الرد على هجوم اليوم السابع على البخاري ـــــــــ متجدد - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         من القواعد الأساسية لحفظ القرآن الكريم .. الإخلاص (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أجرة توصيل البضائع في ظل جائحة كورونا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          كيف تُبنى الأمم؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 170 )           »          خطبت مرتين سابقا ولم يتم الزواج .. هل هناك سحر أم حسد؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          مشكلات الشباب وكيف عالجها الإسلام؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          افضل خدمات المنزل مع عاملاتنا (اخر مشاركة : زينب محمدي - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          الصلح بين الزوجين وآثاره النفسية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الدعاء والأسباب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2793 - عددالزوار : 303782 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2179 - عددالزوار : 114495 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-05-2020, 11:31 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 33,431
الدولة : Egypt
افتراضي الرد على هجوم اليوم السابع على البخاري ـــــــــ متجدد

الرد على (الحلقة الأولى) من هجوم اليوم السابع على البخاري

كتبه/ شحات بقوش

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فكعادتها بدأت جريدة اليوم السابع هجومًا على الإمام البخاري وصحيحه الجامع، تحت عنوان: "31 عالمًا مِن أهل السُّنة والجماعة ينتقدون البخاري"، وفيما يبدو أنها سلسلة مِن الحلقات انطلقت الأولى منها.
الملامح الرئيسة للمقال الأول:
وقبل التعرض لتفاصيل المقال، يجب أن نبيِّن الملامح العامة له، فالمقال حاول كاتبه أن يجعله يتسم بالموضوعية والتخصصية.
فأما الموضوعية: فقد كتب الكاتب الكثير مِن عبارات الثناء على البخاري وصحيحه، ليظهر من خلال ذلك أنه منصف ويتعامل مع الأمر بموضوعية، لكن لا يخفى على القارئ اللبيب أن هذه العبارات مجرد مداخل يكسب بها ودَّ القارئ ليتقبل بها النقد بعد ذلك، فكما يقال: "يضع السمَّ في العسل!".
وأما التخصصية: فقد بدا للقارئ أن الكاتب متخصص في العلم الذي يخوض فيه، فكاتب المقال قد ذكر أسماء بعض المصادر وأسماء بعض العلماء في أثناء المقال؛ مما يوهم أن مادة المقال ليست من بُنيات أفكاره، بل منسوبة لكتب وعلماء سبقوه فيما يرمي إليه، لكن المتمعن في نقوله يجده "حاطب ليل" يجمع ما تقع يده عليه دون تمحيصٍ وتحريرٍ؛ فماذا يفيد نقل فيه نقد للبخاري وقد رد عليه أهل العلم مرارًا وتكرارًا، ولم يتعرض الكاتب لهذه الردود؟!
وأيضًا: فإنه لم يقف على المصادر المذكورة، بل نقل عن مصادر وسيطة، وهي كتب شيعية معروفة بالكيد لأهل السنة -كما سنبين-.
كما يبدو للقارئ أيضًا: أن الكاتب لديه إلمام بالمسائل الحديثية حيث تناول بعض القضايا الحديثية، وعند دراستها يبدو فيها عجز كاتبها وبعده عن هذا العلم.
الانتقادات التي جاء بها المقال:
تمثَّلت الانتقادات الواردة في المقال في عدة نقاط: البخاري ليس معصومًا، بُعد زمان البخاري عن عصر النبوة، عدم إجماع الأمة على صحيح البخاري، مسألة حفظ السنة، موقف محمد بن يحيى الذهلي، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي من البخاري وصحيحه.
وفيما يلي عرض لما أورده الكاتب والرد عليه:
أولًا: عدم عصمة البخاري:

