علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         ثلاثة أشقاء من عائلة أبو حميد وأسيران آخران يدخلون أعوامهم العشرين (اخر مشاركة : البيرق الاخضر - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          استعمال الأقراص التي توضع تحت اللسان أثناء الصيام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 106 )           »          شيخ الأنبياء | الشيخ محمد بسيوني (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 9 - عددالزوار : 13 )           »          مبيعات تكييف فريش 2021 (اخر مشاركة : شيماء حاتم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          ما هي مميزات الدراسة في أوكرانيا؟ (اخر مشاركة : حنان محمود - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          ما هي مميزات الدراسة في أوكرانيا؟ (اخر مشاركة : حنان محمود - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          في شهر البركات كن من المسابقين إلى الخيرات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 77 )           »          رمضانيات يوميا فى رمضان إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 68 - عددالزوار : 8845 )           »          فوائد الصيام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          الله يراك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17-02-2021, 02:38 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,823
الدولة : Egypt
افتراضي علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء

علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء
(1) حـــــــقــــيـ ـقـــــــة الابتــــــلاءا ت والمــــــــحــ ــــن والموقــف مــنــــــــهــ ــــــــــــــا



عيسى مال الله فرج


سدا لباب الفتن، وإيصادًا لطريق الخروج على الولاة، الذي هو أصل فساد الدنيا والدين، فلقد أمرنا الله بطاعة ولاة الأمور بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(النس اء:59)، فالسلطان هو زمام الأمور، ومع الأسف فبعد أن كثرت المحن وتعددت الفتن، وسقط بعض من كان يظن به أنه من أهل العلم والدعوة إلى الله -تعالى-، وظن بعض الناس بأهل العلم والدعاة الظن السيء، أصبح لازمًا إبراز النماذج التي يجب الاحتذاء بها، وأنهم القدوات الذين عانوا كثيرا من الابتلاءات إلا أنهم ثبتوا، ولم يشقوا عصا الطاعة، ولم يثيروا الناس أو يحملوهم على الخروج على الأمراء.

إن الله -عز وجل- يبتلي عباده بالسراء والضراء، وبالشدة والرخاء، وقد يبتليهم بها لرفع درجاتهم وإعلاء ذكرهم، ومضاعفة حسناتهم، كما يفعل بالأنبياء والرسل والصالحين من عباد الله، فعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟، فقال: «الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة، زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة، خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد، حتى يمشي على ظهر الأرض وما، عليه خطيئة». وتارة يفعل ذلك -سبحانه- بسبب المعاصي والذنوب، فتكون العقوبة معجلة كما قال -سبحانه-: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}، فإذا ابتلي أحد من عباد الله الصالحين بشيء من الأمراض أو نحوها فإن هذا يكون من جنس ابتلاء الأنبياء والرسل رفعا في الدرجات وتعظيما للأجور، وليكون قدوة لغيره في الصبر والاحتساب، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أصاب المسلم من هم ولا غم، ولا نصب ولا وصب، ولا حزن ولا أذى، إلا كفر الله به من خطاياه، حتى الشوكة يشاكها»، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «من يرد الله به خيرا يصب منه»، كما في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر، أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة».

تعريف البلاء

- البلاء لغة: بلاء: (اسم) من مصدر بلا، لم يعرف إلا البلاء والمحن: المصاعب والمصائب، والبلاء: الغم والحزن، والبلاء: الجهد الشديد في الأمر .

- البلاء اصطلاحا: هو الاختبار والامتحان، والبلاء يكون في الخير والشر، كما قال الله -تعالى-: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}، قال أبو الهيثم: «البلاء يكون حسنا ويكون سيئا، وأصله المحنة»، والله لن يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره.

الصبر عند الابتلاء في القرآن الكريم

قال -تعالى-: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (آل عمران:186). لتُختبرن - أيها المؤمنون- في أموالكم بإخراج النفقات الواجبة والمستحبة، وبالجوائح التي تصيبها، وفي أنفسكم بما يجب عليكم من الطاعات، وما يحل بكم من جراح أو قتل وفقد للأحباب.

الصبر عند الابتلاء في السنة النبوية

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من يرد الله به خيرا يصب منه»، وعن فاطمة بنت اليمان -رضي الله عنها- قالت: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعوده في نساء، فإذا سقاء معلق نحوه يقطر ماؤه عليه، مما يجده من حر الحمى، فقلنا يا رسول الله، لو دعوت الله فشفاك! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم».

