: معرفة ألقاب المحدثين، وفائدة ذلك: ألا يظن الشخص الواحد شخصين, فيما لو ذكر باسمه في بعض المواضع, وذكر بلقبه في بعض المواضع، فالذي لا يدري أن الأعرج كنية لــعبد الرحمن بن هرمز يظن أن الأعرج شخص آخر غير عبد الرحمن بن هرمز.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وقد سبق أن مر ذكره مراراً.إذاً: فهؤلاء الخمسة من رجال الإسناد: قتيبة, ومالك , وأبو الزناد , والأعرج , وأبو هريرة كلهم حديثهم في الكتب الستة، والأربعة الأول الذين هم: قتيبة, ومالك , وأبو الزناد , والأعرج كلهم من الثقات الحفاظ.أما الصحابي فلا يحتاج إلى أن يقال فيه: ثقة، بل يكفيه شرفاً وفضلاً ونبلاً أن يقال: إنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحتاج إلى توثيق الموثقين وتعديل المعدلين, بعد أن أثنى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام على الصحابة، فيكفيهم شرفاً وفضلاً ونبلاً أن يقال: إن فلاناً صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إنه من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد عرفنا فيما مضى: أن كل راو لا بد من معرفته، وإذا كان مجهولاً لا يعرف, فإنه لا يحتج به ولا يعتد به, حتى يعرف وتعرف عدالته. وأما الصحابة رضي الله عنهم فالمجهول فيهم عمدة يعول عليه, ويقبل ما جاء عنه, ولو لم يذكر اسمه، فإذا جاء في الإسناد: عن رجل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى أن يعرف اسمه، فيكفي أن يقال: إنه صحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما غيرهم فلا بد من معرفة أشخاصهم، ولا بد من معرفة أحوالهم، ولا بد من توثيقهم وتعديلهم وتجريحهم، وأما الصحابة فإنهم لا يتكلم في عدالتهم ولا في توثيقهم؛ لأن ثناء الله عز وجل عليهم, وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم لا يحتاجون معه إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرني إبراهيم بن الحسن حدثنا حجاج قال ابن جريج : أخبرني زياد بن سعد أن ثابتاً مولى عبد الرحمن بن زيد أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات). أخبرني إبراهيم بن الحسن قال: حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني زياد بن سعد أنه أخبره هلال بن أسامة أنه سمع أبا سلمة يخبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله].هنا ذكر النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى من غير طريق مالك ، وفيها: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات) ، وفي رواية مالك: (شرب) وهنا جاءت بلفظ الولوغ، وقد عرفنا أن الولوغ أعم من الشرب، فلو أدخل لسانه في الماء وحركه فيه, فإنه قد حصلت فيه النجاسة, سواء شرب أو لم يشرب.إذاً: فهذه الرواية وهي: (إذا ولغ الكلب) تدل على عموم الحكم في حال شرب الكلب أو عدم شربه فيما إذا ولغ, بأن أدخل لسانه في الماء وحركه فيه، فهو يشمل الحالتين, وهو أعم من الشرب.والحديث هو بلفظ الحديث المتقدم، إلا أنه بلفظ الولوغ، فلا فرق بينهما إلا بلفظ الولوغ، وقد عرفنا أنه أعم مما تقدم.وقوله: (أخبرني إبراهيم بن الحسن). كثيراً ما يأتي النسائي ويقول: أخبرنا، وهنا قال: أخبرني، فما الفرق بين أخبرني وأخبرنا؟ أو حدثني وحدثنا؟الفرق بينهما: أن أخبرني وحدثني تستعمل فيما إذا حصل للراوي وحده، وليس له مشارك حين الأخذ من الشيخ؛ وأما إذا كان هو وغيره أخذوا عن الشيخ, فإنه يقول: حدثنا وأخبرنا، وأما إذا أخذ وحده وسمع وحده، أو قرأ على الشيخ وحده؛ فإنه في هذه الحال يقول: أخبرني أو حدثني، هذا هو الفرق بين لفظ الجمع ولفظ الإفراد؛ لأن لفظ الإفراد معناه: أنه تحمل وحده، ولفظ الجمع أنه تحمل مع غيره.

تراجم رجال إسناد طريقي حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع فرات)