قال الكاتب: "لا ينكر أحدٌ أن الإمام البخاري مقدمًا في الإمامة والحفظ، لكنه بشر وليس معصومًا".
وهذه مِن الشبهات التي تتكرر كثيرًا، فيقول القائل: إن البخاري بشر غير معصوم، ثم يلزمه بأن يخطئ في كل شيء!
والجواب عن ذلك: أن البخاري ليس معصومًا، فقد أخطأ أخطاء في كتابه: "التاريخ الكبير"؛ مما دفع الإمام أبي حاتم الرازي إلى تأليف كتاب سماه: "بيان خطأ البخاري في التاريخ الكبير"؛ لكن السؤال هل غير المعصوم لابد أن يخطئ في كل عمل يعمله؟!
فمثلًا: الطبيب غير معصوم، فهل لابد أن يخطئ في كل عملية جراحية يجريها للمريض؟ وعلى فرض الإجابة بـ"نعم"، فهل كل خطأ يقع من الطبيب يؤدي حتمًا لوفاة المريض؟!
قس على ذلك الإمام البخاري في صحيحه، وكذلك عمل البخاري في صحيحه لم يكن عملًا فرديًّا، بل عرضه على بعض شيوخه، ومنهم الإمام أحمد وعلي بن المديني -رحمهما الله-؛ فدَّل ذلك على أن عدم العصمة للبشر ليست محل انتقاد، بل العبرة بمحل الخطأ وبيانه.
ثانيًا: قال الكاتب: "وتناسى الجميع مرور أكثر من مائتي عام بين حديث الرسول الكريم وبين جمع هذه الأحاديث بين دفتي كتاب".
وهذا يدل على جهل الكاتب بطبيعة الحالة العلمية في هذا الزمان، وهو ما يسمى عصر الرواية، حيث كان الاعتماد على الرواية الشفهية أوثق من الكتابة في الكتب، وكان التوثيق قائمًا على ذكر أسماء الرجال، وهذا كان المناسب لهذه المدة حيث ضعف الكتابة وصعوبة الحصول على أدواتها.
وتظهر هذه العبارة التي ساقها الكاتب أيضًا مدى الجهل بمسألة تدوين السنة، حيث تناسى الكاتب أو جهل أن السنة دونت في عهد الصحابة بإذن من رسول الله لبعض أصحابه، ثم ما كان في عهد التابعين حيث قام الزهري بالتدوين أيضًا ثم جمعت المصنفات والجوامع والمسانيد بين قبل عصر البخاري، مثل: مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، ومسانيد أحمد وابن راهويه والحميدي، وجامعي معمر وابن وهب، وموطأ مالك، وسنن سعيد بن منصور والدارمي، وغيرها من الكتب التي سبقت البخاري.
ثالثًا عدم إجماع الأمة على صحيح البخاري:
ادَّعى الكاتب أن الأمة الإسلامية لم تجمع على صحيح البخاري، وعلة ذلك عنده: أنه يجعل لانتقاد الشيعة اعتبارًا يخرق إجماع الأمة، فقال: "البخاري وصحيحه يحظيان بشعبية كبرى عند أهل السنة والجماعة، لكن الأمة تشمل شيعة أيضًا هؤلاء الشيعة ينتقدون!".
وهذا الموقف يعني أحد أمرين:
إما أنه جاهل بحال الشيعة، وأنه لا يقام لانتقادهم وزنًا؛ لأن الشيعة يخالفون أهل السنة في كثيرٍ مِن المسائل التي لا تقل أهمية عن صحيح البخاري؛ فمن الشيعة مَن يقول بتحريف القرآن، ويطعن في عدالة الصحابة جميعًا إلا بضعة منهم، ومنهم مَن يطعن في زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل ومنهم مَن يشكك في نبوته -صلى الله عليه وسلم-، فلو فتح الباب لأخذ انتقاد الشيعة اليوم في صحيح البخاري، سيلزمنا الأخذ بكلامهم غدًا في القرآن، والصحابة، وزوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا لا يقول به إلا جاهل.
وإما أن يكون هذا الكاتب يعرف مَن هم الشيعة جيدًا، ويدعو لاتباع أقوالهم وأخذ انتقادهم بعين الاعتبار، وهذا هو موقف الكاتب -فيما يبدو-؛ فإن الكاتب لم يعتمد مِن كتب المعاصرين في الاستدلال لنقده إلا كتابًا واحدًا، وهو "أضواء على الصحيحين" لمحمد صادق النجمي، والنجمي إيراني شيعي أحد علماء الحوزة العلمية في "قم"، ومَن يطالع مقدمة كتابه يقف على نيته الخبيثة مِن وراء الكتاب، والكتاب باللغة الفارسية، ولم يشر الكاتب إلى الترجمة العربية التي قام بها "يحيى كمال البحراني"، وهو شيعي آخر، والكتاب نشرته مؤسسة المعارف الإسلامية بإيران، فظهر بذلك التوجه الفكري لكاتب المقال، حيث إن المقال مستل بكامله مِن هذا الكتاب الشيعي!
ومما جاء في تقديم "ناشر الكتاب" ص 26 ما نصه: "إن المؤلف وإن كان يقطن قم المقدسة وهو أحد فضلاء حوزتها، وكان بعيدًا عن معاشرة أهل السنة ومحادثتهم، لكنه تصدى في دراسته لهذا الموضوع على الوجه السليم والأسلوب الصحيح، ورجاءنا مِن أهل العلم والفهم أن يقرأوا الكتاب بدقة حتى تتجلى لهم الحقائق أكثر فأكثر. أرجو مِن الله القدير أن يحفظ قوام الحوزة العلمية في قم المقدسة حتى ظهور صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن العسكري عجَّل الله -تعالى- فرجه الشريف، وأن يوفق جميع العلماء والمحققين في شتى أبواب العلوم الإسلامية. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. مرتضى العسكري مساء الخميس 11 / 2 / 1392 هـ".
أمَّا مسألة إجماع الأمة على صحيح البخاري: فإنه منذ تصنيف "صحيح البخاري" تلقته الأمة بالقبول، وكم مِن شارح لأحاديثه، أو مترجم لرجاله، أو مستنبط لفقهه، أو دارس للغته، أو مستدرك عليه، أو متعقب له، أو مستخرج عليه، أو مختصرٍ له، وما زال إلى يوم الناس هذا؛ مادة ثرية للدراسة؛ مما يدل على أن "صحيح البخاري" لم تطوَ دفَّتاه عن العلماء يومًا، بل هو مفتوح بين أيديهم، قراءة وإسماعًا، ورواية، ودراسة، وشرحًا، وانتقاءً، مِن يوم أن كتبه جامعه إلى يومنا هذا، فلا يظنَّنَّ ظانٌّ أنَّ "الصحيح" كان في معزلٍ عن العلماء الأثبات، وأنه أول مَن نظر فيه، فينتقده نقد جاهل، فلقد تناولته أيادي الجهابذة جيلًا وراء جيل، ونظر فيه أساطين العلم والحكمة، عبر القرون، فما أبدوا إلا إعجابًا به وإذعانًا لفضل مؤلفه.