صبر السلف عند الابتلاء

عن مسروق، قال: إن أهل البلاء في الدنيا إذا لبثوا على بلائهم في الآخرة، إن أحدهم ليتمنى أن جلده كان قرض بمقاريض، وعن مالك بن أنس قال: قال عمر بن عبدالعزيز: ما أغبط أحدا لم يصبه في هذا الأمر بلاء.

التفريق بين العلماء وبين أدعياء العلم

العلماء: هم العارفون بشرع الله، المتفقهون في دينه، العاملون بعلمهم على هدى وبصيرة، الذين وهبهم الله الحكمة {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}، والعلماء هم الذين جعل الله –عز وجل- عماد الناس عليهم في الفقه والعلم، وأمور الدين والدنيا، والعلماء هم فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال من الحرام، والعلماء هم أئمة الدين، نالوا هذه المنزلة العظيمة بالاجتهاد والصبر، وكمال اليقين: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.

يعرفون بعلمهم

إن العلماء يعرفون بعلمهم؛ فالعلم هو الميزة التي تميزهم عن غيرهم؛ فهم إن جهل الناس نطقوا بالعلم الموروث عن إمام المرسلين، يقول الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله-: «إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه، ولا قدحت فيه شكا؛ لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة».

يعرفون بجهادهم ودعوتهم

إن العلماء يعرفون أيضا بجهادهم، ودعوتهم إلى الله -عز وجل- وبذلهم الأوقات، والجهاد في سبيل الله، ويعرفون بنسكهم وخشيتهم لله -عز وجل-؛ لأنهم أعرف الناس بالله، يقول الله -عز وجل-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}، ويعرفون باستعلائهم على الدنيا وحظوظها، قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ومن له في الأمة لسان صدق عام، بحيث يثني عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، فهؤلاء أئمة الهدى ومصابيح الدجی، ومما يعرف به العالم شهادة مشايخه له بالعلم، فقد دأب علماء المسلمين من سلف هذه الأمة ومن تبعهم بإحسان على توريث علومهم لتلامذتهم، الذين يتبوؤون من بعدهم منازلهم وتصبح لهم الريادة، والإمامة في الأمة، ولا يتصدر هؤلاء التلاميذ حتى يروا إقرار مشايخهم لهم بالعلم، وإذنهم لهم بالتصدر، والإفتاء، والتدريس، قال الإمام مالك -رحمه الله-: «لا ينبغي لرجل يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه، وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحیى بن سعید فأمراني بذلك، ولو نهياني لانتهيت».

التفريق بين العلماء والقراء

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: قدم على عمر - رضي الله عنه - رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقلت: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة، قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه، فانطلقت إلى منزلي مكتئبا حزينا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا بمنزلة، ولا أراني إلا قد سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك قيل لي: أجب أمير المؤمنین فخرجت، فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت فإني أستغفر الله، وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت، قال: لتخبرني، قلت: متی ما يسارعوا هذه المسارعة يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، قال: لله أبوك، لقد كنت أكتمها الناس حتى جئت بها.


فابن عباس -رضي الله عنهما- خاف على الناس المسارعة في القراءة دون فقه وفهم، والمسارعة إلى ذلك قد تؤدي إلى انحراف عن الحق، ولقد كان الخوارج يقرؤون القرآن ولكنهم لم يكونوا أهل فهم وعلم، يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم: «يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم».
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23-02-2021, 12:48 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,823
الدولة : Egypt
افتراضي رد: علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء

علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء

(2) النوازل المستجدة لــيـــس لهــا إلا العلماء الــربــانيــون

عيسى مال الله فرج




سدًا لباب الفتن، وإيصادًا لطريق الخروج على الولاة، الذي هو أصل فساد الدنيا والدين، فلقد أمرنا الله بطاعة ولاة الأمور بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء:59)، فالسلطان هو زمام الأمور، وبعد أن كثرت المحن وتعددت الفتن، وسقط فيها من سقط، وظن بعض الناس بأهل العلم والدعاة الظن السيء، أصبح لازمًا علينا إبراز النماذج التي يجب الاقتداء بها، وهم الذين عانوا كثيرًا من الابتلاءات إلا أنهم ثبتوا، ولم يشقوا عصا الطاعة، ولم يثيروا الناس أو يحملوهم على الخروج على الأمراء.

