من مشاهير علماء المسلمين .. - الصفحة 5 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

 

اخر عشرة مواضيع :         خبار وتحليلات السلع الاسهم العملات اليوميةا (اخر مشاركة : ماريتا الحلاني - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          معايير اختيار الثلاجة الافضل لمطبخك (اخر مشاركة : هناء سميرر - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          افضل ٥ شاشات لألعاب البلاي ستيشن (اخر مشاركة : هناء سميرر - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          أهم الأماكن السياحية في صحار (اخر مشاركة : حسام الدين فوزي - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          كيف تكون الحياة في شاليهات للبيع في الساحل الشمالي ؟ (اخر مشاركة : noura ahmed - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          توكيل صيانة اريستون (اخر مشاركة : noura ahmed - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          أسس تنفيذ شركات تسويق إلكتروني (اخر مشاركة : noura ahmed - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          أسعار تكييف فريش 2020 (اخر مشاركة : عمرو الراوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2992 - عددالزوار : 370160 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2397 - عددالزوار : 157924 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #41  
قديم 01-03-2020, 10:32 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

الكاشي.. مخترع الكسور العشرية والآلة الحاسبة..

قصة الإسلام




غياث الدين الكاشاني، واحد من أبرز علماء المسلمين في الرياضيات، وممن لهم إسهامات رائدة في مجاله، فهو مبتكر الكسور العشرية ومخترع الآلة الحاسبة.

الكاشي.. اسمه ونشأته:

هو غياث الدين جمشيد بن مسعود بن محمود بن محمد الكاشي، ويعرف بالكاشاني، ويعرف أيضًا باسم "غيَّاث الدين ولد جمشيد". عالم رياضي وفلكي اشتهر في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي. ولد في أواخر القرن الثامن الهجري بمدينة كاشان ببلاد فارس وإليها نسب. ونشأ في بيت علم حيث كان أبوه من أكبر علماء الرياضيات والفلك، فشب الكاشي على ولعه بالرياضيات.

عرف الكاشي بكثرة تنقله في المدن لطلب العلم ونهل المعرفة، ولذلك تنوعت معارفه فدرس العلوم في أماكن شتى من بلاد فارس. وقد اشتهر بحبه لقراءة القرآن الكريم فكان يقرأ القرآن مرة كل يوم، ثم درس النحو والصرف والفقه على مذاهب الأئمة الأربعة، فأجادها وتمكن منها وأصبح حجة فيها. واستفاد من معرفته بالمنطق فانكب على دراسة تواليف الرياضيات يلتهمها التهاما مما أدهش علماء الرياضيات؛ لقدرته في الاستيعاب وحسن التعبير.

دراسته العلمية وانتقاله إلى سمرقند:

درس الكاشي النحو والصرف والفقه والمنطق، ثم درس الرياضيات وتفوق فيها، حيث كان والده من أكبر علماء الرياضيات والفلك. وانتقل الكاشي من كاشان إلى سمرقند قبل وفاته بعشرين عامًا، وفيها عاش الكاشي معظم حياته. وبنى فيها مرصدًا سماه "مرصد سمرقند"، وقد توجه إلى سمرقند بدعوة من أولغ بك ميرزا محمد طارق بن شاه رخ، الذي كان يحكم البلاد آنذاك، والذي عرف بحبه للعلماء، وهناك في سمرقند وضع أكثر مؤلفاته التي كانت سببا في تعريف الناس به.

إسهامات الكاشاني في علم الفلك:

اشتهر الكاشي في علم الهيئة، كما أنه شرح كثيرًا من إنتاج علماء الفلك الذين اشتغلوا مع نصير الدين الطوسي في مرصد "مراغة"، كما حقق جداول النجوم التي وضعها الراصدون في ذلك المرصد، وقدر الكاشي تقديرًا دقيقًا ما حدث من كسوف للشمس خلال ثلاث سنوات (بين 809 هــ و811 هـ/1407 و1409م).

وعندما سأله البعض هل يمكن عمل آلة يعرف منها تقاويم الكواكب وعروضها أم لا، فابتكر فيه رسم صفحة واحدة من صحيفة يعرف منها تقاويم الكواكب السبعة وعروضها وأبعادها عن الأرض، وعمل الخسوف و الكسوف بأسهل طريق وأقرب زمان، ثم استنبط منها أنواعا مختلفة يعرف من كل واحد منها ما يعرف من الآخر.

وهو أول من اكتشف أن مدارات القمر وعطارد إهليليجية. فقد أعطى الكاشي شرحا مفصلا لكيفية رسم إهليليجي للقمر وعطارد. كما بحث في تعيين النسبة التقريبية للثابت (ط)، فأثبت قيمة تلك النسبة إلى درجة من التقريب تفوق من سبقه بكثير.

الكاشي مبتكر الكسور العشرية:

أما في الرياضيات، فقد ابتكر الكاشي الكسور العشرية، ويقول سمث في كتابه تاريخ الرياضيات: "إن الخلاف بين علماء الرياضيات كبير، ولكن غالبيتهم تتفق على أن الكاشي هو الذي ابتكر الكسر العشري".

كما وضع الكاشي قانونًا خاصًا بتحديد قيس أحد أضلاع مثلث انطلاقا من قيسي ضلعيه الآخرين وقيس الزاوية المقابلة له بالإضافة إلى قانون خاص بمجموع الأعداد الطبيعية المرفوعة إلى القوة الرابعة، وهو القانون الذي لعب دورا أساسيا في تطور علم الأعداد. يقول كارادي فو في حديثه عن علماء الفلك المسلمين: "ثم يأتي الكاشي فيقدم لنا طريقة لجمع المتسلسلة العددية المرفوعة إلى القوة الرابعة، وهي الطريقة التي لا يمكن أن يتوصل إليها بقليل من النبوغ". فقد توصل علماء الحضارة الإسلامية قبل الكاشي إلى قوانين عدة في مجموع الأعداد الطبيعية المرفوعة إلى القوة الأولى والثانية والثالثة، وزاد الكاشي بوضع قانون مجموع الأعداد الطبيعية المرفوعة إلى القوة الرابعة.

ومما لاشك فيه أن هذا القانون أدى إلى تطور علم الأعداد تطورًا ممتدًا منذ الكاشي وحتى العصر الحديث، خصوصًا وأن الكاشي استطاع إيجاد خوارزمية لحساب الجذور النونية لأي عدد والتي عُدت حالة خاصة للطرق التي اكتشفت بعد ذلك بقرون في العصر الحديث بمعرفة (هورنر).

الكاشي ونظرية ذات الحدين:

وإذا كان بعض مؤرخي الرياضيات الغربيين ينسبون نظرية (ذات الحدين) لإسحاق نيوتن أو لغيره من الغربيين، فإن منهم من يعترف بأن صاحبها هو غياث الدين الكاشي، ففي كتابه مصادر الرياضيات يقرر دريك سترويك أن الكاشي هو أول من فكر في طريقة ذات الحدين، بعد أن وضع أساسها الكرخي وعمر الخيام، ويرجع له الفضل في تطوير خواص معاملاتها، فاستخدم لإيجاد حدود المعادلة الجبرية قاعدة عمر الخيام وطورها وجعلها قاعدة عامة لنظرية ذات الحدين لأي أس صحيح. ولا يغيب عن البال ما لنظرية ذات الحدين من أهمية في الرياضيات حتى الآن.

الكاشي وعلم الهندسة والمثلثات:

وفي الهندسة حذا الكاشي حذو إقليدس في هذا العلم وتبعه في تعاريفه ونظرياته، إلا أنه أخذ برأي نصير الدين الطوسي في نقضه لفرضية إقليدس الخامسة. وفي علم المثلثات درس الكاشي تواليف المتقدمين من علماء الإسلام، وشرح وعلق على إنتاجهم. وقد حسب جداول لجيب الدرجة الأولى، واستخدم في ذلك معادلة ذات الدرجة الثالثة في معادلاته المثلثية، وصورة ذلك المعادلة:

جا 3 س= 4 جا س 3 - 3 جا س.

الكاشي مخترع الآلة الحاسبة:

كما كان للكاشي بالغ الأثر في دفع تقدم الحساب واختراع الآلات الحاسبة، فقد استخدم للمرة الأولى الصفر تماما للأغراض نفسها التي نعرفها ونتداولها في عصرنا الحاضر. وكان كتاب الكاشي "مفتاح الحُسَّاب" في الرياضيات، منهلًا نهل منه علماء الغرب والشرق على حدٍّ سواء واعتمدوا عليه في تعليم أبنائهم في المدارس والجامعات لقرون عدة كما استخدموا كثيرًا من النظريات والقوانين التي ابتكرها وبرهنها.

وبيَّن الكاشي في كتابه طرق إجراء العمليات الأساسية للكسور العشرية، فجعل لأول مرة في التاريخ علم الحساب في متناول الجميع، كما توصل إلى أدق قيمة للنسبة التقريبية التي تعني نسبة محيط الدائرة إلى قطرها، وأعطى قيمة صحيحة لستة عشر رقمًا عشريًا. وقد اعترف علماء الغرب أن النتيجة التي توصل إليها الكاشي تعادل النتيجة التي توصَّل إليها علماء القرن العشرين باستعمال الآلات الحاسبة.

مؤلفات الكاشي في الرياضيات:

ترك الكاشي عددا من المؤلفات المهمة في الرياضيات، منها:

كتاب مفتاح الحساب:

الذي حوي للمرة الأولى الكثير من المسائل التي تستعمل الكسور العشرية. وهو يعتبر من أهم كتب الكاشي، والذي أكمله في 830هـ / 1427م، إذ ضمنه بعض اكتشافات في الحساب، و يتميز هذا الكتاب بأن مؤلف وضعه ليكون مرجعا في تدريس الحساب للطلاب في سمرقند، ومن اكتشافاته التي ضمنت في هذا الكتاب أنه وجد خوارزمية لحساب الجذور النونية لأي عدد، و التي اعتبرت حالة خاصة للطرق التي اكتشفت بعد ذلك بقرون عن طريق هورنر. واعتمد علماء الشرق والغرب على هذا الكتاب، في تعليم أبنائهم في المدارس والجامعات عدة قرون، كما استخدموا كثيرًا من النظريات والقوانين التي أتى بها وبرهنها وابتكرها".

رسائل الكاشي:

كما أن له مجموعة أخرى من الكتب والرسائل في الرياضيات، منها: رسالة عن إهليليجي القمر وعطارد، ورسالة في الحساب، ورسالة في الهندسة، ورسالة في المساحات، ورسالة الجيب والوتر، ورسالة استخراج جيب الدرجة الأولى، ورسالة في الأعداد الصحيحة، ورسالة في الجذور الصم، ورسالة في التضعيف والتصنيف والجمع والتفريق، ورسالة في طريقة استخراج الضلع الأول من المضلعات، رسالة في معرفة التداخل والتشارك والتباين، ورسالة في طريقة استخراج المجهول، ورسالة عن الكسور العشرية والاعتيادية.

مؤلفات الكاشي في علم الفلك:

ترك الكاشي عدة كتب هامة في علم الفلك، منها: كتاب زيج الخقاني، وكتاب في علم الهيئة، ورسالة نزهة الحدائق وهي مشتملة على كيفية عمل آلة حساب التقاويم، وكيفية العمل بها، وأسماها طبق المناطق، وألحق بها عمل الآلة المسماة بلوح الاتصالات، وهي أيضا مما اخترع عملها.

وفاة الكاشي:

وبعد حياة حافلة بالعلم، أصبح بها أشهر عالم في علوم الفلك والرياضيات، خلال القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، توفي الكاشي بسمرقند، وذلك سنة 839هـ / 1436م.

---------

المراجع:

- خالد حربي: علوم الرياضيات بين الإبداع الإسلامي والإنصاف الغربي وإجحافه، موقع أندلسيات.

- غياث الدين الكاشي: موقع موهوبون.

- غياث الدين الكاشي، موقع الأرقام.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 09-03-2020, 04:55 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

ابن النفيس


قصـــــــــــــة الإسلام









أعلم الناس في عصره، وأعظم وأشهر عالم بوظائف الأعضاء في القرون الوسطى برمتها، والرَّائد الذي مهَّد الطريق أمام وليام هارفي - العالم الفسيولوجي الإنجليزي - مكتشف الدورة الدموية الكبرى سنة 1628م؛ حيث استطاع ابن النفيس اكتشاف الدورة الدموية الصغرى، وأن يصفها لأول مرة ليكون رائدًا لمن أتوا بعده!!
وبحقٍّ كان مثالاً للعالم الورع التقي المنقطع إلى العلم، وواحدًا من أكبر الأطباء العرب والمسلمين الذين حققوا اكتشافات عظيمة وجليلة، يفتخر بها الطب الإسلامي و الحضارة الإسلامية إلى يومنا هذا.
قال عنه السبكي: وأما الطب فلم يكن على وجه الأرض مثله قبلُ، ولا جاء بعد ابن سينا مثله، قالوا: وكان في العلاج أعظم من ابن سينا. وقال الإسنوي: كان إمام وقته في فنه شرقًا وغربًا بلا مدافعة، أعجوبة فيه وفي غاية الذكاء[1].
وكان قد أُشكِل على جالينوس فادَّعى أنَّ في الحاجز الذي بين الجانب الأيمن والجانب الأيسر في القلب ثقوبًا غير منظورة يتسرب فيها الدم من الجانب الواحد إلى الجانب الآخر، وما وظيفة الرئتين إلا أن ترفرفا فوق القلب فتبردا حرارته وحرارة الدم، ويتسرب شيء من الهواء فيها بواسطة المنافذ التي بينهما وبين القلب فيغذي ذلك القلب والدم.
فجاء هو وعارض هذه النظرية معارضة شديدة، وأثبت بما لا يدع مجالا للشك أن اليونان لم يفهموا وظيفة الرئتين والأوعية التي بين القلب والرئتين، وأنه فهم وظيفتها وأوعيتها وتركيب الرئة والأوعية الشَّعْرية التي بين الشرايين والأوردة الرئوية، وشرح الفُرَج الرئوية شرحًا واضحًا، كما فهم أيضًا وظائف الأوعية الإكليلية، وأنها تنقل الدم ليتغذى القلب به، ونفى التعليم القائل بأن القلب يتغذى من الدم الموجود في البطين الأيمن.
ثم كرَّر تعاليمه في الدورة الدموية الصغرى وطريقة عملها؛ ذلك أنه كرَّر هذه التعاليم في خمسة مواضع متفرقة، ذاكرًا آراء ابن سينا، ومكررًا أقوال جالينوس التي اعتمد عليها ابن سينا، ثم عارضها بمنتهى الحماسة.. وكان حقيقًا بعدُ بأن يصفه جورج سارتون بأنه أول من اكتشف الدورة الدموية؛ ليكون بذلك الرائد لوليام هارفي الذي يُنسب إليه هذا الاكتشاف[2].
إنه الفقيه الطبيب العلامة علاء الدين علي بن أبي الحزم القَرْشي (نسبة إلى قرية قَرْش) الدمشقي، الملقَّب بابن النفيس، وهو سوري ولد في قرية "قَرْش" بالقرب من دمشق سنة (607هـ/ 1210م)[3].
نشأة ابن النفيس العالم
كغيره من علماء المسلمين بدأ ابن النفيس حياته العلمية بحفظ القرآن الكريم، وكذا درس النحو واللغة، والفقه والأصول والحديث، والمنطق والسيرة وغيرها، ثم وفي سنة (629هـ / 1231م) وهو في الثانية والعشرين من عمره اتجه إلى دراسة الطب، وذلك بعد أزمة صحية ألمّت به.. وتراه يحكي ذلك فيقول: "قد عرض لنا حميات مختلفة، وكانت سِنُّنا في ذلك الزمان قريبة من اثنتين وعشرين سنة، ومن حين عُوفينا من تلك المرضة حَمَلنا سوء ظنِّنا بأولئك الأطباء (الذين عالجوه) على الاشتغال بصناعة الطب لننفع بها الناس".