رابعًا: مسالة حفظ السُّنة:
قال الكاتب بعد ما تكلم عن حفظ الله للقرآن: "أما السنة بوجه عام، فإن الله -تعالى- قد أوكلها إلينا لنحفظها نحن، فحدث فيها خلط كبير، مثلما حدث في الكتب المقدسة السابقة، فالله -تعالى- أوكل حفظها للأحبار اليهود والرهبان وغيرهم فحدث خلط، والبعض لدينا يظن أن السنة مِن عند الله اعتمادا على قوله -تعالى- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (النجم:?)، وفي ذلك خلط في الفهم والاستنباط".
ويبدو من هذا العرض: أن الكاتب يتجاهل العلاقة بين القرآن والسنة، وهذا ما نبَّه عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وحذر منه، فعن أبي رافع -رضي الله عنه- قال: (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
فالعلاقة بين القرآن والسنة: أن السنة مفسِّرة ومبينه للقرآن، أوحى الله بها للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليبيِّن لأمته، قال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل:??)، فظهر بذلك أن الذكر الذي قال فيه -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:?)، فدلت الآيتان على أن الذكر المحفوظ هو القرآن والسنة معًا.
وعلى فرض التسليم -من باب التنزل- أن الله أوكل حفظها للبشر، فلا يلزم ذلك أنهم فرطوا فيها كما فعل أهل الكتاب في كتبهم، بل كان مِن توفيق الله أن ألهم هذه الأمة علمًا لم يُسبقوا إليه، ظهر على يد أهل الحديث وقد كانوا نقادًا أفذاذًا ينتقدون كل دخيل ويكشفون كل بدعة تستحدث في الدين، فلولاهم لعمت البدع، وشاعت الشبهات؛ ولذلك قال الحاكم النيسابوري -رحمه الله- في مقدمة كتابه: "معرفة علوم الحديث" (ص 1): "أما بعد، فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّتْ، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال؛ دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث، إلخ".
وقبل ذلك قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة، قال: تعيش لها الجهابذة" (ينظر: الكامل في ضعفاء الرجال، 1/ 192).
فتبيَّن من ذلك: أن علم الحديث خير رادع لكل مَن أراد أن يحدِث في الدِّين ما ليس منه، وقال ابن المبارك -رحمه الله-: "الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، لَوْلا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ".
فكان المحدثون نقادًا ينقدون المرويات، وما نسب للنبي -صلى الله عليه وسلم- بمنهج علمي رصين شهد بجودته المستشرقون المنصفون، قال القس المستشرق الإنجليزي "دافيد صموئيل مرجليوث" 1858: 1940م: "ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم" (ينظر: المقالات العلمية، ص 234- 253، نقلًا عن تقدمة العلامة المعلمي اليماني في المعرفة لكتاب الجرح والتعديل).
فدل بذلك أن السنة محفوظة في الجملة، ولم يستطع الكذابون وضع حديث دون أن يكشفه العلماء ويبينوه، فبطل قول الكاتب: "أما السنة بوجه عام فإن الله -تعالى- قد أوكلها إلينا لنحفظها نحن، فحدث فيها خلط كبير"، وأنه إمَّا جاهل بعلوم السنة، أو يكيد لها.
خامسًا: موقف أبي حاتم من أحاديث البخاري:
استشهد المنتقد في مقاله بحديث يرويه ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن المقدام بن معدى كرب، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كيلوا طعامكم، يبارك لكم فيه"، ونفس الحديث يروى من طريق "بحير بن سعد" بدون ذكر "جبير"، وصحح ابن أبي حاتم الطريق الأولى، فقال المنتقد: "ووجه المخالفة أنه تبين من خلال تخريج الطريقين عند "أبى حاتم" أن الطريق الثانية فيها زيادة راو هو "جبير بن نفير" بين "خالد بن معدان" و"المقدام بن معدي كرب"، وقد رجح أبو حاتم هذه الزيادة عندما سأله ابنه بقوله: أيهما الصحيح؟ فقال: حديث ثور بن يزيد، حيث زاد رجلًا؛ فهنا خالف البخاري أبا حاتم في هذا الحديث، فرواه في صحيحه من غير هذه الزيادة".
هذه الشبهة قد تعطي القارئ انطباعًا أن القارئ من المتخصصين في العلم، لكنه في الحقيقة كالدابة التي قتلت صاحبها، فيبين العرض مدى جهله، وذلك من وجوه:
- سؤال ابن أبي حاتم كان حول الحديث من طريق "بحير بن سعد" بدون زيادة "جبير" أم طريق "ثور" مع زيادة "جبير" فيه، فاختار طريق أثبت الراويين عنده، وهو ثور.
- البخاري وقف على ما لم ينتبه إليه أبي حاتم، فالبخاري وجد الحديث يروى عن "ثور" نفسه على الوجهين -بذكر جبير وبدونه- رواه عنه ابن المبارك كما في مسند أحمد، والوليد كما عند البخاري (2128)، فدل على صحة الوجهين، وأن "خالد ابن معدان" سمعه من "جبير عن المقدام" مرة فحدث به، ثم سمعه بعلو من "المقدام"، فاختار البخاري الطريق العالية.
- وهذا الخلاف يبين زيادة علم عند البخاري، وليست محلًا لانتقاده كما فعل الكاتب.
- وحكم أبو حاتم بالصحة على الطريق النازلة (التي فيها زيادة جبير) لا يفيد ضعف الأخرى؛ إلا إذا ثبت انقطاع ما بصوره المختلفة، وبالرجوع إلى تراجم الرواة تبين الاتصال في حالة سقوط "جبير" فإن "خالد بن معدان" من تلاميذ المقدام، وبلديه (فكلاهما حمصي)، فتبين أن حكم أبي حاتم بالأصحيَّة على طريق دون الأخرى هو مِن باب المقارنة بينهما في الأصحية، وليس نفيًا للصحة عن إحداهما.
