تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - الصفحة 4 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         قناة IAmani - اماني (اخر مشاركة : ماريتا الحلاني - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تحذير خطير : اياكم وتمرينات الطاقة (الجزء السابع) (اخر مشاركة : abdelmalik - عددالردود : 745 - عددالزوار : 131175 )           »          خدمة تنظيف للمنازل (اخر مشاركة : زينب محمدي - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          الإصلاح بين الناس (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 21 )           »          القواعد التي يحاسب العباد على أساسها يوم القيامة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          النية وأثرها في الأعمال (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          المناسبة بين الآية وما قبلها مباشرة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          مد التبرئة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          الإيمان بالميزان، وما هو الذي يوزن يوم القيامة؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          تكفير المسلمين بغير حجة ولا برهان (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #31  
قديم 30-07-2020, 03:39 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,177
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

تفسير قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ...)


الآن مع قوله تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ [البقرة:248] من نبيهم؟ شمويل، ماذا قال لهم؟ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ [البقرة:248] العلامة الدالة على أن الله اختاره واصطفاه وملكه أمركم ليقودكم، آية ذلك وعلامته: أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ [البقرة:248].التابوت: صندوق خشب من نوع راقٍ، وقد يكون مطلياً بالذهب في بعض جوانبه لرفعته، هذا التابوت ماذا فيه؟ قال: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:248]، ما هي السكينة؟ذهب بعض أهل التفسير -ولعلهم ينقلون عن بني إسرائيل- فقالوا في السكينة: إنها حيوان كالهر له جناحان وذنب كالهر، ولعينيه شعاع .. إلى آخر ما وصفوا في هذا، وهذا مروي عن بعض المفسرين كـمجاهد ، ومجاهد أهل لذلك، لكن ما دام أنه مروي عن بني إسرائيل فقد يكون خرافة.وقد بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم السكينة، أما قال للذي كان يقرأ سورة الكهف وقد ربط فرسه في شجرة، وإذا بسحابة تتغشاه، فجعلت الفرس تنفر منها، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه حصل له كذا وكذا، فقال: ( تلك السكينة تنزلت للقرآن ) ، أي: ملائكة.وفي حديثنا الذي نعيده قال صلى الله عليه وسلم: ( إلا نزلت عليهم السكينة )، فأسكنتنا وجعلتنا هادئين ساكنين، إذاً: السكينة الهدوء والطمأنينة والاستقرار، وعدم الاضطراب وعدم الخوف، وعدم القلق.فهذا التابوت ماذا قال تعالى عنه؟ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:248] أي: لقلوبكم، بمجرد أن يوجد هذا التابوت بينكم تهدأ نفوسكم وتسكن وتطمئن بسبب هذا التابوت الذي يحوي من الآثار كذا وكذا وكذا. وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى [البقرة:248]، فيه عصا موسى، فيه نعاله، فيه التوراة التي أخذت منهم، فيه آثار من هارون، هذه كانت مجموعة في صندوق مطلي بالذهب وكانوا يعتزون بها، إذا وجدت فيهم سكنت نفوسهم، هذا التابوت لما استولى عليهم العمالقة أخذوه إلى ديارهم، وبقي عندهم في معرض التحف، ومن تدبير الله عز وجل أنهم -والعياذ بالله تعالى- أصابهم داء البواسير وأصابهم قحط، فتساءلوا فقالوا: هذا بسبب تابوت بني إسرائيل، فهيا نرده عليهم، هكذا تقول الرواية، فوضعوه في عربة تجرها الخيل أو البغال، ووجهوها نحو بني إسرائيل، فساقتها الملائكة حتى وصلت بها إلى مجتمع بني إسرائيل، إذ قال تعالى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ [البقرة:248]، ولا مانع أن تكون الملائكة تقود العربة وتوجهها، وإلا فكيف لحيوان أن يعرف الطريق من منطقة إلى منطقة؟ ولا مانع أيضاً أن الملائكة تأخذ الصندوق بما فيه وتضعه بين أيديهم، ولا منافاة بين هذا وذاك، إذ هذا فعل الله وتدبيره. فهذه آية: أن الله تعالى ملك عليهم طالوت، هذه أعظم آية، ففجأة يجدون التابوت بين أيديهم، فلا يبقى شك واضطراب في نفوسهم، هذه أكبر آية وعلامة على أن الله قد ملك طالوت عليهم حقاً: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ [البقرة:248] عليكم أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ [البقرة:248] من أين يأتي؟ من عند العدو من بلاد بعيدة، فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:248] بمجرد أن يقع بينكم تسكن نفوسكم، وتهدأ القلوب وتنتهي المخاوف وتنتهي الهزائم المعنوية لوجود هذه البركة؛ لأن هذا التابوت فيه آثار موسى وهارون، منها: العصا، منها نعل من نعالهما، وثوب من ثيابهما.قال: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ [البقرة:248]، فما قالوا: كيف؟ المهم أنه وضع بين أيديكم، وصل بإذن الله عز وجل وتدبيره. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:248]، وإذا كنتم كافرين لا تؤمنون بالله وبآياته فماذا نصنع؟ وهذه والله لأكبر آية تدل على أن الله قد ملك هذا العبد الصالح طالوت عليهم، لماذا؟ ليجمع كلمتهم ويقودهم إلى الجهاد لإنقاذ ديارهم وأهلهم.

تفسير قوله تعالى: (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر ...)

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ [البقرة:249] انفصل وقاد الجنود، قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ [البقرة:249] مختبركم، ممتحنكم؛ لأنكم أخلاط، امتحان بنهر في شدة القيظ وشدة العطش، قيل: هذا النهر هو نهر الأردن، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة:249] اللهم إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [البقرة:249] أطفأ بها لهب العطش. ومشى الجيش بقيادة الملك طالوت عليه السلام، وبعد يوم أو يومين وصلوا إلى دائرة الامتحان، وكانوا عطاشاً، ما إن وصلوا إلى النهر حتى أكبوا عليه يكرعون، ونسوا ما أخذ عليهم من العهد، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة:249]، بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا القليل أنه ثلاثمائة وثلاثة عشر، أو وأربعة عشر على خلاف، على عدة أصحاب بدر الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عير أبي سفيان ، وكتب الله القتال وجمع بينهم في بدر، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إنكم على عدة قوم طالوت )، وبينهم قرون عديدة. قال تعالى: فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة:249]، لما جاوزوا النهر وشربوا وقربت المواجهة قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة:249] ما نستطيع، وهذه هي الهزيمة، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ [البقرة:249] هم المؤمنون الموقنون، وعبر بـ(الظن) عن (اليقين) لأنه غيب، ما هو بمشاهدة، فيعبر عنه بالظن والمراد به اليقين. قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ [البقرة:249]، هم الذين يؤمنون بلقاء الله بعد الموت ويوم البعث والنشور، أي: المؤمنون بلقاء الله وباليوم الآخر، ما هم بملاحدة ولا كفار ولا مشركين، فماذا قالوا؟ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:249]، علماء حلماء، ولهذا عبروا بهذا التعبير لنور إيمانهم ومعرفتهم، ليسوا كأولئك الرعاع السفلة، بل ثبتوا وقالوا: سنقاتل، كم من فئة قليلة في التاريخ غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين الذين يثبتون على طاعته وطاعة القيادة، ويقاتلون من أجل الله ومن أجل إعلاء كلمته.

قراءة في كتاب أيسر التفاسير

معنى الآيات

نسرد الآن ما جاء في التفسير بما فيه من العلم الكثير.قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:[ معنى الآيات: لقد فرض الله تعالى على المؤمنين القتال، ودارت رحى المعارك بداية من معركة بدر، وكان لا بد من المال والرجال الأبطال الشجعان، فاقتضى هذا الموقف شحذ الهمم وإلهاب المشاعر لتقوى الجماعة المسلمة بالمدينة على مواجهة حرب العرب والعجم معاً، ومن هنا -لمطاردة الجبن والخوف وهما من شر الصفات في الرجال- ذكر تعالى حادثة الفارين من الموت ] في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ [البقرة:243] [ التاركين ديارهم لغيرهم، كيف أماتهم الله ولم ينجهم فرارهم، ثم أحياهم ليكون ذلك عبرة لهم ولغيرهم، فالفرار من الموت لا يجدي، وإنما يجدي الصبر والصمود حتى النصر.ثم أمر تعالى المؤمنين بعد أن أخذ ذلك المنظر من نفوسهم مأخذه فقال: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:244]، ولما كان المال المقدم في القتال فتح الله لهم اكتتاباً مالياً وضاعف لهم الربح في القرض بشرط خلوصه وطيب النفس به، ثم قدم لهم هذا العرض التفصيلي لحادثة أخرى تحمل في ثناياها العظات والعبر لمن هو في موقف المسلمين الذين يحاربهم الأبيض والأحمر وبلا هوادة وعلى طول الزمن، فقال تعالى وهو يخاطبهم في شخص نبيهم صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246]، يريد: ألم ينته إلى علمك يا رسولنا بإخبارنا إياك قول أشراف بني إسرائيل بعد وفاة موسى لنبي لهم: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله؛ فنطرد أعداءنا من بلادنا ونسترد سيادتنا ونحكم شريعة ربنا؟ونظراً إلى ضعفهم الروحي والبدني والمالي تخوف النبي أن لا يكونوا صادقين فيما طالبوه به فقال: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [البقرة:246] بتعيين الملك القائد أَلَّا تُقَاتِلُوا [البقرة:246]؟! فدفعتهم الحمية فقالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله والحال أنا قد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟ وذلك أن العدو وهم البابليون لما غزوا فلسطين بعد أن فسق بنو إسرائيل فتبرجت نساؤهم واستباحوا الزنا والربا، وعطلوا الكتاب، وأعرضوا عن هدي أنبيائهم؛ سلط الله عليهم هذا العدو الجبار فشردهم فأصبحوا لاجئين.وما كان من نبي الله شمويل إلا أن بعث من تلك الجماعات الميتة موتاً معنوياً رجلاً منهم هو طالوت وقادهم، فلما دنوا من المعركة جبنوا وتولى أكثرهم منهزمين قبل القتال، وصدق نبيهم في فراسته إذ قال لهم: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا [البقرة:246]. هذا ما تضمنته الآية الأولى من هذا القصص. أما الآية الثانية فقد تضمنت اعتراض ملأ بني إسرائيل على تعيين طالوت ملكاً عليهم؛ بحجة أنه فقير من أسرة غير شريفة، وأنهم أحق بهذا المنصب منه، ورد عليهم نبيهم حجتهم الباطلة بقوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:247]، كان هذا رد شمويل على قول الملأ: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ [البقرة:247]. وكأنهم لما دمغتهم الحجة، وهي أن الله تعالى قد اختار طالوت وفضله عليهم بهذا الاختيار، وأهله للولاية بما أعطاه وزاده من العلم وقوة الجسم، والقيادات القتالية تعتمد على غزارة العلم وقوة البدن بسلامة الحواس وشجاعة العقل والقلب، أقول: كأنهم لما بطل اعتراضهم ورضوا بـطالوت طالبوا -على عادة بني إسرائيل في التعنت- طالبوا بآية تدل على أن الله حقاً اختاره لقيادتهم، فقال لهم .. إلى آخره، وهي الآية الآتية ]. قال تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:248].قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:[ معنى الآية الكريمة:قد أصبح بشرح الكلمات معنى الآية واضحاً، وخلاصته أن شمويل النبي أعلمهم أن آية تمليك الله تعالى لـطالوت عليهم أن يأتيهم التابوت المغصوب منهم، وهو ] أي: التابوت [ رمز تجمعهم واتحادهم ومصدر استمداد قوة معنوياتهم؛ لما حواه من آثار آل موسى وآل هارون؛ كرضاض الألواح ] التي تكسرت لما غضب موسى ورمى بها فتحطمت، [وعصا موسى ونعله، وعمامة هارون، وشيء من المن الذي كان ينزل عليهم في التيه، فكان هذا التابوت بمثابة الراية يقاتلون تحتها، فإنهم إذا خرجوا للقتال حملوه معهم إلى داخل المعركة ولا يزالون يقاتلون ما بقي التابوت بأيديهم لم يغلبهم عليه عدوهم.ومن هنا وهم يتحفزون للقتال جعل الله تعالى لهم إتيان التابوت آية على تمليك طالوت عليهم، وفي نفس الوقت يحملونه معهم في قتالهم فتسكن به قلوبهم وتهدأ نفوسهم، فيقاتلون وينتصرون بإذن الله تعالى.أما كيفية حمل الملائكة للتابوت فإن الأخبار تقول: إن العمالقة تشاءموا بالتابوت عندهم إذ ابتلوا بمرض البواسير وبآفات زراعية وغيرها، ففكروا في أن يردوا هذا التابوت لبني إسرائيل، وساق الله أقداراً لأقدار، فجعلوه في عربة يجرها بقرتان أو فرسان ووجهوها إلى جهة منازل بني إسرائيل، فمشت العربة فساقتها الملائكة حتى وصلت بها إلى منازل بني إسرائيل، فكانت آية وأعظم آية، وقبل بنو إسرائيل بقيادة طالوت ، وباسم الله تعالى قادهم، وفي الآية التالية بيان السير إلى ساحات القتال ].قال تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:249].قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:[ معنى الآية:إنه لما خرج طالوت بالجيش أخبرهم أن الله تعالى مختبرهم في سيرهم هذا إلى قتال عدوهم بنهر ينتهون إليه، وهم في حر شديد وعطش شديد، ولم يأذن لهم في الشرب منه إلا ما كان من غرفة واحدة، فمن أطاع ولم يشرب فهو المؤمن، ومن عصى وشرب بغير المأذون به فهو الكافر، ولما وصلوا إلى النهر شربوا منه يكرعون كالبهائم إلا قليلاً منهم. وواصل طالوت السير فجاوز النهر هو ومن معه، ولما كانوا على مقربة من جيش العدو -وكان قرابة مائة ألف- قال الكافرون والمنافقون: لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة:249] فأعلنوا انهزامهم، وانصرفوا فارين هاربين، وقال المؤمنون الصادقون وهم الذين قال الله فيهم: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:249]، كانت هذه الآية في بيان سير طالوت إلى العدو، وفي الآيتين التاليتين بيان المعركة وما انتهت إليه من نصر حاسم للمؤمنين الصادقين ].


قراءة في تفسير قوله تعالى: (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ...) من كتاب أيسر التفاسير

يقول تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:250]، دعاء صادق وهم صادقون، فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [البقرة:251-252].

