سورة ق - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

 

اخر عشرة مواضيع :         السبيل إلى محبّة الجليل (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الدين النصيحة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الدنيا في ميزان الشرع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الحياة الطيبة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الجنة والنار (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          التوبة إلى الله تعالى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          التذكير بنعم الله تعالى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          وصايا للمرضى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          التّذكير بخطورةِ التّكفير (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          وقفات مع نزول الأمطار (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22-10-2020, 03:49 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,575
الدولة : Egypt
افتراضي سورة ق

سورة ق (1)


أ. عبدالعزيز بن أحمد الغامدي





الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنزل القرآن هدىً للمتقين؛ وعبرةً للمعتبرين؛ ورحمة وموعظة للمؤمنين؛ ونبراساً للمهتدين؛ وشفاءً لما في صدور العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحيا بكتابه القلوب؛ وزكّى به النفوس، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أزكى الخَلقِ خُلقًا؛ حيث كان خلقه القرآن، فصلوات الله وسلامه عليه؛ وعلى آله وصحبه؛ ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد:
فاتقوا الله - تبارك وتعالى -؛ واشكروه، فهو الذي هداكم للإسلام؛ وجعلكم من أمة القرآن.
عباد الله، لقد كانت سنةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وعظَ الناس بهذا القرآن، وكان ربما خطب في الجمعة بسورةٍ من القرآن، ومن هذه السور التي خطب بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة (ق)، روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن أم هشام رضي الله عنها؛ قالت: (ما أخذت ﴿ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ إلا عن لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقرؤها كلَّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس).

إخوة الإيمان، لعلنا نعيشَ لحظاتٍ في ظِلالِ هذه السورة نقرؤها؛ ونتدبرُ آياتِها ونتأملُ عضاتَها؛ في ثلاث خطبٍ متتالية بإذن الله تعالى.
يقول الله تعالى في مطلع هذه السورة: ﴿ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴾.
في هذه الآيات يقسم الله تعالى بالقرآنِ؛ رفيعِ القدر والشرف والبركة، الذي احتوى من العلوم أعظمَها؛ ومن الفصاحة أكملها. وجواب القسم مضمون الكلام بعد القسَم من إثبات النبوة والبعث بعد الموت للحساب والجزاء..

ولكنّ أكثر الناس لا يقدِّون نعم الله قدرها، فالكفار المكذبون للرسول - صلى الله عليه وسلم - ﴿ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ منهم ﴾ من جنسهم؛ يمكنهم التلقيَ عنه؛ ومعرفةَ أحوالِه وصدقه، ينذرهم عقابَ الله وما يضرُّهم؛ ويأمرُهم بما ينفعُهم، فتعجَّبوا من أمرٍ لا ينبغي لهم التعجبُ منه.

﴿ فَقَالَ الْكَافِرُونَ ﴾ الجاحدون المكذبون ﴿ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ يتعجبون حقيقةً أو تصنّعًا؛ من بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرًا مثلَهم؛ ويتعجبون مما أخبرهم به وأنذرهم؛ من البعث بعد الموت للحساب والجزاء.
يقولون: ﴿ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ فاستبعدوا البعث بعد الموت وأنكروا الحساب والجزاء؛ ويرون أنه غيرُ ممكن؛ لأنهم قاسوا قدرة من هو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم؛ بقدرة وعلم العبد الفقير العاجز الجاهل.

ثم قال سبحانه ردًا على تعجبهم: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ فالله الذي يعلم ما تنقص الأرضُ وتأكلُ وتُفنِي من أجسادهم مدةَ مقامهم في برزخهم، وعنده جلّ وعلا كتابُه اللوحُ المحفوظُ؛ قد أحصى فيه عددهم وأسماءَهم وكلَّ ما يجري عليهم في حياتهم وبعد مماتهم، وهذا استدلال بكمال علم الله وعظيم قدرته على إحيائه الموتى.