وكان تعليمه الطب في دمشق على يد طبيب العيون البارع مهذب الدين عبد الرحمن المشهور باسم الدخوار، وهو أحد كبار الأطباء في التاريخ الإسلامي، وكان في ذلك الوقت كبير الأطباء في البيمارستان النوري العظيم، الذي أنشأه نور الدين محمود واجتذب إليه أمهر أطباء العصر الذين توافدوا عليه من كل مكان. وكان من أساتذته في الطب أيضًا عمران الإسرائيلي، ورضي الدين الرجي.
وكان رفيق دراسته ابن أبي أُصَيْبعة (صاحب طبقات الأطباء)، وقد رحلا معًا إلى القاهرة سنة 633هـ، وعملا في البيمارستان الناصري الذي شغل فيه ابن النفيس منصب الرئاسة، وعميدًا للمدرسة الطبية الملتحقة به، وشغل ابن أبي أصيبعة رئيس قسم الكحالة.

ولم يكتفِ ابن النفيس بما درسه على أساتذة عظام في البيمارستان النوري، بل إنه انكبَّ أيضًا على كتب ابن سينا وأبقراط وجالينوس وغيرهم، وقال البعض: إنه كان يحفظ كتاب القانون في الطب لابن سينا عن ظهر قلب.
كما أنه اهتم أيضًا بدراسة الفلسفة والمنطق والبيان، وتعمق في دراسة الفقه، وعلوم الشريعة، حتى إنه أصبح أستاذًا لفقه الشافعي في المدرسة المسرورية بالقاهرة، إلى جانب نبوغه وعبقريته في الطب[4].
ابن النفيس العالم المغرور
لم يكن ابن النفيس مجهولاً في عصره؛ فقد أطنب في الحديث عنه العمري في مسالك الأبصار، والصفدي في الوافي بالوفيات، وابن أبي أصيبعة في إحدى مخطوطاته (طبقات الأطباء)، إلا أنَّ ابن النفيس لم يأخذ حقه من الذيوع والشهرة بما يوازي ويضارع إنتاجه واكتشافاته، ولعلَّ ذلك بسبب عدم التقدير أو عدم الإحاطة بهذه الاكتشافات في ذلك الوقت.

وقد تناول ابنَ النفيس من المستشرقين الأجانب لكلير في كتابه (الطب العربي)، والمستشرق الألماني مايرهوف في كثير من مقالاته، ووضع الدكتور بول غليونجي كتابًا وافيًا، يُعَدُّ أجمعَ كتاب عن ابن النفيس[5].
ويقرِّر بول في كتابه هذا أنَّ أول من كشف عن ابن النفيس في وقتنا الحاضر، ورَدَّ إليه اعتباره، هو الطبيب المصري الدكتور محيي الدين التطاوي؛ حيث عثر على نسخة من مخطوطة (شرح تشريح القانون) لابن النفيس في مكتبة برلين، وقام بإعداد رسالة في الدكتوراه عنها، وعُنِيَ فيها بجانب واحد من جوانب هذا الكتاب العظيم، ألا وهو موضوع: (الدورة الدموية تبعًا للقرْشي)، وذلك سنة 1343هـ / 1924م.
وقد ذُهل أساتذتُه والمشرفون على الرسالة، وأصابتهم الدهشة حين اطَّلعوا على ما فيها، وما كادوا يصدقونه!!

ولجهلهم باللغة العربية بعثوا بنسخة من الرسالة إلى الدكتور "مايرهوف" المستشرق الألماني الذي كان آنذاك يقيم بالقاهرة، وطلبوا رأيه فيما كتبه الباحث، وكانت النتيجة أن أيّد مايرهوف الدكتور التطاوي، وأبلغ حقيقة ما كشفه من جهود ابن النفيس إلى المؤرِّخ "جورج سارتون"، فنشر هذه الحقيقة في آخر جزء من كتابه المعروف "تاريخ العلم"، ثم بادر مايرهوف إلى البحث عن مخطوطات أخرى لابن النفيس وعن تراجم له، ونشر نتيجة بحوثه في عدة مقالات.. ومنذ ذلك الحين بدأ الاهتمام بهذا العالم الكبير وإعادة اكتشافه[6]!!
ابن النفيس والدورة الدموية
اقترن اسم ابن النفيس باكتشاف الدورة الدموية الصغرى، التي سجلها بدقة في كتابه "شرح تشريح القانون"، غير أن هذه الحقيقة ظلت مختفية قرونًا طويلة، ونُسِبت وهمًا إلى الطبيب الإنجليزي وليام هارفي (ت 1068هـ/ 1657م) الذي بحث في دورة الدم بعد وفاة ابن النفيس بأكثر من ثلاثة قرون، وظل الناس يتداولون هذا الوهم حتى أبان عن الحقيقة الدكتور محيي الدين التطاوي في رسالته كما أشرنا سابقًا.

وكان الطبيب الإيطالي ألباجو قد ترجم في سنة 954هـ / 1547م أقسامًا من كتاب ابن النفيس "شرح تشريح القانون" إلى اللاتينية، وهذا الطبيب أقام ما يقرب من ثلاثين عامًا في "الرُّها"، وأتقن اللغة العربية لينقل منها إلى اللاتينية، وكان القسم المتعلق بالدورة الدموية في الرئة ضمن ما ترجمه من أقسام الكتاب، غير أن هذه الترجمة فُقِدَت، واتفق أن عالما إسبانيا ليس من رجال الطب كان يدعى "سيرفيتوس" كان يدرس في جامعة باريس اطَّلع على ما ترجمه ألباجو من كتاب ابن النفيس، ونظرًا لاتهام سيرفيتوس في عقيدته، فقد طُرِد من الجامعة، وتشرَّد بين المدن، وانتهى به الحال إلى الإعدام حرقًا هو وأكثر كتبه في سنة 1065هـ / 1553م. على أنَّ الله ( شاء أن تبقى بعض كتبه دون حرق، وكان من بينها ما نقله من ترجمة ألباجو عن ابن النفيس فيما يخص الدورة الدموية، واعتقد الباحثون أن فضل اكتشافها يعود إلى هذا العالم الإسباني ومن بعده هارفي حتى سنة 1343 / 1924م حتى صحَّح الطبيب المصري هذا الوهم، وأعاد الحق إلى صاحبه.
وقد أثار ما كتبه الطبيب التطاوي اهتمام الباحثين، وفي مقدمتهم مايرهوف المستشرق الألماني الذي كتب في أحد بحوثه عن ابن النفيس: "إن ما أذهلني هو مشابهة، لا بل مماثلة بعض الجمل الأساسية في كلمات سيرفيتوس لأقوال ابن النفيس التي تُرجِمت ترجمة حرفية... أي أن سرفيتوس، وهو رجل دين متحرِّر وليس طبيبًا، قد ذكر الدورة الدموية في الرئة بلغة ابن النفيس الذي عاش قبله بما يزيد على القرن والنصف"!!
ولما اطلع "ألدو ميلي" على المتنين قال: "إن لابن النفيس وصفًا للدوران الصغير تطابق كلماته كلمات سيرفيتوس تمامًا، وهكذا فمن الحق الصريح أن يُعْزَى كشف الدوران الرئيسي إلى ابن النفيس لا إلى سيرفيتوس أو هارفي"[7].
ويُعتَبَر اكتشاف الدورة الدموية الصغرى واحدًا فقط من إسهامات واكتشافات ابن النفيس العديدة؛ فهو - بحسب ما كُتِب عنه حديثًا - يُعَد مكتشف الدورتين الصغرى والكبرى للدورة الدموية، وواضع نظرية باهرة في الإبصار والرؤية، وكاشف العديد من الحقائق التشريحية، وجامع شتات المعرفة الطبية والصيدلانية في عصره، وقد قدَّم للعلم قواعد للبحث العلمي، وتصورات للمنهج العلمي التجريبي.
مؤلفات ابن النفيس
خلَّف ابن النفيس مؤلفاتٍ علمية عديدة، نُشِرَ بعضُها ومازال البعض الآخر في غياهب المكتبات، وحبيس رفوف المخطوطات لم يرَ النورَ بعد، ومن مؤلفاته ما يلي:

1-(شرح تشريح القانون)، وهو من أهم كتب ابن النفيس، وقد نشر في القاهرة سنة 1408هـ - 1988م بتحقيق الدكتور سلمان قطابة، وتبرز قيمته في وصفه للدورة الدموية الصغرى، واكتشافه أن عضلات القلب تتغذى من الأوعية المبثوثة في داخلها لا من الدم الموجود في جوفه، كما يظهر في الكتاب ثقة ابن النفيس في علمه؛ حيث نقض كلام أعظم طبيبين عرفهما العرب في ذلك الوقت، وهما: جالينوس، وابن سينا.
2- (الشامل في الصناعة الطبية)، ويُعَد أعظم مؤلفاته، كما يعتبر أضخم موسوعة طبية يكتبها شخص واحد في التاريخ الإنساني، وقد نجح الدكتور يوسف زيدان في مصر في جمع أجزاء الكتاب المخطوطة، كما تطلَّع المجمع الثقافي في أبو ظبي إلى تلك الموسوعة، وأخذ على عاتقه نشر الكتاب محققًا، حتى خرج إلى النور ثلاثة أجزاء منه، وذلك في سنة 1422هـ - 2001م.
وكان ابن النفيس قد عكف على إعداد هذه الموسوعة وهو ينوي أن يجعلها مرجعًا طبيًا شاملاً، لولا أن وافته المنية بعد أن أعدَّ منها ثمانين جزءًا، وهي تمثل صياغة علمية لجهود المسلمين في الطب والصيدلة على مدى خمسة قرون من العمل المتواصل.
3- (الموجز في الطب)، ويعتبر هذا الكتاب مرجعًا لكل من أراد دراسة الطب، وممارسة هذه المهنة العظيمة، وقد تناقله العلماء بعضهم من بعض، وكَثُرَت شروحُه والتعليقات عليه لما نال من منزلة بين علماء العصور كلها حتى يومنا هذا، ويذكر بول غليونجي في كتابه (ابن النفيس) أنَّ كتاب الموجز في الطب لابن النفيس عبارة عن شرح مختصر جدًا لكتاب القانون بالطب لابن سينا، تناول كل أجزاء القانون بلغة علمية سهلة ما عدا الجزء الخاص بالتشريح ووظائف الأعضاء، الأمر الذي جعله محبوبًا محبة بالغة من الوجهة العلمية لممارسي الطب.
الجدير بالذكر أنه يوجد نسخ منه على شكل مخطوط في كل من باريس وأكسفورد وفلورنسا وميونيخ والأسكوريال، ويقع (الموجز في الطب) في أربعة أجزاء، وقد نال تقدير وإجلال أطباء العالم؛ لذا فقد كثُرَت ترجمته إلى اللغات الأجنبية وتعدَّدت التعليقات عليه، وقد نُشِر سنة 1406هـ - 1985م في القاهرة بتحقيق عبد المنعم محمد عمر، وكانت قد سبقتها نشرة ماكس مايرهوف ويوسف شاخت ضمن منشورات أكسفورد سنة 1388هـ - 1968م.
4- (شرح فصول أبقراط)، وقد طبع في بيروت سنة 1409هـ - 1988م، بتحقيق ماهر عبد القادر ويوسف زيدان.
5- (المهذَّب في الكُحل المجرب)، ونشر في الرباط سنة 1407هـ - 1986م، بتحقيق ظافر الوفائي ومحمد رواس قلعة جي.
6- (المختصر في أصول علم الحديث)، ونشر بالقاهرة سنة 1412هـ - 1991م بتحقيق يوسف زيدان[8].
ولا شك أنَّ لكتب ابن النفيس قيمةً كبيرة بالنسبة لتاريخ الطب العربي والغربي على حدٍّ سواء, وإضافةً إلى ذلك فإنه ألَّف في السيرة وعلم الحديث والنحو والفلسفة والمنطق[9].
أما عن طريقته في التأليف يقول ابن قاضي شهبة: "وكانت تصانيفه يمليها من حفظه ولا يحتاج إلى مراجعة لتبحُّرِه في الفن، وقال السبكي: صنَّف شرحًا على التنبيه، وصنَّف في أصول الفقه، وفي المنطق، وكان مشاركًا في فنون"[10].
وقال صاحب الأعلام: "وكانت طريقته في التأليف أن يكتب من حفظه وتجاربه ومشاهداته ومستنبطاته، وقلَّ أن يراجِع أو ينقل"، ثم تراه يقول آخرًا: وخلَّف مالاً كثيرًا، ووقف كتبه وأملاكه على البيمارستان المنصوري بالقاهرة"[11]!!
وفي أيامه الأخيرة مرض ابن النفيس مرضًا شديدًا، وقد حاول الأطباء أن يعالجوه بالخمر إلا أنه دفعها عن فمه وهو يقاسي عذاب المرض قائلاً: "لا ألقى الله تعالى وفي جوفي شيءٌ من الخمر"!! ولم يدم في مرضه هذا طويلاً حتى وافته المنية، وكان ذلك سنة 687هـ - 1288م[12]. فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
[1] انظر ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية 1/107.
[2] انظر جلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي ص346، 347، علي عبد الله الدفاع: رواد علم الطب في الخضارة الإسلامية ص451، محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص205، 207،مصطفى لبيب عبد الغني: راسات في تاريخ العلوم عند العرب ص170، محمد علي عثمان: مسلمون علموا العالم ص51، 52،أحمد علي الملا: أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية ص140.
[3] انظر ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية 1/107، الباباني: هدية العارفين 1/378، إدوارد فينديك: اكتفاء القنوع بما هو مطبوع ص79 - كحالة: معجم المؤلفين 7/58، الزِّرِكلي: الأعلام، 4/271، محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص205.
[4] راجع في ذلك: ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية 1/107، الباباني: هدية العارفين 1/378، كحالة: معجم المؤلفين 7/58، الزركلي: الأعلام 4/271، أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص41، محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص205، محمد علي عثمان: مسلمون علموا العالم ص49.
[5] انظر: ابن النفيس (أعلام العرب، رقم 57).
[6] محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص208، علي عبد الله الدَّفاع: رواد علم الطب في الحضارة الإسلامية ص451.
[7] راجع علي عبد الله الدفاع: رواد علم الطب في الحضارة الإسلامية ص451، محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص209، 211، أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص41.
[8] انظر ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية 1/107، الباباني: هدية العارفين 1/378، إدوارد فينديك: اكتفاء القنوع بما هو مطبوع ص79، كحالة: معجم المؤلفين 7/58، الزركلي: الأعلام، 4/271، محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص207، علي عبد الله الدفاع: رواد علم الطب ص452، 453، عبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه ص133، أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص42.
[9] انظر أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص41، وراجع أيضًا ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية 1/107.
[10] ابن قاضي شهبة: طبقات الشافعية 1/107.
[11] الزركلي: الأعلام، 4/271.
[12] انظر الزركلي: الأعلام 4/271، عبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه ص133، 134، محمد علي عثمان: مسلمون علَّموا العالم ص51، 52، أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص41.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 09-03-2020, 05:02 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

الخوارزمي



قصة الإســـــــــــــلام











الخوارزمي عالم من الطراز الأول

إذا انتقلنا إلى الرياضيات والفلك فسنلتقي منذ البدء بعلماء من الطراز الأول، ومن أشهر هؤلاء العلماء أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي!!
ليست تلك المقولة من تعبيري، وإنما هي لأحد المستشرقين الذين عُنُوا بعلوم المسلمين، وعرفوا فضل إسهاماتهم، وهو المستشرق "ألدو ميلي".
فالخوارزمي الرياضي والجغرافي والفلكي يُعَدُّ من أكبر علماء المسلمين، ومن العلماء العالميين الذين كان لهم تأثير كبير على العلوم الرياضية والفلكية. وهو مؤسس ومبتدع علم الجبر كعلمٍ مستقلٍّ عن الحساب، وقد أخذه الأوربيون عنه، كما أنَّه أول من استعمل كلمة "جبر" للعلم المعروف الآن بهذا الاسم، فحتى الآن ما زال الجبر يعرف باسمه العربي في جميع اللغات الأوربية، وترجع كل الكلمات التي تنتهي في اللغات الأوربية بـ "algorism/algorithme" إلى اسم الخوارزمي، كما يرجع إليه الفضل في تعريف الناس بالأرقام العربية؛ ولهذا كان الخوارزمي أهلاً لتسميته بأبي الجبر[1].
وتعود أصول الخوارزمي إلى خوارزم (أوزبكستان اليوم)، وعاش في بغداد فيما بين سنة 164 وسنة 235 هجرية (الموافق 780 - 850 ميلادية) وتُوُفِّي هناك. وبرز في زمن خلافة المأمون (مدة خلافته من 198 - 218هـ)، ولمع في علم الرياضيات والفلك.
لما كان والد المأمون (الخليفة هارون الرشيد) يريد توطيد العلم في أنحاء العالم الإسلامي المترامي الأطراف، فقد سار على دربه ابنه (المأمون) وأسَّس بيت الحكمة، الذي كان يحتوي على مكتبة تضم نصوصًا مترجمة لأهم الكتب اللاتينية، ثم عيَّن الخوارزمي رئيسًا له، وعهد إليه بجمع الكتب اليونانية وترجمتها، الأمر الذي أفاد الخوارزمي كثيرًا؛ حيث درس الرياضيات، والجغرافيا، والفلك، والتاريخ، إضافةً إلى إحاطته بالمعارف اليونانية والهندية، حتى كان نبوغه في حدود سنة 205 هجرية[2].