سادسًا: موقف الذهلي من البخاري:
نقل المؤلف من كتاب "أضواء على الصحيحين" للنجمي الشيعي، موقف الإمام محمد بن يحيى الذهلي من الإمام البخاري، واقتصر على ما قاله الشيعي دون الرجوع إلى الكتب والمصادر التي تناولت الموضوع، وهذا يدل على تحريره وأنه مجرد حاطب ليل، وليس طالبًا للحق.
والكلام في هذه المسألة من وجهين:
الأول: مسألة اللفظية.
والثاني: كلام الأقران.
أمَّا مسألة اللفظية: ففي فتنة خلق القرآن، أشكل على البعض مسألة التلفظ بالقرآن، فقال الفقيه "الكرابيسي": التلفظ بالقرآن مخلوق، فنهاه الإمام أحمد عن هذا القول؛ لأنه يحتمل معنيين:
أحدهما: الملفوظ نفسه؛ وهو القرآن، فلا يجوز إطلاق الخلق عليه.
والثاني: التلفظ به، والأداء له، وهو فعل العبد، فلا يجوز إطلاق نفي الخلق عليه.
لذلك كان نهي الإمام أحمد عن التكلم في مسألة اللفظية؛ لأنها موهمة، أما إذا فصَّل القائل في المسألة، وفرَّق بين اللفظ والملفوظ، فقال: إن الملفوظ هو كلام الله -عز وجل-، وهو القرآن المتلو المسموع بالآذان، وهو صفة مِن صفات الله، وبالتالي الملفوظ غير مخلوق. أما لفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأداؤهم؛ كل ذلك مخلوق لله، بائن عنه، فهذا حق وصواب تمامًا لا مرية فيه، وهذا ما كان يقول به البخاري؛ فإنه لما سأل في مجلسه قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة" (ينظر: تاريخ بغداد للخطيب، 2/ 355)، فحُمل كلامه المحمل السيئ، وقد تبرأ منه مرارًا، لكن تعلق الحسَّاد قديمًا وحديثًا بالمحمل السيئ لحاجةٍ في النفس.
وهذه المسألة "اللفظية" مسألة عقدية، ولم يقل مثيروها ما يقدح في حفظ البخاري أو ما يقلل من مكانته في علم الرواية، وقد وافق الإمام مسلم ما قال به البخاري أيضًا، وممن رجح كلام البخاري في المسألة أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل، 1/265)، وتاج الدين السبكي في "قاعدة في الجرح والتعديل، ص 35-36).
ثانيًا: كلام الأقران:
فرح الكاتب بما نقله من كتاب الشيعي من كلامٍ لبعض أقران البخاري، وخاصة الذهلي والرازيين (أبو حاتم وأبو زرعة)، ونقل بعض كلامهم في البخاري دون تحرير للمسألة، فإن مسألة كلام الأقران قد تكلم فيها أهل العلم، وقالوا كلامَ الأقران يطوى ولا يروى؛ إذ إنه يكون فيه حظ نفس وحسد، وذلك من طبيعة البشر.
قال الذهبي -رحمه الله- في السير: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة، أو لمذهب، أو لحسد، وما ينجو منه إلا مَن عصم الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين" (سير أعلام النبلاء، المقدمة/ 59).
وقال: "وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر، لا عبرة به، ولا سيما إذا وثَّق الرجلَ جماعة يلوح على قولهم الإنصاف" (سير أعلام النبلاء، 7/ 40).
وقال: "فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثيرٍ منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما -رضي الله عنهما" (سير أعلام النبلاء، 7/ 143).
فدل ذلك على أن وقوع الأقران في بعضهم البعض رغم إمامتهم لم يكن مقتصرًا على ما جرى بين الإمام البخاري والإمام الذهلي ومَن تبعه فقط، بل وقع هذا الأمر لغيرهم.
أما ترك الرازيين الرواية عن البخاري بعد مكاتبة الذهلي لهما بمسألة اللفظية، فساعدهم على ترك الرواية أنهما أقران للبخاري في نفس سنه تقريبًا واشتركا معه في معظم شيوخه فلا حاجة لهما بالرواية عنه؛ أما علمه فقد احتيج إليه بلا شك، فإن ابن أبي حاتم وهو تلميذ أبي حاتم -أبيه- وأبي زرعة الرازيين، وهو أعلم الناس بموقفهما من البخاري إلا أن كتب البخاري كانت تحت يديه يستفيد منها، حتى قيل: إن كتابه "الجرح والتعديل" ملخص لكتاب التاريخ الكبير للبخاري مع بعض الزيادات، بل الذهلي نفسه الذي أثار المشكلة قال عنه بلديه أبو حامد الأعمشي: ذكر أن الذهلي كان يسأل البخاري عن الأسامي والكنى وعلل الحديث، والبخاري يجيبه، (ينظر: تاريخ بغداد، 2/ 253)، ولم يروَ عن الذهلي أنه تكلم في إمامة البخاري في الحديث بعد ما أثار أمر اللفظية، ثم إن عالمًا كالترمذي قد فاضت كتبه بسؤالاته للإمام البخاري فما ضره ترك رواية أحد له.
قال الذهبي عقب ذكره لترك الرازيين الرواية عن البخاري: "إن تركا حديثه، أو لم يتركاه، البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم" (سير أعلام النبلاء، 12/ 463)، وهذا التعقيب النفيس من الذهبي فات الكاتب؛ لأنه لم ينقل من السير، بل من كتاب الشيعي.
يدل ما تقدم أن مقال الكاتب هو مجرد إعادة نشرٍ لشبهاتٍ مردود عليها مرارًا وتكرارًا، والكاتب يحاول إحياءها، بنقله لها مِن كتب غير أهل السُّنة ودون تحريرٍ لها، ودون اصطحابها بردود أهل العلم عليها.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-05-2020, 04:15 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 33,431
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الرد على هجوم اليوم السابع على البخاري ـــــــــ متجدد

