شرح حديث: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

 

اخر عشرة مواضيع :         خلاصة عوامل النحو المائة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 2 )           »          وجع الأيام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          القلم ترجمان الإنسان (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          صيد اليمام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أحلى أمنية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          المقامَة الحمَّامِية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          دموع الرجاء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          من شر ذلك فاستعذ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          رسول الهدى (تغريدات) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الحالات التي يقع فيها الرَّوم والإشمام عند الوقف (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-09-2020, 03:54 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,629
الدولة : Egypt
افتراضي شرح حديث: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال

شرح حديث: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال
الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح





((أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال))




عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ. حَدَّثَنَا «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ. ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ. فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ». ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ قَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ. فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ. فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ. كَجَمْرٍ دَحْرَجَتْهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ (ثُمَّ أَخَذَ حَصىً فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ) فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ. لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلاً أَمِينا. حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ مَا أَظْرَفَهُ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ». وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ. لَئِنْ كَانَ مُسْلِما لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ. وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيّا أَوْ يَهُودِيّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ. وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلاَّ فُلاَناً وَفُلاَناً.






ترجمة راوي الحديث:

حذيفة بن اليمان صلى الله عليه وسلم، تقدمت ترجمته في الحديث الثالث والسبعين من كتاب الإيمان.



ثانياً: تخريج الحديث:

أخرجه مسلم حديث (143)، وأخرجه البخاري في "كتاب الرقاق" "باب رفع الأمانة " حديث (6497)، وأخرجه الترمذي في " كتاب الفتن " " باب ما جاء في رفع الأمانة " حديث (2179)، وأخرجه ابن ماجه في " كتاب الفتن " "باب ذهاب الأمانة " حديث (4053).



شرح ألفاظ الحديث:

(حَدَّثَنَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ): معناه حدثنا في الأمانة، وإلا فإن حذيفة رضي الله عنه روى كثيراً من الأحاديث في الصحيحين وغيرها. قال صاحب التحرير:" وعنى بأحد الحديثين قوله " الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ"، وبالثاني قوله: "ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ... إلى آخره" [انظر شرح النووي لمسلم 2/ 347].



(أَنَّ الأَمَانَةَ): قال القرطبي رحمه الله:" الأمانة: كل ما يوكل إلى الإنسان حفظه، ويُخلَّى بينه وبينه، ومن هنا سمّي التكليف أمانة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب:72] في قول كثير من المفسرين" [المفهم 1 / 356].



(نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ): الجْذر أصل الشيء، قال النووي رحمه الله:" أما الجذر فهو بفتح الجيم وكسرها، لغتان... وهو الأصل [شرح مسلم 2/ 347]، ومعنى إنزالها في القلوب أي: أن الله تعالى جَبَل القلوب الكاملة على القيام بحقها، وليس لذكر الرجال معنى الخصوصية، وإنما المرأة داخلة في الذكر، وذكر الرجال في الحديث للتغليب.



(ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ): المراد من رفع الأمانة ذهابها، أو ذهاب أهلها وقبضهم حتى يكون الأمين في حكم النادر.

(يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ): يحتمل أن المراد من ذكر النوم أن الأمانة تُقبض أي: تنزع في حال غفلة وضعف في العقيدة والإيمان، ويُحتمل على ظاهره، وأن المقصود سرعة رفع الأمانة من القلب فبمجرد النوم في ليل أو نهار ترفع الأمانة من القلب.



(فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ): الوكت: بفتح الواو وإسكان الكاف وهو الأثر اليسير، والمعنى أن الأمانة تذهب حتى ما يبقى منها إلا اليسير.



(فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ): قال النووي رحمه الله:" وأما (الْمَجْلِ) بفتح الميم وإسكان الجيم وفتحها لغتان حكاها صاحب التحرير، والمشهود الإسكان" [شرح مسلم 1 / 347] و(الْمَجْلِ): ارتفاع في الجلد يظهر في اليد من العمل بفأس ونحوه، وفي الرجل بسبب الحذاء ونحوه، ويصير مثل القبة ويمتلئ ماء.



(فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً): نَفِطَ بفتح النون وكسرها الفاء أي انتضح، وانبتر الجرح وانتفط إذا ورم وامتلأ ماء، والمقصود من هذه التشبيهات بيان تدرج ذهاب الأمانة شيئاً فشيئاً.



(فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ): أي يبيعون ويشترون.

(لاَ يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ): فيه بيان لقلة الأمانة، وقرب رفعها نهائياً.