وقد حدثت تغييرات عديدة في اسمه عند الغربيين بعد وفاته، حيث عُرِف بـ (alchwarizmi) و(al-karismi) و(algoritmi) و(algorismi) و(algorism) وقد أصبحت الكلمة الأخيرة (algorism) تعني الحساب في اللغة الإنجليزية الحديثة[3].
الخوارزمي وعلم الجبر


كلمة جبر تعبير استخدمه (الخوارزمي) من أجل حَلِّ المعادلات بعد تكوينها، ومعناه أن طرفًا من طرفي المعادلة يكمل ويزداد على الآخر وهو الجبر، والأجناس المتجانسة في الطرفين تسقط منها، وهو المقابلة أي أنَّ: ب س + ج= أ س2 + 2ب س- جـ
تصبح بعد الجبر ب س+ 2جـ= أ س2+ 2ب س.
وتصبح بالمقابلة 2جـ= أ س2+ ب س.
واسم الجبر في جميع لغات العالم مشتق من الكلمة العربية (الجبر)، وهي التي استخدمها (الخوارزمي) في كتابه (الجبر والمقابلة) كما سيأتي الحديث عنه.
وقد اشتغل المسلمون بالجبر واستعملوه حتى نبغوا فيه، بينما كان بمثابة الألغاز بالنسبة للأوربيين؛ يقول الدكتور ديفيد يوجين سميث في كتابه (تاريخ الرياضيات - المجلد الثاني): "إنَّ الجبر عُرِفَ في اللغة الإنجليزية في القرن السادس عشر الميلادي بالجبر والمقابلة، ولكنَّ هذا الاسم اختُصِرَ في النهاية من مخطوطة محمد بن موسى الخوارزمي الذي نال الشهرة العظيمة عام 825م، وذلك في بيت الحكمة في بغداد حيث ألَّف هناك كتابه القيم "الجبر والمقابلة"، وفيه حلَّ الكثير من المعادلات ذات الدرجة الأولى والثانية من ذات المجهول الواحد".
واعترف رام لاندو في كتابه (مآثر العرب في الحضارة) بأنَّ الخوارزمي "ابتكر علم الجبر، ونقل العدد من صفة البدائية الحسابية لكمية محدودة إلى عنصر ذي علاقة وحدود لا نهاية لها من الاحتمالات، ويمكننا القول بأن الخطوة من الحساب إلى الجبر هي في جوهرها الخطوة من الكينونة إلى الملائمة، أو من العالم الإغريقي الساكن إلى العالم الإسلامي المتحرك الأبدي الرباني"[4].
وقد طوَّر الخوارزمي علم الجبر كعلمٍ مستقل عن الحساب؛ ولذا ينسب إليه هذا العلم في جميع أنحاء المعمورة، فقد ابتكر الخوارزمي في بيت الحكمة الفكر الرياضي بإيجاد نظام لتحليل كل معادلات الدرجة الأولى والثانية ذات المجهول الواحد بطرق جبرية وهندسية[5].
ولذا فقد سمَّى جورج سارتون في كتابه (مقدمة من تاريخ العلوم) النصف الأول من القرن التاسع بـ "عصر الخوارزمي"؛ وذلك لأن الخوارزمي كان أعظم رياضيٍّ في ذلك العصر على حَدِّ تعبير سارتون، ويستطرد سارتون فيقول: "وإذا أخذنا جميع الحالات بعين الاعتبار فإنَّ الخوارزمي أحد أعظم الرياضيين في كل العصور".
وإضافةً إلى ذلك أكَّد الدكتور أي وايدمان أن أعمال الخوارزمي تتميز بالأصالة والأهمية العظمى وفيها تظهر عبقريته، كما قال الدكتور ديفيد بوجين سميث ولويس شارلز كاربينسكي في كتابهما (الأعداد الهندية والعربية): "إنَّ الخوارزمي هو الأستاذ الكبير في عصر بغداد الذهبي؛ إذ إنه أحد الكُتّاب المسلمين الأوائل الذين جمعوا الرياضيات الكلاسيكية من الشرق والغرب، محتفظين بها حتى استفادت منها أوربا المتيقظة آنذاك. إنَّ لهذا الرجل معرفةً كبيرة، ويدين له العالم بمعرفتنا الحإلية لعلمي الجبر والحساب"[6].
وقد وجد الخوارزمي متسعًا من الوقت لكتابة علم الجبر حينما كان منهمكًا في الأعمال الفلكية في بغداد، ويختص كتابه "الجبر والمقابلة" بإيجاد حلول لمسائل عملية واجهها المسلمون في حياتهم اليومية[7].
إنَّ الرياضيات التي ورثها المسلمون عن اليونان تجعل حساب التقسيم الشرعي للممتلكات بين الأبناء معقدًا للغاية إن لم يكن مستحيلاً، وهذا هو ما قاد الخوارزمي للبحث عن طرق أدق وأشمل، وأكثر قابلية للتكيف فابتدع علم الجبر.
وقد استعمل الخوارزمي الطريقة البيانية لإيجاد جذر المعادلة بكل نجاح؛ لذا فإن الخطأ بين موضعين يُعتبر من ابتكاره، وهذه الطريقة لعبت دورًا مهمًا في التحليل العددي، وتُعرَف في اللغة الإنجليزية باسم (false positions).
وعرف الخوارزمي الوحدة المستعملة في المساحات، واستخدم (التكسير) ويقصد بذلك المساحة، سواء كانت سطحية أو حجمية، كما تطرق إلى إيجاد مساحات بعض السطوح مستقيمة الأضلاع والأجسام، والدائرة، والقطعة، والهرم الثلاثي والرباعي، والمخروط والكرة، كما استعمل النسبة التقريبية وقيمتها ط = 8/ 22 أو 10، لذا فإن الخوارزمي أثرى علم الجبر باستعماله بعض الأفكار الجبرية لمعرفة المساحة.
وكان الخوارزمي يعرف أن هناك حالاتٍ يستحيل فيها إيجاد قيمة للمجهول (الكميات التَّخيُّلية) وسماها: (الحالة المستحيلة)، وبقيت معروفةً بهذا الاسم بين علماء الرياضيات حتى بدأ العالم السويسري ليونارد أويلر leonhard euler (1707- 1783م) في تعريف الكميات التخيلية بأنها: الكمية التي إذا ضربت بنفسها كان الناتج مقدارًا سالبًا، وأعطى كثيرًا من الأمثلة على هذا.
ثم جاء العالم الألماني كارل قاوس (1777 – 1855م) فركز على دراسة الكميات التخيلية وخواصها. والجدير بالذكر أن الكميات التخيلية قادت في النهاية إلى معرفة علم التحليل المركَّب الذي يُعتبر من أهم العلوم الرياضية في العصر الحديث، ومما لا يقبل الجدل والتأويل أن الفضل في ذلك يرجع أولاً للعالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي.
ولم يكتشف الخوارزمي علم الجبر ونظرية الخطأين (وهما أداة أساسية في التحليل العلمي الرياضي) فحسب، وإنما وضع كذلك أسس البحث التجريبي الحديث باستخدام النماذج الرياضية، كما نشر أول الجداول العربية عن المثلثات للجيوب والظلال، وقد تُرجِمت إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر[8].
وإضافةً إلى إسهاماته الكبرى في الحساب، أبدع الخوارزمي أيضًا في علم الفلك، وأتى ببحوث جديدة في المثلثات، ووضع جدولاً فلكيًّا (زيجًا)، وقد كان لهذا الزيج الأثر الكبير على الجداول الأخرى التي وضعها العرب فيما بعد، إذ استعانوا به واعتمدوا عليه وأخذوا منه. وكان من أهم إسهامات الخوارزمي العلمية التحسينات التي أدخلها على جغرافية بطليموس سواء بالنسبة للنص أو الخرائط[9].

مؤلَّفات الخوارزمي


يقول محمد خان في كتابه (نظرة مختصرة لمآثر المسلمين في العلوم والثقافة): "إنَّ الخوارزمي يقف في الصف الأول من صفوف الرياضيين في جميع العصور، وكانت مؤلفاته هي المصدر الرئيسي للمعرفة الرياضية لعدة قرون في الشرق والغرب"[10].
وقد اهتم الخوارزمي في بداية الأمر بالاكتشافات في علم الرياضيات والفلك، ثم بعدها بدأ التأليف فصنَّف كتبًا كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 - كتاب (الجبر والمقابلة)، وهو الكتاب الرئيسي ذو الأثر الحاسم، والذي درس فيه تحويل المعادلات وحلها، وقد ترجمه إلى اللاتينية "جيراردو دي كريمونا" ونشر النص العربي (روزن) مع ترجمة إنجليزية في لندن سنة 1851م.
وترجم له أيضًا "يوحنا الأسباني" الذي ترجم من العربية إلى اللاتينية عدة مؤلفات في الفلك والنجوم، من بينها كتب للخوارزمي، بفضلها انتقل الحساب الهندي والنظام العشري في الحساب إلى أوربا؛ حتى عرفت العمليات الحسابية باسم Alguarismo. والغريب أنها ترجمت إلى العربية باسم "اللوغاريتمات" وهي في الأصل منسوبة إلى الخوارزمي!! والصحيح أن تترجم "الخوارزميات" أو "الجداول الخوارزمية".
وقد أصبح الكتاب مصدرًا أساسيًا في الرياضيات في الجامعات الأوربية حتى القرن السادس عشر، وكان معظم ما ألَّفه مَنْ جاء بعده في علم الجبر مستندًا عليه، وقد نقله من اللغة العربية إلى اللاتينية روبرت أوف شستر ( Robert of chester) فاستنارت به أوربا.
وحديثًا حقق الدكتوران علي مصطفى مشرفة ومحمد مرسي هذا الكتاب، وذلك في سنة 1968م[11].
2 - كتاب في الجغرافيا شرح فيه آراء بطليموس.
3 - كتاب جداول للنجوم وحركاتها من مجلدين.
4 - كتاب شرح فيه طريقة معرفة الوقت بواسطة الشمس.
5 - كتاب جمع فيه بين الحساب والهندسة والموسيقى والفلك، ويقول البروفيسور جورج سارتون في كتابه (المدخل إلى تاريخ العلوم) عن هذا الكتاب: إنه "يشتمل على خلاصة دراساته لا على ابتكاراته العظيمة".
6 - كتاب العمل بالإسطرلاب.
7 - كتاب صنع الإسطرلاب.
8 - كتاب وضح فيه طريقة الجمع والطرح.
9 - كتاب صورة الأرض وجغرافيتها.
10 - كتاب صورة الأرض، نشر سنة 1929م.
11 - كتاب المعرفة، وهو يبحث في علم النجوم.
12 - كتاب زيج الخوارزمي الأول.
13 - كتاب زيج الخوارزمي الثاني، وهو جداول فلكية سماه (السند هند)، جمع فيه بين مذهب الهند والفرس.
14 - رسالة عن النسبة التقريبية وقيمتها الرياضية.
15 - رسالة وضح فيها معنى الوحدة المستعملة في المساحات والحجوم.
16 - رسالة ذكر فيها برهانًا آخر لنظرية فيثاغورث مستخدمًا مثلثًا قائم الزاوية ومتساوي الساقين.
17 - رسالة مفصلة وضح فيها قوانين لجمع المقادير الجبرية وطرحها وضربها وقسمها.
18 - رسالة شرح فيها طريقة إجراء العمليات الحسابية الأربع على الكميات الصم.
19 - كتاب رسم الربع المعمور.
20 - كتاب الجمع والتفريق.
21 - كتاب الرُّخامة (الرخامة قطعة من الرخام مخططة تساعد على معرفة الوقت عن طريق الشمس).
22 - كتاب هيئة الأرض.
23 - كتاب المعاملات، ويتضمن المعاملات التي يقوم بها الناس من بيع وشراء[12].
لقد عاش الخوارزمي حياةً عمادُها العلمُ؛ بحثًا واكتشافًا وتأليفًا ابتغاء مرضاة الله، وسعيًا وراء راحة البشرية، ورقي الحضارة، وظلَّ كذلك حتى وافته المَنِيَّة سنة 235هـ/ 850م. فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
[1] راجع محمد علي عثمان: مسلمون علَّموا العالم ص74، 75، أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص20.
[2] انظر ابن النديم: الفهرست ص333، إليان سيركيس: معجم المطبوعات 1/841، أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص20، علي عبد الله الدَّفّاع: العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية ص148.
[3] انظر علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية – الرياض، العدد الخامس، الإصدار من المحرم إلي الثانية لسنة 1400هـ 5/173، أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص20.
[4] انظر علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية – الرياض، العدد الخامس، الإصدار من المحرم إلي الثانية لسنة 1400هـ 5/173.
[5] انظر كرم حلمي فرحات أحمد: التراث العلمي للحضارة الإسلامية في الشام والعراق خلال القرن الرابع الهجري ص642، 643، وانظر أيضًا المصدر السابق ص172.
[6] انظر علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/172، 173، وله أيضًا: العلوم البحتة في الحضارة العربية والإسلامية ص149.
[7] علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/187، وله أيضًا: روائع الحضارة العربية الإسلامية في العلوم ص76.
[8] علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/187، وله أيضًا: روائع الحضارة العربية الإسلامية في العلوم ص76.
[9] انظر أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص20 - عبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه ص108.
[10] علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/172.
[11] الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/187، وله أيضًا: روائع الحضارة العربية الإسلامية في العلوم ص77، ومحمد علي عثمان: مسلمون علَّموا العالم ص77، وعبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه ص65.
[12] انظر ابن النديم: الفهرست ص333، إليان سيركيس: معجم المطبوعات 1/841، علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/186، 187، وله أيضًا: العلوم البحتة ص172، 173.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 09-03-2020, 05:05 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

أبو بكــــــــــــــــر الرازي


قصة الإسلام








من هو أبو بكر الرازي:
لم يكن الرازي طبيبًا فحسب، ولا معلمًا فقط.. ولكنه أبدع كذلك في مجالات الأخلاق والقيم والدين، كما أبدع - ولا شك في ذلك - في مجال الإنسانية، حتى أصبح علمًا من أعلام الفضيلة، كما كان علمًا من أعلام الطب. ولا شك أن هذا الرجل العظيم من أعظم صور الحضارة الإسلامية.

فهو أبو بكر محمد بن زكريا الرازي.. وقد وُلِدَ في مدينة الرَّي, وإليها نُسِب.. ومدينة الري تقع على بعد ستة كيلو مترات جنوب شرقي طهران, وكان ميلاده في سنة 250هـ (864م)، وكان منذ طفولته محبًّا للعلم والعلماء، فدرس في بلدته "الري" العلوم الشرعية والطبية والفلسفية[1]، ولكن هذا لم يُشْبع نَهَمَه لطلب العلم؛ فلم تكن مدينة الري - على اتساعها وكثرة علمائها - بالمدينة التي تحوي علوم الأرض في ذلك الوقت؛ ولذلك يمَّم الرازي وجهه شطر عاصمة العلم في العالم في ذلك الوقت, وهي "بغداد" عاصمة الخلافة العباسية، فذهب إليها في شِبه بعثة علمية مكثفة، تعلم فيها علومًا كثيرة، ولكنه ركَّز اهتمامه في الأساس على الطب، وكان أستاذه الأول في هذا المجال هو "علي بن زين الطبري"، وهو صاحب أول موسوعة طبية عالمية (فردوس الحكمة)[2].
الرازي معجزة الطب عبر الأجيال:
اهتمَّ الرازي أيضًا بالعلوم التي لها علاقة بالطب، كعلم الكيمياء والأعشاب[3]، وكذلك علم الفلسفة؛ لكونه يحوي آراء الكثير من الفلاسفة اليونان والذين كانوا يتكلمون في الطب أيضًا، وكان أستاذه الأول في الفلسفة هو "البلخي"[4]. وهكذا أنفق الرازي عدة سنوات من عمره في تعلم كل ما يقع تحت يديه من أمور الطب، حتى تفوق في هذا المجال تفوقًا ملموسًا.

