العمل للدين - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         قناة IAmani - اماني (اخر مشاركة : ماريتا الحلاني - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تحذير خطير : اياكم وتمرينات الطاقة (الجزء السابع) (اخر مشاركة : abdelmalik - عددالردود : 745 - عددالزوار : 131158 )           »          خدمة تنظيف للمنازل (اخر مشاركة : زينب محمدي - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          الإصلاح بين الناس (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 20 )           »          القواعد التي يحاسب العباد على أساسها يوم القيامة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          النية وأثرها في الأعمال (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          المناسبة بين الآية وما قبلها مباشرة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          مد التبرئة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          الإيمان بالميزان، وما هو الذي يوزن يوم القيامة؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          تكفير المسلمين بغير حجة ولا برهان (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-07-2020, 04:16 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,177
الدولة : Egypt
افتراضي العمل للدين

العمل للدين
عبد الله بن علي الغامدي



الخطبة الأولى
الحمد لله, ملء الميزان، ومنتهى العلم, ومبلغ الرضى, وزنة العرش، وعدد الخلق، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أغننا بالافتقار إليك، ولا تفقرنا بالاستغناء عنك، وأجرنا من خزي التوبيخ غداً بين يديك، فإن كنا قد عصيناك فبجهلنا ,وها نحن ندعوك بقلوبنا، حيث علمنا أن لنا رباً يغفر الذنوب و لا يبالي.
فاللهم ردّ شارد الحائرين إلى أبواب معرفتك، واهد قلوب الضالين بأنوار رأفتك، واشملنا جميعاً بعفوك ورحمتك، طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة؛ فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل عليه الصلاة والسلام مستنهضاً الهمم وداع إلى العمل: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)).
صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله والعمل لدينه، والتمسك بشرعته والسعي في بذل الخير، ونشر المعروف، والإصلاح بين الناس ونصرة المظلوم، ورعاية اليتيم، وحسن الأخلاق، وإطابة المطعم، وإكرام الجار، وحمل هم هذا الدين في كل حال وحين؛ فالتبعة فردية، ولن يغني أحدٌ عن أحدٍ شيئاً.
أخي باغي الخير:
حديث اليوم تتمة لماضي ومتصل به.. فكما أنه قيل هناك لا يغني من المسؤولية أمام الله تعالى قول قائل:
أنا مع الناس، أو لو منعوه ما شربت الحرام ولا شاهدته، ولا بعته ولا اقتنيته ؛ فكذلك الحال لا يجدي العبد أن يُلقي بالتبعة على غيره؛ فما أسهلها من عبارة، وما أيسرها من كلمة إذا رأى المنكرات وشاهد المعاصي أن يقول: هدى الله العلماء؛ لو قاموا بدورهم وأدوا واجبهم؛ ما فشت الآثام، ولا ما انتشرت الموبقات.. أو يقول: هذا الشأن من صلاحيات رئاسة الهيئات، أو من واجب المشايخ، أو الجهات والإدارات ذات الاختصاص، وبالتالي يسقط عن كاهله المسئولية، ويركن إلى الراحة، بل قد يصل الحال ببعضهم حتى في تربية أبنائه! إلى أن يُلقي باللائمة على الآخرين، وينسل هو من التبعة المناطة بعنقه تجاههم!
فترى من تنذره وتوقظه تجاه بعض انحرافات أبنائه وتجاوزاتهم يبادرك الجواب بقوله: عندنا في الحي الذي أسكنه شوارع سيئة؛ بها شباب هم الذين أفسدوا علي أبنائي، أو يقول: المشكلة أنهم تعرفوا على زملاء في مدرستهم؛ هم الذين حرفوا أخلاقهم وأثروا عليهم.
أو يقول: هم الآن في سن مراهقة وعما قريب يعودون لرشدهم.. وهلمّ جرَّ.. من المعاذير مما يجعلنا في مأمن من المساءلة، وفي منأى عن المحاسبة، لا على مستوى الأبناء والقرابة، ولا على صعيد الإدارة والمدرسة، ولا فيما نراه في مجتمعاتنا ونحوها.