التفريق بين العلماء والمفكرين والمثقفين

نتيجة لالتقاء الثقافتين الإسلامية، والغربية، والصراع بينهما، ومع اتساع جبهات الالتقاء، والصراع الفكري، نشأ في المجتمعات المسلمة طائفة من الأخيار الذين يفهمون الإسلام فهمًا عامًا، مثل قضية المادية، وفصل الدين عن الحياة، والملكية الفردية، والنظام الاقتصادي عموما، والنظام الاجتماعي، ومع اطلاع على المذاهب المعاصرة ودراسة لمنهج تفسير التاريخ، وهم إلى ذلك يحملون هم نشر هذا الدين، ويملكون وعيًا بالقضايا المستجدة، واطلاعًا على الحضارة الغربية، وأوجه نقدها.

ليسوا علماء شريعة

ومن أبرز هؤلاء على سبيل المثال مالك بن نبي -رحمه الله-، فهؤلاء ليسوا من علماء الشريعة، وإنما هم (مفكرون) على فرض صحة هذا التعبير، وحكماء يستنار برأيهم، ويستفاد من علمهم في الجوانب التي أجادوا فيها، كما وجدت -أيضًا- طائفة من المثقفين، وهم فئة من الأخيار الصالحين ذوي تخصصات علمية، برزوا فيها، سواء في العلوم التجريبية مثل: الطب والهندسية والكيمياء، أو في العلوم المسماة (بالعلوم الإنسانية) مثل: علم النفس وعلم التربية وعلم الاجتماع - وإن كلام هؤلاء المفكرين والمثقفين يجب أن يكون محكوما بالشرع، وأما إذا بني هؤلاء المثقفون و(المفكرون) كلامهم في أمور الشريعة، وأحوال الأمة العامة على أساس من العقول والأهواء، وإطلاق القول بالمصالح دون نظر في الآثار فإنهم أشبه ما يكونون بأهل الكلام.

أهل الكلام

وقال ابن عبدالبر -رحمه الله-: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والفقه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والتميز والفهم.

فتنة كثير من المتأخرين

وقال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض، وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزید بن ثابت -رضي الله عنهم-، كيف كانوا؟ كلامهم أقل من كلام ابن عباس، وهم أعلم منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، وكذلك تابعوا التابعين، كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم، فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.

التفريق بين العلماء والخطباء والوعاظ

لقد ظهر منذ الصدر الأول لتاريخ الإسلام طائفة تسمى الوعاظ أو القصاص، وكانوا في البداية من العلماء والفقهاء، ثم تطور الأمر حتى صار يعظ الناس من ليس بعالم ولا فقيه، قال ابن الجوزي -رحمه الله- كان الوعاظ من قديم الزمان من العلماء والفقهاء، وقد حضر عبدالله بن عمر مجلس عبيد بن عمير، وكان عمر بن عبدالعزيز يحضر مجلس القاص مع العامة بعد الصلاة، ويرفع يديه إذا رفع، حتى إذا ختنت هذه الصناعة تعرض لها الجهال فأعرض عن الحضور المتميزون من الناس، وتعلق بهم العوام والنساء.

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إنكم في زمان كثیر علماؤه قليل خطباؤه، وإن بعدكم زمان كثير خطباؤه والعلماء فيه قليل.

صفات العلماء الذين يرجع إليهم في النوازل الفقهية

لا يخفى على مسلم مكانة أهل العلم وأئمة الدين ورفعة شأنهم وعلو منزلتهم وسمو قدرهم، فهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدی بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، فهم مصابيح الدجى ومنارات خير وأئمة هدى، بلغ به علمهم منازل الأخيار ودرجات المتقين الأبرار.

كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن العلماء هم ورثة الأنبياء، لم يرثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، فالعلماء ورثوا ماجاء به الأنبياء من العلم، فهم خلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته، والنهي عن المعاصي والذود عن دين الله، وهم في مقام الرسل بين الله وبين خلقه بالنصح والبيان والدلالة والإرشاد وإقامة الحجة وإزالة المعذرة وإبانة السبيل.

قال محمد بن المنكدر -رحمه الله-: «إن العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل عليهم»، وقال سفيان بن عيينة - رضي الله عنه -: «أعظم الناس منزلة من كان بين الله وبين خلقه، الأنبياء والعلماء».