معنى الآيات

قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:[ معنى الآيات: لما التقى الجيشان: جيش الإيمان وجيش الكفر والطغيان؛ طالب جالوت ] جالوت الكافر طالب جيش طالوت بالمبارزة، قال: من يبارزنا؟ وكانوا إذا اصطفت الصفوف يخرج بطل يقول: من يقاتلني، وهذا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان شائعاً، والآن انتهى؛ لأن الحرب بالرصاص والصاروخ، ولهذا فالجيوش الآن كلهم جبناء، ما هناك مواجهة.قال: [ طالب جالوت بالمبارزة، فخرج له داود من جيش طالوت ]، داود هذا هو أبو سليمان الذي ملكه الله، [ فقتله، والتحم الجيشان ]، إذا انتهت المبارزة بقتل أحد المبارزين الآخر تلتقي الفئتان، وهذا البراز علته التهييج والإثارة، وأنتم تعرفون هذا من كرة القدم على شاشة التلفاز والناس يتمايلون، فهذا سر المبارزة، فالصفوف من هنا وهناك، والمبارزة قائمة وهم يتحمسون، ما إن يسقط أحدهما حتى يندفع بعضهم على بعض بتدبير الله عز وجل.قال: [ فنصر الله جيش طالوت ، وكان عدد أفراده ثلاثمائة وأربعة عشر مقاتلاً لا غير ]، التحم الجيشان فنصر الله جيش طالوت الملك على بني إسرائيل، وكان عدد أفراد جيشه ثلاثمائة وأربعة عشر مقاتلاً لا غير؛ [ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل بدر: ( إنكم على عدة أصحاب طالوت )] بوحي الله الذي يتلقاه، [ وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، فهزم الله جيش الباطل على كثرته، ونصر جيش الحق على قلته. وهنا ظهر كوكب داود في الأفق بقتله رأس الشر جالوت ، فمن الله عليه بالنبوة والملك بعد موت كل من النبي شمويل والملك طالوت ] عليهم السلام، [ قال تعالى: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ [البقرة:251].وختم الله القصة ] اللطيفة الظريفة، هذه التي ينبغي أن تدرس في كليات الحرب، وما يعرفونها، ويدرسون ضلالات أوروبا وأوساخ روسيا في أغلب كليات الحرب.[ وختم الله القصة ذات العبر والعظات العظيمة بقوله: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [البقرة:251] بالجهاد والقتال؛ لاستولى أهل الكفر وأفسدوا الأرض بالظلم والشرك والمعاصي ] أليس كذلك؟ إي والله العظيم، حتى لا تقول: لم يأمر الله المؤمنين أن يقاتلوا؟ فقتالهم هذا لرفع الظلم وإحقاق الحق، لولا أنه يدفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، واستولى عليها أهل الكفر والشرك والباطل ودمروها. [ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [البقرة:251] بالجهاد والقتال؛ لاستولى أهل الكفر وأفسدوا الأرض بالظلم والشرك والمعاصي، ولكن الله تعالى بتدبيره الحكيم يسلط بعضاً على بعض، ويدفع بعضاً ببعض منة منه وفضلاً، كما قال عز وجل: وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251] ] أبيضهم وأسودهم، كافرهم ومؤمنهم.[ ثم التفت ] الله تعالى [ إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقال له تقريراً لنبوته وعلو مكانته: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ [البقرة:252] التي تقدمت في هذا السياق نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [البقرة:252] ] الله أكبر.. الله أكبر، والحمد لله رب العالمين.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #32  
قديم 30-07-2020, 03:40 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,177
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (20)
الحلقة (27)





تفسير سورة البقرة (117)

من سنة الله عز وجل في خلقه أنه فضل بعض مخلوقاته على بعض، ومن ذلك أنه فضل بعض النبيين على بعض، ففضل الرسل عامة على النبيين، وفضل أولي العزم على سائر الرسل، فمنهم من كلمه تعالى كفاحاً كموسى عليه السلام ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم من آتاه الآيات الباهرات ورفعه إليه فوق السماوات كعيسى عليه السلام، ثم ختم سبحانه وتعالى الرسل بأفضلهم وواسطة عقدهم محمد صلى الله عليه وسلم.
قراءة في تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا في مثل هذه الليالي الأربع ندرس كتاب الله عز وجل، وكلنا رجاء في أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).أعيد إلى أذهان المستمعين والمستمعات تلك القصة العجيبة التي قصها الله تعالى علينا في كتابه القرآن العظيم، تلك القصة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ إذ رجل أمي لم يقرأ ولم يكتب يقص قصصاً عجباً تم في بني إسرائيل مختلف الأحداث متنوعها، ولا يستطيع يهودي ولا مسيحي أن يرد كلمة واحدة أو ينقضها، فكيف لا يكون رسولَ الله يتلقى الوحي والعلم من الله عز وجل؟والقصة أتلوها: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:243-245].ثم تبدأ القصة مفصلة؛ إذ قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [البقرة:246-252].

هداية الآيات

فإلى هداية هذه الآيات في ستة أرقام تذكرنا بهذه الحادثة العظيمة:قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:[ هداية الآيات:من هداية الآيات:[ أولاً: الجهاد الشرعي يشترط له الإمام المبايع بيعة شرعية ].الجهاد الشرعي الذي أذن الله فيه وأمر به وشرعه لعباده المؤمنين يشترط لصحته وجوازه والقيام به الإمام المبايع بيعة شرعية، وقتال بدون بيعة وإمام باطل، وأهله ظالمون، ولن يثمر إلا البلاء والشر والفساد.من أين أخذنا هذا؟ إذ قال بنو إسرائيل لنبيهم شمويل: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246]، لم ما قاتلوا جماعات وأحزاباً؟ لعلمهم أن الجهاد الذي يثمر العز والكمال والطهر والصفاء يكون مما رضيه الله فأذن به وعلم عباده، فقالوا: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246]، فمأخذها هذه الهداية من قولهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا [البقرة:246].[ ثانياً: يشترط للولاية الكفاءة ]، الذي نوليه ونبايعه لا بد أن تكون فيه كفاية لمهمته، [ وأهم خصائصها العلم، وسلامة العقل والبدن ].من أين أخذنا هذا؟ ذلك أنهم قالوا: كيف تولي علينا هذا الرجل الفقير؟ فرد الله تعالى فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:247] أولاً، وما دام أنه اصطفاه فلا كلام، وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247] وبهذا يتأهل لقيادة الجيوش وهزيمة العدو.[ ثالثاً: جواز التبرك بآثار الأنبياء كعمامة النبي صلى الله عليه وسلم أو ثوبه أو نعله ]، بل حتى بصاقه؛ ذلك أنهم قالوا: اجعل لنا آية تدل على أن الله اختار هذا، فقال: الآية موجودة، أن يأتيكم تابوت بني إسرائيل، وفيه آثار موسى وهارون. وبالفعل جاء التابوت وكان بأيدي العمالقة في أرض بابل، فإنهم لما احتلوا ديارهم مزقوهم وشردوهم، وأخذوا هذا التابوت وهو صندوق مطلي بالذهب طوله حوالي ثلاثة أذرع، والعرض كذلك، وفيه آثار أنبياء بني إسرائيل، عصا موسى، وكذلك ثياب ونعال مما كان لموسى وهارون، وهذا بمثابة الراية يقاتلون تحتها، كانوا إذا خرجوا للقتال يحملون هذا التابوت، ويرضون بأن يمزقوا كلهم ولا يسقط هذا.إذاً: فجاءهم الله بالتابوت من أرض العراق إلى فلسطين، ففيه جواز التبرك بآثار الأنبياء، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا بصق لا يقع بصاقه على الأرض، يتلقفه أصحابه ويتمسحون به، أما بردته فإلى عهد قريب وهي في المتحف في بلاد العثمانيين، البردة لبسها الرسول صلى الله عليه وسلم، وخرج بها فاندهش الناس لجمالها، فجاءه أحدهم فقال: يا رسول الله! أعطني إياها، فعاد إلى حجرته ونزعها وقدمها له، فصاح الأصحاب: كيف تفعل هذا؟ الرسول ما يرد سائلاً لأنه حيي. فقال: أردت أن تمس جلدي كما مست جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتوارثها الأصحاب وأبناؤهم، وبيعت بالآلاف، فآثار الأنبياء لها قيمتها، أما آثار الصعاليك من أمثالنا فخطأ، لا بصاق ولا ثوب ولا نعل. من أين أخذنا هذا؟ من قوله: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ [البقرة:248].[ رابعاً: جواز اختبار أفراد الجيش لمعرفة مدى استعدادهم للقتال والصبر عليه ]، من أين أخذنا هذا؟ من كونه امتحنهم، قال: اسمعوا: سنصل إلى النهر غداً في الساعة كذا، وممنوع أن تشربوا منه. امتحاناً لهم، ما إن وصلوا إلى النهر وهم عطاش حتى انكبوا عليه يكرعون كالإبل، ما هم بأهل للقتال، فما خلص منهم إلا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، هؤلاء قادهم طالوت وقاتل بهم جالوت وانتصر عليه، وتلك الألوف كلها انهزمت، هذا اختبار أو لا؟ يريد أن يقاتل جيشاً عرمرمياً قوياً وأفراده قليلون، فاختار الصادقين، أما الانهزاميون أو الشهوانيون أصحاب الأطماع فما يصلحون للقتال، يهربون عند أدنى شيء، فمن أين أخذنا هذا؟ من قوله: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي [البقرة:249] لا يمش معنا، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة:249] اللهم إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [البقرة:249] ليطفئ لهب العطش، فخلص من ثلاثين أو أربعين ألفا ثلاثمائة، وقاتلوا وانتصروا.[ خامساً: فضيلة الإيمان بلقاء الله، وفضيلة الصبر على طاعة الله خاصة في معارك الجهاد في سبيل الله ].من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:249] الذين لا يتزعزعون أبداً، يعطون صدورهم للعدو ولا يعطونهم أدبارهم.[ سادساً: بيان الحكمة في مشروعية الجهاد، وهي دفع أهل الكفر والظلم بأهل الإيمان والعدل، لتنتظم الحياة ويعمر الكون ]. من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251].وختاماً قال تعالى: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ وعزتنا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [البقرة:252] فصلى الله عليه وسلم.فالذي يشك في رسالة محمد أحمق، مجنون، لا قيمة له أبداً، فمن أين يأتي هذا البيان؟ بلغ أربعين سنة وهو ما يعرف الألف ولا الباء، ما جلس بين يدي معلم أو مرب، فهل استطاع اليهود -وهم ثلاث طوائف كما علمتم- بعلمائهم أن يردوا كلمة؟

تفسير قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ...)


والآن مع هاتين الآيتين الكريمتين:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة:253] ومن ثم اقتتلوا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:253-254].قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ [البقرة:253]: تلك الجماعات التي تقدم ذكرها -جماعات الرسل- فضلنا بعضهم على بعض، ومن الذي يفضل؟ الله تعالى.

فضل نبينا على جميع الأنبياء

وهنا لنعلم أن الرسل ليسوا في مستوى واحد في المكانة عند الله عز وجل، بل متفاضلون، لكن ليس من حقنا نحن أن نفضل فلاناً على فلان، نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: لا تفضلوا بين الأنبياء، لا تفضلوني على موسى، لا تفضلوني على يونس ابن متى، ما هو شأنكم أنتم؟ فقط علمنا الله بهذه الآية أنه فضل بين الرسل وهو كذلك، فمن أفضل الرسل؟ محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو نبي البشرية والجن، وإذا توهم متوهم فقال: فضلتموه على أنبياء بني إسرائيل لأنه نبيكم؛ قلنا: محمد صلى الله عليه وسلم نبي العرب ونبي العجم، ونبي الإنس والجن.إذاً: فضله الله عز وجل بما آتاه من الكمالات، لو تجتمع البشرية كلها وتصوغ آدابها وأخلاقها في صورة واحد فوالله! ما كانت كأخلاق أو آداب رسول الله. وفضّله الله تعالى بما يأتي:أولاً: بكون رسالته عامة للإنس والجن.ثانياً: بكونه ختم الله برسالته عامة الرسالات، أعلن عن هذا القرآن فقال: وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، ومضى ألف وأربعمائة عام، فهل جاء نبي؟ هذه وحدها كافية، وقد كان الأنبياء يتواردون كل عامين، أو ثلاثة، ولكن هذه ألف وأربعمائة سنة، فهل جاء نبي؟ لأن الله قال: وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40].وقد فتح الله علينا وعرفنا السر، حيث علم الله أن الأرض ستكون كأرض واحدة والعالم كمدينة واحدة، أصوات البشر تنتقل من الشرق إلى الغرب، الناس يطيرون في السماء، إذاً: ما هناك حاجة إلى تعدد الأنبياء، فقد كانت البلاد متباعدة، فكانت رحمة الله تقتضي أن كل إقليم فيه نبي، ولكن علم تعالى أن البشرية ستصبح في يوم من الأيام وكأنها أمة واحدة وبلد واحد، فالآن القرآن يقرأ في موسكو والعالم يسمعه في إذاعتها، فهل عرفتم السر أو لا؟ إنه لعلم الله تعالى بما سيوجده في المستقبل من أن العالم سيصبح كمدينة واحدة.وفضله صلى الله عليه وسلم بأن أمته أفضل الأمم، وفضله بالشفاعة في المقام المحمود؛ حيث يتخلى عنها عامة الرسل ولا يطلبها أحد، وهو يقول: أنا لها، إذ بشره الله بها في سورة بني إسرائيل: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79] و(عسى) تفيد التحقيق من الله، وفضّله بأنه أول من يدخل الجنة، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 30-07-2020, 03:41 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,177
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

فضل أولي العزم من الرسل

وأعظم الرسل هم أولوا العزم، جاء ذكرهم في بعض آية من سورة الأحزاب؛ إذ قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7] من أولهم ذكراً؟ ضمير المخاطب عائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم في الترتيب هكذا: وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7]، وفي عرصات القيامة كما حفظتم وعلمتم حين تهيج البشرية في تلك الساحة العظمى يبحثون عمن يكلم الله في شأنهم ليفصل بينهم ويحكم، طال الموقف في يوم مقداره خمسون ألف سنة، فيأتون آدم فيحولهم إلى نوح، يأتون نوحاً فيحولهم إلى إبراهيم، يأتونه فيحولهم إلى موسى، يأتون موسى فيحولهم إلى عيسى، يأتون عيسى فيحولهم إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

فضل موسى الكليم عليه السلام

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة:253]، فهل هذا تفضيل أو لا؟ فموسى عليه السلام كلمه الله كفاحاً وجهاً لوجه بلا واسطة، ما تم هذا لكائن على الأرض إلا لموسى ابن عمران نبي ورسول بني إسرائيل، كلمه في مكان معروف عندنا بالضرورة في جبل الطور بسيناء، إذ ناداه ربه بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:12-14] يسمع كلامه، ولما جاء للمناجاة للميعاد وترك بني إسرائيل وعلى رأسهم هارون أخاه غرر بهم الشيطان وعبدوا العجل وزين لهم الشيطان عبادته، وهارون ماذا يصنع وهو وحده؟ فرجع فوجدهم قد هلكوا يعبدون غير الله مع الآيات التي شاهدوها وهي تسع، فأخذ من خيارهم سبعين ليتوبوا أمام الله عز وجل، فلما انتهوا إلى جبل الطور وسمعوا كلاماً قالوا: نريد أن نرى وجه الله، فأخذتهم صاعقة فماتوا عن آخرهم، فبكى موسى خشية أن يقال: قتل بني إسرائيل، فأحياهم الله.والشاهد عندنا: في كونه تعالى كلم موسى عدة مرات فوق عرشه وموسى على جبل الطور، كلاماً كفاحاً، هذه أفضلية عظيمة أو لا؟

فضل نبينا على موسى في تكليم الله تعالى له


وأفضل من هذا ما كان لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ كلمه الله في الملكوت الأعلى، استدعاه وجاءه جبريل يرافقه على البراق فعرج به واجتاز مسافة سبعة آلاف وخمسمائة سنة، وتجاوزها ودخل الجنة ووطئت أقدامه قدسيتها وطهرها، وشاهد أنهارها وأنوارها وقصورها مشاهدة عيان يقظة لا مناماً، وارتفع حتى انتهى إلى مكان فتأخر جبريل، وقال: ما منا إلا له مقام معلوم، ما عندي إذن أن أتقدم، فتقدم هو صلى الله عليه وسلم حتى سمع صرير الأقلام، أقلام القضاء والقدر، ثم كلمه الله كفاحاً وجهاً لوجه، وفرض عليه الصلوات الخمس في تلك الحادثة، فلهذا تكليم الله لموسى كان في الأرض، وتكليم الله لمحمد صلى الله عليه وسلم كان فوق السماوات السبع.