ثم أخبر الله سبحانه أن كلامَهم وتعجبَهم إنما هو عناد وتكذيب للحق والصدق والقرآن والنبوة؛ ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ﴾ فكذّبوا القرآن بمجرد تبليغهم به، ﴿ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ مُختلطٍ مُشتبِهٍ مُلتبس؛ لا يعرفون الحق من الباطل، فلا يثبتون على شيء؛ فتارة يقولون عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ساحر؛ وأخرى يقولون: مجنون؛ وتارة يقولون: شاعر؛ وأخرى يقولون: كاهن، وكذلك قولهم في القرآن؛ فقد جعلوه عِضِين؛ كلٌ قال فيه ما اقتضاه رأيُه الفاسد، وهكذا كلُّ من كذّب بالحق فإنه في أمرٍ مُختلطٍ؛ لا يُدرى له وجهةٌ ولا قرار، أما من اتبع الحق وصدَّقَ به فإنه يثبت أمرُه ويستقيم.

ثم قال الله بعد هذه الآيات السابقة: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾.

لمّا ذكر الله تعالى حال المكذبين؛ دعاهم أن ينظروا إلى آياته في مخلوقاته؛ كي يعتبروا، فقال: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ ﴾ أي: أغفلوا عن عظيمِ قدرةِ الله حين كذّبوا بالبعث؛ فالله خَلَق السماءَ فوقَهم؛ فلينظروا ﴿ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا ﴾ على هذه الصفة العجيبة؛ قبةً مستويةَ الأرجاء؛ ثابتةَ البناء؛ مرفوعةً بغير عمد، ﴿ وَزَيَّنَّاهَا ﴾ بالنجوم والكواكبِ واللونِ الحَسَن وغيرِ ذلك، ﴿ وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾ لا ترى فيها عيبًا؛ ولا صدوعًا ولا شقوقًا ولا إخلالاً، جعل الله هذه السماءَ سقفًا لأهل الأرض؛ وأودع فيها من مصالحهم ما أودع.

ثم قال سبحانه: ﴿ والأرض مَدَدْنَاهَا ﴾ أي: لينظروا كيف بسطناها وفرشناها ووسّعناها؛ حتى أمكن كلُّ من يعيشُ عليها السكونَ فيها والاستقرارَ وقضاءَ مصالحه، ثم قال: ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ وهي الجبالُ الثوابتُ التي رست فيها؛ لتستقرَّ بأهلها، ﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ من كلِّ صنفٍ نافعٍ؛ يَسُرُّ الناظرين؛ بألوانٍ مختلفةٍ؛ وأشكالٍ عجيبةٍ؛ وروائحٍ عَطِرةٍ؛ وثمارٍ ذاتِ مذاقٍ طيِّب، جعلها الله نفعًا لبني آدم؛ ولأكلهم وأكل بهائمهم.

ثم أخبر جل وعلا أن في خَلْقه للسماوات والأرضِ وما فيهما من الآيات العظيمة ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى ﴾ أي: عبرةً لمن ينظرُ فيها؛ فيتبصّرُ مِنْ عَمَى الجهل؛ ويوقنُ بأن القادر على مثل هذه الأمور قادرٌ على البعث؛ فيعملَ بما جاءت به رسلُ الله، ثم بيّن جل وعلا أن هذه الذكرى والتبصرةَ ليست لكلّ أحد؛ بل ﴿ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ خاضع لله؛ مفكِّر في عظيم قدرته؛ رجّاعٍ مُقبلٍ على الله؛ دافعُه في ذلك محبةُ الله ورجاؤه والخوفُ منه، أما المكذِّبُ والمُعرضُ فما تغني الآيات والنذر عن قومٍ لا يؤمنون.

ثم قال الله سبحانه: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ﴾ أي: نزّلنا من السحاب ماءً كثيرَ البركةِ؛ لانتفاع الناس به في غالب أمورهم، ثم خصّ سبحانه بالذكر بعض تلك المنافع فقال: ﴿ فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ ﴾ يعني: حدائقَ من بساتين؛ بها أشجارٌ كثيرة المنافعِ؛ مشتملةٌ على صنوف الفواكه، ثم قال: ﴿ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴾ وهي الحبوبُ التي تُحصد من الزرع وتُدَّخر وتكون قوتا للناس، ثم قال: ﴿ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ ﴾ أي: طِوالُ الارتفاع، ﴿ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴾ متراكبٌ بعضُه فوقَ بعض، ويُخرجُ اللهُ الثمرَ بشتى أنواعه وأحواله.