أهل الاختصاص

ومن المعلوم لدى كل الناس أن التعويل في كل فن لا يكون إلا على أهل الاختصاص فيه، فلا يرجع في الطب إلى المهندسين ولا في الهندسة إلى الأطباء، ولا يرجع في كل فن إلا إلى أهل الاختصاص فيه، فكيف الشأن بعلم الشريعة ومعرفة الأحكام والفقه في النوازل، كيف يرجع فيها إلى من ليس معروفا بالتضلع في هذا العلم والرسوخ فيه، ولا يرجع إلى العلماء الجهابذة والأئمة الراسخين أهل الفقه والدراية والفهم والاستنباط؟

يقول الله -تعالى-: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء:83)، والمراد بأولي الأمر في الآية: العلماء الراسخون الذين يحسنون استنباط الأحكام الشرعية من أدلة الكتاب والسنة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي ببيان جميع المسائل الحادثة والأحكام النازلة، ولا يحسن استنباط ذلك واستخراجه من النصوص إلا العلماء الراسخون.

البت في النوازل والحوادث المستجدة

وبما تقدم يعلم أن أمر البت في النوازل والحوادث المستجدة، وإيضاح حكم الشرع فيها، ليس لأحد أن يخوض فيه إلا العلماء أهل البصيرة في الدين، قال شیخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالما مجتهدا، عالما مجتهدا، ولو كان الكلام في العلم والدين بالولايات والمنصب، لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين، وبأن يستفتيه الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين، فإذا كان الخليفة والسلطان لايدعي ذلك لنفسه، ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول، إلا بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فمن هو دون السلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدى طوره».

ضوابط الاجتهاد في النوازل

ومن الضوابط التي لابد منها عند الاجتهاد في النوازل المعاصرة ما يلي:

(1) الفقه بواقع النازلة

والمراد بذلك أن يكون العالم على معرفة دقيقة بالواقعة أو القضية التي يريد أن يستنبط حكمها؛ وذلك لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد أكد أهمية هذا الأمر في الاجتهاد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في كتابه إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - حين قال: «ثم الفهم الفهم فيما ينخلج في صدرك».

قال ابن القيم -رحمه الله-: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما».

كما أكد أهمية هذا الشرط في هذا العصر مجمع الفقه الإسلامي، وعطفا على ذلك يمكن القول بأنه ينبغي للمجتهد أن يبذل وسعه، ويستفرغ طاقته في معرفة حقيقة النازلة وواقعها بكل وسيلة ممكنة، فإن كانت مما يمكن أن يدركها المجتهد بنفسه فهو الأولى والأحرى، وإن كانت مما يتعذر معرفته على غير أهل الاختصاص، كالمسائل الطبية الدقيقة، والمعاملات المالية المعقدة، وما أشبههما من مسائل العلوم الأخرى، فيجب عليه استشارة أهل الاختصاص في كل حادثة، مراعيا في ذلك التثبت والتحري في السؤال.

(2) مراعاة الظروف الزمانية والمكانية

مراعاة الظروف الزمانية والمكانية والعوائد والأعراف والأحوال: وهو أمر بالغ الأهمية ولا سيما عند النظر في أحكام النوازل، لكونها في الغالب تنشأ تلبية لحاجات معينة للأفراد أو للمجتمعات، ويساهم في ظهورها غالبا الظروف الزمانية أو المكانية المحيطة، ولذا ينبغي للمجتهد فيها أن يكون مدركا لهذه العوامل بعد أن يتيقن أن النازلة من جنس الأحكام الاجتهادية التي يمكن أن تتغير الفتوى فيها بسبب الزمان أو المكان، ومن القواعد الفقهية المشهورة قاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان».

مراعاة أحوال المكلفين

وينبغي عليه كذلك مراعاة أحوال المكلفين، فإن هذا من المعاني المعتبرة شرعا؛ وذلك لأن المقصود من التكليف هو الامتثال، ولو لم يكن حال المكلف مؤثرة في الحكم لأدى ذلك إلى التكليف بما لا يطاق، وهو غير جائز ولا واقع، والرخص الشرعية في أبواب الشريعة المختلفة خير شاهد على اعتبار الشارع الأحوال المكلفين من حيث القدرة، والحاجة، والضرورة، ونحو ذلك.

الفتوى للأفراد وللجماعات

ومراعاة هذه العوامل تشمل الفتوى للأفراد، كما تشمل الفتوى للجماعات أيضا، فرب حكم يفتی به لزيد لا يفتی به العمرو، لاختلاف حالهما، ورب فتوی لبلد معين لا تناسب البلد الآخر، ورب حكم يناسب مجتمعات إسلامية خالصة ولا تناسب الأقليات التي تعيش في بلد غير إسلامي، فلابد للمجتهد أن يكون مستحضرا لهذه المعاني عند استنباطه للأحكام، فإنها كفيلة بمقاربة الصواب، والبعد عن الخطأ، وقد أكد مجمع الفقه الإسلامي على هذا الشرط بشأن سبل الاستفادة من النوازل بمراعاة فقه الواقع والأعراف ومتغيرات البيئات والظروف الزمانية التي لا تصادم أصلا شرعي.