قوله: [أخبرني إبراهيم بن الحسن].هو أبو إسحاق المصيصي ، وهو ثقة, خرج حديثه أبو داود , والنسائي , وابن ماجه لم يخرج له في السنن وإنما خرج له في التفسير.[عن حجاج].حجاج هو الذي سبق أن مر بنا ذكره, وهو ابن محمد المصيصي ، وذاك أبو إسحاق المصيصي، فكلهم ينسبون إلى المصيصة، وحجاج بن محمد المصيصي هو المعني هنا؛ لأن حجاجاً هنا مهمل لم ينسب، ولكنه في شيوخ إبراهيم بن الحسن ما ذكروا إلا الحجاج بن محمد المصيصي ، وكذلك أيضاً ذكروا في تلاميذ الحجاج بن محمد المصيصي : إبراهيم بن الحسن أبا إسحاق المصيصي .وقد عرفنا فيما مضى: أن الحجاج بن محمد المصيصي ثقة, خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. [عن ابن جريج].هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، ثقة, فقيه, فاضل وكان يدلس، وهنا الحديث فيه التصريح بالإخبار؛ لأنه جاء في الإخبار قال: أخبرني الذي هو ابن جريج ، يقول: أخبرني زياد بن سعد ، فقد صرح بالإخبار وهو من رجال الجماعة، وابن جريج من رجال الجماعة. [عن زياد بن سعد].و زياد بن سعد من أصحاب مالك ، وقال ابن عيينة عنه: إنه أثبت أصحاب مالك ، وهو ثقة, من رجال الجماعة خرج حديثه أصحاب الكتب.[أن ثابتاً مولى عبد الرحمن].وهو ثابت بن عياض الأحنف الأعرج مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، يقال له: العدوي نسبة إلى بني عدي وهذه النسبة نسبة ولاء، فأحياناً يقولون: مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وأحياناً يقولون: العدوي مولاهم، يعني: مولى بني عدي, لأن بني عدي يقال لهم: العدويون، ويقال للواحد منهم: العدوي، ويقال: العدوي مولاهم أي: نسبة ولاء، وهو مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري, ومسلم, وأبو داود, والنسائي.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه قد مر ذكره.أما الإسناد الثاني فهو مثل هذا الإسناد، إلا أنه يختلف عنه في شخصين، أحدهما: هلال بن أسامة ، والثاني: أبو سلمة.قوله: [عن هلال بن أسامة].هو هلال بن علي بن أسامة، وهو هنا منسوب إلى جده، وأحياناً تأتي النسبة إلى الجد، وهو ثقة من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أبي سلمة].وأبو سلمة هو الذي مر بنا مراراً وفي أول حديث من أحاديث النسائي, هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الثقات الحفاظ، وهو أحد الفقهاء السبعة على قول كما عرفنا ذلك فيما مضى.والنسائي أورد الطريق الأولى التي هي من طريق ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد ، وهي عالية بالنسبة للطريق الثانية؛ لأن زياد بن سعد في الأولى بينه وبين أبي هريرة واحد، وهو: ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد ، وفي الطريق الثانية زياد بن سعد بينه وبين أبي هريرة اثنان وهما: هلال بن علي بن أسامة وأبو سلمة ، فتعتبر طريقاً نازلة؛ لأن رجالها أكثر، والوسائط بين زياد بن سعد وبين أبي هريرة اثنان في الطريق الثانية وواحد في الطريق الأولى، فالطريق الأولى يقال لها: عالية بالنسبة للطريق الثانية.وأما قوله: (مثله) فقد عرفنا فيما مضى أن المراد بها: أن المتن مماثل للمتن الذي قبله، فالمتن هو: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم, فليغسله سبع مرات) ، هذا هو متن الإسناد الثاني، واكتفى بكلمة (مثله)؛ لأنها تؤدي ذلك المعنى فيما لو ساقه بلفظه وحروفه؛ فإن لفظ المماثلة يقتضي المساواة، بخلاف لفظ (نحو) فإنه لا يقتضي المساواة، بل يوافق في المعنى ويخالف في اللفظ، ويكون هناك تفاوت في الألفاظ، فهذا هو الفرق بين كلمة (مثله), وكلمة (نحوه), إذا جاءت محالاً فيها إلى متن سابق.ويمكن أن يكون المقصود من ذلك: وجود تعدد الطرق إلى أبي هريرة ، وأنه جاء عن أبي هريرة من طريقين: طريق ثابت , وطريق هلال بن علي بن أسامة .
الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب

شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات) .قال أبو عبد الرحمن : لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على قوله: (فليرقه) ].أورد النسائي حديث أبي هريرة أيضاً من طريق أخرى، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات) فهو مثل الذي قبله إلا أن فيه زيادة: (فليرقه).ثم قال النسائي: (لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على لفظ: (فليرقه)، وهذه اللفظة وهي (فليرقه) تدل على أن الماء الذي يلغ فيه الكلب يكون نجساً، وأنه يراق؛ لأن إراقته تدل على نجاسته، إذ لو كان منتفعاً به ويمكن أن يتطهر به لما أمر بإراقته، ففيه دليل على نجاسة الماء الذي ولغ فيه الكلب، وأن لعابه نجس، وأنه إذا صار في الماء فإنه ينجسه، وهذا فيما إذا كان قليلاً، وأما إذا ولغ في ماء كثير وهو ما فوق القلتين, فهذا لا تؤثر فيه النجاسة كما عرفنا ذلك، إلا إذا غيرت له لوناً أو طعماً أو ريحاً، ومن المعلوم أن ما دون القلتين ينجس وإن لم يتغير، فهذا الإناء الذي ولغ فيه الكلب قد لا يتغير بمجرد أن يكون أدخل لسانه فيه.إذاً: فما دون القلتين وهو الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغير له طعماً أو ريحاً أو لوناً، فإنه يتأثر بالنجاسة وينجس, ولا يجوز استعماله في الطهارة، ولا يجوز التطهر به واستعماله؛ لأنه نجس.إذاً: فالأمر بالإراقة يدل على النجاسة، ويدل على أن النجاسة إذا وقعت في سائل أنها تنتشر؛ لأنه كما هو معلوم أنه أمر بالإراقة, ثم أمر بغسل الإناء بعد أن أريق منه الماء؛ وما ذاك إلا لأن النجاسة وصلت إلى الإناء، فيدل على أن النجاسة تنتشر في السائل، وأنها تصل إلى ما لم تباشره النجاسة، ومعلوم أن الولوغ إنما هو في الماء، فالماء أمر بإراقته وأمر أيضاً بغسله؛ وما ذاك إلا لأن النجاسة وصلت إلى الإناء, فوجب غسله.وقول النسائي : (لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر) علي بن مسهر ثقة، وهي زيادة من الثقة, فتكون مقبولة، ثم إن الحافظ ابن حجر قد ذكر أنه وجد له متابع، لكن بطريق غير صحيح، ووجد متابع بإسناد صحيح, ولكنه موقوف وليس بمرفوع، ولكن لو لم يحصل المتابع, فعلي بن مسهر ثقة, يعتبر ما جاء عنه ثابتاً، وتعتبر زيادة من ثقة, فتكون مقبولة، وهي تدل على نجاسة الماء، وعلى إراقته لنجاسته.