ثم عاد الرازي بعد هذا التميز إلى الري, فتقلَّد منصب مدير مستشفي مدينة الري، وكان من المستشفيات المتقدمة في الإسلام، وذاعت شهرته، ونجح في علاج الكثير من الحالات المستعصية في زمانه، وسمع بأمره الكبير والصغير والقريب والبعيد، حتى سمع به "عضد الدولة بن بويه" كبير الوزراء في الدولة العباسية, فاستقدمه إلى بغداد ليتولى منصب رئيس الأطباء في المستشفى العضدي، وهو أكبر مستشفى في العالم في ذلك الوقت، وكان يعمل به خمسون طبيبًا[5].
والحق أنه لم يكن مستشفى فقط, بل كان جامعة علمية, وكليَّة للطب على أعلى مستوى. وقد أصبح الرازي فيه مرجعية علمية لا مثيل لها، ليس في بغداد فقط، وإنما في العالم كله، وليس على مدى سنوات معدودة، ولكن لقرون متتالية، فكان معجزة الطب عبر الأجيال!!
ولعلَّه من المهم جدًّا أن نقف وقفة ونتساءل: كيف وصل الرازي إلى هذا المجد، وإلى هذه المكانة؟
لا بدَّ أن نعلم أن النجاح لا يأتي مصادفة، وأن التفوق لا يكون إلا بجهد وتعب وبذل وتضحية، كما أن الإبداع لا يكون عشوائيًّا أبدًا، إنما يحتاج إلى تخطيط وتدريب ومهارة، وهكذا كانت حياة الرازي.
لقد بحث الرازي عن العلم في كل مصادره، واجتهد قدر استطاعته في تحصيل كل ما يقع تحت يده من معلومات، ثم أتبع ذلك بتفكير عميق وتجارب متعددة ودراسة متأنية.. حتى بدأ يعدِّل في النظريات التي يقرؤها، وأخذ ينقد ويحلل، ثم وصل إلى الاختراع والإبداع.
الرازي ومنهجه التجريبي:
لقد انتشر في زمان الرازي الطب اليوناني والفارسي والهندي والمصري نتيجة اجتهاد العلماء في ترجمة كتب تلك الأمم، فقرأها الرازي جميعًا، لكنه لم يكتف بالقراءة بل سلك مسلكًا رائعًا من أرقى مسالك العلم وهو الملاحظة والتجربة والاستنتاج..

فقد كان الطب اليوناني هو أهم طب في تلك الفترة، ولكنه كان يعتمد في الأساس على النظريات غير المجرَّبة.. وكان كل أطباء اليونان يعتمدون هذه الطريقة حتى عرفوا بفلاسفة الطب، فهم لم يُخضعوا نظرياتهم لواقع الحياة إلا قليلاً، ولا يُستثنَى من ذلك أحدٌ من أطباء اليونان حتى العمالقة منهم أمثال جالينوس وأبقراط!! ولكن الرازي قال كلمته المشهورة التي تعتبر الآن قانونًا من قوانين العلم بصفة عامة, والطب بصفة خاصة.. قال: "عندما تكون الواقعة التي تواجهنا متعارضة والنظرية السائدة يجب قبول الواقعة، حتى وإن أخذ الجميع بالنظرية تأييدًا لمشاهير العلماء.."[6]!!
فهو يذكر أنه ليس لعالم مشهور أو غير مشهور أن يقرر نظرية تتعارض مع المشاهدة الفعلية والتجربة الحقيقية والواقعة الحادثة، بل تُقَدَّم الملاحظة والتجربة؛ وبذلك يُبْنَى الاستنتاج على ضوء الحقائق لا الافتراضات الجدلية.
ما أروعه حقًّا من مبدأ، وما أبدعها من طريقة!!
ولذلك نجد أن الرازي كثيرًا ما انتقد آراء العلماء السابقين نتيجة تجاربه المتكررة، بل إنه ألَّف كتابًا خصِّيصًا للرد على جالينوس أعظم أطباء اليونان وسمَّى الكتاب "الشكوك على جالينوس", وذكر في هذا الكتاب الأخطاء التي وقع فيها جالينوس، والتصويب الذي قام هو به لهذه الأخطاء، وكيف وصل إلى هذه النتائج[7].
وكان الرازي حريصًا على سؤال المريض عن كل ما يتعلق بالمرض تقريبًا من قريب أو بعيد وكان يقول: "إن الطبيب ينبغي ألا يدع مُساءَلة المريض عن كل ما يمكن أن يقوله عن علَّته"[8]، وهذه أول خطوة في التعامل مع المريض في الطب الحديث، وهي معرفة تاريخ المرض والأمور المحتملة التي قد تكون سبَّبت المرض، ثم يقوم الرازي بالكشف على المريض وقياس الحرارة والنبض، وإذا استلزم الأمر أن يدخل المريض المستشفي فإنه يضعه تحت الملاحظة الدقيقة المستمرة لتسجيل كل معلومة قد تكون مفيدة في كشف سبب المرض, أو في وصف العلاج.. وقد كان الرازي من الدقة إلى درجة أذهلت من قرأ تعليقاته على الحالات المرضية التي وصفها.
إنجازات الرازي:
بل إن الرازي وصل إلى ما هو أروع من ذلك، حيث أرسى دعائم الطب التجريبي على الحيوانات، فقد كان يجرب بعض الأدوية على القرود فإن أثبتت كفاءة وأمانًا جربها مع الإنسان، وهذا من أروع ما يكون، ومعظم الأدوية الآن لا يمكن إجازتها إلا بتجارب على الحيوانات كما كان يفعل الرازي[9].

ولقد كان من نتيجة هذا الأسلوب العلمي المتميز للرازي، أن وصل إلى الكثير من النتائج المذهلة، وحقق سبقًا علميًّا في كثير من الأمور.
فالرازي هو أول مبتكر لخيوط الجراحة، وقد ابتكرها من أمعاء القطة! وقد ظلت تستعمل بعد وفاته لعدة قرون، ولم يتوقف الجراحون عن استعمالها إلا منذ سنوات معدودة في أواخر القرن العشرين، عند اختراع أنواع أفضل من الخيوط، وهذه الخيوط هي المعروفة بخيوط أمعاء القط.. "[10].
والرازي هو أول من صنع مراهم الزئبق[11].
وهو أول من فرَّق بين النزيف الوريدي والنزيف الشرياني، واستخدام الضغط بالأصابع لإيقاف النزف الوريدي، واستخدم الربط لإيقاف النزيف الشرياني، وهذا عين ما يستخدم الآن!!
وهو أول من وصف عملية استخراج الماء من العيون[12]..
وهو أول من استخدم الأفيون في علاج حالات السعال الجاف..
وهو أول من أدخل المليِّنات في علم الصيدلة..
وهو أول من اعتبر الحمَّى عرضًا لا مرضًا[13].
وكان يهتم بالتعليق على وصف البول ودم المريض للخروج منهما بمعلومات تفيده في العلاج[14].
كما نصح بتجنب الأدوية الكيميائية إذا كانت هناك فرصة للعلاج بالغذاء والأعشاب، وهو عين ما ينصح به الأطباء الآن[15].
ولم يكن الرازي مبدعًا في فرع واحد من فروع الطب، بل قدم شرحًا مفصلاً للأمراض الباطنية والأطفال والنساء والولادة والأمراض التناسلية والعيون والجراحة وغير ذلك..
وقد منحه الله ذكاء فوق العادة، ويؤكد ذلك وسيلته في اختيار المكان المناسب لإنشاء مستشفي كبير في بغداد.. فقد اختار أربعة أماكن تصلح لبناء المستشفي، ثم بدأ في المفاضلة بينها، وذلك بوضع قطعة لحم طازجة في الأماكن الأربعة.. ثم أخذ يتابع تعفُّن القطع الأربع، ثم حدد آخر القطع تعفنًا، واختار المكان الذي وُضعت فيه هذه القطعة لبناء المستشفي؛ لأنه أكثر الأماكن تميزًا بجو صحي، وهواء نقي يساعد على شفاء الأمراض[16].
ولم يكن الرازي مجرد طبيب يهتم بعلاج المرض، بل كان معلمًا عظيمًا يهتم بنشر العلم وتوريث الخبرة، وكان الرازي يدرس تلامذته الطب في المدرسة الطبية العظيمة في المستشفي العضدي ببغداد، وكان يعتمد في تدريسه على المنهجين: العلمي النظري، والتجريبي الإكلينيكي؛ فكان يدرس الكتب الطبية، وبعض المحاضرات، ويدير الحلقات العلمية، وفي ذات الوقت يمر مع طلبته على أسِرَّة المرضى.. يشرح لهم ويعلمهم وينقل لهم خبرته، وكان يُدرِّس لهم الطب في ثلاث سنوات، ويبدأ بالأمور النظرية ثم العملية، تمامًا كما يحدث في كليات الطب الآن، وكان في آخر السنوات الثلاث يعقد امتحانًا لطلبة الطب مكونًا من جزأين: الجزء الأول في التشريح، والثاني في الجانب العملي مع المرضى، ومن كان يفشل في الجانب الأول "التشريح" لا يدخل الامتحان الثاني، وهذا أيضًا ما نمارسه الآن في كليات الطب[17].
مؤلفات الرازي:
ولم يكن الرازي يكتفي فقط بالتدريس والتعليم والامتحانات لنقل العلم، بل اهتم بجانب آخر لا يقل أهمية عن هذه الجوانب وهو جانب التأليف، فكان الرازي مُكثرًا من التأليف وتدوين المعلومات وكتابة الكتب الطبية، حتى أحصى له ابن النديم في كتابه "الفهرست" 113 كتابًا و28 رسالة، وهذا عدد هائل، خاصةً أنها جميعًا في مجال الطب[18].

وقد كان من أعظم مؤلفات الرازي كتاب "الحاوي في علم التداوي"، وهو موسوعة طبية شاملة لكافة المعلومات الطبية المعروفة حتى عصر الرازي، وقد جمع فيه الرازي كل الخبرات الإكلينيكية التي عرفها، وكل الحالات المستعصية التي عالجها، وتتجلى في هذا الكتاب مهارة الرازي، ودقة ملاحظاته، وغزارة علمه، وقوة استنتاجه..
وقد تُرجِم هذا الكتاب إلى أكثر من لغة أوروبية، وطُبع لأول مرة في بريشيا بشمال إيطاليا سنة 891هـ/ 1486م، وهو أضخم كتاب طُبع بعد اختراع المطبعة مباشرة، وكان مطبوعًا في 25 مجلدًا، وقد أُعيدت طباعته مرارًا في البندقية بإيطاليا في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي), ويذكر المؤرخ "ماكس مايرهوف" أنه في عام 1500 ميلادية كان هناك خمس طبعات لكتاب الحاوي, مع عشرات الطبعات لأجزاء منه..
ومن كتبه أيضًا "المنصوري"، وقد سماه بهذا الاسم نسبة إلى المنصور بن إسحاق حاكم خراسان، وقد تناول فيه موضوعات طبية متعددة في الأمراض الباطنية والجراحة والعيون، وقد تعمَّد الرازي الاختصار في هذا الكتاب, فجاء في عشرة أجزاء!! لذلك رغب العلماء الأوروبيون في ترجمته عدة مرات إلى لغات مختلفة، منها اللاتينية والإنجليزية والألمانية والعبرية! وقد تم نشره لأول مرة في ميلانو سنة 1481م، وظل مرجعًا لأطباء أوربا حتى القرن السابع عشر الميلادي[19].
ومن أروع كتبه كذلك كتاب "الجدري والحصبة"، وفيه يتبين أن الرازي أول من فرق بين الجدري والحصبة، ودوَّن ملاحظات في غاية الأهمية والدقة للتفرقة بين المرضين، وقد أُعيدت طباعة هذا الكتاب في أوروبا أربع مرات بين عامي ( 903 : 1283هـ) (1498 : 1869م)[20].
ومن كتبه أيضًا كتاب "الأسرار في الكيمياء"، الذي بقي مدة طويلة مرجعًا أساسيًّا في الكيمياء في مدارس الشرق والغرب[21].
ومن كتبه المهمة كذلك كتاب "الطب الروحاني" الذي ذكر فيه أن غايته من الكتاب هو أصلاًح أخلاق النفس.. وحضَّ في كتابه هذا على تكريم العقل، وعلى قمع الهوى, ومخالفة الطباع السيئة, وتدريب النفس على ذلك[22].
أمانته العلمية وأخلاقه الحميدة:
غير أن أهم ما ميز الرازي في ذلك كله، هو البُعد الأخلاقي عنده؛ فقد تميز الرازي بالأمانة العلمية التامة في كتاباته؛ فكان لا يذكر أمرًا من الأمور اكتشفه غيره إلا أشار إلى اسم المكتشف الأصلي، ولذلك حفلت كتبه بأسماء جالينوس وأبقراط وأرمانسوس وغيرهم، كما ذكر في كتبه المحدثين من الأطباء أمثال يحيى بن ماسويه، وحنين بن إسحاق.

وكان الرازي يحض تلامذته على اتباع نهج الكتابة والتأليف، فكان يقول لهم: "إذا جمع الطالب أكبر قدر من الكتب، وفهم ما فيها، فإن عليه أن يجعل لنفسه كتابًا يضمنه ما غفلت عنه الكتب التي قرأها".
فهو ينصح كل طلبته أن يسجلوا المعلومات التي يلحظونها في أثناء دراستهم وعلاجهم للمرضى - والتي لم تُذكر في الكتب السابقة - وبذلك يستفيد اللاحقون بعلمهم وتأليفهم.
ولم يكن الرازي عالمًا فقط، بل كان إنسانًا خلوقًا من الدرجة الأولى، فقد اشتهر بالكرم والسخاء، وكان بارًّا بأصدقائه ومعارفه، عطوفًا على الفقراء وبخاصة المرضى، فكان ينفق عليهم من ماله الخاص، ويجري لهم أحيانًا الرواتب الثابتة[23]!!
وكان يوصي تلامذته أن يكون هدفهم هو إبراء المرضى أكثر من نيل الأجور منهم، ويوصيهم كذلك بأن يكون اهتمامهم بعلاج الفقراء تمامًا كاهتمامهم بعلاج الأمراء والأغنياء.. بل إنه من شدَّة اهتمامه بالفقراء ألَّف لهم كتابًا خاصًا سماه "طب الفقراء"، وصف فيه الأمراض المختلفة وأعراضها ثم وصف طرق علاجها عن طريق الأغذية والأعشاب الرخيصة بدلاً من الأدوية مرتفعة الثمن أو التراكيب النادرة[24].
ومن شدة اهتمامه بالأخلاق الحميدة ألَّف كتابًا خاصًا بهذا الأمر سماه "أخلاق الطبيب"، يشرح فيه العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض، وبين الطبيب والطبيب، وضمَّنه كذلك بعض النصائح للمرض في تعاملهم مع الأطباء[25].

الثناء على الرازي:
هذا، وقد اعترف القاصي والداني لأبي بكر الرازي بالفضل والمجد والعظمة والعلم والسبق، ولا نقصد بذلك المسلمين فقط، بل اهتم غير المسلمين أيضًا بإنجازات الرازي وابتكاراته..