(3) المعرفة بالوسائل والتقنيات الحديثة

المعرفة بالوسائل والتقنيات الحديثة التي تعين على استكمال البحث والنظر: فإن من أهم سمات عصرنا الحاضر ظهور الأجهزة الحديثة والوسائط الإلكترونية التي تيسر دروب البحث والنظر، كأجهزة الحاسب الآلي وبرامجها المتقدمة، كبرنامج حساب المواريث، ونحوه، والأقراص الحاسوبية التي تحوي آلاف الكتب والمصادر، وشبكة الإنترنت وما تتضمنه من الوسائل المعينة على البحث، كقواعد المعلومات، ومحركات البحث التي يمكنها استقراء وجمع أغلب المعلومات المتعلقة بالمسألة المطلوبة، إضافة إلى الأجهزة الأخرى التي لا غنى عنها في العصر الحاضر، كالآلات الحاسبة، ووسائل الاتصال الحديثة، ونحوها، وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن الاستفادة من النوازل على أنه ينبغي للمتصدرين للفتيا مواكبة أحوال التطور الحضاري الذي يجمع بين المصلحة المعتبرة والالتزام بالأحكام الشرعية.

رافد للمصادر الأصلية

ولذا ينبغي للمجتهد أن يستعين بهذه الوسائل بوصفها رافدا للمصادر الأصلية التي يعتمد عليها في الاجتهاد، وتكون بمثابة الدليل أو المفتاح الذي يصل من خلاله إلى المعلومة التي يريدها من المصدر الأصلي، وقد لا تبرأ ذمته إذا اكتفي بها واستغني عن المصادر الأصلية؛ لأن الاجتهاد يقتضي بذل الوسع واستفراغ الطاقة في طلب الحكم حتى يحس الفقيه بالعجز عن المزيد فيه، والمعتمد على هذه الوسائل وحدها لا يعد باذلا لوسعه على الوجه الصحيح، ولا يمكن أن تطمئن النفس إلى الحكم الذي استنبطه بهذه الوسيلة.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20-03-2021, 01:16 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,823
الدولة : Egypt
افتراضي رد: علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء

علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء
(3) جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع
- الإمام سعيد بن المسيب -رحمه الله