(مَا أَجْلَدَهُ مَا أَظْرَفَهُ مَا أَعْقَلَهُ): (مَا أَجْلَدَهُ) أي: ما أقواه، (مَا أَظْرَفَهُ) أي ما أحسن وجهه وهيئته ولسانه، (مَا أَعْقَلَهُ) أي: ما أقوى عقله وذهنه وتفكيره وتمييزه بين الحسن والقبيح.



(وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ): حبة خردل: حب لنبات صغير جداً يُضرب به المثل في الصغر من بين الحبوب، والمراد: المبالغة في الصغر.



(وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ): يقصد به زمن الصدر الأول في الإسلام حين كانت الأمانة مستقرة في القلوب، فالمؤمن يدفعه إيمانه لدفعها، والنصراني أو اليهودي يدفعه من يتولاه.

والمعنى: أنني في ذلك الزمن لا أبالي في مبايعتي لأحد بيعي وشرائي لاستقرار الأمانة.



(وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلاَّ فُلاَنا وَفُلاَنا): أي وأما الآن يقصد وقت تحديثه بهذا الحديث فإنني لا أثق إلا بأشخاص معينين في ديانتهم وأمانتهم، وحذيفة رضي الله عنه توفي سنة (36) من الهجرة بعد قتل عثمان رضي الله عنه بقليل، أي أنه أدرك بعض زمن تغير الأمانة في القلوب.



من فوائد الحديث:

الفائدة الأولى: الحديث دليل على حفظ الأمانة ورعايتها، وأنها من الأخلاق عظيمة الشأن التي جُبل الإنسان عليها إذ أنها نزلت في جذر القلوب، لكن بقائها عزيز لاسيما آخر الزمان كما سيأتي.



الفائدة الثانية: الحديث دليل على أن الأخلاق الإسلامية مستمدة من الكتاب والسنة، ومن ذلك الأمانة لقوله صلى الله عليه وسلم:" ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ. فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ".



الفائدة الثالثة: في الحديث علم من أعلام النبوة، حيث حدَّث صلى الله عليه وسلم أصحابه عن رفع الأمانة فأدرك بعض أصحابه رضي الله عنهم شيئاً من ذلك ومنهم حذيفة رضي الله عنه كما في حديث الباب، وأدرك الناس من بعدهم كثيراً من ذلك، لاسيما في زماننا والله المستعان.



قال ابن بطال رحمه الله:" هذا الحديث من أعلام النبوة؛ لأنّ فيه الإخبار عن فساد أديان النَّاس وقلة أمانتهم في آخر الزمان، ولا سبيل إلى معرفة ذلك قبل كونه إلا من طريق الوحي" [شرح البخاري لابن بطال 10/38].



قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله:" ولقد شاهد الناس اليوم مصداق هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك تستعرض الناس رجلاً رجلاً تبلغ إلى حد المائة أو المئات، ولا تجد الرجل الأمين الذي أدى الأمانة كما ينبغي إلى حد المائة أو المئات، لا تجد الرجل الأمين الذي أدى الأمانة كما ينبغي في حق الله، ولا في حق الناس" شرح رياض الصالحين " باب الأمر بأداء الأمانة" [حديث (200) 1 / 522].



الفائدة الرابعة: الحديث فيه بيان سرعة رفع الأمانة من القلوب وتدرجها، فلربما استيقظ العبد من نومه وقد رفعت الأمانة من قلبه حتى لا يبقى إلا مثل " الْوَكْتِ " وهو الأثر اليسير، ثم ينام فيرتفع شئ مما تبقى من الأمانة على قلته فيكون مثل " الْمَجْلِ " وهو أقل أثراً من سابقه، ثم ينام فيذهب شيء مما تبقى على قلته فيصبح كالورم المنتفخ الذي ليس فيه شيء والمراد بيان التدرج في ذهاب ما تبقى من قليل الأمانة والله المستعان.

قال النووي رحمه الله:" أن الأمانة تزول عن القلوب شيئاً فشيئاً " [شرح النووي لمسلم 2 / 348].



قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله:" نسأل الله أن يثبتنا وإياكم، ينام الرجل النومة في ليل أو نهار على أنه أمين، فإذا استيقظ إذا الأمانة منزوعة من قلبه، ولهذا شرع للإنسان أن ينام على ذكر، وأن يستيقظ على ذكر، وما أجدر بنا أن نعلم أذكار النوم وأذكار الإستيقاظ... لكن الذي لاينام على ذكر يُخشى أن تنزع الأمانة من قلبه إذا استيقظ" [شرح البخاري 8/ 395].