وأعجب من ذلك كله أن ترى من أصحاب الشهادات العليا، والوجاهات الاجتماعية، من يوجد المبررات لتقاعسه عن دوره الإيجابي المنتظر في إصلاح مجتمعه المسلم والرقي به!
من أجل ذلك أخي يا رعاك الله:
لن تستقيم أحوال.. وتصلح أمور ونتقدم في مسيرة ما دام حالنا.. حال الذي يلقي بالتبعة على الآخرين.. ويتقاعس عن المشاركة بما يستطيعه ويحسنه.
فإن من أصرح الأدلة وأوضحها في بيان التبعة الفردية الذاتية الشخصية قول النبي -صلى الله عليه وسلم- على المستوى الخاص (إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه؛ أحفظ ذلك أم ضيّعه ؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته)).
وفي الحديث الآخر على المستوى العام.. ((من رأى منكم منكراً فليغيره...)) الحديث.
العمل للدين مسئولية الجميع إنها القضية التي ينبغي ألا نمل طرحها، ولا نسأم تكرارها، حتى تتجذر في القلوب، وتتشبع بها النفوس، وتصبح حية في مداركنا، حاضرة في واقعنا تجري جريان الدم في عروقنا.
إننا أمام قضية بعث موات الإيجابية في حياتنا.
وروح النهوض بدورنا.. والشعور بواجبنا.
إننا بحاجة جدّ ماسة أن نوقن أن العمل للدين قرين الانتماء إليه.
هذه قضية كانت واضحة محسومة في حياة الرعيل الأول أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فترى أحدهم ما أن يبايع المصطفى -صلى الله عليه سلم- باسطاً إلى كفه الكريمة كفه بشهادة ألا إله إلا الله، حتى تعلو همته، وتنقدح نفسه لحمل الأمانة، وتبليغ الرسالة.
ودونك الأمثلة والشواهد:
قدم الطفيل بن عمرو -رضي الله عنه- إلى مكة في أوليات الدين والدعوة، يوم كانت قريش تضرب حول هذه الدعوة سياجاً شائكاً من الحرب الإعلامية.. والتي ما فتيء أعداء الله وإلى أن تقوم الساعة يجددون وسائلها، وينوعون طرحها؛ للصد عن دين الله، ومعاداة أهله، وما دعاوى الإرهاب. ومزاعم التطرف واتهام المناهج.. والتشكيك في الجمعيات الإسلامية، والتضييق على مجالات الخير إلا صنوف من الكيد الإعلامي الساخر.
• كانت قريش تتلقى كل وافد إلى مكة تقول له إنا نحذرك غلام بني عبد المطلب؛ إنه يقول كلاماً يسحر به من يسمعه؛ فيفرق به بين المرء وأخيه، والمرء وأبيه، احذر ومن أنذر فقد أعذر.
تلقف هذه الدعاية الجائرة الطفيل بن عمرو فما زال به الجهاز الإعلامي القرشي الكافر حتى عمد إلى الكرسف" أي القطن" فوضعه في أذنيه، ودخل الحرم، ويشاء الله أن يُنفذ كلمات رسوله على رغم أنف قريش وزعاماتها، فرجع إلى نفسه يحاورها بقوله: إنني رجل عاقل لبيب؛ فكيف أعير عقلي غيري، ألا أتيت هذا الرجل فسمعت منه؛ فإن كان خيراً كنت أحق به، وإلا فإني أعرف كلام العرب شعرها ونثرها وكهانتها وسحرها؛ فنزع القطن من أذنيه، وجاء إلى المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني قد سمعت مقالة قومك فيك، وإني أحب أن أسمع منك؛ فاعرض عليّ ما عندك، فعرض عليه الصلاة والسلام عليه الإسلام وعلمه القرآن؛ فآمن مكانه!
فما هو إلا أن شرح الله له بالإسلام صدراً، وبآي الذكر الحكيم قلباً؛ فشعر بعظم الأمانة، وتبعة المسئولية.