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه...)

قوله: [أخبرنا: علي بن حجر].علي بن حجر بن إياس السعدي، تقدم ذكره مراراً، وهو من رجال البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي، وهو من الثقات الحفاظ.[عن علي بن مسهر].علي بن مسهر أحد الثقات، وقد خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. [عن أبي رزين وأبي صالح عن الأعمش].الأعمش هو: سليمان بن مهران ، وقد تقدم ذكره مراراً، والأعمش هو لقب يلقب به سليمان بن مهران ، وهو مشتهر بهذا اللقب، وكثيراً ما يأتي ذكره بلقبه، ويأتي أيضاً ذكره باسمه كما سبق أن مر بنا ذلك، ويقال فيه ما ذكرت قريباً بالنسبة للأعرج: أن هذه من الألقاب التي يحتاج إلى معرفتها حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين, فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه. ويروي الأعمش (عن أبي رزين وأبي صالح) .وأما أبو صالح فهو ذكوان السمان، وقد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو من الثقات, ومن رجال الكتب الستة، واسمه ذكوان ، وكنيته أبو صالح، ولقبه السمان، وأحياناً يقال: الزيات؛ لأنه كان يجلب الزيت, ويجلب السمن, ويبيعهما فلقب بـالزيات ولقب بـالسمان، واسمه ذكوان ، ويأتي كثيراً ذكره بكنيته.وفي صحيح مسلم أسانيد كثيرة عنه من رواية ابنه سهيل عنه؛ سهيل بن أبي صالح عن أبيه، وأما البخاري فإنه لم يخرج لابنه سهيل شيئاً، وإنما خرج لـأبي صالح .وأما أبو رزين فهو: مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، وهو ثقة، وقد خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, ومسلم والأربعة.
تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب

شرح حديث: (... إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)

قال المصنف رحمه الله: [باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب:أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال: حدثنا خالد حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت مطرفاً عن عبد الله بن المغفل: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ورخص في كلب الصيد والغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب )].أورد النسائي: باب: تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب، وأورد فيه حديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ورخص في كلب الصيد والغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب).هذه الترجمة معقودة لتتريب الإناء الذي يلغ فيه الكلب عند غسله, وهو أنه يعفر بالتراب, ويغسل بالتراب غسلة واحدة، والتتريب ثبت في هذا الحديث, وهو عند مسلم في صحيحه، وجاء هنا بلفظ الثامنة، وهذا فيه مغايرة لما تقدم من الروايات من أن الغسل إنما هو سبع، وليس بثمان، غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب: (أولاهن بالتراب) ، وفي بعضها: (إحداهن بالتراب) ، ورواية (إحداهن) مجملة، و(أولاهن) محددة، فيكون العبرة بالأولى، وأما الثامنة فإنها تحمل على الأولى، ولكن يقال لها: ثامنة باعتبار أنه يستعمل التراب, ثم يستعمل بعده الماء الذي يباشر التراب, فتكون الغسلة الأولى معها تراب، فيكون غسله بالماء سبع مرات أولاهن بالتراب، فتكون سبعاً, ولكن لما كانت الغسلة الأولى فيها تراب وفيها ماء صارت بمثابة اثنتين، والحديث الآخر قال: (سبعاً أولاهن بالتراب) فهي واحدة من سبع، فتكون رواية الثمان محمولة على الأولى المكونة من شيئين: تراب, وماء، ثم استعمال التراب في الغسلة الأولى هو المناسب؛ لأنه أولاً يباشر ما حصل من الكلب، ثم أيضاً لو كانت الثامنة تراباً لاحتيج إلى أن يأتي بعدها ماء، ولكن جاءت الروايات الأخرى الصحيحة مبينة أن الأولى من السبع بالتراب، فتكون رواية الثامنة محمولة عليها، ويكون على هذا لا بد من السبع, ولا بد من التتريب.وبعض العلماء قال: إنه يغسل سبعاً ولا يترب، وهذا هو مذهب المالكية، وقد قال القرافي وهو من المالكية: وقد صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعجب منهم -أي: المالكية- كيف لم يقولوا به! وقد قال هذا القرافي فيما نقله الحافظ ابن حجر عنه في فتح الباري. إذاً: فلا بد من الغسل سبعاً, يعني: لا بد من التسبيع, ولا بد من التتريب، يعني: في الأولى.

تراجم رجال إسناد حديث: (... إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)

قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ].وهذا قد سبق أن مر ذكره، وهو من الثقات، وقد خرج حديثه مسلم, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه, وأبو داود لم يخرج له في السنن، وإنما خرج له في كتاب القدر.[ قال: حدثنا خالد ].هو ابن الحارث الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو أحد الثقات وخرج حديثه الجماعة، وهو هنا مهمل لم ينسب، ولكن جاء في ترجمة محمد بن عبد الأعلى الصنعاني أنه روى عن خالد بن الحارث، يعني: ما ذكر في شيوخه في تهذيب الكمال من يسمى خالداً سوى خالد بن الحارث ، وقد سبق أن مر ذكر هذا الرجل فيما مضى، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب.[حدثنا شعبة].وشعبة أيضاً ذكروا في تلاميذه: خالد بن الحارث، وشعبة هو أحد الثقات الأثبات, الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب يدل على المبالغة في التعديل، فقول: أمير المؤمنين في الحديث، إليه المنتهى في التثبت، هذه صيغ يقال عنها: إنها من أعلى الصيغ وأقواها، ولا تحصل لكل أحد، وإنما تحصل للنوادر والقلة من الرجال، فـشعبة بن الحجاج أحد الذين وصفوا بهذا الوصف, وهو من رجال الجماعة، وحديثه في الكتب الستة.[عن أبي التياح]. هذه كنيه اشتهر بها يزيد بن حميد الضبعي، خرج حديثه الجماعة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب، وهو مشهور بكنيته أبي التياح.[قال: سمعت مطرفاً].هو ابن عبد الله بن الشخير ، وهو أحد الثقات العباد، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب، وهو فاضل.[عن عبد الله بن مغفل].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن أصحابه أجمعين، وقد مر بنا ذكر هذا الصحابي فيما مضى، وقد ذكرنا فيما مضى: أن له ثلاثة وأربعين حديثاً, اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديث، كما جاء في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 09-03-2019, 06:55 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 18,914
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(30)

(باب سؤر الهرة) إلى (باب سؤر الحائض)

هناك حيوانات نهينا عن أكل لحمها لنجاسته مثل: الهرة والحمار الأهلي، ولكن لا بأس من استعمال سؤر هذه الحيوانات، ويدخل في هذا أيضاً سؤر الحائض من أكل أو شراب فلا مانع من الأكل والشرب من سؤر الحائض؛ لما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أمنا عائشة رضي الله عنها.
سؤر الهرة

شرح حديث: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) في سؤر الهرة

قال المصنف رحمه الله: [ سؤر الهرة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك: أن أبا قتادة دخل عليها ثم ذكرت كلمة معناها فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة : فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات )]. ‏ يقول النسائي رحمة الله عليه: سؤر الهرة. بقية الماء الذي يشرب منه, يقال له: سؤر؛ لأن السؤر بمعنى الباقي، فباقي الشيء إذا أكل منه أو شرب منه يقال لذلك الباقي: سؤر، وقد عرفنا سابقاً أن كثيراً من العلماء رأوا أن السؤر لا يكون إلا بمعنى الباقي، وأن بعض أئمة اللغة نقلوا أن السؤر يكون بمعنى الجميع -ومثله السائر يكون بمعنى الجميع- وأكثرهم قالوا: إنه لا يطلق إلا على البقية. وهذه الترجمة -وهي سؤر الهرة- أورد النسائي تحتها حديث أبي قتادة الأنصاري رضى الله تعالى عنه: أنه كان يتوضأ بماء أو سكب له ماء ليتوضأ به، فجاءت هرة لتشرب فأمال إليها الإناء حتى شربت، وتوضأ بسؤرها وبهذا الماء الذي شربت منه، وكانت كبشة بنت كعب بن مالك -وهي زوجة ابنه عبد الله بن أبي قتادة- تنظر إليه وإلى فعله كأنها مستغربة ومتعجبة من الفعل، فلما رآها تنظر إليه ذلك النظر قال: أتعجبين يا ابنة أخي؟! قالت: نعم. فقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات). فالمقصود من إيراد الحديث: هو تمكين أبي قتادة لتلك الهرة من الشرب من ذلك الإناء أو من ذلك الوضوء الذي قدم له ليتوضأ منه، وبين وجه استناده إلى هذا العمل -وهو تمكين الهرة من أن تشرب من ماء وضوئه- بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين والطوافات)، والمقصود من هذا أن الماء الذي تشرب منه الهرة طاهر، وأنه لا يتنجس بشرب الهرة منه، وأن ذلك السؤر الذي يبقى بعد شربها لا يقال: إنه متنجس، بل يقال: إنه طاهر ويجوز أن يتوضأ منه. والله عز وجل خفف على الناس؛ فجعل ما يحصل من هذه الدواب التي تكون مع الناس كثيراً والتي لا ينفكون عنها غالباً أنها لا تنجس ما تمسه وما تصيبه، والماء الذي تشرب منه أو الطعام الذي تأكل منه لا يقال: إنه نجس؛ بل هو طاهر؛ لهذا الحديث الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات). وتعليل النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (إنما هي من الطوافين) هذا فيه الإشارة إلى التخفيف، وإلى أن الله تعالى لم يجعل على الناس من حرج في دينهم، فهذه الدواب التي تكون معهم في البيوت كالهرة، فإن ما تشرب منه أو تأكل منه لا يقال: إنه متنجس فيراق ويتلف، وإنما هو طاهر يمكن استعماله، ويسوغ استعماله لمن أراد ذلك. وقوله: (إنما هي من الطوافين والطوافات)، قيل: إنه تشبيه لها بالخدم الذين يطوفون على الناس في الخدمة وأنهم لا ينفكون عنهم، فهذه مماثلة لهم في عدم انفكاكها، فيسر الله عز وجل وخفف على الناس، ولم يشق عليهم، وجعل ما تصيبه تلك الدواب -التي هي الهرة- لا يؤثر شيئاً على ما تصيبه من مأكول أو مشروب؛ بل هو طاهر لدخول ذلك تحت قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات).