الفائدة الخامسة: الحديث دليل على أن من صور الأمانة الأمانة في البيع والشراء، وهي من الصور التي أدركها حذيفة رضي الله عنه حيث شهد زمناً كانت الأمانة مستقرة في نفوس المسلمين، وأما الكافر فالوالي عليه سيرد عليه حقه فيما لو خان، فلم يكن يبالي أي الناس بايع، وبعد ذلك أدرك حصر الأمانة في رجال معدودين؛ لرفعها عن قلوب كثير من الناس.



الفائدة السادسة: الحديث دليل على اغترار الناس بالمظاهر الخارجية في قلوبهم وحكمهم وثناءهم على الآخرين، مع ضعف مخابرهم في الإيمان والأمانة والصلاح وهذا من انتكاس المفاهيم والمعايير عند الناس، فيُمدح بحسن صبره أو لسانه، وجسده أو عقله، مع خواء جوفه أو ضعفه من الإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ مَا أَظْرَفَهُ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ " وفي الحديث دلالة على وجود من عنده صبر وحسن لسان وعقل وتفكير ومع ذا ضعيف في دينه وأمانته.



قال القرطبي رحمه الله:" (مَا أَظْرَفَهُ) أي ما أحسنه، والظرف عند العرب في اللسان والجسم وهو حسنهما" [المفهم 1/ 357].

وقال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله:" تجد الرجل عنده تفكير، وعنده تصرف جيد، ويقول الناس: ما أعقله وما أظرفه ولكن ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وإنما صلاحه صلاح ظاهره فقط، أما قلبه فخال من الأمانة، ومن الإيمان" [التعليق على مسلم 1/ 456].



الفائدة السابعة: قوله صلى الله عليه وسلم:" وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ " فيه دليل على أن الأمانة من الإيمان.

قال ابن حجر رحمه الله:" قوله صلى الله عليه وسلم " مِنْ إِيمَانٍ " قد يفهم منه أن المراد بالأمانة في الحديث الإيمان، وليس كذلك بل ذكر ذلك لكونها لازمة الإيمان" [الفتح 11/ 334].



الفائدة الثامنة: الحديث فيه بيان صورة من صور غربة الإسلام وأهله، وهي صورة ارتفاع الأمانة من القلوب حتى لا يبقى من أهل الأمانة إلا رجال معدودين، ولاشك أن فقدان خلق الأمانة دليل على فساد الزمان؛ لأن كثيراً من الحقوق التي لله تعالى والتي للناس متعلقة بالأمانة.



فالأمانة خُلق عظيم ومن مباحثها ما يلي:

المبحث الأول: معنى الأمانة:

الأمانة لغة: الوفاء، وفي لسان العرب: والأمان والأمانة بمعنى... والأمانة ضد الخيانة.

وفي الاصطلاح: لها تعريفات كثيرة، وتقدم قول القرطبي رحمه الله في تعريفها:" كل ما يوكل للإنسان حفظه، ويخلَّى بينه وبينه" [المفهم 1/ 356].



المبحث الثاني: أهمية الأمانة:

للأمانة أهمية عظيمة لتعلقها بشئون العباد الدينية والدنيوية، وجاءت نصوص الكتاب والسنة في كثير من المواطن تبيِّن أهميتها وفضلها والتحذير من مخالفتها، ومما يبيِّن أهميتها:

1- الأمانة إحدى صفات أهل الفلاح:

قال الله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون:1] ثم ذكر من صفاتهم: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ³وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ³أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ³الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون من 8:11] فجعل من صفات المفلحين المدركين لهذا النعيم الأمانة ورعايتها.



2- الأمانة صفة الرسل والأنبياء:

ففي آيات كثيرة جاء وصف الرسل والأنبياء بوصف الأمانة، ومن ذلك سورة الشعراء، ففي قول نوح ولوط وهود وصالح عليهم الصلاة والسلام: ﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ (الشعراء:107)، ولُقب محمد صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء بالأمين.



3- الأمانة علامة الإيمان وبراءة من النفاق:

ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم:" وآية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان".