عيسى مال الله فرج




سدًا لباب الفتن، وإيصادًا لطريق الخروج على الولاة، الذي هو أصل فساد الدنيا والدين، فلقد أمرنا الله بطاعة ولاة الأمور بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء:59)، فالسلطان هو زمام الأمور، وبعد أن كثرت المحن وتعددت الفتن، وسقط فيها من سقط، وظن بعض الناس بأهل العلم والدعاة الظن السيئ، أصبح لازمًا علينا إبراز النماذج التي يجب الاحتذاء بها، وهم القدوات الذين عانوا كثيرًا من الابتلاءات إلا أنهم ثبتوا، ولم يشقوا عصا الطاعة، ولم يثيروا الناس أو يحملوهم على الخروج على الأمراء.
الإمام سعيد بن المسيب -رحمه الله
هو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم القرشي المدين؛ أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع، فأبوه وجده صحابيان، أبوه المسيب ممن حضر بيعة الشجرة، أما جده فكان ممن قتل يوم اليمامة، وهو من سادات العرب ومن أصل عريق، ومن قوم هم بنو مخزوم، يعرفون بالشدة والصلابة والعنف والسيادة في مكة.
مولده
ولد سعيد بن المسيب سنة 15هـ ، لسنتين خلتا من خلافة عمر - رضي الله عنه .
شيوخه
رأى عمر وسمع عثمان وعليا وزيد بن ثابت وأبا موسى وسعدة وعائشة وأبا هريرة وابن عباس وأم سلمة وخلقا سواهم.
تلاميذه
روى عنه خلق: منهم عطاء الخراساني، وعمرو بن شعيب، وعمرو بن دینار، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري، وبشر كثير.
علمه ومكانته
ورغم نسبه القرشي في أعرق بطونها إلا أنه نشأ في المدينة وترعرع، وظل بها طوال حياته ولم يفارقها أبدا إلا لحج أو عمرة أو جهاد، وانقطع لمن بها من الصحابة، فجلس إلى أعلامهم، ونهل من علومهم وأخذ أيضا من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن شدة اهتمامه بالعلم وبحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحبه الصحابة جميعا وأثنوا عليه، وزوجه أبو هريرة ابنته، واصطفاه بالرعاية والعناية، وحمل سعيد بن المسيب حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - كله وهو الأكثر رواية من بين الصحابة، وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- إذا سئل عن الشيء يقول سلوا ذلك الرجل فإنه قديما جالس الصالحين، يعني سعيد بن المسيب.
أقوال السلف فيه
- قال نافع -رحمه الله-: ذكر ابن عمر سعيد بن المسيب، فقال: هو والله أحد المفتين.
- وقال قدامة بن موسى الجمحي -رحمه الله-: كان سعيد بن المسيب يفتي وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحياء.
- وقال علي بن الحسین -رحمه الله-: سعید بن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار، وأفقههم في رأيه.
- وقال مالك بن أنس -رحمه الله-: كان عمر بن عبدالعزيز لا يقضي بقضاء حتى يسأل سعيد بن المسيب، فأرسل إليه إنسانا فدعاه، فجاء حتى دخل، فقال عمر: أخطأ الرسول، إنما أرسلناه يسألك في مجلسك.
- وقال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: مرسلات سعيد بن المسيب صحاح، وقال أيضا: سعيد بن المسيب أفضل التابعين.
- وقال قتادة -رحمه الله-: ما رأيت أحدا أعلم بالحلال والحرام من سعید بن المسيب.
- وقال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، وإذا قال سعيد: مضت السنة، فحسبك به، وهو عندي أجل التابعين.
محن الإمام سعيد بن المسيب - رحمه الله
أولا: وقعة الحرة
كانت أول محنة له سنة 63هـ عندما وقعت فاجعة الحرة بأهل المدينة، ودخل جيش يزيد بن معاوية بقيادة مسلم بن عقبة المري المدينة، وأخذ مسلم بن عقبة المري في استعراض الناس على السيف، فقتل منهم المئات، وأحضر الإمام سعيد بن المسيب بين يديه، فقال له: بایع، فقال سعيد: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر، فغضب مسلم بن عقبة من ذلك وأمر بضرب عنقه، فقام أحد أعيان المدينة وشهد أن الإمام سعید مجنون لا يقبل منه، فأعرض عنه وتركه. ولما استوثق الأمر لابن الزبير سنة 64 هـ أرسل جابر ابن الأسود واليا من طرفه على المدينة، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير، فقال سعيد بن المسيب: لا حتى يجتمع الناس فضربه ستين سوطا، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد.
ثانيا البيعة لسليمان والوليد
فعن عبدالله بن جعفر وغيره، قالوا: إن عبدالعزيز بن مروان توفي بمصر سنة أربع وثمانين، فعقد عبدالملك لابنيه (الوليد وسليمان) بالعهد، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان، وعين يومئذ على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي، فدعا الناس إلى البيعة، فباعوا، فأبی سعيد بن المسيب أن يبايع لهما وقال: حتى أنظر، فضربه هشام ستين سوطا، وطاف به في تبان من شعر، حتى بلغ به رأس الثنية ثم ردوه إلى الجن، فحبسه وكتب إلى عبدالملك يخبره بخلافه، فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به ويقول: سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عنده خلاف.
فلما كانت بيعة سليمان مع بيعة الوليد كره سعيد بن المسيب أن يبايع بيعتين، لحديث بلغه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما»، فانطلق الرجل، فلما دخل على الوالي، دعاه، فأبى أن يجيب، فأمر به أن يلبس ثيابا من شعر، وأمره بالتجرید، فجلد مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته، ثم وقف للناس، فقال سعيد: أما والله لو كنت أعلم أنه لا يكون إلا هذا ما نزعت ثيابي، ولا أجبت إلى ذلك، ولكني ظننت أنه القتل، ورجوت أن يكرمني الله بذلك. قال أصبغ: وسمعت أنه طيف به محلوق الرأس واللحية، حتى إن كانت الدار بالمدينة لتغلق كراهية النظر، إعظاما له وتحسرا عليه، وما سمع فيها إلا البكاء ووقف على الناس، فلقد خرجت يومئذ الأبكار من خدورهن والنساء المتحجبات من بيوتهن وما سمع يومئذ بالمدينة إلا نائحة أو هاتف بذكر سعید بن المسيب شيخ الإسلام ورئيس الفقهاء والتابعين في العلم والرواية، والفقه والعبادة والصراحة والزهد، والورع والقصد، والبصر بالحلال والحرام والأقضية، ولقد كان يسمى راوية عمر بن الخطاب وسمع أقضية.
وقال أبو يونس القوي: دخلت مسجد المدينة، فإذا سعید بن المسيب جالس وحده، فقلت: ما شأنه؟ قيل: نهي أن يجالسه أحد. وقال قتادة: كان ابن المسيب إذا أراد أحد أن يجالسه قال: إنهم قد جلدوني، ومنعوا الناس أن يجالسوني.
رفضه للخروج
وعلى الرغم من كثرة المحن التي تعرض لها الإمام سعيد إلا أنه كان يرفض الخروج على الحكام ملتزما في ذلك منهج أهل السنة والجماعة، بل وكان يخبر الناس أنه ممنوع من مجالستهم، ولم يحضهم على الخروج، ولما قيل له: «ادع على بني أمية»، قال: اللهم أعز دينك، وأظهر أولياءك، واخز أعداءك في عافية لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم .

وفاته
مات سعيد بن المسيب بالمدينة، سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد بن عبدالملك، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وكان يقال لهذه السنة التي مات فيها سعيد: سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات منهم فيها.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-04-2021, 12:36 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,823
الدولة : Egypt
افتراضي رد: علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء

علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء (4)
سيرة كبار الأئمة والعلماء وصبرهم على الابتلاء
- فقيه الكوفة وإمام مدرسة الرأي في الفقه - الإمام أبو حنيفة

عيسى مال الله فرج






سدًا لباب الفتن، وإيصادًا لطريق الخروج على الولاة، الذي هو أصل فساد الدنيا والدين، فلقد أمرنا الله بطاعة ولاة الأمور بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(النساء:59)، فالسلطان هو زمام الأمور، وبعد أن كثرت المحن وتعددت الفتن، وسقط فيها من سقط، وظن بعض الناس بأهل العلم والدعاة الظن السيء، أصبح لازمًا علينا إبراز النماذج التي يجب الاحتذاء بها، وهم القدوات الذين عانوا كثيرًا من الابتلاءات إلا أنهم ثبتوا، ولم يشقوا عصا الطاعة، ولم يثيروا الناس أو يحملوهم على الخروج على الأمراء.
اسمه ونسبه
هو النعمان بن ثابت الكوفي، التيمي بالولاء، فقیه، مجتهد، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. أصله من أبناء فارس، وولد، ونشأ بالكوفة، وتفقه على حماد بن سليمان وكان لا يقبل جوائز الدولة، بل ينفق من دار كبيرة له وعنده صناع وأجراء.
أدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة». ولم يثبت سماعه من أحد من الصحابة.
من آثاره
الفقه الأكبر في الكلام، المسند في الحديث رواية الحسن بن زیاد اللؤلؤي، العالم والمتعلم في العقائد والنصائح رواية مقاتل، الرد على القدرية، والمخارج في الفقه رواية تلميذه أبي يوسف.
شيوخ أبي حنيفة
أخذ الفقه عن عطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعبدالرحمن بن هرمز الأعرج، وعمرو بن دينار، ونافع مولى ابن عمر، وقتادة، والقاسم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود، وعبدالله بن دينار، وعطية العوفي، وحماد بن أبي سليمان -وبه تفقه- وعبدالملك بن عمير، وأبي جعفر الباقر، وابن شهاب الزهري، ومحمد بن المنكدر، وأبي إسحاق السبيعي، وخلق سواهم.
تلاميذه ومن روى عنه
روى عنه جماعة منهم: ابنه حماد، وإبراهيم بن طهمان، وحمزة الزيات، وداود الطائي، وأبو نعيم، ومحمد بن الحسن الشيباني، وهشيم، وعبدالرزاق بن همام (شيخ الإمام أحمد)، وفر بن الهذيل التميمي، ووكيع بن الجراح، والقاضي أبو يوسف، وغيرهم كثير.
ثناء العلماء عليه
قال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس. سئل ابن المبارك: مالك أفقه، أو أبو حنيفة؟ قال: أبو حنيفة. وقال أيضا: لولا أن الله أغاثني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس.
وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة، قلت: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام. وهذا أمر لا شك فيه.
وقال الخريبي: ما يقع في أبي حنيفة إلا حاسد أو جاهل.
وقال سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه.
محنة أبي حنيفة
إن الابتلاء والاختبار لا يكون بالضراء وشظف العيش فحسب، إنما يكون أيضا بالسراء وفتنة الدنيا وبهارجها، ففي ولاية المنصور: فهذا الإمام أبو حنيفة النعمان، إمام المذهب الحنفي، الذي تعرض لفتنة شديدة، فقد كان يخرج كل يوم - أو بين الأيام - فيضرب ليدخل في القضاء فيأبى، ولقد بكی في بعض الأيام، فلما أطلق قال: كان غم والدتي أشد علي من الضرب.
وطلب المنصور أبا حنيفة فأراده على القضاء، وحلف لِیَلي، فأبى وحلف: إني لا أفعل، فقال الربيع (الحاجب): ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف؟ قال: أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني، فأمر به إلى السجن، فمات فيه ببغداد.
وعن الربيع (الحاجب)، أن أبا حنيفة قال والله ما أنا بمأمون الرضا. فكيف أكون مأمون الغضب؟ فلا أصلح لذلك (أي: لأمر القضاء). قال المنصور: كذبت. بل تصلح. فقال: كيف يحل أن تولي من يكذب؟.
وقيل: دفعه أبو جعفر إلى صاحب شرطته حميد الطوسي. فقال: يا شيخ، إن أمير المؤمنين يدفع إلي الرجل فيقول لي: اقتله أو اقطعه، أو اضربه، ولا أعلم بقصته، فماذا أفعل ؟ فقال: هل يأمرك أمير المؤمنين بأمر قد وجب؟ أو بأمر لم يجب؟ قال: بل بما قد وجب. قال: فبادر إلى الواجب.
فأمره بتنفيذ ما أمر به أمير المؤمنين في غير معصية الله وأمره بطاعته لأن بهذه الطاعة بالمعروف تستقيم أمور الأمة ويحصل الأمن والاستقرار ويأمن الناس من الفتنة.
ولاية مروان بن محمد: وكان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقيين أراده أن يلي القضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد، (آخر ملوك بني أمية)، فأبى عليه فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله. وكان أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - إذا ذكر ذلك بكی وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضرب أحمد على القول بخلق القرآن.