فبادر النبي -صلى الله عليه وسلم- لتوه وقال: يا رسول الله! إن دوساً كفرت بالله...، ثم حدثه ببعض معاصيهم ..ثم قال : فأرسلني إليهم!
سبحان الله.
كم تلقى الطفيل من تعاليم الدين وشرائعه؟! ولكنه استشعر بعمق التبعة؛ فإذا به يتحول في مكانه داعية ونذيراً إلى قومه ((أرسلني إليهم)) فأُرسل إليهم ودعا الله تعالى أن يجعل الله له آية فلما وصل إليهم؛ فإذا بآيته نور يتلالأ في جنبات وجهه ومحياه كأنه السراج! فقال: يا رب يراها قومي فيقولوا "مُثلَة" اللهم اجعلها في سوطي؛ فانتقلت إلى سوطه، فكان يحركه، وكأن في طرفه مثل القنديل، فما هو إلا وقد عرض الإسلام على قومه؛ فأسلم بعض، واستعصت عليه عشيرته.
فماذا فعل؟ هل شعر بأن هذا أمر طبيعي لا يستثير وجدانه، ولا يحرك مشاعره.. كلا.
لقد ثارت في نفسه الغيرة للدين؛ فعاد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يشكو إليه الحال وهو يقول : يا رسول الله... إن دوساً قد كفرت بالله؛ فادع الله عليهم، فرفع المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يديه الطاهرتين المباركتين، التي ما دعت قط بإثم ولا قطيعة رحم؛ فقال: ((اللهم اهد دوساً، اللهم اهد دوساً، اللهم اهد دوساً)).
فيا أيها المبارك:
ما أن أشرقت أنوار الهداية في جنبات الطفيل حتى انبعث داعياً وسؤالي: منذ متى ونحن على الدين؛ فماذا صنعنا؟
أبو ذر -رضي الله عنه- جندب بن جنادة أعرابي جاء من قبيلة غفار ينشد الهدى مظنته.. أبو ذر الذي إذا أخرج بطاقته الشخصية ليعرف بنفسه، يقول: جندب بن جنادة ربع الإسلام، كيف ذلك؟
يعني أنه يوماً من الأيام ربع العالم الإسلامي.
جاء في أوائل الإسلام، ولقي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وأخذ عنه الإسلام.
فأمره الحبيب أن يغادر مكة -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن وجوده بين ظهراني مكة وهو غفاري ليس بقرشي يشكل عبأً على الدعوة؛ فالدعوة لا زالت في بدايتها.
فليلحق بقومه.... فماذا يفعل؟
قال: والله لا أخرج من مكة حتى أصرخ بها بين أظهرهم.. لقد كانت قريشاً تبني جداراً ضخماً وسداً منيعاً من الصمت، وإغلاق المنافذ بما يمتنع معه الشأن من بدوّ وظهور أي صوتٍ أو نفس لدعوة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
فإذا بأبي ذر الذي لم يحمل من الدين إلا التوحيد يستشعر مسئولية تقديم عمل ما للدين، هذا العمل تحطيم حاجز الصمت الذي تبنيه قريش سياجاً على دعوة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- مع علمه يقيناً شدة ما سيلاقيه من أذى، وعقوبة وتسلط وبلاء؛ فما هو إلا وقد غدا إلى الحرم لافي هزيع الليل الآخر، بل في وضح النهار، وتحت ضوء الشمس، وقريش في نواديها؛ فيصرخ وهو الرجل الأيّد الجهوري الصوت: ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله!
وتردد جنبات مكة أصداء ندائه؛ فتثور إليه قريش من أنديتها تقع عليه.. وقد أوقعت به اللكز واللكم والرفس والجراحات ما أوقعت؛ فيهب إليهم العباس -رضي الله عنه- وهو رجل موصول العاطفة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه؛ فخاطب قريش حسها التجاري؛ فقال لهم: ((كيف تقعون برجل من غفار؛ وقوافلكم بأرضهم ذاهبة وآيبة، والله إن مسستموه بسوء ليُقطعن عليكم الطريق إلى الشام)) عندها كفوا أيديهم، وتراجع جمعهم القهقرى، ونجا من سطوتهم أبو ذر بعد أن رأى الهلكة بعينه.
