الإجازة والمخدِّرات - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         ورفعنا لك ذكرك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تفسير أعظم سورة في القرآن (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 3 )           »          فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          القرآن حجة لك أو عليك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تفسير: واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تفسير أعظم آية في القرآن (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ الل (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-06-2020, 03:31 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,221
الدولة : Egypt
افتراضي الإجازة والمخدِّرات

الإجازة والمخدِّرات

الشيخ سعود الشريم


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70 - 71].

أما بعد:

فاتقوا الله أيها الناس، اتقوا ربكم وراقبوه في السر والعلن، فبتقوى الله عزَّ وجلَّ تصلح الأمور، وتتلاشى الشُّرور، ويصلح للناس أمر الدنيا والآخرة.

عباد الله:

لقد كرم الله عز وجل بني الإنسان على كثير من مخلوقاته: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70].

كرَّم الله عزَّ وجلَّ بني آدم بخِلالٍ كثيرة، امتاز بها عن غيره من المخلوقات، من جماد وحيوان ونبات وجان - كرَّمه بالعقل، وزيَّنه بالفَهْم، ووجَّهه بالتدبُّر والتفكُّر؛ فكان العقل من أكبر نعم الله على الإنسان، به يميِّز بين الخير والشرِّ والضارِّ والنافع، به يَسْعَد في حياته، وبه يدير أموره وشؤونه، به يتمتع ويهنأ، به ترتقي الأمم، وتتقدم الحياة، وينتظم المجتمع الإنساني العام.

وبالعقل يكون مَناط التَّكليف. العقل عباد الله جوهرة ثمينة، يحوطها العقلاء بالرعاية والحماية؛ اعترافًا بفضلها، وخوفًا من ضياعها وفقدانها.

بالعقل عباد الله يشرف العقلاء، فيستعملون عقولهم فيما خُلِقَت له؛ كما قال تعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الحديد: 17]، وقال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 100]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴾ [طه: 54]، وقال سبحانه: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ [الفجر: 5].

وإذا ما فقد الإنسان عقله؛ لم يُفرَّق بينه وبين سائر الحيوانات والجمادات؛ بل ربما فاقهم حيوانٌ أعجم بعلَّة الانتفاع! ومَنْ فقد عقله لا نَفْع فيه ولا يُنتَفع به؛ بل هو عالةٌ على أهله ومجتمعه.

هذا العقل الثمين الذي هو مَناط التَّكليف يوجِد في بني الإنسان مَنْ لا يعتني بأمره، ولا يحيطه بسياج الحفظ والحماية؛ بل هناك مَنْ يضعه تحت قديمه فيتَّبع شهوته وتَعْمَى بصيرته!.

كل هذا يبدو ظاهرًا جليًّا في مثل كأس خمر، أو جرعة مخدِّر، أو استنشاق مُسْكِر، أو شرب مفتِّر، تفقد الإنسان عقله، فينسلخ من عالم الإنسانية، ويتقمَّص شخصية الإجرام والفتك والفاحشة؛ فتُشل الحياة ويهدم صرح الأمة. وينسى السكران ربه، ويظلم نفسه، ويهيم على وجهه، ويقتل إرادته، ويمزق حياءه.

أَيْتَمَ أطفاله وهو حي، وأَرْمَلَ زوجته وقلبه ينبض، وأَزْرَى بأهله لمَّا فقد عقله فعربد ولهى ولغى، وبذلك كله يطرح ضرورة من الضرورات الخمس التي أجمعت الشرائع السماوية على وجوب حفظها؛ ألا وهي ضرورة العقل.

إنها واجبة الحفظ والرعاية؛ لأن في حفظها قوام مصلحة البشرية، ففاقد العقل بالسُّكْر يسيء إلى نفسه ومجتمعه، ويوقِع مجتمعه وبني ملَّته في وَهْدَة الذلِّ والدَّمار، فيُخِلُّ بالأمن، ويروِّع المجتمع، ويُعيد أساطير الثُّمالى الأوَّلين، ومجالس الشراب عند العرب الجاهليين!!.

عباد الله:

فقدان العقل بالسُّكْر عادةٌ قبيحةٌ كانت تلازم أهل الجاهلية عند معاقرتهم الخمر، يقضون الليالي الساهرة مع الأصحاب والخلان على احتسائها، وهم مع ذلك يعدُّونها وسيلةً من وسائل الفخر والكرم! لقد أُغرم الجاهليون بالخمر حاضرةً وبادية، وافتخر شعراؤهم بمعاقرتها وبذل المال في صبائها!.