4- الأمناء هم أهل المسؤولية:

وهذا ما لا يغيب عن ذهن أي عاقل فإن أهم صفة يتميز بها من يوكل لأي عمل أن يكون أميناً عليه، فالأمانة ترفع منزلة أصحابها وثقة الناس بهم، ولذلك قالت ابنة شعيب: ﴿ قالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ [القصص:26]، وفي صحيح البخاري قال أبو بكر رضي الله عنه لزيد بن ثابت عندما أمره أن يجمع القرآن:" إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه" وبوَّب البخاري لهذا الخبر ب " باب يستحب للكاتب أن يكون أميناً عاقلاً ".



المبحث الثالث: مجالات الأمانة:

للأمانة مجالات متعددة فهي كما تقدم ذات علاقة وطيدة بشؤون العباد الدينية والدنيوية.

قال القرطبي رحمه الله:" الأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً" [الجامع لأحكام القرآن 12/ 107].



إذن: الأمانة شاملة لأمر الدين والدنيا على خلاف الفهم القاصر للأمانة عند كثير من الناس، حيث يحصرونها في أداء الإنسان للودائع المالية لأهلها، وهذا وإن كان من الأمانة إلا أنها صورة من صور عديدة يشملها مفهوم الأمانة.



ويمكن القول بأن للأمانة بشكل عام نوعين يدخل تحتهما عدة صور:

النوع الأول: الأمانة في حقوق الله تعالى، ويدخل فيها صور عديدة أعظمها التوحيد وحفظ جنابه، ثم بقية الفرائض والحدود، ولقد فسر كثير من السلف الأمانة في قوله تعالى:﴿ إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ﴾ [الأحزاب:72] بالفرائض كما روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن البصري، وقال قتادة: الأمانة هي الدين والفرائض والحدود.[ تفسير ابن كثير 6/ 488 - 490].



فيدخل في ذلك أمانة الدعوة إلى الله وما يجب تجاهها من حقوق وواجبات كل بحسبه، وأمانة الجوارح في حفظ البصر والاستمتاع واللسان والفرج وسائر الجوارح.



والنوع الثاني: الأمانة في حقوق البشر، ويدخل فيها صور عديدة أيضاً وقد أمر الله تعالى بأدائها إلى أهلها فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ﴾ [النساء:58].



ومن صورها: أمانة الودائع وحفظها لأهلها، وأمانة المجالس وما يدور فيها من أسرار، وأمانة العلاقات الأخوية كما يجري بين الأصحاب من أسرار وحقوق، وأمانة الأسرة الواحدة فيما بينهم: كأمانة الأسرار الزوجية بكتمانها، وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إن من أعظم الأمانة - بحذف المضاف أي أعظم صور خيانة الأمانة - عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها" وكذلك:أمانة القيام بالواجبات الأسرية، وأمانة علاقات المجتمع فيما بينهم كأمانة المشورة والصدق فيها، وأمانة الجار مع جاره وأمانة صيانة أعراض المسلمين وستر عوراتهم والبعد عن غشهم، ونحو ذلك من صور حقوق البشر فيما بينهم.



المبحث الرابع: عواقب تضيع الأمانة:

ضد الأمانة الخيانة، وللخيانة عواقب جائت في الكتاب والسنة، ومن ذلك:

1-أن الخيانة من صفات المنافقين، وتقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه:" آية المنافق ثلاث ومنها إذا أؤتمن خان".



2- أن للخائن فضيحة يوم القيامة، ففي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم:" لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان بن فلان".



3- عدم محبة الله تعالى للخائنين، قال الله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾ [الأنفال:58].



4- الخيانة طريق من طرق النار قال الله تعالى عن امرأتي نوح ولوط: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾ [التحريم:10].



المبحث الخامس: ذهاب الأمانة من علامات الساعة:

وذلك حين لا يبقى من الأمناء إلا قلة حتى يقال في بني فلان رجل أمين كما في حديث الباب، فتُرْفع الأمانة شيئاً فشيئا، ومن تأمل الزمان اتضح له الحال في كثير من صور الواقع، والله المستعان، وضياع الأمانة علامة من علامات الساعة، ففي صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم:" إذ ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا اسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".



المبحث السادس: الأمانة في القرآن جاءت على ثلاثة أوجه:

ذكرها ابن الجوزي رحمه الله عن بعض المفسرين:

أحدها: الفرائض ومنه قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال:27].



الثاني: الوديعة، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ﴾ [النساء:58].




الثالث: العفة، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾[القصص:2].



مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الإيمان).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 84.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 82.83 كيلو بايت... تم توفير 2.13 كيلو بايت...بمعدل (2.50%)]