فهل يا ترى بعد هذا الموقف العصيب قال: الحمد لله الذي أنجاني، وقد بلغت ما أردت، هاتوا لي راحلتي لألحق بقومي كلا.
لقد عقد العزم على العودة مرة أخرى قائلاً: لا أذهب حتى أصرخ بها غداً، وفعلاً يعود كما عاد؛ فإذا به يصرخ بأعلى صوته.. بشهادة التوحيد؛ فما هو إلا أن ثار جمع قريش وجموعهم إليه فينالون منه نيلاً عظيماً حتى أيقن الموت؛ فإذا بالعباس -رضي الله عنه- يخلصه من بين أيديهم مذكراً قومه تجارتهم التي قد تكسد وتمنع من غفار.
إنه موقف عصيب؛ فهل قال أبو ذر -رضي الله عنه-: أما هذه فلن أعود بعدها؛ بعد إذ نجاني الله من القوم الظالمين، وكفى وآن لي الرحيل، كلا.. لقد استشعر أبو ذر أنه أمام دور ينبغي أن يكرره وواجب يلزمه أن يؤديه؛ لتنشق آذان قريش بالدعوة التي تحاصرها بالصمت، وليألف الناس سماع الشهادة ونداء التوحيد، والخبر برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- فإذا به ينادي بها ثالثة فيثور إليه القوم كما ثاروا، ويخلصه من بين أيديهم العباس كما خلصه!
عندها يمم شطر قومه غفار؛ فيا ترى ما الدور.. ما العمل الإيجابي الذي نهض بهم؟
لقد بدأ بنذارة أسرته وقرابته؛ فدعا أمه وأخاه فأسلما، ثم هب إلى قبيلته فدعاهم فأسلم نصفها! أما النصف الباقي فقالوا: أليس صاحبك قد أمرك أن تذهب؛ فإذا سمعت بأنه قد ظهر أن تلحق به. قال: نعم. قالوا: ونحن كذلك إذا ظهر آمنا بدعوته لحقنا به.
فلما ظهر رسولنا -صلى الله عليه وسلم- آمنت غفار كلها؛ فقال بنو عمهم ((أسلم)) ليس فينا عما رغب فيه بنو عمنا غنىً فأسلموا أيضاً! فقال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: ((غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله)).
الخطبة الثانية:
العمل للدين ليس مؤقتاً بوقت ولا محدداً بزمان ولا مكان؛ فإنما هو وظيفة العمر كله.
فإذا كان الانتماء للدين يستلزم العمل له؛ فالعمل للدين وظيفة العمر.
واستشرف هذا المعنى من سير أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم والتابعين لهم بإحسان.
هذا نوح عليه صلوات الله وسلامه يصف برنامجه للدعوة إلى الله: (إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً) (نوح:9).
ماذا بقي إذن من حياة نبي الله نوح، الليل والنهار، العلن والإسرار، كل ذلك سخر للدعوة للرسالة، ألف سنة إلا خمسين عاماً من الحياة كلها دعوة.
ثم ارحل مع نبي من أنبياء الله ورسله يوسف عليه الصلاة والسلام، الذي ألقي به في غيابة الجب، ثم في غيابة السجن يرسف في قيوده يعاني فيه لوعة الغربة وألم البعاد وقهر الظلم ومضاضة أذى ذوي القربى، يكابد كل ذلك لم يكن لينسى أبداً دعوته وقضيته ورسالته؛ فإذا للتوحيد مدرسة للدعوة تبين لنا الداعية وحسن تأتيه؛ فما أن انتهى صاحباه في السجن من عرض رؤاهما حتى شرع في بيان عقيدته وإيضاح رسالته قبل تأويله ما رأيا.. حشداً للأدلة والبراهين والشواهد على تثبيت عقيدة التوحيد في نفسيهما، بل إن أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وكذا السائرين على إثرهم لا ينسون دعوتهم في أحرج اللحظات، وأشد الساعات وأقسى الكربات كرباً وآلمها ألماً، وأمضها وأوحشها وأوعرها إنها أشد ساعة تمر بالإنسان منذ ولادته إلى مغادرته إنها ساعة الموت .. وهل لحظة أعتى وأقسى منها وهل ساعة أعظم هولاً و:
ستفضي بك الساعات في بعض مرها*** إلى ساعة لا ساعةً لك بعدها
ومع ذلك تبقى جذوة الرسالة، وحمل القضية، وتبليغ الدين والعمل له حية في نفوسهم، حتى وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة فلا تموت وهم يموتون.