الرد على (الحلقة الثانية) من هجوم "اليوم السابع" على "البخاري"


كتبه/ شحات رجب بقوش


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد استأنفت "جريدة اليوم السابع" السلسلة التي تهدف إلى نقد صحيح البخاري، بمحاولةٍ مِن الكاتب إثبات أن 31 عالمًا قد انتقدوا البخاري، مما يجعل أمر نقده مباحًا لمن علِم ولمن لا يعلم.

الملامح الرئيسة للمقال الثاني:

تناول المقال الثاني عددًا مِن العلماء قد انتقدوا صحيح البخاري، وهم: الإمام مسلم، والترمذي، وابن عمار الشهيد، والعقيلي، والجصاص، والإسماعيلي، ليصل العدد بهؤلاء الستة إلى تسعة علماء قد تم الرد على الثلاثة الأول منهم في المقال السابق، وهم: محمد بن يحيى الذهلي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي.

ويُلاحَظ على هذا المقال الآتي:

- اعتماد الكاتب على كتب مشبوهة ساقطة، مردود عليها، فكما كان مصدره في الحلقة الأولى كتاب: "أضواء على الصحيحين" لمؤلفه بالفارسية النجمي، وترجمة البحراني، وهما شيعيان رافضان، ففي هذا المقال اعتمد على كتاب: "صحيح البخاري نهاية الأسطورة" للصحفي المغربي إيلال رشيد، وهو كتاب ضعيف مردود عليه مِن عددٍ مِن المتخصصين، منهم:

- الدكتور محمد أحمد رفيق في كتابه: (مصر) "الجهالات المسطورة في الرد على نهاية الأسطورة".

- وعبد الرازق الجوزي (المغرب) في كتابه: "صفعة إذلال لترهات إيلال".

- ويوسف سمرين (العراق) في كتابه: "بيع الوهم، تهافت رشيد إيلال".

- والدكتور نبيل بلهي (الجزائر) في كتابه: "التفنيد لشبهات إيلال رشيد".

- رغم نقل الكاتب من هذا الكتاب المردود عليه؛ إلا أنه لم يتعرض قط لمناقشة الردود عليه، وهذا من التدليس على القارئ.

- ينقل أقوالًا لابن حجر جاءت في فتح الباري في سياق الرد عليها وليس الإقرار بها، فينتزعها الكاتب من السياق ليوهم القارئ أنه رأي ابن حجر، ويغفل عن نقل رد ابن حجر عليها ومناقشته.

- يسوق اختلاف العلماء مع البخاري فيجعل على طول الخط البخاري في الجانب المرجوح، والمختلف معه الراجح، دون تحرير لمحل الاختلاف، وهذا يظهر ضعف الكاتب العلمي، وأنه مجرد ناقل.

- همٌّه تكثير عدد المنتقدين بالرغم من أن بعضهم لم يتعرض للبخاري مطلقًا، مثل إيراده ابن عمَّار الشهيد -كما سيأتي-.