كلُّ ذلك ﴿ رِزْقًا لِلْعِبَادِ ﴾ فما يُخرج الله بالمطر؛ وما هو من آثاره؛ مما هو على وجه الأرض أو تحتَها؛ مما يؤكل أو يشرب أو يُدَّخر؛ هو رزقٌ للناس يقتاتون منه حسب حاجاتهم. وإنَّ ما في ذلك من إحياءِ الأرضِ المُجدبةِ بعد موتها دليل على قدرة الله على إحيائه الموتى؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ يعني: من القبور للبعث والحساب.

عباد الله، إنَّ ما ذكره الله من عجائب قدرته في هذه المخلوقات دليلٌ على عظيم قدرة الله؛ وأنه أحكم الحاكمين؛ وأنه بكل شيء عليم؛ وأنه هو المستحق وحده للعبادة بخضوعها وذُلِّها وحبِّها وخوفها ورجائها. وأنَّ أمر العباد بيد الله؛ وأنّ مردَّهم إليه جل وعلا.

نفعنا الله بهدي كتابه؛ وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ورزقنا الله لذة وشرف العبودية له، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد؛ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فلمَّا ذكّر الله المكذبين بهذه الآيات في السماوات والأرض؛ خوَّفهم إن استمروا على التكذيب أن يصيبَهم مثلُ ما أصاب من سبقهم من المكذبين؛ فقال:
﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾.

أخبر الله في هذه الآيات بأنه كذبت قبل هؤلاء المشركين من قوم النبي - صلى الله عليه وسلم - أممٌ سابقة؛ كذّبوا رسلَهم الكرام، فـنوحٌ - عليه السلام - كذبه قومُه، وأصحابُ الرَّسِ أي: البئر؛ كذبوا نبيَّهم وقتلوه في البئر، وثمودٌ كذبوا صالحًا - عليه السلام -، وعادٌ كذبوا هودًا - عليه السلام -، وفرعونُ ومَلَؤه كذبوا موسى - عليه السلام -، وإخوانُ لوط القومُ الذين بُعث فيهم كذبوا لوطًا - عليه السلام -، وأصحاب الأيكةِ الشجرِ الملتف؛ كذبوا شعيبًا - عليه السلام -، وقوم تُبَّعٍ الحميري باليمن أحدِ ملوكِ اليمن وقد أسلمَ ولكنَّ قومه كذّبوا رسولَهم الذي أرسله الله إليهم؛ ومكثوا على عبادة أوثانهم.

﴿ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴾ فهؤلاء كلُّهم كفروا بالله وكذَّبوا رسلَه؛ فحق عليهم العذاب، وليس المكذبون لمحمد - صلى الله عليه وسلم - خيرًا منهم؛ فإن ربَّك لبلمرصاد لأعداء دينه.

ثم دلَّل جلّ وعلا بالخلق الأول؛ أي: المنشأِ الأول؛ على الخلقِ الآخِر؛ أي: النشأةِ الآخرة والبعث بعد الموت، فكما أنه الذي أوجدهم بعد العدم؛ كذلك يعيدهم بعد موتهم؛ فقال: ﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ أي: لم نعجزْ ولم تضعُفْ قدرتُنا عن الخلق الأول في الدنيا؛ وليس هؤلاء المكذبون في شك من ذلك؛ وإنما هم في لبسٍ وشكٍ وحيرةٍ من خلق جديد وهو بعثُ الأموات؛ مع أنه لا محل للشك فيه؛ لأن الإعادةَ أهونُ من الابتداء؛ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾.


أيها الإخوة الكرام، تتمة الوقوف مع آيات هذه السورة في خطبتين قادمتين بإذن الله.. نسأل الله التوفيق والسداد.
اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة، اللهم أعنا على الموت وما بعده. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها؛ وخير أيامنا يوم نلقاك.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-10-2020, 03:50 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,575
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سورة ق

سورة ق (2)


أ. عبدالعزيز بن أحمد الغامدي




الخطبة الأولى

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأكرمنا ببعثة خير الأنام، وتفضل علينا بإنزال القرآن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين؛ وسلَّم تسليماً كثيراً.



أما بعد:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنها سبيل الفلاح والسعادة والعزِّ في الدنيا والآخرة.

إخوة الإسلام نواصل في هذا اليوم الحديث مع سورة (ق).

وقفنا في الجمعة الماضية عند قول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 16 - 18].