فنجد - فضلاً عن ترجمة كتبه إلى اللغات الأوربية وطبعها أكثر من مرة - إشارات لطيفة وأحداثًا عظيمة تشير إلى أهمية ذلك العالم الجليل، ومن ذلك أن الملك الفرنسي الشهير لويس الحادي عشر، الذي حكم من عام 1461م إلى 1483م، قد دفع الذهب الغزير لينسخ له أطباؤه نسخة خاصة من كتاب "الحاوي"؛ كي يكون مرجعًا لهم إذا أصابه مرض ما!!
ونجد أن الشاعر الإنجليزي القديم "جوفري تشوسر" قد ذكر الرازي بالمدح في إحدى قصائده المشهورة في كتابه "أقاصيص كونتربري"!!
ولعله من أوجه الفخار أيضًا أنه رغم تطور العلم وتعدد الفنون إلا أن جامعة بريستون الأمريكية ما زالت تطلق اسم الرازي على جناح من أكبر أجنحتها[26]، كما تضع كلية الطب بجامعة باريس نصبًا تذكاريًّا للرازي، إضافةً إلى صورته في شارع سان جيرمان بباريس.
لقد كان الرازي بحق صورة رائعة من صور الحضارة الإسلامية، قلَّما تتكرر في التاريخ، لقد كان طبيبًا وعالمًا ومعلمًا وإنسانًا.. عاش حياته لخدمة الإسلام والعلم والبشرية، ومات عن عمر بلغ ستين عامًا، وكانت وفاته في شعبان 311هـ / نوفمبر 923م.
لكن من الصعب أن نقول: إنه مات؛ فالمرء يُكتَب له الخلود بقدر ما ينفع الناس، وصدق الرسول الكريم عندما ذكر في الحديث الذي رواه عنه أبو هريرة ، أنه قال: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ"وذكر منها: "أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ"[27].
[1] ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء 1/63.
[2] مصطفى وهبة: نوابغ المسلمين 1/117.
[3] القنوجي: أبجد العلوم 3/114.
[4] ابن النديم: الفهرست 1/416.
[5] الدفاع: رواد في الحضارة الإسلامية ص218.
[6] ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 1/78،77.
[7] السابق نفسه 1/68.
[8] السابق نفسه 3/27.
[9] ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 1/78.
[10] محمود الحاج قاسم محمد: الموجز لما أضافة العرب في الطب ص43.
[11] ول ديورانت: قصة الحضارة 4/4.
[12] محمود الحاج قاسم: الطب عند العرب والمسلمين ص308 نقلا عن عبد المنعم عبد الحميد: مجلة جامعة الموصل عدد 15، السنة الثاني ص67.
[13] انظر: محمود الحاج قاسم: الطب عند العرب والمسلمين ص72.
[14] الرازي: الحاوي 10/10.
[15] مصطفى وهبة: نوابغ المسلمين 1/121.
[16] ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء3/13.
[17] سامي حمارنة: الصناعة الطبية ص303.
[18] انظر: ابن النديم: الفهرست 1/420.
[19] محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص192.
[20] انظر: محمود الحاج قاسم: الطب عند العرب والمسلمين ص73.
[21] محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص191.
[22] عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية ص95.
[23] ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 3/13.
[24] عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية ص115، 116.
[25] انظر: مقدمة أخلاق الطبيب للرازي، لمحققه عبد اللطيف محمد العبد ص6.
[26] أحمد علي الملاّ: أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية ص138.
[27] مسلم: كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان بعد وفاته (1631)، وأبو داود (2880)، وأحمد (8831)، وأبو يعلى (6457).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 17-03-2020, 04:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

ابن الهيثم رائد علم الضوء الحديث
موقع إسلام ويب


ابن الهيثم من عباقرة العرب الذين ظهروا في القرن العاشر للميلاد في البصرة، ومن الذين نزلوا مصر واستوطنوها.
ترك آثارًا خالدات في الطبيعة والرياضيات، ولولاه لما كان علم البصريات على ما هو عليه الآن.
يقول الدكتور مصطفى نظيف عن ابن الهيثم أنه: "قلب الأوضاع القديمة، وأنشأ علمًا جديدًا، أبطل فيه علم المناظر، وأنشأ علم الضوء الحديث، وأن أثره في الضوء لا يقل عن أثر نيوتن في الميكانيكا..."
ولا أظن أني بحاجة إلى القول أن البصريات من عوامل تقدم الاختراع والاكتشاف، وأن كثيرًا من آلات البصر والكهرباء مرتكزة في صنعها على قوانين ومبادئ تتعلق بعلم الضوء، وقد وصل هذا العلم إلى أعلى درجة بفضل ابن الهيثم..."
وثبت أن (كبلر) أخذ معلوماته في الضوء، ولا سيما فيما يتعلق بانكساره في الجو من كتب ابن الهيثم ، واعترف بهذا العالم الفرنسي الشهير "فياردو".
ويقول "سارطون" أحد كبار الباحثين من علماء أمريكا فقال: "أن ابن الهيثم أعظم عالم ظهر عند العرب في علم الطبيعة، بل أعظم علماء الطبيعة في القرون الوسطى، ومن علماء البصريات القليلين المشهورين في العالم كله..".
وقد بقيت كتبه منهلاً ينهل منه فحول علماء أوروبا كروجر باكن، وكبلر، وفنزي ، ووايتلو.
وسحرت بحوثه في الضوء "ماكس مايرهوف" وأثارت إعجابه إلى درجة جعلته يقول: "إن عظمة الابتكار الإسلامي تتجلى لنا في البصريات..".
ومن الثابت أن كتاب المناظر لابن الهيثم من أكثر الكتب استيفاء لبحوث الضوء وأرفعها قدرًا. وهو لا يقل مادة وتبويبًا عن الكتب الحديثة العالية إن لم يفق بعضها في موضوع انكسار الضوء وتشريح العين وكيفية تكوين الصور على شبكة العين.
وليس المجال الآن مجال البحث في تفاصيل بحوث الكتاب، ولكن يمكن القول أنه من أروع ما كتب في القرون الوسطى وأبدع ما أخرجته القريحة الخصبة.
فلقد أحدث انقلابًا في علم البصريات وجعل منه علمًا مستقلاً له أصوله وأسسه وقوانينه.
ونستطيع أن نقول جازمين أن علماء أوروبا كانوا عالة على هذا الكتاب عدة قرون، وقد استقوا منه معلوماتهم في الضوء.
وبفضل بحوث هذا الكتاب المبتكرة وما يحويه من نظريات استطاع علماء القرن التاسع عشر والعشرين أن يخطو بالضوء خطوات فسيحة، أدت إلى تقدمه تقدمًا ساعد على فهم كثير من الحقائق المتعلقة بالفلك والكهرباء.
إنجازاته في مجال علم الضوء:
نجح ابن الهيثم وهو بمصر في تطوير علم البصريات بشكل جذري حين برهن رياضيا وهندسيا علي أن العين تبصر وتري بواسطة انعكاس الإشاعات من الأشياء المبصرة علي العين وليس بواسطة شعاع ينبثق من العين إلى الأشياء. وبذلك أبطل ابن الهيثم النظرية اليونانية لكل من أقليدس وبطليموس، التي كانت تقول بأن الرؤية تحصل من انبعاث شعاع ضوئي من العين إلى الجسم المرئي
كذلك برهن ابن الهيثم رياضيا وهندسيا علي كيفية النظر بالعينين معا إلى الأشياء في آن واحد دون أن يحدث ازدواج في الرؤية برؤية الشيء شيئين
وعلل ابن الهيثم ذلك بأن صورتي الشيء المرئي تتطابقان علي شبكية العينين وقد وضع ابن الهيثم بهذه البرهنة وذلك التعليل الأساس الأول لما يعرف الآن باسم الاستريسكوب.
وكان ابن الهيثم أول من درس العين دراسة علمية وعرف أجزاءها وتشريحها ورسمها
وأول من أطلق على أجزاء العين أسماء آخذها الغرب بنطقها أو ترجمها إلى لغاته ومن هذه الأسماء: القرنية (Cornea)، والشبكية (Retina)، والسائل الزجاجي (Viteous Humour)، والسائل المائي (Aqueous Humour).
ومن هذه الإنجازات انه أول من أجرى تجارب بواسطة آلة الثقب أو البيت المظلم أو الخزانة المظلمة واكتشف منها أن صورة الشيء تظهر مقلوبة داخل هذه الخزانة فمهد بهذا الطريق إلى ابتكار آلة التصوير وبهذه الفكرة وتلك التجارب سيق ابن الهيثم العالمين الإيطاليين " ليوناردو دوفنشى" "ودلا بورتا" بخمسة قرون.
ووضع ابن الهيثم ولاول مرة قوانين الانعكاس والانعطاف في علم الضوء وعلل لانكسار الضوء في مساره وهو الانكسار الذي يحدث عن طريق وسائط كالماء والزجاج والهواء فسبق ابن الهيثم بما قاله العالم الإنجليزي نيوتن.
ومن يطلع على كتاب المناظر والموضوعات التي تتعلق بالضوء وما إليه، يخرج بأن "ابن الهيثم" قد طبع علم الضوء بطابع جديد لم يسبق إليه.
وأنه كما يقول "مصطفى نظيف": "بدأ البحث من جديد... وأعاد بحوث الذين تقدموه لا لاستقصاء البحث فحسب، بل لقلب الأوضاع أيضًا... فظاهرة الامتداد على السموات المستقيمة، وظاهره الانعكاس، وظاهرة الانعطاف؛ تلك الظواهر التي استقصى ابن الهيثم حقائقها.
لم تكن تتعلق البتة بالشعاع الذي زعم المتقدمون بأنه يخرج من البصر، إنما كانت تتعلق بالضوء، الضوء الذي له وجود في ذاته مستقل عن وجود البصر والذي رأى ابن الهيثم –وكان أول من رأى– أن الإبصار يكون به.
فابن الهيثم قلب الأوضاع القديمة وأنشأ علمًا جديدًا. لقد أبطل علم المناظر الذي وضعه اليونان وأنشأ علم الضوء الحديث بالمعنى والحدود التي نريدها الآن. وأثر ابن الهيثم في هذا لا يقل في نظري عن أثر نيوتن في الميكانيكا..." إلى أن يقول: "... إن عد نيوتن بحق رائد علم الميكانيكا في القرن السابع عشر، فإن ابن الهيثم خليق بأن يعد بحق رائد علم الضوء في مستهل القرن الحادي عشر للميلاد...".
فنون أخرى برع فيها:
ولابن الهيثم رسائل عديدة في علم الفلك تزيد على عشرين رسالة، عرف منها ثلاث رسائل: تبحث في مائية الأثر على وجه القمر، وفي ارتفاع القطب، وفي هيئة العالم.
ويستدل من هذه الرسائل أنه استنبط طريقة جديدة لتعيين ارتفاع القطب أو عرض المكان على وجه التدقيق، وهي تدل على مقدرته العلمية الفلكية ومقدرة رياضية فائقة؛ إذ استطاع أن يلجأ إلى التحليل الرياضي، فكانت بحوثه ونتائجه خالية من الغلط والأخطاء.
وبسط ابن الهيثم سير الكواكب وتمكن من تنظيمها جميعًا على منوال واحد. فكانت هذه بمثابة آراء جديدة أدخلها إلى العلوم الفلكية، وهي لا تقل أهمية عن الآراء الجديدة التي نوه عنها في الضوء، حيث أدخل خط الإشعاع الضوئي بدلاً من الخطوط البصرية.
وكانت هذه الآراء الجديدة التي أتى بها ابن الهيثم عاملاً من عوامل تقدم الفلك وخطوة لابد منها في تطور هذا العلم.
وقد درس الأستاذ الفلكي "محمد رضا" بعض رسائل ابن الهيثم في الفلك فخرج بالقول: "... وإذا أردنا أن نقارن ابن الهيثم بعلماء عصرنا الحاضر فلن أكون مغاليًا إذا اعتبرت الحسن بن الهيثم في مرتبة تضاهي العلامة أينشتين في عصرنا هذا...".
هذا بعض ما أنتجه ابن الهيثم في ميادين العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية.
ومنها يتجلى للقارئ الخدمات الجليلة التي أسداها إلى هذه الميادين والمآثر التي أورثها إلى الأجيال والتراث النفيس الذي خلفه للعلماء والباحثين، مما ساعد كثيرًا على تقدم علم الضوء الذي يشغل فراغًا كبيرًا في الطبيعة والذي له اتصال وثيق بكثير من المخترعات والمكتشفات، والذي لولاه لما تقدم علماء الطبيعة والفلك تقدمهما العجيب.
وهو تقدم مكن الإنسان من الوقوف على بعض أسرار المادة في دقائقها وجواهرها، وعلى الاطلاع على ما يجري في الأجرام السماوية من مدهشات ومحيرات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
كتاب "العلوم عند العرب " بتصرف كثير.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #46  
قديم 23-03-2020, 03:37 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

الأطباء العرب القدماء
أ. د. عبدالحليم عويس








الطب في الإسلام - مثل كل العلوم المعيشية - فرضُ كفاية، وتأثم الأمة كلها إذا لم يَقُمْ بعضهم بالواجب نحو هذا العلم لإنقاذ أبدان الناس؛ ولهذا نجد للرسول صلى الله عليه وسلم توجيهاتٍ طبية - وقائية وعلاجية - وعندما استقرَّت قواعد الدولة والحضارة الإسلامية ظهرت عبر كل العصور محاولات طبية:



أبرزها في القرن الأول الهجري محاولات الأمير (خالد بن يزيد الأموي) (ت90هـ).








وبعد بروز ظاهرة الترجمة في القرنين الثالث والرابع للهجرة تألَّق المسلمون في الطب، وظهر منهم أطباء كثيرون؛ منهم على سبيل المثال لا الحصر: أبو بكر محمد بن زكريا الرازي البغدادي (ت320هـ/ 932م)، وُلد بالري، ووفد إلى بغداد وله من العمر ثلاثون سنة، وقضى حياته في بغداد وتوفِّي بها، وهو طبيبٌ وكيمائي عظيم، ويعد بحق أعظم علماء المسلمين في الطب من ناحية الأصالة في البحث والخصوبة في التأليف؛ ولذلك وصفه القفطي بأنه "طبيب المسلمين غير مدافع فيه"، وذلك فضلًا عن سَعَة معرفته بالفلسفة والرياضيات والبصريات والكيمياء والصيدلية وغيرها من فروع المعرفة العقلية.







ويعدُّ الرازي من أعظم معلِّمي الطب الإكلينيكي، ويقف على قدم المساواة مع أبقراط، باعتباره أحد واصفي الأمراض المبتدعين، فمقالته: "كتاب في الجُدَرِي والحصبة"، ولها في اللاتينية عناوين مختلفة Liber de variolis et morbilis - De pestilential - Depeste عملٌ فَذٌّ من حيث قوة الملاحظة، والتحليل التمريضي؛ ذلك بأنها كانت أولَ بحث محكم في الأمراض المُعْدِية، وأول مجهود فني للتفرقة بين المرضين.







ولنا أن نقدر شهرتها بأنها طُبعتْ أربعين طبعة باللغة الإنجليزية بين سنتي (1498، 1866م)، وترجمها س. كولان إلى الفَرنسية في سنة (1556م).







وتشتمل هذه الرسالة على عملٍ ابتكاري طبي قدَّمه العرب، وهي أول تفسيرات يُعتمد عليها في أطوار المرضى الأولى؛ إِذْ شَرَح الرازي أعراض المرض بكل وضوح، وأقام بحثَه في علم الأمراض على نظرية التخمُّر أو الأخلاط، ووصف علاج المرض، وكان يلح في الإشارة إلى أهمية الفحص الدقيق للقلب والنبض والتنفُّس والبراز، عند مراقبة تطور المرض، وقد لاحظ أن ارتفاع الحرارة يساعد على انتشار الطفح، كما أشار إلى وسائل وقاية الوجه والفم والعينين، وتجنب الندوب الكبيرة، ولا غرو أنِ استنار بها جميعُ الأطباء في جميع الأمم[1].








وكان الرازي أولَ مَن أدخل المركبات الكيمائية في العلاج الطبي؛ حتى إن جورج سارتون يعده "الطبيب الكيميائي الأول"، وتنسب إليه كثير من الابتكارات الجديدة في جراحة العيون وفي الولادة وأمراض النساء.








ويعدُّ الرازي مِن روَّاد الطب الروحاني في الحضارة الإسلامية؛ حيث قدَّم من خلال كتابه "الطب الروحاني" محاولةً لإصلاح الأخلاق على أسس تربوية ونفسية.