عظمة كلام الله تعالى وحاجتنا إلى تعلمه في المساجد

قال تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة:253] من القائل: وآتينا عيسى ابن مريم؟ الله سبحانه وتعالى. فكيف يكفر الكافرون؟ هذا كلامه، فيكف يكون غير موجود؟ هل ممكن أن يوجد كلام بدون متكلم؟ مستحيل. وهنا لطيفة -لطف الله بنا وبكم- نكررها، نقول: إذا أردت يا صاحب البيت والقرية ويا أمير المدينة، إذا أردت هداية قومك وجماعتك فاجمعهم على قال الله وقال رسوله فقط، ولهذا كم نقول: والله! لن ينجو أهل إقليم ولا قطر ولا دولة ولا مملكة في العالم نجاة حقيقية من الذل والهون والدون، من الشر والفساد والظلم والخبث، من الناس وعذابها؛ إلا إذا عادوا إلى الكتاب والسنة، وكيف يعودون إليهما؟ الطريق: إذا دقت الساعة السادسة مساء أخذ أهل البلاد، أهل القرية، أهل المدينة، أهل الأحياء أخذوا يتطهرون ويلبسون أحسن لباسهم وثيابهم، ويحملون نساءهم وأطفالهم إلى بيت ربهم، وليوسعوه وينظفوه حتى يتسع لهم، ويصلون المغرب كما صلينا، ويجتمعون كاجتماعنا هذا: النساء وراء والفحول أمام والأطفال بينهم، ويجلس لهم عالم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يعلمهم ليلة آية وأخرى حديثاً على مدى السنة، وعلى طول الحياة، فهل يبقى بينهم جاهل أو جاهلة؟ والله! ما يبقى، وإذا انتفى الجهل وحل محله العلم هل سيبقى ظلم، خبث، شر، فساد، فقر؟ والله! ما يبقى.فإن قلت: دلل يا شيخ وبرهن؟ فأنا أقول: أيما أهل قرية، أهل مدينة، أهل مملكة أعلمهم أتقاهم لله عز وجل، من يرد هذا الكلام؟ أعلمهم بكتاب الله وبسنة رسوله أتقاهم، لا يسرق، لا يزني، لا يفجر، لا يحسد، لا يكذب، لا يخون؛ لعلمه، وأجهلهم أفجرهم، ولا يوثق في الجاهل أن يسند إليه شيء، تعبث به الأهواء والشياطين، فهو أعمى ما له نور، فلم ما نفعل هذا؟ فإن قلنا: ما نستطيع؛ فلم واليهود والنصارى قدوتنا وأسوتنا إذا دقت الساعة السادسة أوقفوا العمل وهرعوا إلى السينما والملاهي والمقاصف بنسائهم وأطفالهم، ونحن لا نستطيع؛ لأننا نذهب إلى بيوت الله، والشياطين ما ترضى بهذا لنبقى فسقة، فجرة، هابطين، جهالاً بربنا وما عنده فنهلك.فهذه لم لا تبلغونها؟ لم لا تعملون على إيجادها، إذا كنت إماماً في قرية ففي يوم الجمعة أعلم أهل القرية، قل لهم: من الليلة لا نصلي المغرب إلا مجتمعين، لا يتأخر امرأة ولا رجل إلا مريض، نتعلم الكتاب والحكمة، وهكذا، وما يتوقف عمل، ولا مصنع، ولا تجارة.

أثر سماع القرآن في الكف عن الزيغ والكفر

ثم قلت لكم: كيف يكفر الإنسان وهو يسمع كلام الله؟ دليله قوله تعالى من سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] من يرد على الله؟ فمن أطاعوا أساتذتهم ومعلميهم فهل هم مؤمنون؟ ما دخل الزيغ في القلوب وهبطت الأمة إلا بعد أن تتلمذنا لليهود والنصارى، نتعلم عنهم، وحتى النساء أيضاً، يبعث امرأته لتتعلم في إيطاليا، أو في أوروبا.أهل الزيغ والهبوط في أمة الإسلام هم مسئولون عن إدارتها في العالم، أكثرهم تعلموا على اليهود والنصارى، فيأتون وقلوبهم خاوية، ففي بلاد إسلامية كهذه يتظاهر بالإسلام، وفي بلاد أخرى يسخر من المسلمين ويستهزئ بهم، فما السبب؟ أما قال تعالى: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا [آل عمران:100] كالأساتذة والمعلمين يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100]، فيا رب! ما قلته حصل وتم.ثم قال تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] من أين يأتيكم الكفر وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101] هذا هو السر، لو كنا نجتمع كل ليلة في ديارنا في العالم بأسره، حتى اللاجئين والجماعات في أوروبا وغيرها يجتمعون كل مساء يتعلمون الكتاب والحكمة؛ فوالله! ما ضل منا ضال ولا كفر كافر ولا هلك هالك، لوعد الله الصادق: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101] وفينا حديثه وسنته وبيانه وعلمه.وكثيراً ما نقول -وقد أسمعت لو ناديت حياً-: هيا نبعث بعثة من سبعين شاباً يدرسون في ألمانيا أو يوغسلافيا، ونبعث معهم عالماً بالكتاب والسنة، ونطلب إليهم أن يطيعوه كما يطيعون الإمام الحاكم، فيسكنون في عمارة واحدة، ويجتمعون بعد الدراسة في دارهم، ويقيمون الصلاة، ويتلون كتاب الله، ثم هم بلباسهم الإسلامي، لحاهم، عمائمهم، فينظر إليهم الناظر فيقول: من هؤلاء؟ فيقال: مسلمون، ويدرسون سبع سنين أو أربع ويعودون، والله! ما يحصل -إلا نادراً- أن يفسق منهم أحد، أو يتغير في دينه وعقيدته. ثم نبعث سبعين رءوسهم عارية وببرانيط ولحاهم محلوقة ولباسهم بريطاني أو إيطالي، ونتركهم وحدهم، فوالله! ما يسلم (5%) من الفجور والباطل والشر والفساد، ويأتون كالعميان يضحكون من أمهاتهم وآبائهم.فهذا حصل، وليس بكلام غريب؛ لأن الله الخالق العليم الحكيم المدبر يقول: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:100-101]، فكيف تجهل الأمة وينتشر فيها الزنا والبغاء والشر والباطل والفساد، وينتهي الأمن وهي تجتمع كل ليلة على الكتاب والسنة؟ مستحيل أن ينتشر فيها الظلم والخبث والشر والفساد. أما يوجد في العالم الإسلامي خبث وشر وفساد؟ والله! إنهم ليزنون بنساء بعضهم، كيف بمؤمن يحطم كرامة أخيه المؤمن ويزني بامرأته! أيقع هذا؟ لا تسأل، مؤمن يقتل مؤمناً ليأخذ ماله! كيف يتم هذا؟ يستحيل مع الإيمان، لكن ما هو الإيمان؟ كيف ينمو الإيمان ويبقى في النفوس إذا لم نجتمع على نور الله ونغترف منه يومياً لأبصارنا وقلوبنا وأسماعنا؟ ولولا الصلوات الخمس لانتهى وجودنا بالمرة، وما بقي فينا خير.فاجمع بناتك وأولادك في بيتك، فليلة آية وأخرى حديثاً، وتغنوا بالآية واشرحها، وبين لهم ما فيها، وأوصهم بتطبيقها وانظر إلى بيتك كيف يكون؟ لا تسمع كلمة سوء، ولا بذاء، ولا عنف، ولا سخرية.. كأنهم ملائكة؛ لأنهم عرفوا، أما أن تفتح بيتك للعواهر في التلفاز يرقصن، ويتعلم بناتك هذا، ويشاهد أولادك الذكور فينجذبون إلى الخنا والشر؛ فاعلم أن بيتك قد يخبث وينتهي، والله! إنه لكما تسمعون، فطهروا بيوتكم أيها المسلمون. فإن قلت: ما نستطيع؛ فما أنت برجل؟ اتفق مع امرأتك على التطهير.

معنى قوله تعالى: (وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس)


ونعود إلى الآية الكريمة: يقول تعالى: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة:253] من هو روح القدس، روح الطهر؟ هذا جبريل، أفضل الملائكة، هذا السفير بين الله وبين رسله، هذا الذي كان يتردد على حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، كان يدخل الروضة والمسلمون مجتمعون ويشاهدونه في صورة رجل كريم من الأنصار هو دحية بن خليفة الكلبي ، هذا جبريل رفيق الرسول الحبيب إلى الملكوت الأعلى، كان مع عيسى لا يفارقه، يؤيده، يبين له، دائماً إلى جنبه بفضل الله على عيسى: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة:253].وعيسى أظهر الله على يديه معجزات خارقة للعادة، فميت على النعش جاءت أمه تبكي: يا روح الله! ولدي مات، وهي في كرب وهم، فقال: قفوا. يا فلان ابن فلانة، قال: لبيك يا روح الله. قال: قم. فوضعوا النعش ولف كفنه ومشى مع أمه.فقال الملاحدة والزائغون والعلمانيون: هذه مؤامرة تمت بينه وبين هذه العجوز، ادعت أن ابنها مات وأنها غسلته وكفنته ونادت الرجال فحملوه، وهو ما مات، وجاءت تقول: يا روح الله! يا روح الله! ولدي، فناداه. وهذا لتعرفوا أن البشرية هي هي إلى الآن وإلى يوم القيامة، والعقل البشري هو هو، والمكر والكيد هو هو، فردوا هذه الآية من آيات الله، والله يقول: يحيي الموتى بإذن الله، أقول هذا حتى لا تثقوا في آراء الناس وما يقولون إذا لاح نور الحق من كتاب الله وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عيسى عليه السلام يبرئ الأكمه والأعمى والأبرص بإذن الله.

كيد اليهود لعيسى عليه السلام ليقتلوه

فماذا فعل به بنو إسرائيل؟ حفروا له في بيته ليقتلوه، ودخل الشرطي عليه فألقى الله على الشرطي شبه عيسى، وهذه آية أخرى، وعيسى رفع من الروزنة، ولما أبطأ الشرطي هاجموا البيت ودخلوا بالقوة، فألقوا القبض على شرطيهم فقالوا: هذا عيسى وصلبوه، وقالوا: تعالوا لتشاهدوا هذا الساحر الدجال أرحناكم منه، والله يقول: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157] والقرآن يكذب هذا، والنصارى مصرون على أن اليهود قتلوا روح الله عيسى وصلبوه، ومن شدة ذلك يعلقون الصليب في أعناقهم ويبيعونه بأثمان غالية حباً في عيسى المصلوب.يا عميان، يا جهال، يا ضلال! إذا كان عيسى ابن الله فكيف يصلب؟ إذاً: الله عاجز. إذا كان عيسى هو الله فكيف يقتل؟ أرأيتم العمى؟! وتمضي القرون والقرآن يقول: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157] ثم منذ حوالي عشرين سنة أعلن بولس الثامن بأن اليهود برآء من دم السيد المسيح، والقرآن من ألف وأربعمائة سنة يصرح، وأنت الآن تقول هذا؛ لأنهم خدعوك أو غشوك أو ملئوا الجيوب بالمال، فتقول: اليهود برآء من دم السيد المسيح، وما قتلوه؟! وهذه فضيحة من شر الفضائح، كيف تعيش أمتكم قروناً على هذا المعتقد والآن تنفيه أنت؟ بأية حجة؟ ولكن من هبط هبط، فمن يرفعه؟ وما زالوا يعلقون الصليب ويبيعونه، فنقول: كيف يقتل ابن الله؟ أعوذ بالله! قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، خالق الكون كله، فهل يحتاج إلى ولد؟ أن يذهب بعقول المجانين؟ الذي يقول للشيء: كن فيكون هل يحتاج إلى ولد؟ والولد يحتاج فيه إلى زوجة؟ والجن قالوا: مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا [الجن:3].
معنى قوله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات …)
قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ [البقرة:253] أي: من بعد تلك الرسل مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ [البقرة:253] حجج، براهين سواطع، أنوار في كتب الله وحكم على ألسنة رسله، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا [البقرة:253] فتقاتلوا، لا توجد حرب إلا بخلاف، لا توجد فتنة إلا بالاختلاف، هذه خذوها قاعدة: ما يطلق الرجل امرأته إلا إذا اختلفا، ما يغلق فلان دكانه مع شريكه إلا إذا اختلفا، ما تكون الحرب إلا بسبب الاختلاف، بهذه الآية: وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا [البقرة:253] فتقاتلوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا [البقرة:253] ولكن لله سنن تمضي في البشرية.

قراءة في كتاب أيسر التفاسير

معنى الآية الكريمة

إليكم شرح هذه الآية من التفسير:قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:[ معنى الآية الكريمة: بعد أن قص الله تبارك وتعالى على رسوله قصة ملأ بني إسرائيل في طلبهم نبيهم شمويل بأن يعين لهم ملكاً يقودهم إلى الجهاد، وكانت القصة تحمل في ثناياها أحداثاً من غير الممكن أن يعلمها أمي مثل محمد صلى الله عليه وسلم بدون ما يتلقاها وحياً يوحيه الله تعالى إليه، وختم القصة بتقرير نبوته ورسالته بقوله: وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [البقرة:252]؛ أخبر الله تعالى أن أولئك الرسل فضل بعضهم على بعض، منهم من فضله بتكليمه كموسى عليه السلام، ومنهم من فضله بالخلة ] ما الخلة؟ فوق الحب، الحب حين يتخلل القلب يقال فيه: خلة، [ كإبراهيم عليه السلام، ومنهم من رفعه إليه وأدناه وناجاه وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم من آتاه الملك والحكمة وعلمه صنعة الدروع كداود عليه السلام، ومنهم من آتاه الملك والحكمة، وسخر له الجن، وعلمه منطق الطير كسليمان عليه السلام ]، سليمان كان إذا تكلم العصفور يعرفه، قال: عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ [النمل:16]، وإن صاح الديك عرف ما أراد، سبحان الله! قد تقول: كيف هذا؟ فقل لي: وكيف تنطق أنت وتتكلم؟ فالله المعلم، وعندنا عبرة: فإنه يؤثر أن الصرد الطائر المعروف الذي يوجد في بعض البلدان ويغيب في بعض الفصول لما صاح قال سليمان: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول: لدوا للموت، وابنوا للخراب. وهذا الكلام -والله- حق وصدق. يا بني الناس! لدوا للموت، فلو ما ولدنا بنين أو بنات فمن يموت؟ فنحن نلد لأجل الموت، وابنوا للخراب، إذاً: ارتفعوا بمستوياتكم عن هذه المستويات الهابطة، أنتم تلدون فقط للموت وتبنون للخراب، فلا يشغلكم طلب الولد والزوجة عن عبادة الله وحبه ورضاه، لا تلهكم دنياكم عن ذكر الله وعبادة الله، إنكم تبنون للخراب فقط، ما هو للخلود والبقاء. فسليمان قال تعالى عنه: عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ [النمل:16-17].وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #34  
قديم 30-07-2020, 03:43 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,177
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (21)
الحلقة (28)





تفسير سورة البقرة (118)


إن من حكمة الله عز وجل أن هدى من شاء من عباده للإيمان بالرسل، وكتب الضلالة على من لم يقبل ما جاءت به رسل الله، فنتج عن ذلك أن اقتتل الناس مؤمنهم مع كافرهم، ولو شاء الله ما فعلوه ولكن ليقضى أمر الله عز وجل وتتحقق حكمته في خلقه، فينزل أهل الإيمان المنازل التي يستحقونها، من القبول والرضوان، وسكنى الجنان، وينزل أهل الجحود والكفران دركات الجحيم والنيران.