في هذه الآيات يخبر الله تعالى أنه المتفرد بخلق الناس، وأنه يعلم أحوالَ كلِّ واحدٍ منهم؛ وما يُسِرُّه وما يوسوس في صدره، وأنه سبحانه أقرب إلى العبد بعلمه وملائكته من حبل الوريد؛ وهو عِرق في العنق متصل بالقلب، والمعنى: أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء، وهذا مما يدعو الإنسانَ إلى مراقبة خالقه المُطَّلعِ على أقواله وأفعاله وضميره وباطنه؛ فيستحي منه أن يراه حيث نهاه؛ أو يفقدَه حيث أمره.



وقد ذكر الله سبحانه أنه مع علمه بما في قلب ابن آدم وكَّل به ملكين يكتبان ويحفظان عليه عملَه؛ إلزاما للحجة فقال: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ ﴾ وهما الملكان المترصدان للعبد أعمالَه كلَّها؛ واحدٌ ﴿ عَنِ الْيَمِينِ ﴾ يكتبُ الحسنات؛ والآخرُ ﴿ عن الشِّمَالِ ﴾ يكتب السيئات، وكلٌّ منهما ﴿ قَعِيدٌ ﴾ مترصد مع العبد الموكَّل عليه.



﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ﴾ خيرًا كان أو شرًا ﴿ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ مُعَدٌ حاضرٌ لمراقبته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾، وهذا يدل على خطورةِ وعظمةِ شأن اللسان، ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في شأن هذا اللسان: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه) صحيح الترغيب والترهيب للألباني.



وعن هذه الصحائفِ والسجلات يقول الله تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 13، 14] يقول الحسن البصري رحمه الله تعليقا على هذه الآية: عَدَلَ والله فيك من جعلك حسيبَ نفسك.



ثم قال الله تعالى بعد هذه الآيات السابقة: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ق: 19 - 22].

﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ﴾ جاءت شدةُ الموت إلى هذا الغافلِ المكذبِ بآيات الله؛ جاءت بالحق الذي لا مرد له ولا مناص، فيتضحُ له الحقُ؛ ويظهرُ له صدقُ ما جاءت به الرسلُ من الإخبار بالبعث والوعد والوعيد، ﴿ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ أي: ذلك الموتُ الذي كنت تَرُوغ عنه؛ وتفرُّ منه.



وتجيء سكرة الموت للمؤمن كما تأتي لهذا الغافل المكذب، فالكل يجمع بينهما الفِرارُ من الموت؛ وملاقاتُه لهم؛ وشدَّتُه بهم؛ وهذه الشدة هي للمؤمن إما زيادةٌ في حسناته وإما تكفيرٌ لسيئاته، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان يحتضر: كانت بين يديه عُلبةٌ فيها ماء؛ فجعل يُدخِلُ يده في الماء؛ فيمسح بها وجهه؛ ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات)، ثم نصب يده فجعل يقول: (في الرفيق الأعلى)، حتـى قُبض ومالت يدُه.



ثم قال جل وعلا: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ﴾ وذلك بنفخ إسرافيل - عليه السلام - في القرنِ النفخةَ الثانيةَ؛ نفخةَ البعث ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴾ في اليوم الذي يلحقُ الظالمين ما توعّدهم الله به من العذاب، ويلحقُ المؤمنين ما وعدهم الله به من الثواب.

روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يُحشر الناسُ يوم القيامة حفاةً عراةً غرلا، قلت: يا رسول الله النساء والرجال جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا عائشة الأمرُ أشدُّ من أن ينظرَ بعضُهم إلى بعض.



ثم قال جل وعلا: ﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ أي: مَلَكٌ يسوقها إلى أمر الله؛ فلا يمكنُها أن تتأخرَ عن موقف المحشر، ومَلَكٌ آخرُ يشهدُ لها أو عليها بما عملت في الدنيا من خير أو شر، وهذا يدل على اعتناء الله بالعباد؛ وحفظه لأعمالهم؛ ومجازاته لهم بالعدل، وهذا الأمر مما يجب تذكُّرُه وعدمُ نسيانه، ولكنَّ أكثر الناس غافلون؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ﴾ يقال هذا الكلام يوم القيامة للمعرضِ المكذبِ، توبيخًا ولومًا وتعنيفًا، ﴿ فكشفنا عَنْكَ غِطَاءَكَ ﴾ فيُرفع عنه الحجابُ الذي كان بينه وبين أمور الآخرة، فيُكشَفُ الحجابُ الذي غطى قلبَه؛ فكثرَ تفريطُه؛ واستمر إعراضُه، ﴿ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ قوي نافذ؛ يبُصر به ما يزعجُه ويَروعُه؛ من أنواع العذاب والنكال؛ ثم بعد ذلك يُحشر أعمى؛ كما وعد الله.