ولا يتَّسِع المقام هنا للوقوف على جهود الرازي في علم الطب، فهذا أمر يحتاج إلى دراسة خاصة، وبوجه عام يمكن القول: إن هذا العالم "يُعتبر من أهم مَن وضعوا الأسس الراسخة والقواعد الثابتة لتعليم الطب وممارسته، ليس في العالم الإسلامي فحسب، بل في أثره البعيد في تدريس الصناعة الطبية، وما إليها من علوم، وتوجيهها في القرون الوسطى، والأوساط المستنيرة في الشرق والغرب لقرونٍ عديدة؛ فقد كتب باستفاضةٍ في الطب السريري والنفساني، وصنَّف في الكيمياء والعقاقير وتحضيرها، ووضع أصول فلسفة النظريات الطبية في هذه الحقبة، وساعد على تطور أدب الطبيب، وأهمية العمل في البيمارستانات، والتجرِبة الطبية، وحارب الشعوذة، وهاجم جهلاء المتطبِّبين، وحاول رفع مستوى التعليم الطبي برفع مستوى مزاولة المهنة من الناحيتين العلمية والعملية".








وقد كتب الرازي في كل الفروع التي تتعلَّق بصناعة الطب، وبلغت مؤلَّفاته الطبية حوالي ستة وخمسين كتابًا، منها ما كان على شكل رسائل، ومنها ما كان في مجلدات كبيرة.








ويعتبر كتاب (الحاوي) "من أجلِّ كتب الرازي وأعظمها في مجال الطب؛ وذلك أنه جمع فيه كل ما وجده متفرقًا في ذكر الأمراض الطبية، ومداواتها من سائر الكتب الطبية للمتقدمين، ومَن أتى بعدهم إلى زمانه، ونسب كل شيء نقله فيه إلى قائله"، وهذا الكتاب أَخذ من الرازي جُلَّ عمره، بَدْءًا مِن تعلمه مهنة الطب، ويقع في ثلاثين جزءًا (أو عشرين مجلدًا) جُمعت فيه كل المعارف الطبية التي توصَّل إليها العقل البشري، منذ أيام أبقراط حتى أيام الرازي، ومن هنا يقول عنه (إدوارد براون): "إنه أكبر كتاب عربي في الطب، بل أهمها"، وأثنت عليه الأستاذة (زيغريد هونكه) في كتابها (شمس الإسلام تسطع على الغرب)، واعتبرته موسوعة طبية ضخمة مليئة بالمحاضر والتقارير عن المرضى في مستشفيات بغداد وغيرها خلال الربع الأول من القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري)، استعملها الأطباء الأوروبيون خلال مئات السنين ككتاب للتعلم، ويقول (ول. ديورانت) في كتابه (قصة الحضارة): "إنه يبحث في كل فرع من فروع الطب، وأغلب الظن أنه ظَلَّ عدة قرون أعظم الكتب الطبية مكانة، وأهم مرجع لهذا العلم في بلاد الرجل الأبيض[2]".








وتجدر الإشارة إلى أن أكثر كتب الرازي قد تُرجمت إلى اللاتينية، وطبعت عدة مرات، ولا سيما في البندقية سنة (1509م)، وفي باريس سنة (1528م)، وسنة (1745م).








ونختم حديثَنا عن الرازي بما قالَتْه عنه المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة: "الرازي هو أحد أعظم أطباء الإنسانية إطلاقًا...، وقبل ستمائة عام كان لكلية الطب بباريس أصغر مكتبة في العالم، لا تحتوي إلا على مؤلَّفٍ واحد هو كتاب "الحاوي" في الطب للرازي.








وكان هذا الأثر العظيم ذا قيمة كبيرة، بدليل أن ملك المسيحية الشهير (لويس الحادي عشر)، اضطر إلى دفع اثني عشر ماركًا من الفضة، ومائة تالر (Taler) من الذهب الخالص، لقاء استعارته هذا الكنز الغالي، رغبة منه في أن ينسخ له أطباؤه نسخة، يرجعون إليها إذا ما هدد مرض أو داء صحَّتَه وصحة عائلته.








وكان هذا الأثر العلمي الضخم يضم كل المعارف الطبية منذ أيام الإغريق حتى عام (925م) بعد الميلاد، وظل المرجع الأساسي في أوروبا لمدة تزيد على الأربعمائة عامٍ بعد ذلك التاريخ، دون أن يزاحمه مزاحم، أو تؤثر فيه أو في مكانته مخطوطة من المخطوطات الهزيلة التي دأب على صياغتها كَهَنة الأديرة قاطبة، وهو العمل الجبَّار الذي خطَّته يد عربي قدير.








ولقد اعترف الباريسيُّون بقيمة هذا الكنز العظيم، وبفضل صاحبه عليهم، وعلى الطب إجماليًّا، فأقاموا له نصبًا في وسط القاعة الكبيرة في مدرسة الطب لديهم، وعلقوا صورته، وصورة عربي آخر هو "ابن سينا" في قاعة أخرى كبيرة تقع في شارع سان جيرمان، حتى إذا ما تجمع فيه طلاب الطب، وقعت أبصارهم عليها، ورجعوا بذاكرتهم للوراء يسترجعون تاريخها[3].








ومنهم أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد الجزار (ت350هـ) وهو قيرواني الدار، طبيب ابن طبيب، ومن مؤلفاته: (زاد المسافر، والاعتماد في الأدوية المفردة، والبغية في الأدوية المفردة، والبغية في الأدوية المركبة، وذم إخراج الدم، ورسالة في النفس، وأسباب الوباء بمصر والحيلة في دفعه، وطب الفقراء).








ومنهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي الأشعث (ت 336هـ)، وله من الكتب: كتاب الأدوية المفردة، وكتاب الحيوان، وكتاب في الجدري والحصبة والحميقاء، وكتاب في البرص والبهق ومداواتهما، وكتاب في الصرع، وكتاب ثانٍ في الصرع، وكتاب في الاستسقاء.








ومنهم سليمان بن حسان أبو داود - المعروف بابن جلجل (ت بعد 384 هـ) - ومن مؤلفاته: تفسير أسماء الأدوية المفردة، ومقالة في ذكر الأدوية، ومقالة في أدوية الترياق، ورسالة التبيين فيما غلط فيه بعض المتطببين، وطبقات الأطباء والحكماء.








ومنهم أبو علي أحمد بن مندويه، من أطباء القرن الرابع الهجري، ومن كتبه: كتاب (المدخل إلى الطب) وكتاب (الجامع المختصر في علم الطب) وهو عشر مقالات.








ومنهم ابن وافد (387 - نحو 465هـ)، المطرف بن عبدالرحمن بن عبدالكبير الأندلسي، ومن كتبه: كتاب الأدوية المفردة، وكتاب الوساد في الطب، ومجرَّبات في الطب، وكتاب تدقيق النظر في علل حاسَّة البصر.








ومنهم ابن سينا أبو علي الحسين بن عبدالله (ت 428هـ/ 1036م)، وهو أشهر أطباء العرب على وجه الإطلاق، وأبعدهم أثرًا، وقد بلغ مِن تقدير المعاصرين له أن لقبوه بـ "الشيخ الرئيس"، كما لُقِّب بالمعلم الثاني تشبيهًا له بأرسطو المعلم الأول.








وكان ابن سينا موسوعيَّ المعرفة، عالِمًا في كل علم، إلا أنه فيلسوف قبل كل شيء، وهو وإن لم يُعرف عنه أنه نزل بغداد ليتلقَّى عن فلاسفتها وأطبائها - على عادة كثير من علماء منطقته - لكنه تأثَّر إلى حدٍّ كبير بفكر المدرسة البغدادية في علوم الأوائل، وتتلمَذ في بلده على بعض علمائها الذين تلقَّوا علومهم في بغداد، وقرأ عددًا من الكتب المترجَمة في الحاضرة العباسية؛ مثل كتب أرسطو وأبقراط وبطليموس وغيرهم.








وأهم كتاب لابن سينا في علم الطب هو كتاب "القانون"، ذلك المؤلف العملاق، كما يقول الأستاذ (مييرهوف) عنه: "إنما هو تركيز لتراث المعارف الطبية اليونانية مضافًا إليها الزيادات العربية، فكان تأثيره في الطب عامًّا وشاملًا، ويعتبر هذا الكتاب العمل الفريد، وقمة المجد في تكوين المذاهب العربية، ترجمه جيرار الكريموني في القرن الثاني عشر إلى اللاتينية، وتوجد منه نسخ خطية لا حصر لها، ولقد طبع في الثلاثين سنة الأخيرات من القرن الخامس عشر ستَّ عشرة طبعة، ولا تشتمل هذه الطبعات على ما طبع من أجزائه طبعات متفرقة، أو ما ألف في شرحه باللاتينية والعبرية واللغات الدارجة (الناشئة عن اللاتينية)؛ فإنها سواء منسوخة أو مطبوعة لا يحصيها العد، واستمر العالم الأوروبي في طبع الكتاب وتدريسه حتى نهاية القرن السابع عشر، وربما لم يدرس كتاب في الطب على مر العصور كما درس هذا الكتاب، ولقد بلغ الطب الإسلامي - عن طريق ابن سينا عميد الأطباء وأميرهم - أوجَ عظمته".








ولقد حلَّ كتاب القانون في الطب - نظرًا لتنظيمه الكامل وقيمته الأصيلة الحقيقة - محلَّ كتاب الرازي "الحاوي"، وكتاب علي بن العباس "الملكي"، كما حل أيضًا محل كتب جالينوس، وظل في الطليعة حتى القرن السادس عشر، وقد نستطيع أن نستشفَّ أهميته القصوى في هذا العصر من الحقيقة الماثلة في أن فيراري (Ferrarius) (1471م) استشهد بابن سينا (3000) ثلاثة آلاف مرة، وبالرازي وجالينوس (1000) ألف مرة فقط، وبأبقراط (140) مائة وأربعين مرة لا غير.








ولقد تُرجِمت كتب ابن سينا في الطب إلى معظم لغات العالم، وظلت زهاء ستة قرون المرجعَ العالَمِي في الطب، واستخدمت كأساس للتعليم في جامعات فرنسا وإيطاليا جميعًا، وظلَّت تدرس في جامعة مونبلييه حتى أوائل القرن التاسع عشر[4].








ويذكر جوستاف لوبون: أن لائحة جامعة "لوقان" اتَّخَذت من كتب الرازي وابن سينا أساسًا للدراسة، وأن مؤلفات اليونان الطبية لم تَنَلْ فيها غير حظوة قليلة[5].



ومنهم أبو العلاء بن أبي مروان بن زهر (ت 525هـ) له كتاب الخواص، وكتاب الأدوية المفردة[6].








ومنهم أمية بن عبدالعزيز أبو الصلت الأندلسي (ت 460 - 529هـ)، ومن كتبه: كتاب الأدوية المفردة على ترتيب الأعضاء المتشابهة الأجزاء والآلية.








ومنهم أبو بكر محمد بن الصائغ (ت نحو 533هـ)، ويعرف (بابن باجة)، الأندلسي، ومن كتبه: شرح كتاب السمع الطبيعي لأرسطو بن طاليس، ورسالة الوداع، وكتاب اتصال العقل بالإنسان، وكتاب تدبير الموحد، وكتاب النفس[7].








ومنهم القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد (520 - 595هـ)، مولده ومنشؤه في قرطبة، وله في الطب: كتاب الكليات، وشرح الأرجوزة المنسوبة إلى الشيخ الرئيس ابن سينا في الطب، وكتاب الحيوان، ومقالة في المزاج، ومسألة في نوائب الحمى، ومقالة في حميات العفن، ومقالة في الترياق.








ومنهم أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، نسبة إلى مدينة الزهراء من ضواحي قرطبة (ت 404هـ/ 1013م)، ويعد من أشهر الأطباء في عصر الازدهار العلمي الأول بالأندلس، وكان جراحًا مُبرزًا، مبتكرًا في جراحاته وعملياته الدقيقة، وهو من أطباء الخليفة عبدالرحمن الثالث.








ومن أهم مجهودات أبي القاسم الزهراوي الطبية أنه: "وصف عملية سحق الحصاة في المثانة، وتفتيت الحصاة في المثانة وإخراجها على الخصوص، فعُدَّتْ من اختراعات العصر الحاضر على غير حق".








وقال العالم الفيزيولوجي الكبير هاللر: "كانت كتب أبي القاسم المصدرَ العامَّ الذي استقى منه جميع مَن ظهر من الجراحين بعد القرن الرابع عشر".








وهو الذي أشار إلى ربط الشرايين في الجراحات الدقيقة، كما أجرى علميات صعبة في شق القصبة الهوائية، واستئصال اللوز بسنارة.








ويعترف العالم "سبرنجل" بأن الزهراوي أول مَن علم طريقة استئصال الحصى المثانية في النساء عن طريق المهبل، وأول مَن وصف الاستعداد الخاص في بعض الأجسام للنزيف.








ويقول الأستاذ/ قدري طوقان: "وقد جمع الدكتور/ أحمد عيسى في كتاب خاص ما كان يعرفه العرب من الآلات والأدوات الطبية، وضمنه جميع الآلات والعِدَد التي وردت في كتاب التصريف مع ذكر مسمياتها ومواضع استعمالها ونقل صورها، ويتجلَّى من هذا الكتاب أن الزهراوي أول مَن فرق بين الجراحة وغيرها من المواضيع الطبية وجعل أساسها قائمًا على دروس التشريح"[8].



والزهراوي هو صاحب الموسوعة الطبية الضخمة "التصريف لمن عجز عن التأليف".








ويعرف هذا الكتاب أيضًا باسم "الزهراوي" وهو بحق مفخرة للأندلسيين وللمسلمين عامة، ولا سيما القسم الخاص منه بعلم الجراحة.








وهذا الكتاب الذي فرغ الزهراوي من تأليفه حينما مضى على مزاولته لصناعة الطب والجراحة خمسون سنة من حياته المهنية، يُنبئ عن معارف طبية واسعة بمقاييسِ العصر الذي عاش فيه مؤلفه بالأندلس، ويكشف عن جوانب هامة من ممارسته لفنِّ الجراحة، وخبرته بالأمراض، وطرقه في العلاج، ومنهجه في التأليف الذي يُعدُّ في عصره منهجًا فريدًا، بما اتَّسم به من حسن التنظيم والتبويب، والميل إلى القصد في الكلام والوضوح في العبارة، وابتكار وسائل الإيضاح بالأشكال والصور، وقد وصفه الدكتور "فرانشيسكو فرانكو" بأنه يُمثِّل قمة المعرفة الجراحية الإسلامية؛ نظرًا لكونه يلخص كل المعلومات حول الجراحة في ذلك العصر".








وقد قسم الزهراوي الكتاب إلى ثلاثين مقالة، تتفاوت في الطول والقصر؛ فأطولها المقالة الأولى، وهي تبحث في كليات الطب، ويليها في الطول المقالة الثلاثون في العمل باليد؛ (أي الجراحة العامة، وجبر العظام، والكَي)، وهي التي رفعت مِن قدر هذا الطبيب، وتُمثِّل القسمَ العملي من الكتاب، وتعتبر أول ما كتب في علم الجراحة مقرونًا برسوم إيضاحية كثيرة للأدوات والآلات الجراحية، التي تصل إلى أكثر من مائتي شكل، ومعظمها من ابتكاره.








ومنهم أيضًا علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي، الملقَّب بابن النفيس (ت 1288م)، وكان أعظم عالم بوظائف الأعضاء في القرون الوسطى، حتى لقد سمي بابن سينا الثاني، وقد انتقل ابن النفيس من دمشق إلى القاهرة؛ حيث ابتنى بها دارًا وفرشها بالرخام.








ويهمنا مِن أمر ابن النفيس على الأخص أنه كان أول، بل أشهر وأعظم عالم بوظائف الأعضاء، استطاع أن يفهم جيدًا الدورة الدموية الصغرى، ويصفها لأول مرة، ليكون رائدًا لِمَن أتَوا بعده، والحق أن (جالينوس) تكلَّم في هذا الموضوع، ولم يُضِف الرازي أو علي بن العباسي أو ابن سينا شيئًا لآرائه، لا بالتعديل ولا بالتصحيح، حتى مقدم ابن النفيس، فقد أُشْكِل الأمر على جالينوس وادَّعى أن في الحاجز الذي بين الجانب الأيمن، والجانب الأيسر في القلب ثقوبًا غير منظورة، يتسرَّب فيها الدم من الجانب الواحد إلى الجانب الآخر، وما وظيفة الرئتين إلا أن ترفرفا فوق القلب فتبرِّدا حرارته وحرارة الدم، ويتسرَّب شيء من الهواء فيها بواسطة المنافذ التي بينهما وبين القلب فيُغذِّي ذلك القلب والدم.