تراجم رجال إسناد حديث: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) في سؤر الهرة

قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة هذا تكرر ذكره كثيراً، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، ولهذا نجد أن في الأحاديث السابقة أحاديث عديدة كلها من روايته عن شيخه قتيبة بن سعيد ، وهو أحد الحفاظ الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب ومنهم النسائي.[ عن مالك ].مالك هو إمام دار الهجرة الذي مر ذكره مراراً، وهو من الأئمة الكبار، ومن أهل الحفظ والإتقان، ومن المعروفين بالإمامة، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة الذين اعتني بفقههم، ودون فقههم، وصار لهم أصحاب عنوا بما جاء عنهم من المسائل الفقهية ودونوها، وهو إمام جمع بين الحديث والفقه، فهو محدث كثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد في كتب السنة، وهو فقيه كما هو معلوم من كتابه الموطأ، وكما هو موجود في المسائل التي تنقل عنه وتعزى إليه في المسائل الفقهية، وعند ذكر الخلاف في المسائل وأراء العلماء يذكرون قوله ويذكرون كلامه في المسائل.[ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ].إسحاق من الثقات الحفاظ، ومن أهل المدينة، وخرج حديثه أصحاب الكتب -كما سبق أن مر بنا ذلك- وهو ثقة.[ عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة ].حميدة بنت عبيد بن رفاعة هي زوجة إسحاق، وهو يروي عنها، قال عنها الحافظ في التقريب: إنها مقبولة، ومعنى هذا: أنه يقبل حديثها إذا اعتضد، ومن العلماء من قبل حديثها بدون البحث عن المعتضد وقالوا: لأنه من رواية مالك ، وبعض العلماء يقول: ما يأتي عن طريق مالك فإنه حجة، لكن المعروف عند المحدثين والمعروف من قواعدهم أن من يكون كذلك فإنه لابد من معرفة منزلته من القبول أو الرد، أو صحة حديثه أو ضعفه، وقد ذكر بعض العلماء أن الحديث له شواهد من غير هذا الطريق، فيكون الحديث ثابتاً لا بمجرد هذا الإسناد وحده، ولكن بالطرق الأخرى التي جاءت معاضدة ومؤيدة له.[ عن كبشة بنت كعب بن مالك ].قيل: إنها صحابية، ومن المعلوم أن الصحابة لا يسأل عنهم، ولا يحتاجون إلى شيء أكثر من أن يوصف الواحد منهم بأنه صحابي، فإذا ما حصل على هذا الوصف فإنه حصل على أعلى المراتب، وأفضل المراتب التي هي وصف الصحبة التي لا يعادلها شيء والتي لا يماثلها شيء، ولهذا لا يحتاج إلى أن يذكر بعدها توثيق ولا تعديل؛ لأن أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم لا يحتاج بعد ثناء الله عليهم وثناء رسوله إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، فيكفيهم شرفاً وفضلاً ونبلاً ما حصل لهم من الثناء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.وكبشة تروي عن والد زوجها أبي قتادة ؛ لأنها زوجة عبد الله بن أبي قتادة ، فإذاً: هي تروي عن والد زوجها أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه.[ أن أبا قتادة ].أبو قتادة هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروف بجهاده، وكونه من الفرسان الشجعان، وقد تقدم ذكره في بعض الأحاديث الماضية.وفيما يتعلق بـحميدة وكبشة فهما من رواة أصحاب السنن الأربعة؛ يعني: ليس لهما رواية في الصحيحين، وإنما روايتهما في السنن الأربعة، وخرج حديث هاتين الراويتين: حميدة وكبشة أصحاب السنن الأربعة. أما أبو قتادة الأنصاري فخرج حديثه أصحاب الكتب، فحديثه موجود في الكتب الستة.إذاً: هؤلاء الرواة الأربعة: قتيبة بن سعيد , ومالك بن أنس , وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، وأبو قتادة الأنصاري ، هؤلاء الأربعة حديثهم في الكتب الستة، وأما المرأتان المذكورتان في الإسناد فحديثهما في كتب السنن الأربعة.
سؤر الحمار