- إيراده لهؤلاء العلماء لا يسوغ للكاتب أن يقوم بالنقد مثلهم، فهم الحفاظ الذين عاشوا مع الحديث رواية ودراية، وتكون لديهم منهج علمي، قد يختلف مع منهج البخاري في مسألة او مسألتين، فلا يحق للكاتب أن ينقد مثلهم ما لم يمتلك ما امتلكوه من التأهيل.

شبهات الكاتب في الحلقة الثانية:

بعد توضيح الملامح العامة سنأخذ كل عالم ممن زعم الكاتب أنهم انتقدوا البخاري، فنناقش ما أورده الكاتب:

أولًا: الإمام مسلم:

تمثَّل نقد الإمام مسلم للبخاري كما يزعم الكاتب في أمرين:

الأول: عدد من المميزات تميز بها مسلم فجعل الكاتب عدم وجودها عند البخاري عيبًا واختلافًا منهجيًا قادحًا، فبين أن مسلم لم يسق في صحيحه إلا معلقات قليلة مقارنة بالبخاري، وجعل هذا عيبًا في البخاري.

والرد أن كلًا منهما أورد المعلقات فظهر أنها ليست عيبًا عندهما، ثم مسألة القلة والكثرة فهي حسب الحاجة، والبخاري قد قسم صحيحه إلى كتب وأبواب وساق المعلقات في تراجم أبوابه، أمَّا مسلم فقد قسم صحيحه إلى كتب فقط فكان استخدامه للمعلقات أقل، مع اتفاقه مع البخاري في أصل إيراد المعلقات، فبطلت شبهة الكاتب.

إقراره بأن الإمام مسلم كان يتحرّى الدقة الشديدة في مروياته، فكان يذكرها كما رواها وسمعها، ولم يكن يقطِّع الأحاديث، ولم يكن يتصرَّف في الألفاظ، إضافة إلى ذلك فإنه كان يفتِّش عن أسماء من لم يسمُّوا في الأحاديث، ويهتمُّ بإيراد أسمائهم. ثم ادعى أن البخاري أهمل هذا كله، وهذا ادعاء باطل ولا يعد هذا انتقادًا من مسلم للبخاري، بل الثابت عن مسلم إذعانه بالفضل للبخاري -رحمه الله-، فعندما سمع مسلم جواب البخاري عن حديث كفارة المجلس فقال مسلم: "دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله" (ينظر: تاريخ بغداد 15/ 121).

أمَّا قول مسلم في حديث أخرجه البخاري "نحو حديث ثابت البناني، وقدم فيه شيئًا وأخر وزاد ونقص"، فهذا سياق مقارنة بين رواية: "شريك" و"ثابت" لحديث الإسراء، وليس انتقادًا للبخاري، والدليل على ذلك أن مسلم نفسه أخرج حديث شريك كما أخرجه البخاري؛ فلو أن مسلمًا كان يراه ضعيفًا ما أخرجه، فبطلت الشبهة من أصلها.

ثم إن البخاري -رحمه الله- كان يعلم أن سياق القصة من رواية شريك فيها تقديم وتأخير وزيادة ونقص، فلم يخرجها في باب: "الإسراء"، ولا في باب: "المعراج" من صحيحه؛ بل أخرجها في باب: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- تنام عينه ولا ينام قلبه برقم (3570) مقتصرًا على أوله، وبتمامه في باب قَوْلِهِ: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء:164) برقم (7517)، أي: أن البخاري علم أن في سياق القصة تقديم وتأخير فلم يخرجها إلا في الأبواب التي لا تتأثر بالتقديم والتأخير، وساق الروايات المتقنة في بابي الإسراء والمعراج، وهذا يدل على إمامة البخاري وحذقه، فقد حدد الجزء المستقيم من الجزء المختل في متن الحديث الواحد.

وأورد كاتب المقال شبهة إخراج البخاري لرواة لم يخرج لهم مسلم، وهذا ليس بقادح، ففي كل كتاب مِن كتب السنة رواة ليسوا في غيره، فلو قدح ذلك ما سلم كتاب.

وأما مسألة السماع بين المتعاصرين التي خالف فيها مسلم البخاري فالرد من وجهين: أن البخاري لم يتفرد برأيه، بل شاركه فيه جماعة من العلم. والوجه الثاني: أن مسألة السماع بين المتعاصرين رأي البخاري فيها أشد احتياطًا من رأي مسلم، فلو هناك محلًا للانتقاد سيكون لرأي مسلم لا لرأي البخاري؛ فتبيَّن من ذلك أن مسلم يقر للبخاري بالإمامة، وأن ما زعمه الكاتب من خلاف بينهما مجرد ادعاء.

أمَّا الترمذي: فقد ذكر الكاتب حكم الترمذي على حديث في الصحيح بالاضطراب، والمعروف أن المضطرب هو ما اختلف فيه مع تساوي طرفي الاختلاف دون ترجيح، وقد عجز الترمذي على الترجيح بين وجهي الاختلاف في الحديث بينما رجح الدارقطني، وابن حجر الوجه الذي أخرجه البخاري، كما في "فتح الباري" (1/ 348)، ومَن علم حجة على من لم يعلم، فبطلت الشبهة.