فضل الجلوس في حلق الذكر في المساجد

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل القرآن الكريم، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).ومن أراد أن ينظر إلى السكينة فها هي أمامه، لا فوضى ولا ضوضاء ولا صخب ولا صياح، ولا أكل ولا شرب، ومن أراد أن ينظر إلى الرحمة وقد غشيتنا فها هي ظاهرة ظهوراً كاملاً، لا أذى ولا ضرر ولا بلاء ولا تعب ولا شقاء، هذه هي الرحمة.ومن أراد أن ينظر إلى الملائكة فهو قاصر لا قدرة له على رؤيتهم، لكنهم يحفون بهذه الحلقة، وأما ذكر الله تعالى لنا في الملكوت الأعلى فهو الجائزة التي لا تعادلها أخرى، من نحن وما نحن حتى يذكرنا رب السماوات والأرض وما بينهما في ملائكته المقربين؟ هذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.وحرم إخوان لنا بالملايين لا يجلسون هذه الجلسة، ولا يجتمعون على كتاب الله وهدي رسوله، فجهلوا ثم زاغوا وانحرفوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فما المانع أن نفرغ من أعمالنا الدنيوية وما عندنا أعمال دنيوية، فالتاجر، والصانع، والفلاح، وكناس الشارع.. الكل يعملون لأجل الله، المسلمون بحق موقوفون على الله، حياتهم كلها وقف على الله، لو سألته وهو يبيع ويشتري ولا يغش ولا يكذب ولا يخدع ولا يضر: لم تفعل؟ فسيقول: من أجل أن نعبد الله عز وجل، أوفر طعامي وشرابي مع أسرتي حتى تستمر حياتنا بعبادة الله عز وجل وطاعته، تمر بالبناء يبني: لم تبني؟ يقول: أبني هذا البيت من أجل أن أستر فيه نفسي وأسرتي عن أعين الناس، أو من أجل أن نقيهم الحر والبرد؛ لأننا عبيد الله، خلقنا لعبادته فأمرنا بالمحافظة على أبداننا لنعبد ربنا.لو وجدته يأكل: لم تأكل يا عبد الله؟ فسيقول: من أجل الله، تأكل من أجل الله؟ أي نعم، إذا لم آكل فلن أستطيع أن أسبح ولا أن أذكر فضلاً عن أن أصلي أو أجاهد وأرابط.ولا ننس كلمة أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: إنني أحتسب نومتي وقومتي على الله. إن نمت نمت لله، وإن قمت قمت لله، والحساب جار بيني وبين ربي.

تابع تفسير قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض...)

المفاضلة بين الأنبياء وأدب المؤمنين فيها

معاشر المستمعين! ما أتممنا دراسة الآيتين السابقتين، وهما قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:253-254].الآية الكريمة الأولى درسناها، فلنذكر منها أن الله عز وجل فاضل بين رسله، وله ذلك ولا اعتراض عليه، ونحن أدبنا رسولنا صلى الله عليه وسلم فنهانا عن أن نفاضل بين الأنبياء والمرسلين، ما ينبغي أن نقول: عيسى أفضل من موسى، ولا موسى أفضل من هارون، ولا داود أفضل من سليمان، ليس الشأن شأننا، وحتى هو صلى الله عليه وسلم قال: (لا تفضلوني على يونس بن متى) لعلمهم من طريق كتاب الله أن يونس ما صبر، وما أطاق.

فضل نبينا بالشفاعة الكبرى يوم القيامة


وفي عرصات القيامة تأتي من البشرية جماعات إلى آدم أبي البشر عليه السلام، فيقولون له: يا آدم! أنت خلقك الله بيديه، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته -وهذه فضائل- فاشفع لنا عند ربك أن يقضي بيننا، طال وقوفنا. فيعتذر بهذه الكلمات التي رددها الأربعة، قال: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله، فعليكم بنوح، ائتوا نوحاً واطلبوا منه أن يشفع لكم. وهل يشفع لهم في دخول الجنة أو النار؟ لا، يشفع أن يحكم الله بينهم، فالسعداء يسعدون، والأشقياء يشقون، أما أن يبقوا وقوفاً هكذا حفاة عراة والشمس تدنو من رءوسهم والعرق يلجم بعضهم ويصل إلى سرة البعض وأقدام البعض فإلى متى؟ يريدون فصل القضاء بما لهم وما عليهم، فيعتذر نوح ويقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله، ويذكر خطيئة من خطاياه كما ذكر آدم، فآدم سبق له أن أخطأ مرة في الملكوت الأعلى، أكل من الشجرة، فذكر هذه الخطيئة وقال: ما أستطيع، اذهبوا إلى نوح، ونوح مكث تسعمائة وخمسين عاماً وهو يدعو إلى الله، وعاش بعد الطوفان كذا سنة، وقبل البعثة عاش أربعين سنة، فاعتذر بخطيئة واحدة في نظره وما هي بخطيئة، وهي أنه قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26]، وعلل أيضاً: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:27] بما جرب، فأجيال يوصي بعضهم بعضاً: إياكم وهذا الرجل، فإنه يفسد عليكم عقائدكم ودينكم! ومع هذا اعتبرها زلة، قال: كيف أواجه ربي وأنا قد أخطأت؟ عليكم بإبراهيم، فيأتون إبراهيم الخليل فيعتذر ويقول ما قاله من قبله: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ويذكر ثلاث كذبات، وكثيراً ما نقول: إنها أفضل من صدقنا نحن، يقول: ما أستطيع أن أكلم ربي وأنا قد كذبت ثلاث كذبات، وكذبها من أجل الله: الأولى: قال لسارة في الديار المصرية: إنه ليس على الأرض من يعبد الله إلا أنا وأنتِ، فأنتِ أختي وأنا أخوكِ، فإذا سألكِ الطاغية عني فقولي: أخي ولا تقولي: زوجي، عد هذه كذبة. الثانية: لما كان احتفال قومه بعيد في الربيع مروا به خارجين يحملون البقلاوة والحلويات، فقالوا: هيا إبراهيم! فنظر نظرة في النجوم يوهمهم؛ لأنهم يعبدون الكواكب، وقال: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89] ما أستطيع أن أخرج، أنا مريض، فذهبوا وتركوه وحده، ومن ثَمَّ أتيحت له الفرصة للانتقام من الأصنام فكسرها، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ [الأنبياء:58]، قال تعالى: قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:59-63] فأوهمهم بيده واعتبر هذه كذبة، وهي الثالثة. هذه الكذبات الثلاثة ما استطاع أن يواجه بها الله ويطلب منه هذا الطلب، فقال: عليكم بموسى كليم الله، كلمه كفاحاً في جبل الطور، فأتوا موسى فاعتذر وذكر خطيئة، ما هذه الخطيئة؟ وكزة وكز بها قبطياً فقتله، وما أراد قتله، كان القبطي يتقاتل مع الإسرائيلي، فاشتكى وصرخ الإسرائيلي، فوجد القبطي ضاغطاً على ذاك الإسرائيلي فوكزه في صدره فمات، واستغفر موسى وتاب كما هو مبين في سورة القصص: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:16] فهذه ما استطاع معها أن يواجه الله ويطلب منه. معاشر المستمعين! كم خطايانا؟ دعنا من الخطايا، كم كذبة كذبنا يا أصحاب الستين عاماً والسبعين عاماً؟ قد تكون بالآلاف، لم؟ ما عرفنا الله، لو عرفناه لخفناه ورهبناه وأحببناه فلم نخرج عن طاعته أبداً، هذا هو التعليل السليم والحقيقي، أهل معرفة الله لا يخرجون عن طاعته ولا يفسقون عن أمره، لأنهم يعيشون معه، كيف تزني وأنت مع الله؟ أما تستحي؟ كيف تكذب والله معك يسمع كلامك؟ لن تقدر، تحاول أن تفتح عينيك في امرأة فتستحي منه وهو ينظر إليك، ولكن الذين ما عرفوا وقعوا في هذه الذنوب والمصائب.إذاً: قال: عليكم بعيسى ابن مريم، فيأتون عيسى، ولم يذكر عيسى خطيئة قط، لم يذنب ذنباً قط؛ لأن روح القدس معه لا يفارقه، ولكن يقول: عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، هو أهل لها، فيأتون أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، أنا لها؛ لعلمه السابق بهذا، إذ جاء من سورة الإسراء قول الله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79] يحمده عليه أهل الموقف أجمعون، لأنه فرج كربهم، فقد طال قيامهم ووقوفهم فجاء من سأل الله واستجاب له، ومع هذا لا يتعنتر فيقول: رب وعدتني فأعطني. بل قال: ( فآتي فأخر ساجداً تحت العرش ويلهمني ربي محامد -أي: ألفاظ حمد- فأحمده بها، ولا أزال أحمده حتى يقول: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع ). فاز بها أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فقد بذل ما لم نبذله نحن بملايين، ثلاث وعشرون سنة وهو في حرب دائرة، لا تسأل عن طعامه وشرابه، فاز بأخلاق لم تحلم بها الدنيا وآداب ما سمى إليها آدمي قط، وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #35  
قديم 30-07-2020, 03:43 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,177
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

تفضيل نبينا وموسى عليهما السلام بتكليم الله تعالى لهما


تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة:253] كموسى عليه الصلاة والسلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم، كلم محمد صلى الله عليه وسلم ربه في الملكوت الأعلى. والصواب ألا نقول: كلم محمد ربه، بل نقول: أين كلم الله محمداً؟ وإلا فنحن كلنا نكلم الله ونحن ساجدون، فموسى كلمه ربه في جبل الطور من أرض سيناء، ومحمد صلى الله عليه وسلم كلمه ربه تحت العرش في الملكوت الأعلى، وفرض عليه الصلوات الخمس. وهناك آية تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم عرج به وتكلم مع الله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم:1]، هذا قسم: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:1-2] من صاحبهم؟ محمد صلى الله عليه وسلم. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:4-5] جبريل، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:6-13] أين؟ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:13-18]، شاهد جبريل في الأرض وشاهده في الجنة عند سدرة المنتهى صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة:253] سامية عالية بحسب ما قاموا به وبذلوه، ولكن فضل الله عظيم، المهم أن تؤمن موقناً أن الله فضل بعض الرسل والأنبياء على بعض كما فضلنا نحن بعضنا على بعض في الطول والقصر، والفهم والذكاء والعلم، والفقر والغنى، والصحة والمرض، يفعل ما يشاء، لكن هذا التفضيل في رفع الدرجات وعلو المقامات.

عظيم قدرة الله تعالى في خلق عيسى من غير أب

وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ [البقرة:253] عيسى ابن مريم ليس له أب، وهنا حكاية تذكر عن الهابطين يقولون: إذا وضع الإنسان في قبره فالملكان يسألانه فيقول: أنا عبد الله بن فلانة! لم ما يقول: أنا عبد الله بن فلان؟ قالوا: لأن الأب مشكوك فيه، والأم رسمية ما فيها خطأ، واستشهدوا بآية الإسراء: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] قالوا: بأمهاتهم، فينادي الله: يا فلان ابن فلانة! لأن الأب مشكوك فيه! وكل هذه ضلالات. فعيسى هو ابن مريم لأنه لم يكن ابن رجل وطئ أمه فأنجبته، عيسى كان بكلمة التكوين، كما كان آدم، فآدم من ولده؟ ما اسم أمه؟ من أبوه؟ لا أب ولا أم، كيف كان؟ بكلمة (كن) فكان، فلهذا فالبشر أربعة أصناف: الصنف الأول: من لا أب له ولا أم، وهو آدم، وصنف آخر: من له أب ولا أم له، وهو حواء، والصنف الثالث: من له أم ولا أب له، وهو عيسى عليه السلام، فعيسى عليه السلام بعث الله جبريل إلى أمه كما في كتاب الله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا [مريم:16-18] إن كنت تقياً تخاف الله فابتعد عني، أما إذا كنت فاجراً فما ينفع معنا هذا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ [مريم:19-22] نفخ في كمها فسرت النفخة في بطنها فكان عيسى بكلمة التكوين: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59].وأعظم آية: فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:22-26] لا أكلم أحداً، اتركوني، إني نذرت للرحمن ألا أكلم إنسياً، إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم:26] يعني: امتناعاً من الكلام. فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ [مريم:26-29] أن: كلموه. قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم:29] فنطق: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم:30] ما هو بإله ولا ابن الله، أول كلمة قالها: إني عبد الله، ومع هذا قالوا: هو ابن الله، وذلك هو الجهل والعمى كما نعرفه بيننا. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [مريم:30-34].


بعض بينات عيسى عليه السلام

قال تعالى: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ [البقرة:253] وهي المعجزات، منها: أنه يحيي الموتى، كما في تلك القصة التي أعلمناكم لتعرفوا أذواق البشر وأحوالهم؛ فقد مات أحد الأبناء وغسل وكفن وحمله الناس إلى المقبرة، وإذا بالعجوز أمه تبكي، فمر عيسى فقالت: يا روح الله! ولدي مات، ادع الله أن يحييه لي، فدعا الله وقال: يا فلان! قال: لبيك يا روح الله. قال: قم. فلف كفنه وعاد مع أمه، فقال المغرضون والهابطون: هذه مؤامرة، هذا اتفاق تم مع عيسى ومع هذه العجوز؛ ليظهر أنه نبي ورسول ويدعوكم إلى طاعته وخدمته.والآن يحدث مثل هذا وأسوأ من هذا، فالعقول البشرية هي هي، والشياطين ما تبدلوا ولا تغيروا، يوحون ويلقون بالمعاني ويزخرفون الكلام في أذهان وقلوب وإخوانهم، وحسبنا قول الله تعالى له: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي [المائدة:110]، فكل هذه آيات.

كيد اليهود لعيسى عليه السلام وتحريفهم النصرانية بعده

ومع الأسف قال اليهود: هو ابن زنا، وعزموا على قتله وصلبه وفعلوا ما فعلوا، والذين اتبعوا عيسى بعد سبعين سنة حولهم اليهود إلى وثنيين مشركين، ما انتفع اليهود بعيسى ولا سمحوا للآخرين أن ينتفعوا به، فهذا بولس شيطان اليهود دخل على أحد الملوك الذين تنصروا ودخلوا في دين عيسى واستطاع أن يقلب الصفحة وحولهم إلى وثنيين، والإنجيل حوله إلى خمسة وثلاثين إنجيلاً، كيف بكتاب الله يصبح خمسة وثلاثين كتاباً؟ ولما انكشفت عورتهم وفضحوهم اجتمعوا وقاموا وقعدوا وجمعوها وحولوها إلى خمسة أناجيل، أما تستحون! كتاب الله يصبح خمسة كتب؟ وإنجيل من الخمسة فيه التوحيد، فهو ككتب الوهابيين، هذا الكتاب ما يقرأ لأنه كتاب وهابي في التوحيد إلى الآن.إذاً: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة:253] نصرناه على اليهود بروح القدس جبريل عليه السلام، وقد عرفتم حادثة محاصرة منزله بالشرطة اليهودية، ودخل رئيس الشرطة عليه فألقى الله الشبه عليه ورفع عيسى من الروزنة من السقف، فدخلوا فوجدوا رئيس الشرطة فقالوا: هذا هو، فاحتضنوه والحديد في يديه ونقلوه إلى الساحة الكبرى ليصلب وصلبوه، فلهذا نعرف أن اليهود ما قتلوا عيسى، لكن بالنسبة إلى القضاء قتلوه؛ لأنهم قتلوا من تشبه به، فالجريمة فعلوها بالفعل، لكن المحنة هي: كيف يقتلون نبي الله ورسوله وهو منهم وأمه إسرائيلية؟ لأي شيء؟ لأنه اعترض عليهم في الربا والزنا والغش والكعب العالي والهبوط المادي، ما أطاقوا الاعتراض، هذا هو السبب، جاء ضد شهواتهم وأطماعهم، وأمرهم بالعفو والإحسان فما أطاقوا، فكادوا له والعياذ بالله، فأيده الله بروح القدس جبريل عليه السلام حتى رفعه إليه.

الواجب على النصارى في معرفة حقيقة الدين

وكان المفروض على النصارى أنهم يأتون إلينا ويتعرفون إلى إلههم الذي يعبدونه، هذا كتاب الله، ما إن قرأ جعفر بن أبي طالب سورة مريم على أصحمة النجاشي وسمعها حتى قال: والله! ما زاد ولا نقص مثل هذه، وأسلم النجاشي . فهم محرومون، نقول لهم: تعالوا لتعرفوا عن دينكم وعن نبيكم وعن دعوتكم، فيخافون على المراكز والمناصب والأموال ويخافون من الغسل والصلاة والصدقات. وعندنا أيضاً من المسلمين جهال ضلال كاليهود والنصارى، ما يريدون أن يسألوا ولا يتعلموا، فلا إله إلا الله! المؤمن بمجرد أن يشك أو يعرف أو يبلغه أن هذا باطل يذهب إلى الشرق والغرب يسأل أهل العلم، يقول: لعلي أنا هالك وأنا لا أدري، لا أنه يسمع من يقول: هذا كفر، هذا باطل، هذا حرام ويغني هو ويسكت، ما هذا؟ أهذا مؤمن؟ المؤمن بمجرد أن يشعر بخطئه لو استطاع أن يمشي إلى أقصى الأرض ليسأل أهل العلم عن هذا الخطأ فإنه يمشي، ما يسمع كلمة (كافر) ويقول: لا بأس، كيف هذا؟ هذا حال النصارى واليهود.