هذا نبي الله يعقوب -عليه الصلاة والسلام- يصف الله لنا مشهد وفاته كيف مات؟ من كان عنده؟ ماذا قال؟ بماذا أوصى؟ وهو يغادر هذه الحياة؟
(أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) (البقرة: من الآية133).
ماذا قال لهم. الأموال كيف تجمعونها؟ التركة كيف توزعونها.. الثروات كيف تكدسونها.. الزروع كيف تحرثونها.. لم يكن شيء من ذلك.
ما تعبدون من بعدي؟ هذا هو الهم الذي أهمه.. والأمر الذي أشغله.. وهو الذي رباهم على التوحيد منذ نعومة أظافرهم، وعرف صدقهم وإخلاصهم، ولكن ضخامة الهم في نفسه جعله يتأكد له ويطمئن قلبه عليه..
ويجيء الجواب الذي تقرّ به عينه: (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ....الآية) (البقرة: من الآية133).
ثم انظر إلى حياة وسيرة الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- الذي قضى ثلاثاً وعشرين سنة في جهد وجهاد وصبر ومصابرة، بعد هذا كله مؤدياً الأمانة مبلغاً الرسالة ناصحاً للأمة؛ فإذا به يُصاب بالحمى المستعرة في جسده الطاهر خمسة أيام قبل وفاته، حتى إن زائره ليجد أثرها من على الأغطية التي كانت عليه؛ إن قرب إليه الماء المبردة لتفرغ عليه فما تجدي شيئاً في حماه!
ويقولها ابن مسعود: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في مرضه فمسسته، وهو يوعك وعكاً شديداً، فقلت: إنك لتوعك وعكاً شديداً، وذلك أن لك أجرين؟ قال: ((أجل، وما من مسلم يصيبه أذى، إلا حاطت عنه خطاياه، كما تحاطت ورق الشجر)).
بدن هذا شأنه وجسد من جرّاء هذه الحمى هذا حاله، قد أنهكه المرض، وانهزمت فيه العافية، ولكن هم الدين وهم الدعوة وهم الرسالة والعمل من أجله لا ينهزم في البدن الذي انهزمت فيه العافية، ولا يخبو في الجسد الذي أنهكه المرض؛ فإذا به صلوات ربي وسلامه وبركاته عليه يذكرهم أمته ورسالته ودعوته في آخر أيام حياته؛ خرج إليهم يوم الاثنين اليوم الذي مات في ضحوته؛ وإن شئت فقل في آخر ساعات حياته يخرج يتفقد أمته أين يا ترى؟ في الأسواق؟ كلا. في المجامع العامة والمنتديات؟ كلا. بل تفقدها في المسجد، وهي تصلي آخر فريضة ونبيها حي على الأرض.. يتحامل على جسد هذه قواه وتلك حمّاه، ومع ذلك يخرج لأمته لينظر إليها نظرة وداع وهو يتأمل دينها وأعظم أركانه بعد التوحيد" صلاتها.
رآهم وهم وقوف خلف الصحابي الكريم أبي بكر -رضي الله عنه- رآهم وقوفاً كما علمهم وخشوعاً كما أدبهم؛ فرأى المنظر الذي سُر به قلبه، وابتهجت له عينه.. ووثق على رسالته في أيد أمينة.. وأن أمته ماضية على الصراط الذي رسم لها.. فإذا بالوجه الشاحب من جرّاء المرض يضيء بالبشر والسرور؛ فيتهلل بإشراقة وابتسامة وضيئة ما رأى الصحابة منظراً كان أعجب إليهم منها، قال أنس: ما رأينا منظراً كان أعجب إلينا من وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين نظر إلينا يضحك كأن وجهه ورقة مصحف -صلى الله عليه وسلم-.