عارض ابن النفيس هذه النظرية معارضةً شديدة، وأثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن اليونان لم يفهموا وظائف الرئتين والأوعية التي بين القلب والرئتين، وأنه فهم وظيفتها وأوعيتها، وتركيب الرئة والأوعية الشَّعْرية التي بين الشرايين والأوردة الرئوية، وشرح الفُرَج الرئوية شرحًا واضحًا، كما فهم أيضًا وظائف الأوعية الإكليلية، وأنها تنقل الدم ليتغذَّى القلب به، ونفى التعليل القائل بأن القلب يتغذَّى من الدم الموجود في البُطين الأيمن.







ولقد كرَّر ابن النفيس تعاليمه في الدورة الدموية الصغرى تكريرًا يدل على فهمه المطلق لوظيفتها وطريقة عملها؛ ذلك أنه كرر هذه التعاليم في خمسة مواضع متفرقة، ذاكرًا آراء ابن سينا، ومكررًا أقوال جالينوس التي اعتمد عليها ابن سينا، ثم عارضها بمنتهى الحماسة.








ومنهم أبو المنصور المظفر بن ناصر القرشي (ت 612هـ)، وله من الكتب: مقالة في الباهِ، وكتاب العلل والأعراض لجالينوس، والرسالة الكاملة في الأدوية المسهلة، ومقالة في الاستسقاء.








ومنهم أبو محمد عبدالله بن أحمد ضياء الدين الأندلسي العشاب، المعروف بابن البيطار (ت 646هـ)، ومِن كتبه: الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، والمغني في الأدوية المفردة في العقاقير[9].








وغير هؤلاء هناك أطباء كثيرون لا يتَّسِع المقام لذكرِهم، وبعضهم لا يقل قدرًا ولا أثرًا عن الذين ذكرناهم، نشير مِن بينهم إلى إسحاق بن عمران (ت 294هـ)، وسعيد بن عبدربه (342 هـ)، وأحمد بن يونس من أطباء القرن الرابع الهجري، والتميمي (ت380)، وعلي بن رضوان (ت 453هـ)، وابن البذوخ (ت 575هـ)، والفيلسوف العالم الطبيب ابن طفيل (494 - 581هـ)، مؤلِّف (حي بن يقظان)، والذي كانت له جهود في الطب تحدث عنها لسان الدين بن الخطيب المؤرخ المغربي المعروف.








ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء الذين أشرنا إليهم - بهذا الإيجاز - إنما هم الأعلام، وليس شرطًا أن يكون الأطباء المهرة المهنيون المتخصصون أعلامًا يعرفهم الناس، فهناك - بيقين - مئات آخرون عملوا في صمت، وكانوا بارعين مهنيًّا بعيدين عن الشهرة وعن أصحاب القصور وأولي الأمر، كما أنهم لم يبدعوا مؤلفات، فلم يعرف الناس عنهم شيئًا، لكنهم - جميعًا - أسهموا بالعلم التطبيقي والتنظيري الفكري في بناء الحضارة الإسلامية.









[1] جلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي، ص (320، 321).




[2] د/ طه عبدالمقصود: الحضارة الإسلامية، ص (226، 228).




[3] د/ عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية، ص (77، 78).




[4] جلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي، ص (325 - 327).




[5] جلال مظهر:المرجع السابق، ص (325، 326).




[6] ينظر في علم الطب والتشريح: حسام جزماتي: علم النشر في المؤلفات الطبيعية، مجلة آفاق الثقافة والتراث، السنة الثانية، العدد السابع، رجب 1415.




[7] رحاب خضر عكاوي: موسوعة عباقرة الإسلام (2/ 25، 44، 51، 52)، بتصرف.




[8] د/ عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية، ص (147).




[9] رحاب عكاوي: موسوعة عباقرة الإسلام (2/ 69، 70، 75، 76، 81، 82، 92) بتصرف.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #47  
قديم 23-03-2020, 03:46 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

"فاطمة المجريطية".. عالمة أندلسية صنعت التاريخ..


رسالة الإسلام




لم تكن علوم الفلك والهندسة حكراً على الرجال في عصر الازدهار الإسلامي، فالمرأة شاركت في كافة الميادين، ونبحر اليوم مع إحدى العلامات النسائية في الأندلس، والتي عدها أحد المستشرقين من ألمع الأندلسيات اللاتي صنعن التاريخ.

نشأتها

فاطمة المجريطي هي عالمة فلكية عاشت في الأندلس في نهاية القرن العاشر وبداية القرن حادي عشر الميلادي، وتعتبر أحد الرموز الواضحة في علم الفلك، ومن المسلمات العالمات في عصرها، وقدمت مساهمات كبيرة ومهمة في علم الفلك خاصة في تلك الحقبة الزمنية، ولقبت بالمجريطية نسبة إلى والدها المجريطي لأن أصله كان من مدينة مجريط التي ولد بها.

وهي ابنة أبي القاسم مسلمة بن أحمد الجريطي، كان عالم رياضيات وكيمياء وفلك، ولد بمدينة مجريط "مدريد حالياً" ثم رحل إلى قرطبة لتلقي العلم، وعرف بإمام الرياضيين في الأندلس، ويعتبر من أنبغ علماء المسلمين في عهد الخليفة الأموي الحكم المستنصر.

وقد قيل عن الإمام أبو القاسم أنه أفضل الرياضيين والفلكيين في زمانه، وقدم مساهمات كبيرة في علم الفلك، أهمها أنه شارك في ترجمة بطليموس في الفلك، وحسن ترجمة المجسطي وطور جداول الخوارزمي الفلكية، كما قدم تقنيات في علمي المساحة والمثلثات.

نبوغها في الفلك والرياضيات

بدأت فاطمة رحلتها العلمية عندما وجد أبوها منها الذكاء، والاهتمام بعلوم الفلك واهتمامها بالرياضيات، فقام بتدريبها حتى وجد أنها تصلح للتقدم في طريق البحث العلمي.

وتتلمذت على يد والدها، وعاصرته أثناء دراساته وأبحاثه في علوم الرياضيات والفلك، وعاشت فاطمة في قرطبة عاصمة الخلافة، ووصلت إلى درجات عالية من المعرفة في علم الفلك في عصرها، وبدأت في الكتابة والتأليف حيث كتبت "تصحيحات فاطمة" وهي أبرز مؤلفاتها، وكتبت أيضاَ "رسالة حول الإسطرلاب"، وشرحت فيه كيفية استخدامه في الحساب والرصد الفلكي، والكتاب محفوظ إلى عهدنا الحالي في مكتبة الإسكوريال الشهيرة في إسبانيا.

كما عملت فاطمة مع والدتها في تدقيق وتصحيح جداول الخوارزمي الفلكية، وقاما بضبطها بحيث تتناسب مع خط الزوال الذي يعبر فوق مدينة قرطبة بالذات، وكانت مدينة قرطبة تعتبر حينها مركز العالم الإسلامي ومنبع المعرفة والعلم، وبمثابة النقطة المرجعية لإجراء الحسابات، فالأمر يشبه مدينة "غرينتش الحالية" والتي تعتبر المرجع الحالي لحسبا التوقيت.

وعملت فاطمة مع والدها في تصحيح التقاويم، وحساب مواضع الشمس والقمر والكواكب بشكل دقيق، ووضعها جداول لعلم الفلك الكروي، وحساب الكسوف والخسوف.

وقال عنها المستعرب الإسباني – مانويلا مارين- المتخصص في دراسة تاريخ الأندلس وعلماؤه "إنها إحدى ألمع النساء الأندلسيات اللاتي ساهمن في صناعة التاريخ".




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #48  
قديم 24-03-2020, 03:51 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

علماء عرب نبغوا في علم الفلك


إيمان نايل عبيد
– باحثة دراسات إسلامية - سوريا:


يعرف علم الفلك بأنه الدراسة العلمية للأجرام السماوية، أي دراسة الأجسام والمواد الموجودة خارج الغلاف الجوي مثل «النجوم والكواكب والمذنبات والمجرات»، ودراسة خصائصها الفيزيائية والكيميائية.
وعلم الفلك من العلوم القليلة التي ساهم الهواة بدور هام فيها، فكان بعضهم من خلال متابعته الشخصية، يرصد أو يكتشف بعض الظواهر العابرة.
وقد تطورت أساليب البحث وتقنيات الرصد، ففتحت الآفاق واسعة من الأرض إلى الفضاء، وبما أن علم الفلك يتكئ على العلوم الأخرى ويتداخل معها، لذلك وجب على الباحث فيه إتقان الرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والإلكترون والحاسوب وغيرها من العلوم التي يحتاجها لأبحاثه.
وحتى القرن العشرين كان علم الفلك شاملا، وبعدها تم الفصل بين علم الفلك الرصدي وعلم الفلك النظري، فكان الأول يدرس المراصد، سواء الموجودة على الأرض، أو التي أرسلت إلى الفضاء، ويتم فيه جمع المعلومات والصور وتحليل البيانات عبر أنواع التلسكوبات منها: «تلسكوب الأشعة تحت الحمراء، وتلسكوب أشعة غاما، وتلسكوب الأشعة السينية»، ومن نتائج هذه الدراسات ينشأ علم الفلك النظري الذي يهتم بصياغة النظريات، وتطوير نماذج العمليات الفيزيائية الحاصلة في النجوم والمجرات وسائر الأجرام السماوية، وبهذا يتم تفسير الظواهر الفلكية وعلاقتها بالأرض وساكنيها وتأثيرها عليهم. فيمكن من خلال دراسة نشوء وحياة وموت النجوم، وضع نتائج محتملة لما يمكن أن يحدث لشمسنا في المستقبل.
أهم فروع علم الفلك الحديث
1- قياس مواقع النجوم: فقياس مواقع النجوم في السماء بدقة، كفيل برصد تحركاتها فيما بعد.
2- الميكانيكا السماوية: ويختص هذا الفرع برصد حركة الكواكب والأقمار في مجموعتنا الشمسية، ووفق قانون الجاذبية، يمكن التنبؤ بتلك الحركات قبل عشرات السنين من حدوثها، مثال ذلك حساب وتحديد زمن خسوف القمر.
3- الفيزياء الفلكية: وهي دراسة طبيعة الكواكب وفيزياء النجوم، ودراسة محيط ما بين النجوم.
4- فيزياء الكون: وهي دراسة الكون ومكوناته بمجملها، وما يمكن أن يحدث في مستقبله.
جهود العلماء العرب في علم الفلك
في العصر الجاهلي بقي الاهتمام بعلم الفلك في حدود الفطرة والفراسة، لحاجتهم للاعتماد على النجوم كدليل في صحرائهم المترامية الأطراف، وكانوا يشركون معه علم التنجيم بما لديهم من خرافات وشعوذة.
بعد أن ثبتت الدولة الإسلامية أركانها، اهتم العلماء فيها بعلم الفلك، فجمعوا وترجموا ما كان منه عند اليونانيين والفرس والهنود والصينيين والكلدانيين والسريان، وأول ما ترجم من الكتب كتاب «مفاتيح النجوم» المنسوب إلى هرمس الحكيم من اليونانية إلى العربية أواخر عصر الدولة الأموية، ويعد كتاب المجسطي لبطليموس المترجم عن اليونانية أيضا في العصر العباسي من أهم الكتب المختصة في هذا العلم.
ويعود الفضل للحضارة العربية الإسلامية بالنسبة لعلم الفلك، بحفظ علم من سبقها من أمم وحضارات وتصحيح ما كان فيه من مغالطات.
كما كان لعلماء المسلمين الفضل في التفريق بين علم الفلك و«التنجيم» إذ اعتبروا أن علم الفلك علم يقينا والتنجيم تخمينا، فالتنجيم نظام يعتقد أن هناك علاقة بين الشؤون الإنسانية ومواضع الأجسام السماوية، ويشترك مع علم الفلك باستخدام التقويم الفلكي، وقد انحرف به الكثيرون إلى الدجل والشعوذة.
بعد مرحلة الترجمة والتصحيح، بدأت مرحلة الإبداع والابتكار، فقد بنى بعض علماء الدولة الإسلامية مراصد خاصة بهم، كانوا يتابعون بواسطتها حركة الكواكب والنجوم، ويسجلون مشاهداتهم بدقة علمية جعلتهم فيما بعد مراجع لعلماء أوروبا والغرب، حيث اعتمد علماء أوروبا في عصر النهضة وما بعده على البحوث الفلكية التي قامت بها المراصد الفلكية العربية والإسلامية بدقة قريبة جدا من الاكتشافات الحديثة.
أشهر المراصد الفلكية العربية والإسلامية
- مرصد جبل قاسيون في دمشق، الذي أمر بإنشائه الخليفة المأمون.
- مرصد باب الشماسية في أعلى ضاحية من بغداد، أيضا أنشئ في عهد الخليفة المأمون.
- مرصد ابن الشاطر في الشام.
- مرصد الدينوري في أصفهان.
- مرصد أولغ بك في سمرقند.
- المرصد الذي أقامه أبناء موسى بن شاكر في بغداد، وفيه استخرجوا حساب العرض الأكبر.
- مرصد نصير الدين الطوسي في مراغة في بلاد فارس، الذي يعد من أشهر المراصد وأكبرها، فقد اشتهر بدقة آلاته وتفوق المشتغلين فيه على غيرهم.
وهنالك ما يزيد عن مئة وخمسين اسما ومصطلحا أطلقها العلماء العرب على نجوم وكواكب كثيرة، مازالت معروفة حتى عصرنا الحالي بالأسماء العربية القديمة ذاتها، منها:
العنقاء: Anka
بيت الجوزاء: Bet - Elgeuse
الدبران: Aldebran
المقنطرة: Al – Mucantar
السموت: Azimuth
الطائر: Altair
فم الحوت: Familheut
الذنب: Deneb
العلماء العرب وجهودهم في علم الفلك
يعتبر عبدالرحمن بن عمر بن محمد ابن سهل الصوفي الرازي (ت 376هـ/ 986م) ثالث ثلاثة من العلماء العظماء الذين كتبوا في الكواكب الثابتة. فمنزلته بين بطليموس وأرغلندر، ولم يكتف في كتابه «الكواكب الثابتة» من متابعة بطليموس في كتابه «المجسطي» لكنه قام برصد النجوم نجما نجما وبدقة شُهد له بها فيما بعد، فقد عين أقدار النجوم وأماكنها، ووضح بالرسوم الملونة للأبراج والأجسام السماوية - على شكل أناس وحيوانات - ما كان قد ذكره في كتابه، وسماها بأسماء عربية مازالت مستعملة حتى الآن، منها: الحوت، العقرب، الدب الأكبر، الدب الأصغر.
ولمحمد بن الحسن بن الهيثم (ت 432هـ/ 1041م) مؤلف «مقالة في علم الهيئة» الذي يعد النسخة الأصلية لنظرية بويرباخ النمساوي التي أخذ عنها تلميذه رجيومونتان ومن بعده كوبرنيكوس. ولقد أُطلق عليه بطليموس الثاني لما أبدعه في علم الهيئة من مقالات؛ وصل منها سبع عشرة مقالة، كتب فيها عن أحجام وأبعاد الأجرام السماوية وكيفية رؤيتها، وعن ارتفاع القطب والرصد النجومي...إلخ. وهو من اخترع أول كاميرا في التاريخ وسماها «الخزانة المظلمة ذات الثقب»، وقد استعملها علماء الفلك العرب في مراصدهم، مما ساعدهم على معرفة نسب النجوم والكواكب وأحجامها، وعلى اكتشاف نجوم جديدة نتيجة متابعتهم واهتمامهم بهذا العلم.
أما أبوالريحان محمد بن أحمد البيروني الخوارزمي (ت 440هـ/ 1048م)، فقد كان يجيد إضافة للغة العربية الفارسية واليونانية والسنسكريتية والسريانية، لذلك فقد اطلع على المراجع الفلكية من مصادرها وليس من ترجماتها. ومن أهم كتبه في علم الفلك الكتاب الذي ألفه للسلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين في الهيئة والنجوم والجغرافيا، بعنوان «كتاب القانون المسعودي»، وتعود أهمية هذا الكتاب للجهد الذي بذله مؤلفه في ذكر ما توصل إليه علماء الفلك في الحضارات السابقة والمعاصرين له، إذ لم يكتف بما قرأه عنهم، بل كان يتحقق من ذلك، سواء بقيامه بإعادة الحسابات بنفسه، أو بالرصد من جديد ولأكثر من مرة. وكان أول من استحدث المنهج التجريبي في علم الفلك، فقاد أبحاثا تجريبية متعلقة بظواهر فلكية، واكتشف أن مجرة درب التبانة هي عبارة عن مجموعة نجوم سديمية، كما اكتشف أن التجاذب يحدث بين الأجرام والفلكات السماوية منتقدا بذلك أرسطو الذي يعتبر أن تلك الأجرام لا تملك خفة أو جاذبية.
ومحمد بن جابر بن سنان البتاني (ت 929هـ)، ألف جداول لمدارات الشمس والقمر، أكد فيها أن ما ذكره بطليموس عن منحى شذوذ الشمس متغير وليس ثابتا، كما عمل على حساب وقت أول ظهور للهلال بعد القمر الجديد، وقياس طول السنة الشمسية والسنة الفلكية، وتوقع زمن الخسوف.
اخترع علماء الفلك العرب آلات ومعدات لم تعرف من قبلهم، استعانوا فيها في مراصدهم، منها آلة الربع المجيب، الربع المقنطر، ذات الشعبتين، ذات السمت والارتفاع، الحلقة الاعتدالية، مزاول لقياس الوقت. وطوروا الأسطرلاب اليوناني بما يتفق مع اكتشافاتهم الفلكية، فصنعوا الأسطرلاب الكروي والأسطرلاب الزورقي.
أتقنوا صناعة الجداول الرياضية العددية (الأزياج) لأنها من أهم مستلزمات الرصد الفلكي، فبواسطتها تحدد مواقع الكواكب وأوضاعها من حيث الارتفاع والانخفاض والميول والحركات في أفلاكها.
رصد العالم الفلكي المصري علي بن رضوان في عام 1006م، أكثر المستعرات العظمى سطوعا في التاريخ، ووصف بدقة النجم المؤقت، فقال أنه أكبر بمرتين أو ثلاث من قرص الزهرة، أما سطوعه فيعادل ربع سطوع القمر.
وهكذا نرى أن للعرب فضلا في تطوير وتصحيح مفاهيم علم الفلك.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #49  
قديم 25-03-2020, 06:04 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