الخلاف بين اليهود والنصارى

وقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ [البقرة:253] اقتتل اليهود والنصارى بعد نزول عيسى وآيات القرآن والإنجيل. وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ [البقرة:253] يبتلي عباده ويمتحنهم لينزلهم منازل يستحقونها، فمن آمن وعمل صالحاً رفعه إليه، ومن كفر وعمل سوءاً أبعده وأهبطه في الحياة السفلى.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ...)


موقف المؤمن من نداء الله تعالى أهل الإيمان

انتهينا في الدرس السابق إلى هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:254] لبيك اللهم لبيك. هل ناداكم معشر المؤمنين أم لا؟ ما يشعر المؤمنون أبداً حين يسمعون: (يا أيها الذين آمنوا) أنهم مؤمنون. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك. فأنت منادى أم لا؟ كيف يناديك مالكك، سيدك، أميرك، أستاذك وما تلتفت؟ أنت ميت إذاً، فهم أماتونا، والله! ما هناك من يسمع من الملايين من المسلمين، يسمع القارئ يقرأ: (يا أيها الذين آمنوا) فما يقول: أنا مؤمن يقول الله لي.يقول ابن مسعود : إذا سمعت الله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمرك بفعله، أو شر يحذرك منه. وقد تتبعنا -والحمد لله- نداءات الرحمن للمؤمنين والمؤمنات فوجدناها تسعين نداء، ينادينا إما ليأمرنا بما يسعدنا في الدنيا والآخرة، وينجينا من البلاء والشقاء في الحياتين، أو ينادينا لينهانا عما يفسدنا ويضعفنا ويشقينا ويردينا في الدنيا والآخرة، أو ينهانا ليبشرنا ليزداد إيماننا وأعمالنا الصالحة وسمو أرواحنا، أو ينادينا ليحذرنا من خطر يداهمنا يفسد علينا حياتنا، أو ينادينا ليعلمنا ما به نكمل ونسعد، ما نادانا لغير هذا قط.والشاهد عندنا: أنه إذا سمعت من يقرأ في الإذاعة أو في الشريط: (يا أيها الذين آمنوا) فقف، اسمع ما يقول الله، فإن كنت فاعلاً فاحمد الله، وإذا كنت تاركاً لما نهى فاحمد الله، وإذا كنت غير عامل فاستغفر الله واعزم على أن تفعل أو تترك، وإلا فلم ينادينا بهذه النداءات؟ لأننا أولياؤه والمؤمنون به وبرسوله وبكتابه، لأننا أحياء.

الحث على المسارعة في الإنفاق

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:254] فرض الله الزكاة وفرض الصدقات، منها ما هو واجب، منها ما هو مستحب ومندوب، وحرم البخل، وحرم الإمساك، وهذا من مبادئ المجتمع الطاهر، الجهاد لا يقوم إلا بالمال، والرسول صلى الله عليه وسلم ما عنده ميزانية ولا عنده مال، والجهاد قائم؛ فأنفقوا، وتقدم السياق: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة:245] هذا اكتتاب رباني فتحه لعباده المؤمنين: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة:245] الدرهم بسبعمائة، وبألف. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:254] سبحان الله! ما قال: أنفقوا ما رزقناكم ولا تبقوا شيئاً، ردوا علينا ما أعطيناكم، بل قال: من بعض ما أعطيناكم. وهو ماله، فطلب منا أن نعطي منه لصالحنا من أجل الجهاد وحمل راية الحق والدعوة، من أجل سد جوع الفقير وكسوة عورته، لا من أجله هو تعالى. أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:254] عجلوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ [البقرة:254] ويا له من يوم لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254]. استعجلنا: عجلوا بالإنفاق مما رزقناكم، فصاحب العلم يجب أن ينفق من علمه بتعليم غيره أو إرشاد سواه، أو بيان الحق له، والذي رزقه الله جاهاً ينبغي أن ينفق من هذا الجاه بأن يرفع حاجات الضعفة والمساكين حيث تسد خلتهم أو تقضى حوائجهم، والذي أعطي قوة بدنية يجب أن ينفق منها ولو أن يكنس شوارع المدينة، أرأيتم بطلاً يكنس؟ وإذا ما كان هناك بلدية فمن يكنس؟ المؤمنون، ففارغ الشغل ما عنده عمل يكنس أزقة المدينة، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق )، المؤمن كلما شاهد حجرة، روثة، شيئاً في الطريق شمر عن ساعديه ونظف.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #36  
قديم 30-07-2020, 03:44 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,177
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (22)
الحلقة (29)






تفسير سورة البقرة (119)

آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله، وهي تعدل ربع القرآن، وقد ذكر الله عز وجل فيها كرسيه فسميت به، وكرسي الرحمن من دلائل عظمته سبحانه وتعالى، فقد ثبت أن هذا الكرسي قائم على العرش، ورغم أن الكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ملقاة في فلاة، إلا أنه لو جيء بالسماوات والأرض لضاقت بهذا الكرسي.

تابع تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة...)

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل القرآن العظيم، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فالحمد لله أن جعلنا منهم، فاحشرنا يا ربنا في زمرتهم وارض عنا كما رضيت عنهم، يا ولي المؤمنين ومتولي الصالحين.معنا آيتان: الأولى: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254].والآية الثانية: آية الكرسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255].

سبب نداء المؤمنين بعنوان الإيمان

في الآية الأولى يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:254] لبيك اللهم لبيك، الحمد لله أن نادانا ربنا، أتدرون كيف تأهلنا حتى أصبحنا ينادينا الجبار عز وجل؟ هل لأننا بنو هاشم؟ بنو تميم؟ أتراك؟ كيف تأهلنا حتى أصبحنا ينادينا ربنا؟ تأهلنا لذلك بالإيمان به وبكتابه ورسوله ولقائه، لأن المؤمن بحق حي يسمع النداء ويجيب، والكافر ميت لا يسمع نداءً ولا يجيب، إن أمر أن يفعل ما فعل، وإن نهي ألا يفعل ما انتهى؛ لأنه في عداد الموتى، هل فيكم من يرد علي هذه النظرية؟ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [النمل:80].الروح هي الإيمان، إن وجدت الروح في الجسم كان حياً، الأذن تسمع، العين تبصر، اللسان ينطق، اليد تأخذ وتعطي، الرجل تمشي وتسعى، وإن خرجت الروح فلا العين تبصر ولا الأذن تسمع، أليس كذلك؟ والبرهان أن أهل الذمة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى وما قيس عليهم من المجوس يعيشون تحت رايتنا وفي ظل دولتنا الإسلامية ونحن نصلي وهم لا يصلون، ونحن نزكي وهم لا يزكون، ونحن نصوم وهم لا يصومون، ونحن نرابط وهم لا يرابطون، ونحن نجاهد وهم لا يجاهدون، ولا نأمرهم أبداً وإن كنا حاكمين لهم قادرين على الأمر والنهي، لم ما أمرنا الله بأمرهم ونهيهم؟ لأنهم أموات، فانفخ الروح فيه، فإذا حيي وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فحينئذ كلفه فإنه قادر على أن ينهض بكل تكليف.

عدد نداءت الإيمان في القرآن ومقاصدها

وكم نادانا ربنا في كتابه بعنوان الإيمان؟ تسعين مرة، فهل أمرنا الله تعالى فيها بمنكر؟ بقطيعة رحم؟ بظلم؟ بشر؟ بفساد؟ بخبث؟ الجواب: والله! لا، أمرنا بفعل ما من شأنه أن يزكي نفوسنا ويطهر أرواحنا لتصبح أهلاً لأن تنزل الملكوت الأعلى، ونهانا عن أشياء من شأنها تخبيث نفوسنا وتدسيتها وتلويثها، فتقعد عن العروج إلى السماء وتنزل إلى الدركات السفلى في عالم الشقاء، بشرنا بما يزيد في طاقاتنا وقدراتنا على فعل الصالحات وترك المحرمات، أنذرنا في بعض النداءات عواقب سوء مدمرة، وأمرنا في نداءات أخرى بأن نتعلم العلم، بأن نعلم بأن العلم نور، فالجهال هم الذين يقعون في أودية الخبث والشر والفساد؛ لأنهم ما يبصرون، يمشون في الظلام، أما العالمون أصحاب النور فهل رأيتم مبصراً ذا بصيرة يمشي ثم يغمس نفسه في بركة فيها الخرء والعذرة والبول والغائط؟ والذي لا يبصر يقع فيها، فالعلم نور، واقرءوا: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8] أي نور أنزله الله؟ القرآن الكريم، واقرءوا: وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52].


أهمية الاجتماع على مدارسة الكتاب والسنة

يا شيخ! لم ملايين المسلمين ما تعلموا ولا اهتدوا ولا استقاموا ولا طابوا ولا طهروا؟ الجواب: والله! ما اجتمعوا على تلاوة كتاب الله ودراسته، ولو أن أهل القرية في قريتهم، أهل الحي في حيهم إذا مالت الشمس إلى الغروب تركوا العمل وحملوا نساءهم وأطفالهم إلى بيوت ربهم يجلسون كما نحن الآن جالسون، فليلة آية وأخرى حديثاً من الكتاب والحكمة طول الحياة فهل سيبقى بينهم جاهل أو جاهلة؟ والله! ما يبقى؛ لأن الله أعلمنا أنه يهدي بهذا الكتاب، وإذا انتفى الجهل فما الذي يحل محله؟ العلم. هل رأيتم أعلم رجل في بلادكم يزني؟ يلوط؟ يشتغل في بنك ربوي؟ يسب المسلمين ويشتمهم؟ يختلس أموالهم؟ لم؟ لأنه أصبح ذا نور، فكل الذي تشكوه البشرية جمعاء من الظلم والشر والفساد والخبث مرده إلى جهلها، ما عرفت ربها، فما أحبته ولا خافته، وإذا لم يحب العبد ربه ولم يخفه فهل سيستقيم؟ ترميه شهوته حتى يفجر بأمه. فمن منعنا أن نجتمع على كتاب ربنا ونتدارسه بيننا؟ ما الذي يصيبنا؟ قف وانظر إلى هذه الجلسة: هل ترى فيها ظلمة أو شراً أو فساداً؟ ألم تر السكون والرحمة كيف غشيتنا والملائكة تحوطنا، والله جل جلاله يذكرنا بين أولئك المقربين.مضى على المسلمين أكثر من سبعمائة سنة وهم لا يجتمعون إلا في المقاهي والملاهي والأباطيل والأضاحيك، تدخل بيوت الله فتجدها خاوية خالية، تنتهي الصلاة فلا يبقى في المسجد أحد، إلى أين يفرون؟ حيث تريد الشياطين، لا نكثر من البكاء، ولنعد إلى الآية الكريمة.

أهمية الإنفاق في الإسلام

بم أمر الله عباده المؤمنين؟ بالإنفاق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا [البقرة:254] أخرجوا من جيبوكم وصناديقكم بعض الذي رزقكم وأعطاكم ووهبكم، لم؟ لأن الزكاة قاعدة الإسلام، فلا إسلام بدون زكاة، الذي يملك مالاً تجب فيه الزكاة بأن بلغ النصاب المحدد وحال عليه الحول إن كان مما يحتاج إلى حول ولم يخرج زكاته فقد كفر والعياذ بالله، وإذا قال: أنا مؤمن ولم يزك فيجب أن يقاتل حتى يخضع ويزكي، وإذا قال: لا أؤمن بهذا؛ فإنه يقتل كافراً مرتداً والعياذ بالله.فمن هنا ما من مؤمن ولا مؤمنة يعرف عن الله عز وجل أن الزكاة واجبة وجوباً عينياً على كل من يملك نصاباً إلا وهم يخرجون زكاة أموالهم طيبة بها نفوسهم، والذين لا يزكون مرضى وقلوبهم عفنة، ولا تعجب إذا ارتكبوا كبائر الذنوب والآثام والفواحش، إذ ما هناك ما يزكي النفس ويطهرها حتى تشرق أنوارها ويميز بين الحق والباطل والخير والشر. أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:254] هذه النفقة العينية، ونفقة أخرى إذا أمر إمام المؤمنين بالإنفاق لإرسال السرايا وبعث الجيوش، لإعداد العدة وإحضار السلاح والطعام، كل من في جيبه أو صندوقه مال يجب أن ينفق، هل بلغكم أن نداءً أعلنه رسول الله القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم في غزوة من الغزوات في تلك الروضة، فخرج أبو بكر الصديق بكل ماله، وخرج عمر رضي الله عنه بنصف ماله، أما عثمان فجهز جيشاً كاملاً. والحمد لله؛ فإنه لما بدأ الجهاد في ديارنا الجزائرية لطرد فرنسا والكافرين أصبحنا نجمع الأموال في هذا المسجد كل جمعة، حتى أبناء المدارس فرضنا عليهم أن كل واحد يأتي بريال، في الابتدائية وغيرها، يومها خرجنا بنصف ما عندنا، والله! لقد قسمته نصفين. فلو أن إمام المسلمين قال: هلم إلى الجهاد وبدأ بالمال لما حل لواحد منا أن يكون لديه مال ولا يخرج منه بعضه، لأن الله عز وجل قال: مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:254] أي: من بعض الذي رزقناكم، والمال مال الله، هو الواهب وهو المعطي، وطلب منا فقال: ردوا علينا بعض الشيء، فهل نقول: لا؟ هذه وقاحة وأسوأ خلق، كيف أعطيك وفي جيبك عطائي ثم أقول: رد علي كذا لأن فلاناً مريض إلى جنبك فتقول: لا؟ أهذه هي الأخلاق البشرية؟ كيف يقول: لا؟ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:254] وهذا الإنفاق يكون للجهاد في سبيل الله، ويكون لسد جوع الجائعين، وستر عورة العراة، ومداواة مرضى المؤمنين، ولإقامة الحصون والأسوار، وإعداد العدة للجهاد.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #37  
قديم 30-07-2020, 03:45 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,177
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