أما ابن عمار الشهيد: فقد أورده الكاتب من باب "زيادة العدد"؛ لأن كتابه الوحيد الذي تركه هذا العالم اسمه: "علل أحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج"، أي: أنه مختص بصحيح مسلم وليس البخاري، ولو أن ابن عمار يريد انتقاد البخاري فما الذي يمنعه من تصنيف كتاب حول البخاري كما صنف كتابًا حول مسلم، فلم يصبح لذكر ابن عمار في المقال أي معنًى، والسبب في إيراده ضمن منتقدي البخاري أن إيلال رشيد قد ذكره في كتابه الساقط سالف الذكر، والكاتب ينقل منه دون تحرير.

وأمَّا أبو جعفر العقيلي: فقد أورد الكاتب أن العقيلي انتقد البخاري في إخراجه لحديث (الأقرع والأبرص والأعمى)؛ لسببين:

الأول: ضعف أحد رواته، وهو "همام بن يحيى".

والثاني: أن الحديث ليس في مسند الإمام أحمد، وإنما تفرد به البخاري ومسلم.

أما عن ضعف "همَّام بن يحيى" قولًا واحدًا كما فعل الكاتب فمردود، فهو من رجال الصحيحين، ثم يمكننا القول من باب التنزل أنه مختلف فيه، فقد وثَّقه يزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين في أكثر من رواية، وحماد بن سلمة، وعلي بن المديني، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن سعد، وأبي حاتم، وابن عدي، وأبو بكر البرديجي، والعجلي، والحاكم؛ هؤلاء الثلاثة عشر ناقدًا يوافقون البخاري ومسلم في توثيق "همام بن يحيى"، وفي المقابل لم يتكلم فيه إلا يحيى بن سعيد القطان، وربما تبعه أبو جعفر العقيلي في تضعيفه كما ذكر كاتب المقال، فلماذا اختار الكاتب رأي الأقل، والمنطق أن يأخذ برأي الكثرة؟ والجواب أن الذي يريد النقد يفتش عما يوهم عيبًا فقط.

ثم هل ثبت "يحيى بن سعيد القطان" على رأيه في "همام"؟

الإجابة: لا؛ لأن النقاد عند الاختلاف في الراوي يقومون بعملية سبر لمروياته، وهي باختصار عملية مقارنة دقيقة للمرويات المشتركة بينه وبين راوٍ آخر ثقة للوقوف على مدى ضبطه من عدمه، وهذا ما تم مع "همام"، حيث قال عفان بن مسلم: "كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ بن هشام نظرنا في كتبه فوجدناه يوافق همامًا في كثير مما كان يحيى ينكره، فكف يحيى بعد عنه" (ينظر: الضعفاء الكبير للعقيلي 4/ 368).

وقد صحح عليه ابن حجر في "اللسان" فذكر العقيلي له في كتابه: "الضعفاء" للاختلاف فيه وليس تضعيفًا مطلقًا، ومن سبر مروياته عَلِم ضبطه وثقته، فمن علم حجة على من لا يعلم.

ثم انتقد كاتب المقال عدم إخراج الإمام أحمد وأصحاب السنن للحديث، وهذا كلام ليس له محل، فهذه الكتب تحتكم إلى الصحيحين، وليس الصحيحان يحتكمان إليها، كما أخرج في غير الصحيحين: أخرجه ابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" (314) والبيهقي في "الكبرى" (14251)، فبطلت هذا التشويش من كاتب المقال أيضًا.

وأخيرًا -في مسألة العقيلي- إن كاتب المقال قد أورد اختلافًا منهجيًّا بين البخاري ومسلم آنفًا -قد رددنا عليه في موضعه-، لكن نلزمه به هنا، فإذا ما كان البخاري ومسلم مختلفين منهجًا ورغم اختلافهما فقد اتفقا على إخراج حديث: (الأبرص والأقرع والأعمى) ألا يعد ذلك دليلًا على أن الحديث ثابت عندهما، وليس أحد منهما قد تبع الآخر، وبالتالي فلا يضرهما حينئذٍ مَن يخالفهما، وخاصة إذا كان أقل إمامة منهما كالعقيلي.

أبو بكر الجصاص: قال الكاتب في مقاله: "وردًّا على حديث: "سحر الرسول" قال أبو بكر الجصاص الحنفي في كتابه أحكام القرآن: "وهذا الحديث من وضع الملحدين"، قال: وضعه ملاحدة كفار وزنادقة في البخاري ومسلم، وللأسف جازت الحيلة على البخاري ومسلم فصدقا هذا الحديث وجعلاه في صحيحهما".

والرد على هذه المسألة مِن وجوهٍ:

أولًا: مدى دقة نقل الكاتب: قال الجصاص في "أحكامه" (1/ 60): "ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين"، فجعلها كاتب المقال: "وهذا الحديث من وضع الملحدين"، والفرق بين اللفظين كبير إذا وقف القارئ على السياق وحيثياته، فإن الجصاص أراد بعبارته الحكم على مسألة عقدية، أما بعبارة كاتب المقال أنه حكم على الحديث ذاته.