وفي هذا تذكير وتخويف من الله للعباد، بأن من لم تَزَلْ غفلتُه في الدنيا؛ فإن زوالها يوم القيامة لا ينفع؛ إذ لا يمكنُه أن يتدارك أمرَه؛ ولا أن يستدرك ما فاتَه.

اللهم إنا نعوذ بك من الغفلة، اللهم أعنا على سكرات الموت، اللهم ارزقنا الأمن يوم الفزع، اللهم اغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه؛ وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان، وبعد:

ثم يقول الله تعالى: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [ق: 23 - 29].

يقول تعالى: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾ أي: قرينُه من الملائكة الذين وكّلهم الله على حفظِهِ وحفظِ أعماله؛ فيُحضِرُه يومَ القيامة ويُحضرُ ديوانَ أعمالَه؛ ويقول المَلَكُ: ﴿ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ من ديوان عمله؛ حَفِظْتُه وأحضرْتُه.

ويكونُ بعدَ ذلك مخاطبةُ الله للملكين القرينين؛ السائقِ والشهيدِ؛ بعد أن جاءا بالعبدِ وديوانِه؛ وبعد أن يفصلَ الله بين الخلائق؛ فيأمرُهما الله تعالى بإلقاء العبد الفاجر في نار جهنم وبئس المصير: ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ كثيرِ الجحود؛ معاندٍ لآيات الله؛ كثيرِ المعاصي؛ مجترئٍ على المحرمات والمآثم.



﴿ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ يمنعُ كلَّ حقٍ وَجَبَ في ماله لله أو لآدمي؛ فهو مَنّاعٌ لأداء ما عليه من حقوق، ويدخل في ذلك أيضًا كلُّ محاربٍ منّاعٍ لدعوة التوحيد، ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ ظالمٍ عبادَ الله؛ متعدٍ حدودَ الله ﴿ مُرِيبٍ ﴾ شاكٍ في وعد الله ووعيده، فلا إيمان ولا إحسان؛ وإنما وصْفُه الكفرُ والعدوان؛ والشكُّ والشح؛ واتخاذُ الآلهة من دون الرحمن، ولهذا قال سبحانه: ﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ يعني: فعبدَه؛ ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فيأمرُ اللهُ الملكين القرينين ﴿ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴾.



ثم قال جل وعلا: ﴿ قَالَ قَرِينُهُ ﴾ أي: قرينُه من الجن؛ وهو الشيطانُ الذي كان يدعوه إلى الغواية في الدنيا؛ يقول متبرئًا منه؛ حاملاً عليه إثمَه: ﴿ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ ﴾ يُنكر أن يكونَ أغواه؛ بحُجّةِ أنه لم يكن له عليه سلطان؛ ولا حجةٌ ولا برهان؛ ويجعل سببَ غوايتِه أنَّه ﴿ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾ طريقٍ بعيدٍ عن سبيل الهدى، فالقرينُ الشيطان يقول إن هذا العبدَ كان في ضلال وبُعدٍ عن الحقِّ باختياره؛ فدُعي للغواية فأجاب، ولو كان من عباد الله المخلَصين لم يُقدَر عليه، كما قال تعالى ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾، وإنما أخبرَ الله عن قولِ قرين الكافر له يوم القيامة إعلاما للعباد أنهم يوم القيامة يتبرأ بعضُهم من بعض.



ثم قال تعالى مجيبًا لاختصام الغاوين وقرنائهم من الجن؛ ناهيا لهم عن الاختصام في موقف الحساب: ﴿ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ أي: لا تختصموا لديَّ اليوم في موقف الجزاء والحساب؛ إذ لا فائدة من ذلك، ﴿ و ﴾ الحال أني قد ﴿ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ﴾ لمن كفر بي وعصاني؛ فقد جاءتكم رسلي بالآيات البينات؛ والحجج الواضحات؛ والبراهين الساطعات، فقامت عليكم حجتي؛ وانقطعت حجتُكم، وقدِمتم عليَّ بما أسلفتم من الأعمال التي تُجازَون عليها.



﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾ ما يُغيَّر؛ فلقد قضى الله بالعذاب لهم، وقضى ﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: 119]، وقضى سبحانه ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا ﴾ [الأنعام: 160]، ولا يمكنُ أن يُخلِفَ الله ما قاله وأخبر به؛ لأنه لا أصدقَ من الله قيلاً؛ ولا أصدقَ منه حديثًا.

﴿ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ أي: لا أعذبهم ظلما بغير ذنبٍ أذنبوه، بل أجزِيْهم بما عملوا من خير وشر، فلا يُزادُ في سيئاتهم؛ ولا يُنقَصُ من حسناتهم، ولا يُعذِّبُ الله أحدًا بذنب أحد؛ ولا يعذب أحدًا إلا بذنبه بعد إقامة الحجة عليه.




نختم الحديث عن هذه السورة في جمعة تالية بإذن الله.

اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم. اللهم أيقضنا لتدارك ما بقي أعمارنا. اللهم أعنّا على الموت وما بعده. اللهم ثبتنا عند السؤال، اللهم اجعل قبورنا من رياض الجنة. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول وعمل.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 22-10-2020, 04:02 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,575
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سورة ق

سورة ق (3)


أ. عبدالعزيز بن أحمد الغامدي





الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، بعثه الله بالحق بشيرًا ونذيرًا، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها؛ لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تمسك بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

وبعد:
عباد الله، كلنا راحلون من هذه الدنيا، فلنتزود لهذا الرحيل، ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197].
إخوة الإيمان نختم اليوم الحديث عن سورة (ق):
وكنا وقفنا في الجمعة الماضية عند قول الله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾.
هذه الآيات - يا عباد الله - في مطلعها تخويفٌ من الله لعباده، وذكرى يذكِّر بها النبيُ صلى الله عليه وسلم قومَه وأمتَه: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ ﴾ وذلك من كثرة ما أُلقي فيها؛ فتنطق ﴿ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ فلا تزالُ تطلب الزيادة من الجنِّ والإنس، غضبًا لربها؛ وغيظًا على الكافرين والمنافقين والعصاة المجرمين، وقد وعد الله أن يملأها، قال تعالى: ﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي صبلى الله عليه وسلم: (تحاجّت الجنةُ والنار؛ فقالت النار: أُوثِرتُ بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلنُي إلا ضعفاءُ الناس وسقَطُهم، قال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذبُ بك من أشاء من عبادي، ولكلِّ واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضعَ الله - تبارك وتعالى - رجلَه؛ تقول: قطْ قطْ قطْ، فهنالك تمتلئُ، ويُـزْوَى بعضُها إلى بعض، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئُ لها خلقا آخر (يعني لتمتلئ).

﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ قُربت الجنة للمتقين بحيثُ يشاهدونها في الموقف؛ زيادةً لهم في المسرّةِ؛ فينظرون ما فيها من النعيم المقيم؛ والحَبرةِ والسرور؛ مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإنما أُزلفت وقُرِّبت لأجل المتقين لربهم؛ التاركين للشرك صغيرِه وكبيره؛ الممتثلين لأوامر ربهم المنقادين له، ويقال لهم على وجه التهنئة: ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴾ أي: هذه الجنة وما فيها مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين؛ هي التي وعدَ الله كلَّ (أوَّابٍ) رجَّاع إلى الله؛ مستغفرٍ تائبٍ مما زلّ فيه من المعاصي؛ منيبٍ إلى الله متعلقٍ بهِ في جميع الأوقات، (حفيظٍ) حافظٍ لحدود الله؛ ومحافظٍ على فرائضه وطاعته.

ويصف اللهُ الأوّابَ الحفيظ بأنه ﴿ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ فهو ملازمٌ لخشيةِ الله في الغيب والشهادة، راجيًا رحمة الله وجنته؛ والنجاة من عذابه وناره.
﴿ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ مخلصٍ منيبٍ إلى مولاه؛ راجعٍ منجذبٍ إلى مراضيه، خافَ الله في الدنيا فلقيَه يوم القيامة من المنيبين التائبين، ويقال لهؤلاء الأتقياء الأبرار: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ﴾ أي: دخولاً مقرونًا بالسلامة من العذاب والآفات والشرور؛ مأمونًا فيه من جميع المكاره، وبسلامة من زوال النعم؛ فلا انقطاع لنعيمهم؛ ولا كدر ولا تنغيص، وبسلامٍ من الله وملائكته عليهم، ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ﴾ الذي لا يزولون عنه؛ ولا يزول عنهم.