مقترح بإنشاء صندوق خيري في مسجد القرية والحي

وأخيراً اسمعوا: لو أن أهل القرية الإسلامية في بلد إسلامي -سواء كانوا عرباً أو عجماً- ينشئون صندوقاً في مسجدهم، وألاحظ بعض أهل الغفلة انتقدونا في هذا الكلام وقالوا: هذه خيالات، ولا يضرنا ذلك، والله! لولا علمي بأن هذا مما شرع الله بل وأوجب، وأنه لا خلاص من الفقر والذل والهون والدون إلا به لما قلت هذا، فهل هو مستحيل أو صعب؟ إمام أهل القرية يقول هذا وهو على المنبر يوم الجمعة، وأهل القرية كلهم حاضرون، يقول: من الليلة لا يتخلفن رجل عن صلاة المغرب في هذا المسجد، وائتوا بنسائكم الطاهرات من الحيض والنفاس وبأولادكم لنتلقى الكتاب والحكمة. فإن قالت امرأة: أنا غير طاهرة، فكيف؟ قلنا: اجعلوا لها ستارة وراء الجدر وضعوا مكبر صوت عندها لتسمع وتعي، فنحن مؤمنون، والمؤمن شعاره الصدق والوفاء. إذاً: الليلة إن شاء الله نبتدئ دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، قد تقول: من أين لنا هذا الكلام؟ أقول: أما قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، وإبراهيم الخليل هو الذي دعا بهذه الدعوة واستجاب الله له منذ أربعة آلاف سنة، أليس إبراهيم القائل وهو يبني البيت مع إسماعيل: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129] هات يا إسماعيل الطين والحجارة، يتقاولان هذا الكلام وهما يبنيان البيت، واستجاب الله فبعث في ذرية إسماعيل محمداً صلى الله عليه وسلم، وكان يجلس لهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويطهرهم صلى الله عليه وسلم.إذاً: فحين يحضرون يجلسون كجلوسنا هذا، فيبدءون باسم الله بآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254] ويتغنون بها كلهم بصوت منخفض واحد عشر مرات، عشرين، ثلاثين مرة، العجائز والنساء والأطفال والرجال كلهم حفظ هذه الآية ورتلها، فهذا أمر عظيم، والله! لخير من مليون دولار، وحين يحفظونها يأخذ يبين لهم مراد الله منها، ماذا طلب منهم؟ أن تفهموا أو تعملوا أو تقولوا، فيفهمون، ومن الغد حضروا كلهم، فإن دخلت القرية مع غروب الشمس لم تجد إلا من هو ذاهب إلى المسجد بأطفاله ونسائه. وفي الليلة الثانية حديث، وهو قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )، ويتغنون به ربع ساعة أو عشرين دقيقة ليحفظوه، ويشرح ويبين ويفسر، فيقول: ما معنى (مثل المؤمنين)؟ ما التواد؟ ما التراحم؟ ما التعاطف؟ ما معنى الجسد الواحد؟ فيفهمون، وفي الليلة الثالثة آية، وفي الرابعة حديث يحفظونه حفظاً عن ظهر قلب ويفهمون معناه أكثر من فهمي أنا وأنتم، ويطبقون من الغد، فتلوح أنوار العمل في بيوتهم وأزقتهم وشوارعهم، والله! ما تمضي سنة إلا وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وحين يصبحون بهذه المثابة هل سيعجزون عن فتح صندوق من حديد في المحراب؟ والواعظ أو المربي أو الكاتب أو الإمام والمؤذن في لجنة المسجد، فيقول: معاشر المؤمنين والمؤمنات! لقد فتح الله علينا هذا الصندوق، فمن زاد على قوت يومه درهم واحد فليأت به يودعه في هذا الصندوق، وباسم الله، واعلموا أنكم آمنون وسوف تعود أرباح هذا الصندوق عليكم، لا تخافوا فإن الله صادق الوعد لا يخلف وعده، فيأخذون يضعون في ذلك الصندوق، كل من يأتي بريال، بعشرة، يسجل اسمه ويأخذ ورقة، وفي ستة أشهر يمتلئ هذا الصندوق، فإن كانوا في أرض زراعية أنشئوا مزرعة خارقة، تنتج ما شاء الله من الزروع، أو ينشئون مصنعاً لصنع المسابح مثلاً أو النظارات، وينتظم ذلك العمل ويباركه الله عز وجل، فما تمضي سنة وإلا وقد امتلأ ذاك الصندوق.واللجنة الخاصة بالمسجد تعرف أهل الحي أو القرية، تعرف المريض والأرملة واليتيم والعاجز والمحتاج وتزورهم في بيوتهم وخيامهم وتغدق عليهم تلك الفضلات المالية، فيشعرون بالسعادة، هذا هو الإسلام، يقولون: هذا من إخوانكم، فكيف تصبح قلوبهم؟ ما يبقى حسد ولا بغض ولا رياء ولا كذب ولا باطل أبداً. فإن قالوا: أما يسرق هذا الصندوق؟ قلنا: في هذه القرية التي تفعل هكذا أيوجد سارق؟ أمجانين أنتم؟ وإن فرضنا ذلك فهل هذا المسجد سيخلو ساعة من ليل أو نهار؟ لن يخلو، فعزابنا من شبيبتنا يبيتون في المسجد ركعاً وسجداً، فكيف يفرغ المسجد؟ فكيف -إذاً- يختلس هذا الصندوق أو يؤخذ؟ هذا تصور خاطئ وليس بصحيح. أسألكم بالله: كيف تصبح تلك القرية أو ذلك الحي؟ لا يوجد من يتأخر عن صلاة، ولا يوجد من يرتكب باطلاً أو منكراً، فيعم الطهر والصفاء، والله! لو رفعوا أكفهم إلى الله وأقسموا عليه أن يفعل كذا لاستجاب لهم.والسؤال: ما المانع أن نفعل هذا؟ أيام كنا تحت كرباج أو عصا الروس فممكن ألا يأذنوا، لكن ليس كلنا سادتنا روسيا وحكمتنا البلشفة، العالم الإسلامي أكثره كان مستعمرات مسيحية ما فيها هذا الكفر والإلحاد، فانتهى الاستعمار وتحررنا واستقللنا وأصبح لنا نيف وأربعون دولة، فهل فعلت دولة هذا؟ والله! لن ينتهي الفقر ولا الخلاف ولا الضعف ولا العجز ولا الفسق ولا الفجور إلا على هذه الدعوة المحمدية، لو جاء عمر وقادنا فإن لم نطبق هذا النظام الرباني فلن تطيب حياتنا.يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:254]، لو كان لنا هذا الصندوق وأمتنا متحابة متعاونة لرأيت العجب، تفرح حين تنفق، لكن أين تنفق الآن؟ أمة هابطة، تشرب الحشيش وتأكل المر والحلو، لا آداب ولا أخلاق ولا كمالات ولا طاعة لله ولا رسوله.


انتفاء التدارك بالبيع والخلة والشفاعة يوم القيامة

يقول تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ [البقرة:254] يوم عظيم، إنه يوم البعث من الأرض والحشر في ساحة القضاء ليسعد الله أهل الإيمان وصالح الأعمال، أهل الأرواح الزكية والنفوس الطاهرة، ويشقي ويردي ويخسر أهل القلوب المنتنة والأرواح الخبيثة الفاسدة من جراء الإجرام والظلم والفسق والعصيان، والله ليتمن هذا بالحرف الواحد. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ [البقرة:254] أبداً، تبيع ماذا؟ عندك بقرة تبيعها؟ عندك دار تبيعها؟ هل تبيع نفسك؟ أهناك من يشتريك؟ لا دينار ولا درهم، لا بيع ولا خلة، والخلة: المودة والحب والصداقة، لا ينفع يومئذ ذلك. وَلا شَفَاعَةٌ [البقرة:254] هل هناك من يقول: يا رب! أدخل هذا الجنة؟ يا رب! عجل بحساب هذا؟ والله! ما ينطق بها واحد، ولا يستطيع أحد أن يقولها، أما بلغنا أن الله في ذلك اليوم يغضب غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله، آدم ما استطاع أن يكلم الله، فحوَّل البشرية إلى نوح، ونوح حولهم إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، وعيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والمطلوب فقط أن يقول: رب! احكم بين عبادك، طال الموقف، فما استطاع كل منهم، واستجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوعد الصادق الذي وعده الله، ومع هذا ما قال: يا رب! احكم بين عبادك، قال: ( آتي فأخر ساجداً تحت العرش ويلهمني ربي محامد أحمده بها ثم يقول لي: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع ) وفي آية الكرسي: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255].إذاً: عجلوا بالإنفاق، آهٍ! لو كان هناك صندوق البر والإحسان والطهر والصفاء والمودة والإخاء فإنا سنقسم غداءنا وعشاءنا قسمين.

ظلم الكفرة

ثم قال تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254] الكافرون لنعم الله، أعطاهم الله الأموال ففسقوا بها وفجروا وكادوا بها للمؤمنين وحاربوا بها الصالحين، أنفقوها في الحشيش والخمور والباطل والشر والفساد، هؤلاء هم الظالمون، هؤلاء جاحدون للنعمة، إذاً: هم الكافرون، هم الظالمون؛ لأن الظلم حقيقته: وضع الشيء في غير موضعه، مثلاً: هذه حلقة ذكر، فلو يقوم مجنون يدخل أصبعيه في أذنيه ويغني: يا ليلى، أيجوز هذا؟ أهذا موضع أغاني هذا؟ فهذا ظلم أم لا؟ أو يجيء واحد ويقول: افسحوا لي وينام في الحلقة، أهذا مكان نوم؟ فهذا هو الظلم، وضع الشيء في غير موضعه، أو يأتي عند باب المسجد ويشمر عن ثيابه ويتغوط، فهذا ظلم، فالذي أعطاه الله المال لينفقه في رضائه وفيما يريد الله تعالى منه فيعاكس وينفقه ضد الله عز وجل، فأي كفر أعظم من هذا بهذه النعمة؟ والدليل على أن الكفر كفر النعمة قول الله عز وجل: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [إبراهيم:7] أعلن: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] ما قال: سيسلب النعمة، بل فوق السلب بلاء آخر، فهل عرف المسلمون هذا؟ ومن أين يعرفونه ما داموا لا يجتمعون ليلاً ولا نهاراً طول أعمارهم على الكتاب والسنة، كيف يتعلمون؟ أيوحى إليهم؟ مستحيل. إذاً: عرفتم هذا النداء ماذا يحمل؟ أولاً: إذا دعا داعي الإنفاق أن: أنفق يا عبد الله -وبخاصة الزكاة- فلا تتردد.ثانياً: اعرف قيمة هذا اليوم الآتي، اعمل له، زك نفسك وطهرها وطيبها حتى تقبل في الفراديس العلى، وإلا فسترفض وتنزل إلى أسفل الكون إلى سجين، اعمل قبل أن يفوت الوقت، واعلم أن من كفر نعم الله كمن كفر بآيات الله وشرع الله وأنبياء الله ورسله، فهو ظالم.
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ...)

عظمة سعة الكرسي


والآن مع آية الكرسي، فما الكرسي؟ الكرسي يقول تعالى فيه في هذه الآية المسماة به: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255] قال الحبر ابن عباس الذي فاز بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال: ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) أي: تفسير القرآن الكريم؛ قال: لو أخذنا السماوات السبع والأرضين السبع وألصقنا واحدة بواحدة فأصبحت قطعة واحدة ووضعنا كرسي الرحمن عليها لضاقت بالكرسي ولم تتسع له. ونسبة الكرسي إلى العرش المذكور في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] نسبة الكرسي إلى العرش كحلقة من نحاس ملقاة في أرض فلاة، ما نسبة هذه القطعة من النحاس في الفلاة؟ هذه نسبة الكرسي إلى العرش، فقولوا: آمنا بالله.

أمثلة توضيحية لعظمة الله تعالى في الخلق

وإن كنت تريد بعض التوضيحات فهذا جبريل عليه السلام تجلى لرسولنا في مكة بعدما تركه في غار حراء فسد الأفق كله بأجنحته الستمائة، فأين يذهب بعقولنا؟ ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( أذن لي أن أحدث عن ملك رأسه تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة ) ، هذه غيوب، فتعال أعرفك على بعض المخلوقات فقط، هل تعرف كوكب الشمس؟ هذا الكوكب أكبر من الأرض بقرابة مليون ونصف مليون مرة، ما هي نظرية المعاصرين، هذه كلمة قديمة من آلاف السنين، الشمس هذا الكوكب النهاري يحمل هذه الطاقة وهذه الحرارة أكبر من الأرض هذه بمليون مرة وزيادة، فمن أوجد هذا الكوكب؟ من كوكبه؟ من ملأه بهذه الحرارة وهذه النار؟ آمنا بالله، آمنا بالله. وأين هذا الكوكب من كواكب لا يحصي عددها إلا الله عز وجل؟ الله خالق كل شيء، ومن ادعى الخلق فليتفضل ليضحك عليه العقلاء، فالذين يقولون: الطبيعة خلقت نقول لهم: والطبيعة من طبعها؟ والحركة الدافئة من أدفأها؟ أوهام وأباطيل وترهات.إن السماوات السبع اخترقها رسول الله صلى الله عليه وسلم سماءً بعد سماء حتى انتهى إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، هذا الرائد الأعظم صلى الله عليه وسلم، والماديون بشطحاتهم يقولون: وصلنا إلى القمر، وصفقنا نحن التائهين الضيع، وشيخكم كان يقول: لا تقل: ما وصلوا ولا تقل: وصلوا، فجائز أنهم يكذبون، فهم كفار، كيف تقول: وصلوا؟ أما تستحي؟ أعندك علم أنت؟ وغضب أهل الحلقة، ونحن نقول: لم نصفق نحن -العرب والمسلمين- لانتصارات أعدائنا؟ عدوك انتصر هذا الانتصار وحقق هذا الكمال فهل تصفق له أنت؟ أما عندك ضمير؟ اجحده، لا تعترف به، لا تفرح بانتصاراته إن كنت عاقلاً، أخفها، غطها، كذبه ليبقى إخوانك على مكانتهم، ولكن إذا عاثوا فالعرب والمسلمون يصفقون، وتاهوا في هذه أكثر من إذاعات أمريكا وروسيا، فنقول: سبحان الله! أين العقول وأين القلوب؟ وشاء الله أن نعثر على مجلة في بلاد المغرب تنقل عن مجلة صينية، الصين كانت هي القوة الثالثة ما هي مع الرأسماليين والبلشفيين، فوالله! إن أهل الصين يقولون: هذه كلها خرافات، ما هي إلا تنويم مغناطيسي للشعوب، ما وصلوا إلى القمر ولن يصلوا إليه، هذه كلها تمثيليات أجريت في الجبال. سبحان الله! أنا ماذا فهمت؟ قلت: يحافظون على معنويات شعبهم الذي يقف أمام أمريكا وروسيا، يحافظون على معنوياته، ما ينهارون أمامهم، وتمضي عشرات السنين ويصرح زعيم الصعود إلى القمر يقول: والله! إنها أكاذيب، ما طلعنا ولا وصلنا، كله خرافات، تمثيليات في الجبال، كان هذا منذ سنتين، فلم العرب ما قالوها ورددوها؟ قالوا: دعوا الناس نائمين، وهذا الأمريكاني قال: ما صعدنا ولا يمكن هذا، كلها تمثيليات فقط، لا إله إلا الله! أرأيتم كيف هبطنا؟

حقيقة الكرسي ومعناه

إذاً: فالكرسي حقيقته: موضع القدمين فقط، هذا الحبر ابن عباس وغيره كابن جرير والروايات كلها تقول: المراد بالكرسي موضع القدمين لا الكرسي هذا الذي تشاهدونه، وذلك أن الملوك في أزمنة مضت يوضع السرير للملك أو العرش فيسمى عرشاً وسريراً، ويوضع تحته شيء يضع عليه قدميه، فسبحان الله! لما فسر ابن عباس فقال: الكرسي موضع القدمين ما استسغناه، كيف نفهم هذا؟ نحن نفهم الكرسي المعروف، فقال: موضع القدمين فقط؛ لأن الملك كان يجلس على سريره ويضع رجليه على شيء أسفل ذاك يسمى كرسياً يكرس عليه رجليه، هذا القدر الذي لا ينسب إلى السرير، هذا الذي يضع عليه قدميه وسع السماوات والأرض، فالسرير كيف؟ قولوا: آمنا بالله. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الصحابة ثم وضع يده على لحيته وقال: ( آمنت به، آمنت به، آمنت به. فتعجب الصحابة: ماذا يا رسول الله؟ قال: لقد أوحي إلي أن رجلاً من بني إسرائيل كان يركب بقرة ) والبقرة للسقي والسني والحرث، ما هي للركوب، ( فرفعت البقرة رأسها وقالت: ما لهذا خلقت يا هذا، فقلت: آمنت به ) البقرة تنطق؟ أي نعم. ثم قال: ( وآمن به أبو بكر وآمن به عمر ) وهما غائبان؛ ثقة في الرجلين وما عرف عنهما، قال: ( وآمن به أبو بكر وآمن به عمر )، وآمنا به، فالذي أنطقني وأنطق أمي أما ينطق البقرة؟ لسانها أكبر من لساني أنا، فلا إله إلا الله! إذا سمعت هذا فقل: آمنت بالله، آمنت بالله، يخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير.