شرح حديث: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب سؤر الحمار.أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد عن أنس ، قال: أتانا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: سؤر الحمار، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة غزوة خيبر وما حصل فيها من إقدامهم على ذبح الحمر الأهلية وطبخها، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي بتحريم ذلك ومنع أكلها، وأنهم كفئوا القدور ورموا ما فيها وغسلوها، وجاء في النداء: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس)، وجاء في بعض الروايات: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس)، وهذا الحديث جاء في قصة خيبر وفي تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وأن ذلك حرم في تلك السنة، وأن الصحابة لما أقدموا على طبخها وجعلها في القدور والإيقاد عليها، أمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي بتحريم ذلك ومنع ذلك، فبادروا إلى إكفاء القدور وإلى غسلها.وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها رجس) قوله: (إنها) يرجع إلى لحومها أو إلى الحمر نفسها، وقيل في معنى (رجس) أنها بمعنى القذر، وقيل: إنها بمعنى النجس. والدليل على ذلك أنهم لما أكفئوا القدور غسلوها، يعني: من النجاسة، ومن المعلوم أنهم لما ذبحوها صارت ميتة، ومن المعلوم أن ما لم يؤكل لحمه فالذكاة لا تؤثر فيه حلاً؛ لأن ما يؤكل لحمه إذا ذكي صار طيباً ولم يكن نجساً، أما إذا مات فإنه يكون ميتاً ويكون نجساً، أما ما لا يؤكل لحمه فالذكاة لا تؤثر فيه طهارة، بل ذبحه وموته حتف نفسه سيان؛ لا فرق بين أن يموت بنفسه أو يموت بذبح الناس له, أو بقتل الناس له، فإنه لا فرق بين هذا وهذا بخلاف ما يؤكل لحمه؛ فإنه فرق بين أن يموت حتف نفسه وبين أن يموت بفعل الناس؛ ولهذا لما طبخوا اللحم الذي ذبحوه فهو ميتة؛ لأنه في معنى الميتة، ولا فرق بينه وبين الميتة؛ لأن الذكاة لا تؤثر فيه طهارة وحلاً، فأكفئوا القدور وغسلوها، يعني: غسلوها من ذلك النجس ومن ذلك القذر الذي هو لحوم الحمير.وأما فيما يتعلق بسؤر الحمار وكونه يشرب من الماء فلا يدل على نجاسته أو على أن ما يشرب منه الحمار يكون نجساً؛ لأن الحمار مثل الهرة، ولا فرق بين الحمار والهرة؛ فالهرة حرام أكلها والحمار حرام أكله، فشرب الهرة وشرب الحمار من ماء قليل لم يبلغ القلتين لا يؤثر فيه نجاسة، ولا يقتضي الأمر بإراقته، وهو مما يبتلى به الناس، بل من ذلك: عرق الحمار عندما يركبه الإنسان، فإنه لا يؤثر في الراكب، ولا يقال: إنه نجس فيغسل الإنسان ما أصابه من عرق الحمار، فإنهم كانوا يركبون الحمير ويستعملونها للركوب، ويعرقون عليها وتعرق أجسادها ويصيبهم عرقها، وما أمروا بأن يزيلوا ذلك الشيء الذي أصابهم من عرقها، فكذلك ما يحصل من سؤرها فهو مثل سؤر الهرة، فلا يقال: إنه ينجس، ولا يقال: إنه يحرم استعماله وتجب إراقته كما في سؤر الكلب الذي جاء الأمر بإراقته، وجاء الأمر بغسله سبع مرات لكونه نجساً، ولكون نجاسته مغلظة لا تحصل الطهارة إلا بسبع مرات, وبالتتريب مع واحدة من السبع، وهي الأُولى كما سبق أن عرفنا ذلك فيما مضى.وإنما جاء في هذا الحديث أن ما يقتضي منعه وما يقتضي نجاسته وعدم طهارته هو لحومها؛ فإنها نجسة سواء ذبحت أو ماتت حتف نفسها، ولا يجوز استعمالها، وإذا وضعت في شيء فإنه يغسل بعد وضع ذلك اللحم فيه من أجل النجاسة. وقوله: (إن الله ورسوله ينهيانكم) في الرواية الأخرى، الأمر من كونه بالتثنية واضح، ولكن يرد عليه إشكال وهو ما جاء في قصة الخطيب الذي كان يخطب وقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وأنكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث التي فيها ذكر التثنية وفق العلماء بينها وبين حديث الخطيب أو قصة الخطيب بأن مقام الخطبة يقتضي الإيضاح والبيان ولا يقتضي الاختصار، بخلاف غير ذلك مما جاءت به الأحاديث، فإن مجيئها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة يدل على أنها سائغة وأنها جائزة، لكن الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم أن ما حصل من الخطيب خلاف ما يقتضي الإيضاح والبيان والتفصيل وعدم الإجمال الذي يكون الناس بحاجة فيه إلى التفصيل والإيضاح.وعلى رواية الإفراد: (إن الله ينهاكم ورسوله عليه الصلاة والسلام) باعتبار أنه مبلغ؛ لأن النهي إنما هو من الله، والتشريع إنما هو من الله، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ لأمر الله ولشرع الله، فهو عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما يتكلم به فهو وحي من الله عز وجل، وما يحصل منه من التحليل والتحريم إنما هو وحي من الله سبحانه وتعالى.فإذاً: الضمير في الإفراد يرجع إلى الله عز وجل، والرسول عليه الصلاة والسلام هو مبلغ، ويكون شأنه أن الأمر من الله والتبليغ من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا جاء إضافة القول الذي هو القرآن إليه باعتبار التبليغ، كما جاء إضافته إلى جبريل في سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40]، فيراد بالرسول الكريم جبريل، وجاءت في سورة الحاقة ويراد بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام، والمقصود من ذلك: أن قولهما مبلغين لا منشئين ومبتدئين، وإنما الابتداء هو من الله عز وجل؛ فهو الذي تكلم به، وهو الذي بدأ منه الكلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم وجبريل إنما بلغا كلام الله عز وجل، فإضافته إليهما إضافة تبليغ وإيصال إلى الناس.وهنا إضافة النهي إلى الله عز وجل؛ لأنه هو الذي يأمر وينهى، وهو الذي يحصل منه التشريع، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن الله سبحانه وتعالى.

تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس)

قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد ].هو المقرئ المكي، وقد سبق أن مر ذكره، وقد روى له النسائي وابن ماجه من أصحاب الكتب.[ حدثنا سفيان ].هذا مهمل، وهو يحتمل عند الإطلاق: الثوري , ويحتمل ابن عيينة ، لكن المراد به: سفيان بن عيينة ، والدليل على ذلك أنه جاء في بعض الطرق عند البخاري مسمى، قال: حدثنا ابن عيينة ، ففيه تسمية ابن عيينة ، فعرف أن سفيان بن عيينة هو هذا المهمل الذي لم ينسب. وأمر آخر يدل على ذلك: وهو أن محمد بن عبد الله بن يزيد مكي، وابن عيينة مكي، فلو لم يأت ما يدل على تسميته في بعض الطرق لكان تقديم سفيان بن عيينة هو الأظهر وهو الأقرب؛ لكونهما من بلد واحد، لكن الأمر لا يحتاج إلى هذا لوجود التصريح بتسميته, وأنه سفيان بن عيينة في بعض الطرق عند الإمام البخاري في إسناد الحديث نفسه.وسفيان كما عرفنا سابقاً هو من رجال الجماعة.[ عن أيوب ].هو ابن أبي تميمة السختياني ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأيوب بن أبي تميمة اسمه: كيسان السختياني ، وهو أيضاً من الحفاظ الثقات، وهو أيضاً من رجال الجماعة.[ عن محمد ].هو ابن سيرين ، وقد مر ذكر محمد بن سيرين ، وهو من الثقات الحفاظ العباد، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أنس ].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي مر ذكره كثيراً في الأحاديث السابقة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبمناسبة ذكر سفيان بن عيينة في الإسناد سبق أن مر بنا إسناد فيه رواية -وهو التاسع والأربعون- عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان ، وسفيان يروي عن الأعمش ومنصور ، وقد عرفنا فيما مضى أن عبد الرحمن روى عن السفيانين، والأعمش ومنصور روى عنهما السفيانان، فكيف نعرف أيهما سفيان؟ عبد الرحمن بن مهدي بصري، وسفيان الثوري كوفي، والبصرة قريبة من الكوفة، وشيخا السفيانين -هما: منصور والأعمش- من أهل الكوفة، فـالثوري أقرب، لكن قد وجد ما يوضح ذلك في التسمية، ففي حديث السنن الكبرى للبيهقي عندما ذكر حديث سلمان الفارسي الذي روي من هذه الطريق التي أشرت إليها قال: ورواه الثوري عن منصور عن الأعمش ، فذكره وفيه زيادة: ( ولا يستنجي أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار ) التي هي موجودة في نفس الحديث، فتبين بهذا أن سفيان الذي لم ينسب هو سفيان الثوري وليس سفيان بن عيينة ؛ لوجود التصريح به في سنن البيهقي، وهو في الجزء الأول في صفحة مائة وواحد من السنن الكبرى للبيهقي ، وقد دلنا على هذا أحد الطلبة الذي اطلع على ذلك وأخبرني، واطلعت عليه ووجدته كذلك.ثم لو لم يوجد هذا التصريح فإن سفيان الثوري أقرب من جهة ما أشرت إليه أن سفيان الثوري من أهل الكوفة، والشيخان اللذان يروي عنهما السفيانان هما من أهل الكوفة، وعبد الرحمن بن مهدي من أهل البصرة، والبصرة قريبة من الكوفة، وسفيان بن عيينة مكي، فإذاً كون سفيان الثوري لو لم يأت لكان أقرب؛ لكونهما من أهل بلد واحد، ومعلوم أن أهل البلد يلازم بعضهم بعضاً، والملازمة تكون بين أهل البلد بخلاف الذي يكون من بلد آخر، فإنه لا يحصله إلا برحلة وبسفره وما إلى ذلك، بخلاف الساكن هو وإياه في بلد واحد يلقاه كل يوم أو يلقاه كل أسبوع أو يلقاه مراراً وتكراراً، فإن هذا يكون أقرب من غيره ممن لا يلقاه إلا بسفر أو بمناسبة أو في أوقات متباعدة. ومن الأشياء التي ننبه عليها: أنه سبق أن مر بنا يحيى بن عتيق في أحد الأسانيد الماضية، وأنا قلت فيما يتعلق في النسائي : وهو روى عنه، والحافظ رمز له بأنه روى عنه البخاري تعليقاً, ومسلم وأبو داود والنسائي ، ومسلم روى له حديثاً واحداً؛ وهو الحديث الذي فيه: ( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ) كما ذكر ذلك صاحب الجمع بين رجال الصحيحين حيث قال: روى عنه فلان، يعني: في هذا الحديث، فهو من رجال مسلم، وقد روى عنه هذا الحديث الذي هو: ( لا هامة ولا صفر )، وهو يحيى بن عتيق .وزياد بن سعد الذي مر ذكره سابقاً، والذي خرج حديثه أصحاب الكتب، وقلت وهو سبق لسان: إنه أثبت أصحاب مالك والصحيح أنه أثبت أصحاب الزهري وليس أصحاب مالك، قال سفيان بن عيينة الذي هو من أصحاب الزهري : هو أثبت أصحاب الزهري ؛ يعني: زياد بن سعد ، من دون أنه أثبت أصحاب مالك، فليحذف لفظ مالك، ويثبت مكانها الزهري.
سؤر الحائض