” أوقاف المرضى” صفحات الرحمة في الحضارة الإسلامية







اليـد التي تداوى الأوجاع يـد مبارك، حكمة تحولت في الحضارة الإسلامية إلى مؤسسات لرعاية المرضى الفقراء الذين يصعب عليهم إيجاد الدواء أو الأخذ بأسباب الشفاء.
نظرة الإسلام إلى المرض مركبة، فهو يقرن الاستعاذة من المرض بالبحث عن أسباب الوقاية والتداوي، فلا يوجد داء بلا دواء، وفي حال وقوع المرض كان الشرع يحث على الصبر، فالنفوس التي تضعف عن المقاومة تضر بأجسادها، يقول الفيلسوف الطبيب “ابن سينا”: “الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء”.

وقد لعب نظام الوقف الذي ابتدعته الحضارة الإسلامية دورا كبيرا في القيام بالمهام الاجتماعية والإنسانية التي لم تستطيع الزكاة النهوض بها، ومن روعة تلك الحضارة، ديمومة الوقف، لضمان استمرار الإحسان، وإيجاد ما يلزمه من الموارد، فحاجات الناس تكاد تتشابه في حقيقتها على اختلاف الأماكن والأزمان، لذا حبس لها الوقف من الموارد ما يقوم بشأنها، حتى لا تُحرم الأجيال المتعاقبة من موارد للخير تكفل استمرار الرحمة، ويعطي “محمد كرد علي” في كتابه “خطط الشام” نموذجا لتوسع الوقف بقوله: “ولقد تفنن القوم في أنواع الأوقاف، حتى لا يكاد يخطر ببالك خاطر في الوقف، إلا وتجد من سبقك إليه، مما أوشكت أن تكون معه معظم ديار الإسلام موقوفة، وكانت ثلاثة أرباع الأملاك في المملكة العثمانية وقفا على الجوامع والمساجد”، ” لذلك عُدت الأوقاف على طول الزمن من أعظم القربات حتى قالوا: إنّ من لم يمت عن وقف مات ميتة جاهلية”.




محمد كرد علي وكتابه ” خطط الشام”
ومع اتساع جوانب الوقف وأغراضه، جاءت الرحمة كعنوان بارز تنوعت تجلياته، حتى أصابت الصغار والخدم، والفقراء، والنساء الغضبى، والطيور المهاجرة، والكلاب الضالة، والحيوانات المسنة، فيذكر تاريخ الوقف، أنه راعى الصغار والخدم الذين يكسرون الآنية، التي كانت تسمى قديما “الزبادي” ويخشون تعرضهم للعقوبة، فكان الوقف يمنحهم آنية بديلة، يحكي الرحالة الشهير “ابن بطوطة” في “تحفة النظار” أثناء مروره بدمشق، قائلا:” مررت يوماً ببعض أزقة دمشق، فرأيت بها مملوكاً صغيراً قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني، وهم يسمونها الصحن، فتكسرت، واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم: اجمع شقفها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني.



البيمارستان الآرغوني


فجمعها، وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن”، وكان في مدينة “فاس” المغربية مكان يسمى بـ”دار الشيوخ” يشبه الفندق أو قاعات الأفراح الحديثة، موقوفة على توفير الخدمة للمكفوفين، فكان إذا اقترن المكفوف بمكفوفة، أقام في الدار زفافه جبرا لخاطره، وإسعادا لنفسه.

ومن روعة الوقف ما قام به الملك العادل “نور الدين محمود زنكي” (المتوفى:569هـ) الذي شعر بحاجة الفقراء إلى الإحساس بالجمال، والتفاعل مع الطبيعة، والاستمتاع بالحياة، فأوقف لهم أحد القصور في قرية “داريا” في غوطة دمشق ليستنشقوا بعضا مما ترتاح إليه النفس من الهواء المنعش، وجميل الزهور، حتى لا يذبل إحساس الجمال في نفوسهم، وفي الدولة العثمانية، تنوعت أوقاف السلطان “أورخان غازي” (المتوفى: 761هـ) ومنها: توزيع الفاكهة والخضار، وتأمين إرضاع الصغار، بل وشراء لعب للأطفال، وإطعام الطيور والحيوانات، وفي القرن السادس عشر الميلادي كانت أكثر من 20% من الأراضي في الدولة العثمانية تخص الأوقاف.

ورحم الوقف الحيوانات والطيور، فكان أحد أعيان مدينة “فاس” المغربية، وهو “محمد بن موسى الحلفاوي الإشبيلي” (المتوفى: 758هـ) أوقف دارا للحيوانات الأليفة، وكان يطعمها بيده، وفي “فاس” في القرن السابع الهجري، كانت هناك أوقافا لشراء الحبوب لإطعام الطيور، حتى لا تهلك، وكانت مستشفى “سيدي فرج” بفاس، تقوم بمهمة عجيبة وهي علاج طائر “اللقلاق” إذا تعرض للانكسار أو الأذي، فكان الطير يُحمل إلى المستشفى، ويصرف غذاءه لمن يضمده ويطعمه.

أوقاف المرضى


الوقف في المجال الصحي هو نظام تبرع وإدارة في الوقت ذاته، فكان يضمن الإنفاق وطريقه إدارته وإستمرار ديمومته رعاية لصحة الفقير، وعلاجا لمرضه، لذا انتشرت البيمارستانات (المستشفيات) في العواصم والحواضر الإسلامية، مثل: بغداد، ودمشق، والقاهرة، والقدس، وفاس، وخصصت لها احتياجات تشغيلها من تأثيث وطعام وأدوية، وأطباء مهرة، وممرضين، وعمال، فكان المريض الفقير يجد فيها الرحمة والعلاج والرعاية في أجواء من حفظ الكرامة.

ففي منتصف القرن الثاني عشر الميلادي كان يوجد في بغداد وحدها أكثر من ستين بيمارستانًا، وفي قرطبة أكثر من خمسين، وفي القاهرة كان “البيمارستان المنصوري” الذي أوقفه الملك الناصر قلاوون في القاهرة عام 682هـ، وكان يشبه كليات الطب الحديث من حيث تجهيزاته بأرقى ما وصل إليه ذلك الزمان من علاجات ورعاية، وقد أوقفه السلطان على “الملك والملوك، والكبير والصغير، والحر والعبد، والذكر والأنثى”، ، وجعل لمن يخرج منه من المرضى عند بُرئه كسوة، ومن مات ينفق البيمارستان على تكفينه ودفنه.

ورغم أن البيمارستان المنصوري كان وقفا للفقراء، فلم يُهمل فيه الفقير، بل حظى برعاية كبيرة واهتمام واضح، وتذكر كتب التاريخ أن الأمير “جمال الدين آقوش الأشرفي”، المشرف على البيمارستان، كان يحسن إلى المرضى ويتفقد أحوالهم في الليل، بل يتنكر للتأكد من حصول المريض الفقير على حقه، فكان يُدخل إليهم قبل الفجر ويسأل الضعفاء عن سائر أحوالهم حتى عن الفراش والطبيب، وكان يتفقد الأماكن التي يحتجز فيها المرضى النفسيين أو “المجانين” وكان لا يترك تفقد أحوال المرضى لغيره.

وتشير بعض المصادر التاريخية أن البيمارستان كان يُراجعه أربعة آلاف شخص يوميا في كافة التخصصات، وكان المرضى الذين يُشفون يُمنحون مالا يعينهم على تأجيل نزولهم للعمل حتى يستعيدوا عافيتهم، ويحكي “مسيو جومار” Jomard”، الذي حرر كتاب “وصف مصر” الذي كتبه علماء الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م، أنه شاهد البيمارستان المنصوري، وما يقدم فيه من خدمات للفقراء، وذلك بعد خمسة قرون من إنشائه، ويحكي عالم الحضارات الفرنسي بريس دافن[1] Prisse Davennes أن قاعات المرضى في “البيمارستان المنصوري” كانت تُدفأ بإحراق البخور، أو تبرد بالمراوح الكبيرة الممتدة من طرف القاعة إلى الطرف الثاني، وكانت أرض القاعات تغطى بأغصان شجر الحناء أو شجر الرمان أو بعساليج[2] الشجيرات العطرية”.

وكانت وقفية الأمير “عبد الرحمن كتخدا”[3] توفر العناية للفقراء ذوي الأعذار ليذهب الأطباء إلى بيوتهم، مراعاة لظروفهم، وبلغ من العناية بالمرضى تخصيص أحياء كاملة لعلاج المرضى ينفق عليها من الوقف، يذكر الرحالة الأندلسي “ابن جبير” أثناء زيارته لبغداد أن هناك حيا طبيا كاملا ينفق عليه من الأوقاف، وكان يشبه المدينة الصغيرة التي تتوفر فيها الأسواق والحدائق، وفي دمشق كان “البيمارستان النوري” الذي بناه العادل نور الدين محمود زنكي في القرن السادس الهجري مشترطا أن يُخصص للفقراء والمساكين، وكان الغني يمنح الدواء منه إذا تعذر حصوله عليه من الخارج، كما اشترط حاكم مصر “أحمد بن طولون” في البيمارستان الذي أنشئه 259هـ ألا يُعالج فيه جندي أو مملوك، حتى يكون خالصا للفقراء، لا يخشون فيه سطوة الجنود أو اقتصار ميزات الرعاية على العسكريين دون غيرهم.

وعُرفت أوقاف للكتب الطبية، فـ”نور الدين محمود” أوقف جملة من الكتب الطبية مساعدة للمشتغلين بالطب حتى يبرعوا في المجال، أما الطبيب الشامي الشهير بـ “الداخور” وهو أبو محمد عبد الرحيم بن علي (المتوفى: 628هـ) فقد أوقف داره وجعلها مدرسة طبية وأوقف عليها أملاكا للإنفاق عليها.


البيمارستان المنصوري


وكانت مستشفى “سيدي فرج” بالمغرب لها وقف ينفق منه ، ولتخفيف ألم الانتظار وطول الوقت على المرضى كان المؤذنون في المسجد يؤذنون في السحر وفي الفجر ساعتين قبل الميعاد حتى يخفف قلق المرضى الذين أضجرهم السهر وطول الوقت، كذلك عرفت مكة المكرمة الأوقاف لرعاية المرضى ومنها وقف السلطان شعبان بن حسين، الذي بنى بيمارستانا ووفر له احتياجاته، وخصص جزءا من أوقافه لشراء زيت الزيتون ليُضاء طوال الليل حتى لا يشعر المريض بالوحشة.


[1] إميل بريس دافن: عالم حضارات فرنسي زار مصر عام 1829م ودرس الحضارة الفرعونية، لكن استهوته الحضارة الإسلامية فأسلم وكرس حياته للتعريف بالإسلام وحضارته حتى وفاته عام 1879م


[2] العساليج: مفردها عسلاج أو عسلوج وتعني: الأغصان الناضرة الخضراء اللينة


[3] الأمير عبد الرحمن كتخدا: أحد أمراء المماليك، وكان له آثار معمارية رائعة في القاهرة، توفي 1776م


منقول بتصرف





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #50  
قديم 31-05-2020, 11:58 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,470
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من مشاهير علماء المسلمين ..

“التفهيم لأوائل صناعة التنجيم” للبيروني


من أقدم كتب الرياضيات وعلم الفلك


المصدر : جامعة مكغيل الكندية









(التفهيم لاوائل صناعة التنجيم) من أهم كتب تعليم عناصر فن التنجيم وضعه العالم الشهير أبو الريحان البيروني ( 973-1048م ) . ويعتبر من أقدم النصوص المكتوبة بالفارسية في مجال الرياضيات وعلم التنجيم، وله نسخة عربية، وترك أثرا علميا كبيرا على العالم منذ أن استعان به العلماء – سواء في إيران أو خارجها – في أعمالهم وأبحاثهم العلمية.
ما توج الكتاب ومنحه قيمة عالمية هامة هو توثيق منظمة اليونيسكو للمخطوطة ضمن برنامج ذاكرة العالم في عام 2011 كأقدم المخطوطات الموجودة باللغة الفارسية وإدراجها في قائمة اليونسكو للتراث المسجل.
الهدف الرئيس من كتاب (التفهيم لأوائل صناعة التنجيم) هو تبسيط مبادئ علم الفلك على شكل 530 سؤال وجواب وفي صيغة يسهل فهمها على المبتدئين ، وجعل كل موضوع جديد يبدأ بسؤال لطالب – شخصية وهمية نسجها البيروني من خياله – وينتهي بإجابة من مبتكرة من الأستاذ – شخصية وهمية – وتطرق بهذا الأسلوب لعلوم الهندسة والعمليات الحسابية والفلك والسلاسل الزمنية، كما بين البيروني في الكتاب كيفية استخدام الاسطرلاب للبحوث الفلكية.
وبالإضافة لندرة الكتاب ، زادت القيمة العلمية واللغوية للمخطوطة الأصلية ومواصفاتها والفترة الزمنية التي تم العثور عليها – أقل من مئة سنة بعد وفاة المؤلف – من أهمية الكتاب.
من الناحية اللغوية تعتبر هذه الدراسة الذاتية لعلم الفلك هامة في اللغة الفارسية منذ أن استخدم البيروني أكثر و أقدم المصطلحات والتعابير باللغة الفارسية الأصلية خاصة فيما يتعلق بتاريخ وتقاليد الفرس في هذا الكتاب.
وعلاوة على ذلك استخدم البيروني بعض الأرقام والرسومات لشرح مواضيع رياضية وفلكية صعبة بطريقة مبسطة ، وبينها باللونين الأحمر والأسود.
وأتاحت التقنية تحويل المخطوطة إلى أشكال رقمية موجودة حاليا في دار الكتب الوطنية الايرانية، كما تتوفر على أقراص DVD بمكتبة الدراسات الاسلامية بجامعة مكغيل الكندية.
منقول




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 240.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 233.85 كيلو بايت... تم توفير 6.31 كيلو بايت...بمعدل (2.63%)]