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ أي: لهم في الجنة كلُّ ما يريدون من فنون النعم وأنواع الخير؛ ولهم فوق ذلك ﴿ مَزِيدٌ ﴾ ثوابٌ يُمدُّهم به الرحيم الكريم؛ من النِعَم التي لم تخطر لهم على بال؛ ولا مرَّت لهم في خيال، وأعظم ذلك وأجله وأفضله: رضوان الله الدائم مع النظرِ إلى وجه الله الكريم؛ والتمتعُ بسماع كلامه؛ والتنعّمُ بقربه، قال النبي صبلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقول الله عز وجل: تريدون شيئا أزيدُكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلْنا الجنةَ وتنجِّنا من النار، قال: فيكشف الحجابَ؛ فما أُعطوا شيئا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]) رواه مسلم.

ثم بعد هذه الآيات السابقة يقول الله تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾.
﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ﴾ يخبر الله تعالى أنه أهلك أمما كثيرةً ممن كذَّبوا رسلَه، ﴿ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا ﴾ أي: قوةً وسطوةً وآثارًا في الأرض ممن كذبوا محمدًا صبلى الله عليه وسلم، ﴿ فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ ﴾ سارَوا وتقلبوا فيها وطافَوا بقاعَها، وبنَوا الحصونَ المنيعةَ والمنازلَ الرفيعة؛ وغرسَوا الأشجار؛ وأجرَوا الأنهار؛ وزرعوا؛ وعمروا لأنفسهم؛ ودمَّروا على غيرهم، فلما كذَّبوا رسلَ الله؛ وجحدوا آياتِ الله؛ أخذهم الله بالعقاب الأليم؛ والعذاب الشديد؛ فـ ﴿ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ﴾ هل لهم من مهربٍ يَهرُبون إليه؛ يتخلصون به من العذاب؛ ليس لهم مفرٌّ ولا مُنقِذٌ من عذاب الله حين نزل بهم؛ فلم تغن عنهم قوتُهم ولا أموالُهم ولا أولادُهم.

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى ﴾ ما ذُكر في هذه السورة، وما ذَكره الله من إهلاك القرون الماضية وقَصصهم لعبرة وموعظة، ﴿ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ عظيمٌ حيٌ ذكيٌ زكيٌ؛ يَعقل به، فصاحب هذا القلب إذا ورد عليه شيءٌ من آيات الله تذكر بها وانتفع وارتفع، وكذلك ينتفع بالذكرى من ﴿ أَلْقَى السَّمْعَ ﴾ فأصغى سمعَه إلى آيات الله ووحيه؛ استماعًا يسترشدُ به، وقلبه ﴿ شَهِيدٌ ﴾ حاضرُ القلب والفهم؛ غيرُ غافل.
فالقرآن - يا عباد الله - هو للمؤمنين ذكرى وموعظةٌ؛ وهدىً وشفاء، أما المعرضُ الذي لم يُلْقِ سمعَه إلى الآيات والوحي فهذا لا تفيده شيئًا؛ لأنه لا قَبول عنده؛ ولا تقتضي حكمةُ الله هدايةَ من هذه صفتُه.
اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن الكريم، وبهدي سيد المرسلين.
أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.

الخطبة الثانية
الحمد لله ولي المتقين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين؛ وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:
فبعد هذه الآيات السابقة يقول الله سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾.
في هذه الآيات إخبارٌ من الله تعالى عن قدرته العظيمة؛ ومشيئته النافذة؛ التي أوجد بها المخلوقاتِ العظيم، فخلَقَ ﴿ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ أولُها يومُ الأحدِ وآخرُها يومُ الجمعة؛ قالت اليهود: واستراح يومَ السبت فكذّبهم الله؛ فقال: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾ أي: من غير تعب ولا نصب.
فالذي أوجد السماوات والأرض - على كِبَرِها وعَظمتها - قادرٌ على إحياء الموتى من باب أولى وأحرى.

ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر ﴿ عَلَى مَا يَقُولُونَ ﴾ من ذمٍ وتكذيبٍ؛ فإنه لهم بالمرصاد، وأَمَره أن يشتغل عنهم وعن مقالاتِهم الفاسدةِ بطاعته؛ فقال: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ أي: بالصلوات المفروضة والنوافل والتسبيح وغيرهما؛ فتنـزيه الله بالذكر تسبيح؛ والقيام بالصلاة يُسمى تسبيحا لما فيها من تسبيح، ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾ هذا التسبيح بحمد الله يكون في أول النهار وآخرِه؛ وفي أوقات الليل؛ وأدبار الصلوات، فذِكْرُ الله تعالى مع كونه عبادةً لله؛ فهو مسلٍّ للنفس مؤنسٍ لها؛ مهونٍ للمصائب؛ مقويٍ للصبر.

ثم بعد هذه الآيات التي فيها الأمر بالصبر والتسبيح قال الله جل وعلا: ﴿ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾.
قوله سبحانه: ﴿ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِ ﴾ ذلك حين ينفخُ في الصورِ إسرافيلُ عليه السلام النفخةَ الثانية؛ صيحةَ البعثِ للقيامة، بعدها ينادي المنادي إسرافيلُ أو غيرُه: هَلُموا للحساب؛ ينادي ﴿ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ من الخلق؛ فيصِلُ النداءُ إلى كلِّ فردٍ بقدرة الله تعالى.
﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ ﴾ كلُّ الخلائق يسمعون تلك الصيحةَ العظيمةَ المهولة؛ يسمعونها ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ الذي لا شك فيه ولا امتراء.
﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ﴾ من القبور؛ للاجتماع للحساب؛ بأمر وقدرة رب العالمين وحده؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ﴾ أي: نحيي الموتى ونميت الأحياء، وإلينا مصيرُ جميعِهم يوم القيامة للحساب والجزاء؛ فنجازي كلَّ عاملٍ بعمله، ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ ﴾ فتتصدعُ عن الموتى المقبورين بها؛ فيَخرجون ويُساقُون إلى المحشر، ﴿ سِرَاعًا ﴾ يُسرعون لإجابة المنادي لهم؛ إلى موقف القيامة، ﴿ ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ أي: بعثٌ وجمعٌ هيِّنٌ يسيرٌ سهلٌ على الله.
ثم ختم الله هذه السورة بقوله: ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ أي: نحن يا محمد أعلم بما يقول هؤلاء المشركون؛ من فريتهم على الله؛ وتكذيبهم بآياتِه ورسولِه؛ وإنكارِهم قدرة الله على البعث بعد الموت؛ وكلِّ أقوالِهم المُحزنةِ للنبي صبلى الله عليه وسلم، وإذا كان الله أعلمُ بذلك فهو المعتني بنبيه وأوليائه؛ والناصرُ لهم على أعدائهم، وهذا فيه تطمين من الله لنفس النبي صبلى الله عليه وسلم؛ فلم يبق له إلا انتظارُ وعدِ الله؛ والتأسي بأولي العزم من رسل الله، ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ أي: لست مسلَّطًا عليهم فتقهرَهم وتُجبرَهم على الإيمان، ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ ولهذا ختم الله سبحانه هذه الآيةَ والسورةَ: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ وهذا أمرٌ لنبيه وأتباعِ نبيِّه بالتذكيرِ بهذا القرآن، والحرصِ في ذلك التذكير على من ينتفعُ به؛ ممن يخاف الوعيدَ الذي توعّده الله من عصاه وخالف أمره، أما من عداهم فلا يُشتغل بهم عن غيرهم؛ وإنما يُذكَّروا إقامةً للحجة عليه؛ لئلا يقولوا: ﴿ مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ﴾ [المائدة: 19].

ثم بعد أن قويت دولة الإسلام في المدينة أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم مع الدعوة والصبر بالجهاد والقتال في سبيله؛ ضدّ المعاندين المعارضين لدعوة التوحيد.
اللهم اجعلنا من أهل خشيتك الذين إذا ذُكِّروا تذكروا. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك؛ في غير ضراء مضرة؛ ولا فتنة مظلة. اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 111.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 108.89 كيلو بايت... تم توفير 3.05 كيلو بايت...بمعدل (2.73%)]