إنه الهم للدين والتفاعل معه.
وكاد الصحابة أن يفتتنوا لهذا الموقف؛ فإذا بالصفوف تنشق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليتقدم إلى محرابه الذي غاب عنه خمسة أيام؛ فأشار إليهم أن أتموا صلاتكم، ويرخي ستر حجرته ؛ فكان المشهد الأخير له عليه الصلاة والسلام الذي غادر بعده الحياة.
ولئن كانت هذه الحادثة في آخر ساعات عمره؛ فدونك التي بعدها، وهي آخر أنفاس حياته وثواني عمره؛ فيم أنفقها؟ وبماذا تكلم فيها؟
لقد نزلت به كرب الموت وسكراته حتى إن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ما تمنيت يسر الموت لأحد بعد أن رأيت من حال النبي ما رأيت -صلى الله عليه وسلم- لشدة وقع الموت عليه، كان يدخل يده في قدح الماء القريب منه ويمسح بذلك وجهه الشريف الطاهر وهو يقول: ((لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت)).
لكن هذه السكرات العظام الموجعة لم تكن لتشغل كربها وألمها المصطفى عن رسالته وبلاغ دعوته ونصح أمته؛ فإذا به تحت وطأة هذه السكرات وأهوالها ينفذ النداء للأمة، نداء يخترق حجب التاريخ ومسارب الزمان وترويه إلينا: ((الله.. الله.. الصلاة.. الصلاة.. وما ملكت أيمانكم)) حتى حشرج بها صدره!
فالعمل للدين في حسهم مسئولية العلماء في رئاسة الإفتاء، والهيئات ومجموعة من الدعاة، وما يلحق ذلك من مؤسسات دعوية وجمعيات خيرية.
أما أنت فمصدر للتلقي يكفيك أن تصلي الصلوات الخمس، وتزكي وتصوم رمضان، وتحج البيت في العمر مرة واحدة.
هكذا يرجف الشيطان على فئام من الناس، ثم لا يلبث الشيطان كذلك أن يثبطهم ويعوقهم عن العمل للدين بتذكيرهم؛ فيقول لأحدهم: أتذكر يوم كذا وكذا فجرتك.. ويوم كذا غدرتك. وفي ليلة كذا معصيتك، والنتيجة أنت لست مؤهلاً ولا تصلح للدعوة لدينك، فلا يزال به الشيطان يلقي عليه قصيدة في هجائه وذم نفسه حتى يخرجه من حمل الهم أو بعضه للعمل للدين.
أيها الأخ المبارك:
إن العمل للدين ليس مصنفاً إلى شرائح ومجموعات؛ فكل مسلم بانتمائه للإسلام عامل للدين مهما كان عليه من ذنوب، ومهما اقترف من آثام، ومهما اعتوره من تقصير؛ فينبغي ألا تضيف إلى أخطائك خطأ آخر، وهو القعود عن العمل للدين، أو قل على أقل تقدير نصرة من نصر الدين، والذب عنهم والدعم لهم، وتكثير سوادهم؛ فلعل ذلك أن يطفئ حرارة الذنوب، وتكاثر السيئات، ولربما كان العمل لدينك سبباً في توبتي وتوبتك.
وختاماً:
تذكر أخي أن همك الذي يدفعك للعمل لدينك.. من تمامه وحسن أدائه.. اتخاذ الخطوات المشروعة في أي عمل تعزم عليه؛ فالعلاقة بالعلماء، والدعاة العاملين، وائمة المساجد وأصحاب الهم من حكماء وكبار مجتمعاتنا المسلمة يرشد العمل ويحقق أهدافه المرجوة.
ويحميك -بإذن الله- من الوقوع فيما يعود بنتائج عكسية لما كنت ترجوه.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 75.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 73.74 كيلو بايت... تم توفير 1.83 كيلو بايت...بمعدل (2.43%)]