أقبل الجاهليون على الخمر من أجل قتل الفراغ، ولازدياد الفقر، فأكثر شعراؤهم القول في الخمر على حين فترةٍ من الرسل، فصُدِّرت الخمر في مطلع معلقةٍ هي من أشهر معلَّقات العرب السبع، والتي قيل إنها عُلِّقَت على أستار الكعبة، تناقل العرب والشعراء تلك المعلَّقة وكأنها قرآن يُتلى؛ فأخذت بمجامع الناس وأيام العرب، حتى ألهتهم تلك القصيدة عن كل مكرمة.

إذن كانت الخمر في الجاهلية من دواعي فخر العربي وكرمه، وكان تقديمها للضيوف وجمع الفتيان لشربها مفخرةً أي مفخرة.

ثم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك معلنًا لأمَّته قوله: ((ألا إن كل شيءٍ من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع))؛ أخرجه مسلم.

أيها الناس:

إن أمَّةً لا تحافظ على عقول بَنِيها لهي أمَّةٌ ضائعة.. ماذا فعل السكر بأهل الجاهلية؟! هل أعاد لهم مجدًا تليدًا أو وطنًا سليبًا؟! هل أخرج الناس من ظلمات الجهل والتِّيه إلى نور الهدى والاستقامة؟! أيُفلِح قومٌ استفحل السُّكْر والخمر في ديارهم جهارًا نهارًا؟!

لا، وكلا وألف لا؛ ثبت في "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسلم في حادث الإسراء أنه قال: ((وأُوتِيتُ بإناءيْن؛ في أحدهما لبنٌ وفي الآخر خمر، قيل لي: خُذْ أيِّهما شئتَ. فأخذتُ اللَّبن فشربت؛ فقيل لي: هُدِيتَ للفِطْرَة - أو: أَصَبْتَ الفِطْرَة - أما إنك لو أخذت الخمر غَوَتْ أمَّتك))، وفي بعض روايات ابن جرير رحمه الله أن جبريل قال: ((أما إنها سَتَحْرُم على أمَّتك، ولو شربت منها لم يتَّبعك من أمَّتك إلا القليل)).

الله أكبر، الله أكبر! إن قول جبريل عليه السلام يؤكِّد أن الأمة المسلمة الحقَِّة لا يمكن أن تتَّبع شارب خمر، حتى ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاشاه عن ذلك بأبي هو وأمي، صلوات الله وسلامه عليه.

إذن لا يجتمع في الأمة لبنٌ وخمرٌ؛ بمعنى أنه لا تجتمع فِطْرَةٌ وخمرٌ؛ فإمَّا فطرةٌ صالحةٌ بلا خمر، وإمَّا خمرٌ وتِيهٌ بلا فِطْرَة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))؛ رواه البخاري ومسلم.

عباد الله:

إن الخمور التي كانت من مفاخر الجاهلية، ومن تقاليدهم المألوفة - جاء الإسلام بإلغائها، وخلَّص الجماعة المسلمة من رواسب الخمر، بعد أن رسَّخ دعائم التوحيد والعقيدة في نفوسهم، وأخرجهم من عبادة العباد وعبادة الشهوة والجسد إلى عبادة الله وحده، وأخرج كثيرًا من الصحابة رضي الله عنهم من مُنادَمة الخمر؛ فصقلهم الإسلام صقلاً هجروا بسببه كلَّ عادة تُغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فها هو حسان بن ثابت رضي الله عنه كان من شعره عن الخمر في الجاهلية أن قال فيها:

وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا ♦♦♦ وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُهَا اللِّقَاءُ

فلما خالط الإسلام قلبه؛ صار شعره أشد على نحور المشركين من وقع النبل كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه النَّسائي والتِّرمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ.

وهذا أبو مُحْجَن الثَّقَفي رضي الله عنه قد اشتهر بالخمر في جاهليَّته ولمَّا يدخل الإيمان في قلبه، وهو الذي يُنسب إليه قوله:

إِذَا مَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ
تُرَوِّي عِظَامِي فِي المَمَاتِ عُرُوقَهَا

وَلا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلاةِ فَإنَّنِي
أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَلاَّ أَذُوقَهَا



فلما تمكَّن حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من قلبه أبلى بلاءًا حسنًا في القادسيَّة، وقال له سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "لا حَبَسْتُكَ في الخمر بعدها أبدًا"؛ فقال أبو محجن: "وأنا والله لا أشربها بعد اليوم أبدًا"!! فنعم الإسلام هاديًا ومؤدِّبًا.

أيها الناس:

إن رذيلة المخدِّرات والمُسْكِرات آفة خبيثة، لم تفشُ في عصر من العصور كما فَشَت في عصرنا الحاضر، ولم تُصب المجتمعات بحمَّى السُّكْر التي شنَّها أعداء الإسلام على جميع بلاد المسلمين؛ بهدف تخديرهم، وإهدار طاقاتهم، وشلِّ جهودهم، وتغييب عقولهم علنًا - كما أُصيبت في هذا العصر.