بين قبول القضاء أو السجن
وقد قرر الخليفة المنصور أن يُصعد ضغوطه على الإمام؛ فخيره بين قبول القضاء أو السجن، وكأن الخليفة المنصور قد تأكدت عنده الشائعات التي راجت حول دعم أبي حنيفة لثورة النفس الزكية، وأراد أن ينكل بالإمام ويؤدبه بشدة كما حدث مع الإمام مالك؛ فأصر أبو حنيفة على الرفض، ولسان حاله يقول: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} (يوسف: 33)، فأمر المنصور بضربه أولا، ثم حملوه في القيود إلى سجن بغداد.
وفاته بالسجن
وفي السجن المظلم عانى الإمام أبو حنيفة من التضييق والتشديد، وأيضًا من التهديد بالقتل يومًا بعد يوم، وقد أمر الخليفة المنصور بالتشديد على الإمام، وكان وقتها على مشارف السبعين، وقد وهن جسده، وحطمته دروس العلم، وسؤالات الناس، ومع ذلك لم يتراجع أبو حنيفة عن قراره، ولم تلن عزيمته قيد أنملة، ولكن إن صمد قلبه وروحه وعزيمته وإيمانه أمام كل هذه الضغوط فإن الجسد الواهن لم يصمد كثيرًا؛ فتوفي الإمام أبو حنيفة في سجنه في رجب سنة 150هـ، وصعدت روحه إلى بارئها.
فائدة تربوية
العجيب في هذه المحنة التي تعرض لها الإمام أنها كانت بسبب فرار الإمام من الدنيا ومن المناصب، وإننا لنعجب من حال هذا الإمام الرباني، الذي أقبلت عليه الدنيا بزخارفها، والمناصب تعرض عليه، ويهدد بكل وسيلة من أجل أن يكون من أصحاب المناصب العليا، ولكنه يرفض، ويؤثر الضرب والسجن، ثم الموت على أن يكون من الدنيا وأهلها، ونحن الآن نرى من ينتسب للعلم يتهافت على الدنيا والمناصب، ويلهث وراء الدنيا، ولا يبالي بأي شيء من أجلها.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 106.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 102.83 كيلو بايت... تم توفير 3.22 كيلو بايت...بمعدل (3.04%)]