فضل آية الكرسي

آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، وفي القرآن الكريم ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، كل آية علامة على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولن يستطيع ذو عقل أن ينقض هذا، فهذه الآية وما تحمل من نور وهدى من صاحبها؟ هل هناك من قال: هي كلامي؟ فهي كلام الله إذاً: الله موجود وهذا كلامه، والذي نزلت عليه وتلقاها من هو محمد صلى الله عليه وسلم، إذاً: فوالله! إنه لرسول الله، فكل آية من الستة آلاف والمائتين وست وثلاثين تدل على حقيقة لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.أعظم آية هي آية الكرسي؛ وذلكم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أبي بن كعب من حفظة القرآن بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( أتدري أية آية أعظم في كتاب الله يا أبا المنذر ؟ قال: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم). فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر ) يا ليته ضرب صدري أنا ولو في المنام، فهي أعظم آية في الكتاب، وها نحن عرفناها الآن مجاناً، فالحمد لله، الحمد لله، الحمد لله. وقد ثبت أيضاً عن أبي القاسم صلى الله عليه وسلم أن من قرأها دبر كل صلاة لا يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومكلمكم ما تركها من الصبا، من أيام كنا أطفالاً ندرس في الكتاب، بلغنا هذا فما تركناه، نحن نمشي أو نجري لا بد من تلاوتها، فهل ستأخذون بهذا أم ما أنتم في حاجة إليه؟ هي أعظم آية، أما تتحصن بها وتتلوها؟ مع هذه البشرى العظيمة: لا يمنعك من دخول الجنة إلا الموت. وإن قلت: إذاً: أنا سأزني وأفجر وأقرؤها فوالله لن تقرأها، ما يستطيعها ولا يحافظ عليها وهو يجرم بكبائر الذنوب والآثام، فمن هنا إذا حافظ عليها عبد حفظه الله تعالى وأعده للطهر والكمال.

اشتمال آية الكرسي على الاسم الأعظم

قال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اسم الله الأعظم يوجد في هذه الآية وفي فاتحة آل عمران، وهي: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:1-2] وآية الكرسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين، فلذا نرجو أننا ظفرنا باسم الله الأعظم الذي ما سئل به أحد إلا أعطاه، ولا استعاذ به أحد إلا أعاذه، هو في كلمة: (الله لا إلا هو الحي القيوم)، فقل: يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم! يا ألله! وادع واسأل. وهذه الآية تعدل ربع القرآن، آية الكرسي إذا تلوتها كأنما قرأت ربع القرآن خمسة عشر حزباً، وسورة الزلزلة تعدل ربع القرآن أيضاً، وسورة الكافرون ربع القرآن، والنصر ربع القرآن، والصمد ثلث القرآن. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #38  
قديم 30-07-2020, 03:46 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,177
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (23)
الحلقة (30)



تفسير سورة البقرة (12)

الملائكة من مخلوقات الله تعالى، خلقهم من نور، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ليسوا على هيئة واحدة، ولا وظائف متحدة، بين القرآن بعضاً منهم، وطرفاً من أعمالهم، فجبريل موكل بالوحي، وإسرافيل بالنفخ في الصور، وملك الموت بقبض الأرواح، وهناك حملة العرش، والكرام الكاتبون، والملائكة الحافظون وغيرهم كثير بحيث لا يحصيهم إلا خالقهم.

تابع تفسير قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ...) وما بعدها

الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون .. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها، وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم. ‏معاشر المستمعين والمستمعات! في الآيات التي قبل هذه قال تعالى وقوله الحق: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [البقرة:28] وقد عرفنا أن هذا الأسلوب وهذا الاستفهام هو في معنى التقريع والتأديب، وهو يحمل معنى التعجب أيضاً، إذ كيف يكفر الإنسان بخالقه! تصوروا، كيف ينكر وجوده؟ يقول: أنا غير موجود .. أنا غير مخلوق، من يصدقه؟ هو لا يصدق نفسه، فكيف إذاً يكفر، ويستر، ويغطي، ويجحد خالقه، فهذا أمر يستدعي الاستغراب والتعجب، وصاحبه يؤدب ويقرع بالمقارع، كيف تكفر بربك؟وأنتم تعرفون السياق في الرد على أولئك الكافرين من المنافقين ومن المشركين، إذ كفروا بربهم، وعبدوا غيره، وحاربوا كتابه ورسوله. كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28]، حجة بعد حجة بعد حجة، فكيف يستسيغ العاقل أن يجحد ربه وهو قد خلقه بعد أن لم يكن شيئاً.ثم أعظم من ذاك أنه يميته، هل هناك من فرض بقاءه على الله، وقال: مثلي لا يموت، أو أنا لن أموت، والبشرية مضت عليها قرون، هل وجد من فرض بقاءه على الله؟! إذاً: كيف يكفر بالله! وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة:28].يبقى: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:28] الذي يتمتع بعقل إنسان آدمي، ما دام قد عرف أنه كان غير مخلوق وخلق، وأنه مات بعد أن كان حياً فبأي ذوق أو منطق أو عقل يدعي أنه لا يحيا مرة ثانية! وهذا الكلام عقلي منطقي، كما نتكلم في دنيانا: هذه الشاة تساوي كذا، هذا البستان لفلان، هذه الدجاجة بيضها كذا.. بالعقول.إذاً: كيف يكفر هذا الإنسان بربه حتى يعصيه ويتمرد عليه، ويخرج عن طاعته؟!

سبب إنكار وجود الله

سبق أن عرفتم أن إنكار وجود الله كإنكار البعث الآخر، والعلة والسبب في ذلك: هو أن يتمرد الإنسان ويعيش بلا قانون، ولا شرع، ولا نظام، يريد أن يعيش كالبهائم؛ فلهذا كيف يتخلص من الطاعة، والانقياد، والإذعان؟ بالكفر، ولهذا أنكروا وجود الله، وأنكروا لقاء الله.وقد عرفنا سبب إنكار وجود الله وإنكار البعث الآخر ولقاء الله في قول الله تعالى: بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ [القيامة:5] في سياق تقرير البعث والجزاء: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ [القيامة:1-5]، الذي يريد أن لا يصلي، ولا يزكي، ولا يذكر الله، ولا يغتسل من جنابة، ولا يعطي حقاً من الحقوق، ماذا يصنع؟ يكفر. هذه الحقيقة، كالذي لا يريد أن يذعن لقانون الدولة ينكره، ولا يؤمن به، ولا يعترف بهذا الحاكم، ولا هذا الحكم، حتى ما يتقيد أبداً بقيد، ولا يلتزم بمبدأ، هذه حقيقة. ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28]، لو كان رجوعنا بعد الموت إلى غير الله لهان الأمر، لكن رجوعنا إليه، وقد تمردوا عليه، وفسقوا عن أمره، وخرجوا عن طاعته، وحاربوه، وحاربوا رسله، كيف يكون هذا الرجوع؟! ماذا يلقون من جزاء؟! ماذا يتحملون من ألوان الشقاء والعذاب؟! ولكن لا يعزينا ولا يسلينا إلا قولنا: قضاء الله وقدره، حكم الله عليهم بالشقاء.

كل ما في الأرض خلق من أجل الإنسان

قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، هذه نعمه، وهذه آثار حلمه وعلمه وقدرته ورحمته، خلق لكم خاصة، لا لغيركم، ولا لسواكم، مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا كل ما في الأرض من حيوان . من أنواع الفواكه .. أنواع الخضر .. اللحوم، كل ما فيه حتى المعادن خلقها لكم، ولا تقولون: الحمد لله، ولا تقولون: المنة لله، ولا تقولون: مرنا يا ربنا نطعك، واطلب منا نعطك؛ لأن إنعامك سابغ، وإفضالك عظيم، ونحن عبيدك وأولياؤك، قالوا: لا، يأكلون، ويشربون، ويركبون، ويسكنون، وينكحون، ولا يذكرون الله. هذه هي آثار الكفر والعياذ بالله تعالى، إذ الكفر في الحقيقة موت، وما زلنا نقرر هذه الحقيقة أن الكافر ميت، فلا يسمع، ولا يبصر، ولا يعقل، ولا يأخذ، ولا يعطي. هذا شأنه، فإن حيي بالإيمان، وتفتحت حواسه؛ سمعه وبصره، أصبح قادراً على أن يعي ويفهم ويفقه، وإن أمر أطاع، وإن نهي استجاب. الموت في الكفر، والعياذ بالله. خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا هذه مظاهر نعم الله، إن الذي يقدم لك رغيفاً من الخبز فقط تحمده وتثني عليه، وتشكره، والذي يضع لك حصيراً تجلس عليها تحمده، وتثني عليه، فكيف بالذي أعطاك سمعك وبصرك ومنطقك، وأعطاك قواك تذهب وتجيء، وتقوم وتقعد؟! وخلق لك ما في الأرض من مخلوقات لك ومن أجلك، تأكل وتشرب، ومع هذا لا تقول: رب لك الحمد! عجب حال الكافر!

خلق الله للسماوات والأرض


قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [البقرة:29] هنا السؤال: أيهما خلق قبل الآخر: الأرض أو السماوات؟هذا الموضوع فيه كلام طويل، ونحن لا نعيي ولا نتعب أفهامنا وعقولنا فيما لا طائل تحته، فنقول: خلق الله عز وجل الأرض، ولم يخلق فيها ما فيها من أنواع هذه النعم بعد، ثم خلق السماوات، ولنستمع إلى آية في هذا الشأن من سورة فصلت: حم [فصلت:1]، قال تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا [فصلت:9-12]، فهذه الآية نص في أنه خلق الأرض أولاً في يومين، وخلق الأقوات والأرزاق في يومين، لكن ليس شرطاً بالتتابع، فخلق الأرض في يومين، وخلق السماوات في يومين، وخلق بعد ذلك ما تتطلب حياة الناس على الأرض من وجود هذه النعم.وقوله تعالى من سورة: وَالنَّازِعَاتِ [النازعات:1]، أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ [النازعات:27].يا من ينكرون البعث، والآخرة، والحياة الثانية! أخبرونا: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [النازعات:27-33]، فهل فهمتم عني هذا؟أقول: خلق الله الأرض وخلق بعد ذلك السماوات، وعاد إلى الأرض فدحاها: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ، ولماذا قلت لكم: ما هناك حاجة إلى أن نجزم بهذا أو ذاك، إذ الذي نجزم به أن الله على كل شيء قدير، وأن نعم الله لا تعد ولا تحصى، وأن المطلوب منا بعد الإيمان أن نشكر الرحمن بطاعته؛ لأن السياق: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:9]؟ أين يذهب بعقولكم؟! أتجحدون الرب العظيم الذي خلق؟ الأرض في يومين؟ الذين أنكروا البعث، والجزاء، والحياة الثانية قال الله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ، من يقول: نحن أشد خلقاً؟ ما نحن بالنسبة إلى السماء؟ ماذا نحن؟ بعوض، السماء بناها: رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [النازعات:28-29]، ونحن نقول: ما يستطيع أن يعيدنا من جديد، أن يعيد خلقنا ليحاسبنا على أعمالنا، ويجزينا بها؟وقد عرفنا؛ العلة أنهم يريدون أن يواصلوا الفجور، لا استقامة، ولا طاعة، ولا أدب، ولا خلق، ولا حياء، ولكن حيوانات وبهائم.

حادثة المعراج إلى السموات السبع وما فوقها

إذاً: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [البقرة:29]، السماء الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة عشناها ليلة الحديث في صحيح البخاري ، إذ عرج بنبينا صلى الله عليه وسلم بعد أن أسري به من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به من بيت المقدس (المسجد الأقصى) إلى الملكوت الأعلى، فاخترق السماوات السبع، وأعلمنا -لنتأكد- أنه وجد في السماء الأولى آدم أبا البشر، وأهل ورحب وسهل به، وقال: من ابن ونبي. وعرج به إلى السماء الثانية، وهو يستفتح له جبريل، ويقال له: من معك؟ فلان، أذن له ودعي أو لا؟ يقول: نعم، فوجد في السماء الثانية ابني الخالة: عيسى ويحيى عليهما السلام، ووجد في السماء الثالثة يوسف الصديق ابن الصديق ابن الصديق عليه السلام، ووجد في الرابعة إدريس عليه السلام، ووجد في الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وهو يرى رؤيا العين، ثم ارتفع وتجاوز السماوات السبع حتى انتهى إلى جنة عدن؛ إلى دار السلام، وثَمَّ شاهد سدرة المنتهى، وارتفع أيضاً، وبقي جبريل دونه حتى انتهى إلى مقام سمع فيه صرير الأقلام، وصوت أقلام القضاء والقدر، وناجاه ربه وناداه، وكلمه كفاحاً؛ بلا واسطة، وقد كلم من قبل موسى في جبل الطور، وناداه وقال: يا رب! أكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى. حتى تاقت نفس موسى واشتاقت روحه أن ينظر إلى وجه الله الكريم، ولكنه عاجز ما يقدر؛ لأن هاتين المقلتين قوتهما بحسب حياتنا في هذه الدار، وليس عندها طاقة كبيرة ترى أنوار الله عز وجل، وقد سئل نبينا صلى الله عليه وسلم: ( هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه )، فلينظر أحدكم إلى الشمس هل يستطيع أن يرى شيئاً؟ ( حجابه النور، لو أزال تعالى حجابه لاحترق ما انتهى إليه بصره )، قولوا: آمنا بالله، آمنا بالله.مظاهر العلم والقدرة والحكمة: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ، وما قال: إلى السماوات، أي: جنس السماء، فلهذا قال: سواهن، بجمع المؤنث، فهن سبع سماوات، سماء بعد سماء بعد سماء، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سمك السماء وغلظها مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء والسماء مسيرة خمسمائة عام، ومع هذا اخترقها صلى الله عليه وسلم في دقائق معلومة، ثم أتم هذا كله وعاد، تقول أم هانئ : وفراشه دافئ ما برد بعد. فلا يسعك يا ابن آدم إلا أن تقول: آمنت بالله! آمنت بالله.وكلمة استوى نبهنا أنه ليس معناها: علا، وإنما أراد وقصد -ولم يقصد إلى شيء آخر- إلى السماء حتى سواهن سبع سماوات، أو علا علو قهر وغلبة، فغلب هذا الملكوت وخلق السبع السماوات.وهو مع هذا بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أسألكم بالله: أهذا يكفر، أهذا يجحد، كيف تستطيع أن تجحده؟ أنت لا تستطيع أن تجحد -والله- ولو كأس حليب على طاولة، تقول: لا مستحيل أن يكون هذا قد وضعه إنسان، ممكن؟ تستطيع أن تجحد وجود عربة أو دراجة عند باب المسجد تقول: هذه ما أوجدها أحد، هذه وجدت هكذا، ممكن؟ كيف -إذاً- ينكر هذا المخلوق خالق كل شيء، ورب كل شيء، ومالك كل شيء، ومن بيده كل شيء؟عجب كفر الكافرين كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:28-29].

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ...)

قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [البقرة:30]، أي: اذكر يا رسولنا، اذكر أيها السامع، اذكر أيها المؤمن للملاحدة والمشركين والكافرين والهابطين، اذكر لهم ما تم في الملكوت الأعلى؛ لترتفع هممهم، وتعلو علومهم ومعارفهم، إنهم جهلة عميان؛ لا يبصرون، ولا يعلمون، فاذكر لهم مظاهر العلم والقدرة والحكمة الإلهية. وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ الملائكة -معشر المستمعين والمستمعات- واحدهم ملك. وهل هو مأخوذ من ألك يألكه، والألوكة هي الرسالة؟ ليس هناك حاجة إلى أن نشقى في هذا الباب، فهو علم لا ينفع، وجهالة لا تضر. وقد أخبرنا الله عن أسمائهم، وحدث بذلك رسوله، فالواحد ملك، والجمع ملائكة.



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #39  
قديم 30-07-2020, 03:46 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,177
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

عدد الملائكة


الملائكة خلق عظيم.وعددهم لا يحصيه إلا خالقهم، فلو تضرب الآلات الحاسبة ألف سنة لا تستطيع معرفة عددهم، يدلنا على هذا العدد العظيم ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في قوله، وقد حدث أصحابه وهو جالس بينهم فقال: ( أطت السماء وحق لها أن تئط )، أي: تأرجحت بالثقل فوقها، ثم بين ذلك لهم فقال: ( ما من موضع قدم أو شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد )، من يعد .. من يحصي إذاً؟ فهذه السماوات السبع، ما هي سماء واحدة: ( أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وعليه ملك راكع أو ساجد ).