لقد قام أعداء الإسلام بزجِّ كميات رهيبة من جميع أصناف المخدِّرات إلى بلاد المسلمين؛ حسدًا من عند أنفسهم، يريدون بالأمة المسلمة أن تتورَّط بهذه السموم، فلا تخرج منها إلا بعد لأيٍ وشدائد، وتعب مُضْنٍ وتوبةٍ صادقة.

وقع جمعٌ من الناس في براثنها، ورضعوا من أثداء المخدِّرات والمسكِرات؛ فنَقَبوا بناء المجتمعات ونثروا أعضاءها، وبدَّلوها شَذَرَ مَذَر! نفخت روح الحضارة العصرية في بعضهم نفخةً كاذبة، وخيَّلت إليهم أنهم خَلْقٌ وجِيلٌ مُغايرٌ لما مرَّ من الأجيال في التاريخ كلِّه! زعم المتفنِّنون منهم أنهم خَلْقٌ لا تنطبق عليهم سنَّة ولا يخضعون لسابقة! رأوا أنهم في عصر الذرَّة وعصر المعلومات؛ فقالوا للناس أجمع: أما علمتم أن الدنيا دخانٌ وكأسٌ؟! سُكْرٌ وغانيةٌ؟! أما علمتم أن هذه الكيوف إنما هي مشروبات رُوحانيَّة؟! فلماذا تسمُّونها سُكْرًا أو فتورًا أو تخديرًا؟!!

أمَّة الإسلام:

كم من الآلاف في أمَّتنا يعكفون على المسكرات والمخدِّرات، يهلكون أنفسهم عن طريق هذه الكيوف السامَّة القتَّالة؛ فأخذوا يزهقون أرواحهم، ويحفرون قبورهم بأيديهم، حتى صاروا أشباحًا بلا أرواح، وأجسامًا بلا عقول.

أيها المسلمون:

إن للمسكرات والمخدِّرات مضارًّا كثيرة أثبتها الطبُّ العصري، وأكدتها تجارب المجتمعات، وذكروا فيها أكثر من مائة وعشرين مضرَّة دينية ودنيوية، وبيَّنها قبل ذلك ربُّ العالمين بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ [البقرة: 219].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن الحشيشة حرامٌ، يُحَدُّ متناولها كما يُحَدُّ شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمِزاج، حتى يصير في الرَّجل تخنُّث ودِياثَة وغير ذلك من الفساد، وأنها تصدُّ عن ذِكْر الله"؛ انتهى كلامه - رحمه الله.

ومن أعظم مضارِّ المسكرات والمخدِّرات: أنها تفسد العقل والمِزاج. وما قيمة المرء إذا فسد عقله ومِزاجه؟! يتعاطى المسكرات والمخدِّرات؛ فيرتكب من الآثام والخطايا ما تضجُّ منه الأرجاء، وما يندم عليه حين يصحو، ولاتَ ساعةَ مَنْدَم.

ولقد روى القرطبي رحمه الله في "تفسيره": أن أحد السكارى جعل يبول، ويأخذ بوله بيده ليغسل به وجهه وهو يقول: "اللهم اجعلني من التوَّابين واجعلني من المتطهِّرين"!! عافانا الله وإيَّاكم من ذلك.

قال الضحَّاك بن مُزاحِم رحمه الله لرجلٍ: "ما تصنع بالخمر؟!"؛ قال: "يهضم طعامي"؛ قال: "أما إنه يهضم من دينك وعقلك أكثر".

وقال الحسن البصري رحمه الله: "لو كان العقل يُشترى؛ لتَغالى الناس في ثمنه! فالعجب ممَّن يشتري بماله ما يُفسده!!".

أيها الناس:

في بلاد المسلمين كثرت حوادث المخدِّرات من مروِّجين ومدمنين، وكثرت الجرائم بتعاطيها، وأصبحت مكافحة المخدِّرات قضية تشغل الحكومات المختلفة، وكل هذا يتم في غياب وازع الإيمان.ٍ

فاتقوا الله أيها المسلمون، واتقوا المسكرات والمخدِّرات، واتقوا الخمر؛ فإنها أمُّ الخبائث.