شرح حديث عائشة: ( كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله فاه حيث وضعت وأنا حائض ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب سؤر الحائض.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاه حيث وضعت وأنا حائض، وكنت أشرب من الإناء فيضع فاه حيث وضعت وأنا حائض).هنا أورد النسائي: باب سؤر الحائض، وهو بقية ما تأكل، وأن ذلك لا بأس به، وأن كونها حائضاً ومتصفة بهذا الوصف لا يقتضي الامتناع عن مؤاكلتها وعن مجالستها ومساكنتها، والإسلام جاء في هذا الأمر وسط بين ما عند اليهود وما عند النصارى، فاليهود والنصارى في طرفين والإسلام وسط بينهم؛ فاليهود عندهم أنهم لا يؤاكلون الحائض ولا يجالسونها وإنما يعتزلونها، والنصارى على عكسهم يبالغون في مخالطتها حتى أنهم يجامعونها، فهؤلاء ضدان: إفراط وتفريط، فهؤلاء أفرطوا حيث تجنبوها نهائياً حتى في المؤاكلة، وهؤلاء فرطوا حتى بلغ الأمر بهم إلى أنهم يجامعونها، والإسلام جاء في أنها لا تجامع ولكنها تؤاكل وتشارب، ويحصل الاختلاط بها والاتصال بها ومباشرتها في غير الجماع، فلما كانت الحائض فيها هذا الوصف -الذي تمتنع فيه من الصلاة وتمتنع من الصيام- وبسبب ذلك الدم الذي حصل لها، وكان اليهود والنصارى فيها على طرفي نقيض، جاء الإسلام في التوسط بين هذين، فمنع من مجامعتها ومن الاستمتاع بها في الجماع، وأباح ما عدا ذلك من مؤاكلتها ومخالطتها. وقد أورد النسائي في هذا حديث عائشة رضي الله عنها الذي يوضح هذا المعنى، وهو أنها قالت: (كنت أتعرق العرق) يعني: العظم الذي عليه لحم أو بقية لحم، يعني: تمسك العظم وتأكل منه، فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم العرق الذي هو العظم الذي به بقية اللحم فيضع فمه في المكان الذي وضعت فيه فمها، ومعناه: أن سؤرها وما مس فمها مسه فم رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكذلك كانت تشرب من إناء فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم منها الإناء ويضع فمه في المكان الذي كانت تضع فمها في الإناء؛ لأن المكان التي تشرب منه مكان معين، فكان يتعمد ويأخذ الإناء ويضع فمه في المكان، لا في أي مكان من الإناء، وإنما في نفس المكان التي وضعت فيه فمها، فهذا يدل على ما ترجم له النسائي من أن الحائض وإن كانت لها أحكام تخصها، وفيها هذا الوصف الذي تمتنع فيه من الصلاة ومن الصيام، فإن ذلك لا يقتضي منابذتها وعدم مجالستها والاختلاط بها.والعرق: هو العظم الذي عليه بقية لحم قليل، وقد جاء في الحديث الذي في قصة المنافقين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً) ثم قال: (والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)، يعني: لو يعلم أن في المسجد لحماً يؤكل، ويكون عظماً عليه بقية لحم يوجد في المسجد لجاء إلى المسجد ليأخذ نصيبه من اللحم ومن هذا العظم الذي عليه بقية لحم، لأن همهم الدنيا ولو كان ذلك الذي يحصلونه من الدنيا تافهاً وقليلاً، ولا يهتمون في أمور الآخرة، ولا يعنون فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، ولهذا قال: (لو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً)، لكن همهم الدنيا، فلو كان في المسجد لحم يوزع أو لحم يؤكل، وكان ذلك اللحم تافهاً ويسيراً، وهو عظم عليه بقية لحم لشهد الواحد منهم العشاء لينال نصيبه من اللحم. وأما النصيب الذي هو في الآخرة، والذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبوا)، ولهذا تثقل عليهم الصلوات, والصلوات كلها ثقيلة، ولكن العشاء والفجر أشد، ولهذا قال: ( أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء )، يعني: كلها ثقيلة ولكن هذه أثقل من غيرها؛ لأن العشاء في أول الليل في وقت كان الناس فيه في تعب وبحاجة إلى النوم، والفجر تكون في آخر الليل الذي فيه الناس مستغرقين في النوم، فطاب لهم الفراش وارتاحوا في النوم. والمقصود من قوله: (عرقاً) في حديث: ( لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً ) أي: عظم عليه بقية لحم سمين، فيتعرق العظم، وينهش منه ويأكل منه بأسنانه، لا يقطع بيده ويأكل وإنما يضع العظم ويقربه إلى فمه، وينهش منه ويأكل منه.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة: ( كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله فاه حيث وضعت وأنا حائض ...)

قوله: [خبرنا عمرو بن علي]عمرو بن علي هو الفلاس البصري, المشهور بالمحدث الثقة، وهو من أئمة التجريح والتعديل، وكثير ذكر كلامه في الرجال في التعديل والتوثيق والتجريح، فهو من الحفاظ ومن أئمة الجرح والتجريح، وأحاديثه في الكتب الستة، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة في كتبهم. [حدثنا عبد الرحمن].هو ابن مهدي ، وعبد الرحمن هو أحد الحفاظ الثقات، ومن أئمة الجرح والتعديل، وهو من رجال الكتب الستة.[عن سفيان].سفيان هذا غير منسوب، ما جاء أنه ابن عيينة ولا الثوري ، وعبد الرحمن بن مهدي يروي عن سفيان الثوري وسفيان بن عيينة كما سبق أن عرفنا ذلك في الحديث الذي نبهت عليه قبل قليل, والذي يروي فيه سفيان عن الأعمش ومنصور، وهنا سفيان يروي عنه عبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الرحمن بن مهدي روى عن السفيانين: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، لكن الذي يروي عنه سفيان هو المقدام بن شريح ، والمقدام بن شريح ما روى له ابن عيينة، وإنما ذكروا في تهذيب الكمال أن الذي روى عنه هو الثوري، وما ذكر أن سفيان بن عيينة روى عنه.فإذاً: سفيان يكون هو الثوري من جهة أن المقدام بن شريح لم يذكر في من روى عنه ابن عيينة، وأيضاً المقدام بن شريح كوفي، وسفيان الثوري كوفي. فإذاً أولاً: ما جاء أن سفيان بن عيينة روى عن المقدام بن شريح، وأيضاً سفيان الثوري هو من أهل الكوفة والمقدام بن شريح بن هانئ من أهل الكوفة، فإذاً سفيان هذا المهمل هو الثوري وليس ابن عيينة.[عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة].المقدام قد تقدم ذكره مراراً، وأبوه هو شريح بن هانئ وقد سبق أن مر ذكر شريح في الرواية عن عائشة، وشريح من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، وعائشة رضي الله عنها وأرضاها هي أم المؤمنين وهي إحدى الصحابيات، وهي معروفة بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 323.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 317.64 كيلو بايت... تم توفير 6.34 كيلو بايت...بمعدل (1.96%)]