ذكر أسماء بعض الملائكة وأعمالهم

هؤلاء الملائكة ذكر الله تعالى صفاتهم، وذكر أسماءهم في كتابه القرآن الكريم، فذكر من الأسماء: جبريل وميكائيل وإسرافيل.وذكر لنا من أعمالهم: أن جبريل موكل بالرسالة؛ بالوحي بين الله ورسله، وأن ميكائيل موكل بالأرزاق والخيرات والأمطار، وأن إسرافيل موكل بمهمة واحدة، وهي أن ينفخ في الصور أو في الناقور فيتم الفناء، وينفخ نفخة أخرى فيبعث الخلق، وينفخ نفخة ثالثة فيصعق من في المحشر كله، وينفخ رابعة فإذا هم قيام ينظرون.واقرءوا: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67]، أي: الذين عبدوا غيره، الذين ألهَّوا سواه، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا [الزمر:67] بكل أجزائها، ومحيطاتها، وصحاراها، وجبالها قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67] كحبة خردلة في يده، وَالسَّموَاتُ [الزمر:67] السبع مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104]، ومن يجرؤ على أن يقول هذا القول أو يدعي هذه الدعوى سوى الله رب العالمين! وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [الزمر:68]، من في السماوات؟ الملائكة، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى [الزمر:68] نفخة أخرى: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:68-69]، جاء الله .. امتلأ الأرض بالنور: وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:69-70].أين نحصل على هذه المعارف، هل تقوى عقول البشر على أن تأتي بمثلها، أو يخطر ببالها مثلها؟ هذا هو القرآن العظيم.

ملك الموت وعمله

بعد ما عرفنا مهمة جبريل وميكائيل وإسرافيل نعرف مهمة عزرائيل، ومن عزرائيل؟بعض أهل العلم يقولون: ما ورد اسمه في القرآن ولا في السنة، ونحن نقول: عرفت البشرية -أخذاً من الكتب السابقة- أن اسمه عزرائيل، فما المانع؟! وعزرائيل كجبريل وميكائيل بمعنى عبد الله أو عبد الرحمن؛ لأن إيل هو اسم الله.وملك الموت له أعوان، وقد قال تعالى فيه: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة:11]، وقال: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:61-62].وعندنا عن ملك الموت قصة لطيفة ظريفة ذكرها ابن كثير في تفسيره، وهي:كان نبي الله سليمان عليه السلام على سرير ملكه يحكم بين الناس وهو جالس، فجاءه ملك الموت أيضاً وجلس، وسليمان أعطاه الله قدرة على أن يرى الجان، ويستخدمهم في مهام الأعمال، فهو يرى الملائكة، إلا أن ملك الموت جاء في صورة إنسان كما كان جبريل عليه السلام يأتي في صورة رجل كريم جميل، ويجلس إلى رسول الله والصحابة مئات يشاهدون، إذ من خصائص الملائكة أنهم يتشكلون بما شاء الله أن يتشكلوا، وقد نزلوا في وقعة بدر وعليهم عمائم، وخاضوا المعركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مسومين.فكان أن دخل شاب من شبيبة بلاد سليمان يقول: يا نبي الله! لي حاجة؛ نريد أن نمشي في الرحلة الأولى، ولا نستطيع أن ننتظر إلى غد، أرجو أن تجعلني ممن يرحلون في الرحلة الأولى، إذ كان له ما يسمى ببساط، وهو سفينة هوائية وهبها الله لسليمان، وأنتم تعرفون السفن التي تمشي في البحر، أما سفينة سليمان فهي هوائية، برية بحرية، برمائية، سفينة صنعها ليركب هو وجيوشه وأمتعته وسلاحه، وتأتي الريح فتحركها، ثم ترتفع وتمشي الريح معها، وتقودها حيث شاء سليمان، غُدُوُّهَا شَهْرٌ [سبأ:12] مسافة شهر تمشيها في الصباح، ومسافة شهر تمشيها في المساء، في رواحها: غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ:12] والله العظيم، هذا كلام الله.فهذا الشاب كان مستعجلاً، فابتسم ملك الموت أمام سليمان فسأله سليمان قال: هذا الشاب الذي يرتعد أنا مأمور بأن أقبض روحه في الإقليم الفلاني، وانظروا كيف هو يستعجل موته، يتلطف ويسأل من فضل الله أن يرحل في أول رحلة!وهذا ذكره ابن كثير عند قول الله تعالى من سورة لقمان: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34]، فانظروا كيف جاء مستعجلاً يلح بالطلب: لا تحرمني من الرحلة الأولى يا نبي الله، لأكون أول من يركب، فلي مهمة في الإقليم الفلاني، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].إذاً: جبريل، ميكائيل، إسرافيل، ملك الموت عرفنا مهماتهم.

حملة العرش وعملهم

عندنا حملة العرش، وفيهم قال تعالى وقوله الحق: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17]، فالعرش سرير الملك، ويحمله ثمانية من الملائكة، أما اليوم فيحمله أربعة فقط، والله العظيم حاملوه أربعة ملائكة.ولهذا كثيراً ما نقول: اللهم لك الحمد أن سمحت لنا أن نذكر اسمك. فمن نحن حتى نذكر اسم الله، فكيف بالذين يهزءون ويسخرون ويكفرون؟والرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من نومه قال: ( الحمد لله الذي رد علي روحي وعافاني في جسدي وأذن لي في ذكره )، أي: سمح لي أن أذكره، فهذا العرش الذي تحمله اليوم أربعة ملائكة اقرءوا قول الله تعالى من سورة البقرة؛ آية الكرسي: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255]، لو أخذنا السماوات السبع رقعة رقعة، وألصقنا واحدة بالثانية، وجعلنا الأرضين السبع رقعة واحدة، فألزقنا كل أرض بالأخرى، ووضعنا عرش الرحمن لكان عرش الرحمن أوسع، لا، بل الكرسي فقط وهو موضع القدمين أوسع من السماوات والأرضين! وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ولا نلتفت إلى المبطلين والضالين الذين يؤولون؛ ليبعدوا خشية الله وحب الله من قلوب المؤمنين؛ يؤولون الكرسي بالعلم، عجز الله أن يقول: وأحاط بكل شيء علماً حتى يعبر بالكرسي عن العلم؟ كل هذا من أجل أن يفقدوا المؤمنين حب الله، والرغبة والرهبة والخوف منه، فيحرفون كلام الله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ .ويقول الحبر ابن عباس رضي الله عنهما: (نسبة الكرسي إلى العرش)، وهذا فيما إذا أردنا أن ننسب بالتقدير نسبة الكرسي إلى العرش كيف هي، قال: (كحلقة ملقاة في صحراء)، تعرفون الحلقة -والجمع حلق- في عنق الإنسان أو في أصبعه أو في يده، حلقة ألقيناها في صحراء، وما نسبة الأرض إلى تلك الحلقة، أو الحلقة إلى تلك الأرض؟ لا شيء.كما ذكر لنا صلى الله عليه وسلم أن نسبة العالم الدنيوي أو الحياة الأولى إلى الآخرة كما يغمس أحدنا أصبعه في البحر، ثم يخرج أصبعه ويمسح البلل ويقومه بربع مليمتر مثلاً، ما هي النسبة هذه؟ البلل الذي يعلق بأصبعك إذا نسبته إلى البحر كيف تنسبه؟ يقف العقل، كذلك نسبة الحياة الأولى إلى الحياة الآخرة، قولوا: آمنا بالله.فهذا العرش نسبة الكرسي إليه كما سمعتم، ومع هذا يحمله الآن أربعة ملائكة فقط، ويوم القيامة يضاعف الله العدد؛ لأنه يوم الهول، والموقف الصعب، فيجعلهم ثمانية كما في سورة الحاقة: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ [الحاقة:17-18] على الله: لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:18-24]، أية أيام خلت؟ هذه! سوف تخلو وتنتهي. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27].كفى بك داءًَ أن ترى الموت شافياًوحسب المنايا أن يكن أمانيا يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:25-32]، من فمه وتخرج من دبره، سلسلة طولها سبعون ذراعاً، بأذرعتنا هذه، ونحن البعوض؟ ما قيمة أذرعتنا؟ لم هذا المخلوق؟ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33] ملحد؛ كافر، هذا جزاؤه: وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الحاقة:34].هذه تعاليم الله التي أحيت البشرية بعد موتها، وكونت أمة لم تكتحل عين الوجود بمثلها في قرونها الذهبية الثلاثة عدلاً ورحمة، وصدقاً وصفاء وطهراً، وكمالاً وعزاً، فما عرفت الدنيا أمة أطهر ولا أكمل من تلك الأمة.ما سبب طهرها وصفائها وعزها وكمالها؟ هي هذه الدراسة، قال الله وقال رسوله.وعرف العدو هذا، وأبعد المسلمين عن الكتاب والسنة، فماتوا، ففعل بهم ما شاء، وما زلنا مبعدين عن نور الله وحكمة كتابه، ومازال الجهل ينخر في عظامنا ويمزقنا إلى الآن.


خلقة الملائكة

إذاً: عرفتم حملة العرش، كيف تتصورون الملائكة الأربعة الذين يحملون عرشاً هو أعظم من السماوات والأرضين.سدوم وعمورة مدن في البحر الميت كانت تسكنها أمة جبارة من قوم لوط، رفعها جبريل عليه السلام من أسفل الأرض إلى السماء وقلبها، عرفتم قوة جبريل؟ لما تجلى وظهر في السماء لرسولنا في مكة، في جياد بالضبط سد الأفق كله، إذ له ستمائة جناح، واقرءوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ [فاطر:1] وخماس.. إلى كم؟ اكتفى؟ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر:1] جبريل له ستمائة جناح.الملائكة الأطهار الأصفياء، مادة خلقهم ما هي؟ النور، مخلوقون من النور، يوجد النور أو لا؟ وتوجد النار أو لا؟ العوالم الثلاثة: بنو آدم من مادة الطين والتراب، والشياطين والجان من مادة النار .. من شواظ من نار، والملائكة من نور. فهم أعلانا، وأصفانا، وأطهرنا، وأزكانا. قطعاً ما في ذلك شك، وهذا العالم علمنا ربنا عنهم أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20] .. هكذا خلقهم، لا أكل، ولا شرب، ولا نوم.ولهم أعمال، عرفنا فيما سبق عمل جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وحملة العرش.

الكرام الكاتبون، والملائكة الحافظون

ما هو عمل الكرام الكاتبين؟ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا [الانفطار:10-11]، الحمد لله ما هم (لئاماً)، يا ويلك لو كان مسجل أعمالك وحركاتك لئيماً! كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار:11]، ما من أحد منا إلا وله أربعة ملائكة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار )، ما معنى التعاقب؟ يطلع اثنان ويهبط اثنان ( يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيجتمعان في صلاة العصر وصلاة الصبح )، فلهذا الشقي المحروم التعس من لم يشهد صلاة الصبح وصلاة العصر في بيت الرب مع عباده المؤمنين!! لم؟ لأن الملائكة التي تقوم بعمل الإحصاء والكتابة في النهار ينزلون في صلاة الصبح، فيجدون المؤمنين يصلون، فيعرج ملائكة الليل ويبقى ملائكة النهار إلى صلاة العصر، فإذا أذن المؤذن وحضر الناس في بيت الرب، ينزل ملائكة الليل ويعرج ملائكة النهار، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتكم عبادي؟ اسمع هذه الشهادة من كريم، يقول: وجدناهم في الصلاة، وتركناهم في الصلاة، لا حصاد، ولا زرع، ولا عمل، ولا أكل، ولا شرب، ولا.. وجدناهم في الصلاة، والله كذلك، وتركناهم في الصلاة، بكم تشتري هذه الشهادة؟ ما تُقَدر أبداً بمقدار، شهادة من؟ ملائكة كذبوا هم؟ لا، والله لقد صدقوا، ما وجدونا في صلاة الصبح؟ ما وجدونا في صلاة العصر؟ وجدناهم في الصلاة، وتركناهم في الصلاة.فلهذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من فاتته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله )، كأنما أخذ منه أهله وأخذ منه ماله، وبقي بلا أهل ولا مال، ( من فاتته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله ) عرفتم السر أو لا؟ولهذا الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح وصلاة العصر، إذ ما منهما إلا وسطى، فالصبح قبلها المغرب والعشاء، وبعدها الظهر والعصر، والعصر قبلها الظهر والصبح، وبعدها المغرب والعشاء، فكلاهما وسطى، ولهذا إذا قال المالكي: نحن نعتقد أن الوسطى هي الصبح، فهو على حق، وإذا قال الحنبلي: الصلاة الوسطى هي العصر، كان على حق، وما اختلفنا.إذاً: هؤلاء الكرام الكاتبين، كم عدد البشرية؟ اضربهم في أربعة، أليس كل واحد موكل به أربعة؟وهناك أيضاً مهمة أخرى لملائكة من نوع آخر كلفهم الله بحمايتنا، هذا الحرس الجمهوري أو الملكي، ومع هذا تسب الله يا أحمق وتنكره وتكفر به، وأنت محفوظ بحماية، والله لولا تلك الحماية لتمزقت، ومزقتك الشياطين والجان، واقرءوا من سورة الرعد: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]، وإذا جاء أمر الله وقفت الملائكة لينفذ حكم الله فيك يا عبد الله، لكن لا تقل: إذاً ما الفائدة؟ ما الفائدة! أريك الفائدة إن كنت تعقل: الملك عنده حرس أو لا؟ وكذلك السلطان .. الرئيس، قد تقول: ما هذا الحرس ولم، والقضاء نافذ؟ أنت بهلول تقول هذا الكلام، أتدري لم؟ لأنه ليس معنى هذا أن الملك أو السلطان أو الرئيس ما يموت، إذا جاء القضاء والقدر وقف كل شيء، ولكن وجود حرس يطمئنه، يسكن نفسه، يهدئ خاطره، يجعله يقضي أموره وقضاءه وهو مطمئن، بخلاف لو لم يوجد حرس، يلتفت كل دقيقة أو لا؟معقبات من بين أيدينا ومن خلفنا يحفظوننا أليس كذلك، لا تقل: ها نحن نموت، إذا جاء القضاء وقفوا، ينفذ أمر الله عز وجل، لكن فائدة ذلك أنك تعيش مطمئن النفس وهادئ البال؛ غير خائف، ولا تلتفت: الآن الشياطين أو الجان يأخذونني، فمعك حماية معك، وضربت لكم مثلاً شارحاً مبيناً بالحرس بالعظماء من أهل الدنيا الذين يوجد لهم حرس، فالمحروس تطمئن نفسه، ويهدأ باله وخاطره، وينسى الخوف والالتفاتة من أن يقتله فلان وفلان، وهذه فائدة عظيمة، وأما قضاء الله فهو نافذ، وإذا جاء الأجل وقف كل شيء.إذاً الملائكة الكرام الكاتبون يكتبون ويدونون أعمالنا، ولا ينقصوننا حسنة واحدة، فاطمئن.ومع هذا ورد أن كاتب السيئات يمهلك ساعة، ما هي بالدقيقة هذه، فإن استغفرت وأنبت ورجعت لم يكتب، فهو يمهلك بعد معصيتك ساعة من الزمن قبل أن يكتب، لعلك ترجع .. لعلك تتوب، فإن أنت عرفت الذنب وقلت: أستغفر الله، وأتوب إلى الله، وغفرانك ربي، لا يكتب.أما صاحب الحسنات فعلى الفور يكتبها، كرام أو لئام؟ من وصفهم بالكرم؟ الله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12]، ما في جهالة عندهم.للحديث صلة لنعيش مع الملائكة يوماً آخر أو يومين إن شاء الله، ونحن مع الملائكة في كل ساعة. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 273.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 268.09 كيلو بايت... تم توفير 5.56 كيلو بايت...بمعدل (2.03%)]