أخرج النَّسائي وابن حبَّان في "صحيحه" أن عثمان رضي الله عنه قام خطيبًا فقال: "أيها الناس، اتَّقوا الخمر؛ فإنها أم الخبائث، وإنَّ رجلاً ممَّن كان قبلكم من العباد كان يختلف إلى المسجد، فلقيته امرأةُ سوءٍ، فأمرت جاريتها فأدخلته المنزل، فأغلقت الباب، وعندها باطيةٌ من خمر، وعندها صبي، فقالت له: لا تفارقني حتى تشرب كأسًا من هذا الخمر، أو تواقعني، أو تقتل الصبي! وإلا صِحْتُ – يعني: صرخت – وقلت: دخل عليَّ في بيتي، فمن الذي يصدِّقك؟ فضعف الرجل عند ذلك وقال: أما الفاحشة فلا آتيها، وأما النَّفس فلا أقتلها. فشرب كأسًا من الخمر، فقال: زيديني؛ فزادَتْهُ، فوالله ما برح حتى واقع المرأة وقتل الصبي"، قال عثمان رضي الله عنه: "فاجتنبوها؛ فإنها أمُّ الخبائث، وإنه والله لا يجتمع الإيمان والخمر في قلب رجلٍ - إلا يوشك أحدهما أن يذهب بالآخر"!!

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 90-91].

فهل أنت منتهون، فهل أنت منتهون، فهل أنت منتهون؟!!

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكْر الحكيم.
قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.


الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد...

فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن الإسلام قد تدرَّج في الخمر حتى ختمها الله بالتحريم، ثم قال عزَّ وجلَّ: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91]؛ فقال الصحابة رضوان الله عليهم: "انتهينا انتهينا".

ويشمل تحريم الخمر جميع أنواع المسكرات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((كل مُسْكرٍ خمر، وكل مُسْكرٍ حرام))؛ رواه مسلم.

وشارب الخمر مستحقٌّ للعقوبة الدُّنيوية، وهو أن يجلد ثمانين جلدة، ويُحدُّ شاربها وإن لم يسكر، سواءً أشرب الكثير أم القليل بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم وإذا تكرَّر من الشَّارب الشُّرب وهو يُعاقَب ولا يرتدع؛ فقد قال بعض المحقِّقين من أهل العلم: يُقتل في الرابعة عند الحاجة إليه تعذيرًا، إذا لم ينتهِ الناس بدون القتل؛ عملاً ببعض الأحاديث الوارد فيها القتل في المرة الرابعة كما عند الترمذي وغيره، وهذا عين الفقه؛ لأن الصَّائل على الأموال إذا لم يندفع إلا بالقتل قُتل؛ فما بالكم بالصَّائل على أخلاق المجتمع وصلاحه وفلاحه!.

وشارب الخمر فاسقٌ لا يُسلَّم عليه، ولا يُعاد إذا مرض، ولا تُجاب دعوته؛ قال البخاري رحمه الله في "الأدب المفرَد": "باب: لا يُسَلَّمُ على شارب الخمر"، وساق بإسناده إلى عبدالله بن عمرو بن العاص أنه قال: "لا تسلِّموا على شرَّاب الخمر"، وقال أيضًا: "لا تعودوا شرَّاب الخمر إذا مرضوا".

وأما العقوبة الأخرويَّة؛ فقد روى أبو داود وابن ماجه والترمذي، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، ومُبتاعها وبائعها، وعاصرها ومُعتصِرها، وحاملها والمحمولة إليه))؛ وهو حديثٌ حسنٌ.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها؛ حُرِمَها في الآخرة))؛ رواه مسلم، وقال صلوات الله وسلامه عليه: ((مدمن الخمر إن مات؛ لقيَ الله كعابد وَثَنٍ))؛ رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.


وقال صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ، إن على الله عزَّ وجلَّ عهدًا لمَنْ يشرب المُسْكِر: أن يسقيَه من طينة الخَبال))، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخَبال؟ قال: عَرَقُ أهل النار))، أو: ((عصارة أهل النار))؛ رواه مسلم.

فاتقوا الله أيها المسلمون، وصلُّوا وسلِّموا على خير البَريَّة وأزكى البشريَّة؛ محمد بن عبدالله، صاحب الحوض والشفاعة؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المسبِّحة بقُدُسه، وأيَّه بكم أيها المؤمنون؛ فقال جلَّ وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وزِدْ وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر صحابة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم وعن التابعين، ومَنْ تَبِِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشِّرك والمشركين، واخذل أعداءك أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنَّة نبيِّك وعبادك المؤمنين.

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّث كرب المكروبين، واقضِ الدَّيْن عن المَدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمَن خافك واتَّقاك واتَّبع رِضاك يا ربَّ العالمين.

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حيُّ يا قيُّوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ما سألناك من خيرٍ فأعطِنا، وما لم نسألك فابتدأنا، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلِّغنا.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

سبحان ربنا رب العزَّة عمَّا يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 72.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 70.26 كيلو بايت... تم توفير 1.83 كيلو بايت...بمعدل (2.54%)]