ثانيًا: الجصاص عالم حنفي وعمدة في الفقه الحنفي، لكنه ليس محدثًا بنفس درجة البخاري ومسلم وغيرهما، حتى يكون كلامه حكمًا على المحدثين، ثم هو عنده آراء اعتزالية تأثرًا بشيخه أبي الحسن الكرخي رأس المعتزلة في زمانه، وقد ظهرت هذه الآراء واضحة في مواضع متفرقة من كتابه، مثل: نفيه لرؤية الله، ونفيه السحر، فلما تناول قضية السحر وأراد إنكاره ليوافق المعتزلة في نفيه؛ لجأ إلى تطبيق نفس مناهج استدلالهم، ومنها: رد النصوص الصحيحة التي لا توافق مذهبهم، بحجج عقلية واهية، وليس على طريقة أهل الحديث من بيان أسباب الضعف والعلة، فظهر بذلك بطلان الاستدلال بكلام الجصاص، أو ليكشف الكاتب عن انتمائه للمعتزلة.

أبو بكر الإسماعيلي: ساق الكاتب بعض الانتقادات المنسوبة إلى الإسماعيلي، منها: حديث إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه يوم القيامة، فقال الكاتب: "وقد طعن فيه "الإسماعيلى"، قال ابن حجر في "فتح الباري" الجزء الثامن "وقد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث من أصله، وطعن في صحته، فقال بعد أن أخرجه: "هذا خبر في صحته نظر، من جهة أن إبراهيم علم أن الله لا يخلف الميعاد، فكيف يجعل ما صار لأبيه خزيًا، مع علمه بذلك".

ويلاحظ على الكاتب أنه لم ينقل كلام الإسماعيلي من كتبه مباشرة، بل يظهر أنه نقل عن ابن حجر عن الإسماعيلي، وهو في الحقيقة منقول من الكتاب الساقط لإيلال رشيد، ولو نقل من ابن حجر كما ادعى لوقف على جواب ابن حجر على هذه الشبهة.

والجواب:

نعم قال بذلك الإسماعيلي كما نقله ابن حجر، لكن أجاب ابن حجر عليه من وجوه عدة، أهمها ما نقله عن الكرماني: أن الخزي الذي استشكله الإسماعيلي هو المذكور في الآية: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (آل عمران:192)، وخزي الوالد خزي الولد. (ينظر: فتح الباري 8/501).

ومما أورده كاتب المقال أيضًا عن الإسماعيلي: أن البخاري ومسلم قد اتفقا في أن من جمع القرآن أربعة، هم: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ثم انفرد البخاري برواية أخرى فجعل، أبا الدرداء بدلًا من أبي بن كعب.

فقال كاتب المقال: "قال ابن حجر في فتح الباري، قال: الإسماعيلي: هذان الحديثان مختلفان، ولا يجوزان في الصحيح مع تباينهما، بل الصحيح أحدهما".

قلتُ: والغريب أن الكاتب رغم نقله كلام ابن حجر؛ إلا أنه أغفل جواب ابن حجر كعادته، تدليسًا على القراء، أو أنه لم يقف على كلام ابن حجر، بل نقل عن الكتب الساقطة التي تنتقد البخاري.

أما جواب ابن حجر: فخلاصته من وجهين:

الأول: أن الذين حفظوا القرآن وساهموا في جمعه كثرة، وإنما خص أنس الأربعة بالذكر؛ لشدة تعلقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم، ويحتمل أن يكون أنس حدث بهذا الحديث في وقتين، فذكره مرة أبي بن كعب، ومرة بدله أبا الدرداء.

والثاني: هناك روايات أخرى عن غير أنس بعضها ذكر أُبي، وبعضها ذكر أبا الدرداء، قال ابن حجر: "وقد روى ابن أبي داود من طريق محمد بن كعب القرظي، قال: جمع القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسة مِن الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري، وإسناده حسن مع إرساله، وهو شاهد جيد لحديث عبد الله بن المثنى في ذكر أبي الدرداء وإن خالفه في العدد والمعدود.

ومن طريق الشعبي قال: جمع القرآن في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ستة، منهم: أبو الدرداء، ومعاذ، وأبو زيد، وزيد بن ثابت، وهؤلاء الأربعة هم الذين ذكروا في رواية عبد الله بن المثنى، وإسناده صحيح مع إرساله، فللـه در البخاري ما أكثر اطلاعه" (انتهى).

فدل ذلك على أن العدد لم يكن منحصرًا في أربعة، فجاءت رواية ببعضهم، ورواية بآخرين فلا تعارض.
وقال الكرماني: "لعل السامع كان يعتقد أن هؤلاء الأربعة لم يجمعوا، وكان أبو الدرداء ممن جمع فقال أنس ذلك ردا عليه وأتى بصيغة الحصر ادعاء ومبالغة، ولا يلزم منه النفي عن غيرهم بطريق الحقيقة. والله أعلم" (ينظر: فتح الباري 9/ 53).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 94.39 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 92.10 كيلو بايت... تم توفير 2.29 كيلو بايت...بمعدل (2.43%)]